المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بابما جاء في غزوة الهند - إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة - جـ ١

[حمود بن عبد الله التويجري]

الفصل: ‌بابما جاء في غزوة الهند

‌باب

ما جاء في غزوة الهند

عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: «وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الهند، فإن أدركتها أنفق نفسي ومالي، فإن أقتل كنت من أفضل الشهداء، وإن أرجع فأنا أبو هريرة المحرر» .

رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم.

وفي رواية لأحمد: قال: حدثني خليلي الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند»

، وذكر بقيته بنحوه، وزاد: قد أعتقني من النار.

وهذه الزيادة تبين معنى قوله: "المحرر".

وعن ثوبان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام» .

رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والطبراني.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الهند -: «يغزو الهند منكم جيش؛ يفتح الله عليهم حتى يأتوا بملوكهم مغللين بالسلاسل، يغفر الله ذنوبهم، فينصرفون حين ينصرفون، فيجدون ابن مريم بالشام» .

رواه نعيم بن حماد في "الفتن".

قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "وقد غزى المسلمون الهند في أيام

ص: 365

معاوية سنة أربع وأربعين، وكانت هنالك أمور، وقد غزا الملك الكبير الجليل محمود بن سبكتكين صاحب غزنة في حدود أربعمائة بلاد الهند، فدخل فيها وقتل أسر وسبى وغنم ودخل السومنات وكسر البد الأعظم الذي يعبدونه واستلب شنوفه وقلائده، ثم رجع سالما مؤيدا منصورا ". انتهى.

قلت: وقد استوفى أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجزري أخبار غزو السلطان محمود للهند في كتابه "الكامل في التاريخ"؛ فلتراجع هناك.

وما ذكر في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه نعيم بن حماد من غزو الهند؛ فهو لم يقع إلى الآن، وسيقع عند نزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام إن صح الحديث بذلك. والله أعلم.

باب

ما جاء في قتال الترك وخوز وكرمان

عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذلف الآنف، كأن وجوههم المجان المطرقة» .

رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا النسائي، وهذا لفظ أبي داود. وقال الترمذي:"وهذا حديث حسن صحيح". قال: "وفي الباب عن أبي بكر الصديق وبريدة وأبي سعيد وعمرو بن تغلب ومعاوية رضي الله عنهم".

ص: 366

قلت: أما حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فسيأتي مع الأحاديث في شيعة الدجال وأتباعه، وأحاديث الباقين تأتي في هذا الباب إن شاء الله تعالى.

قال ابن الأثير: " (الذلف) ؛ بالتحريك: قصر الأنف وانبطاحه، وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته، و (الذلف) ؛ بسكون اللام: جمع أذلف؛ كأحمر وحمر". وقال الخطابي: "يقال: أنف أذلف: إذا كان فيه غلظ وانبطاح. و (المجان) : جمع المجن، وهو الترس. و (المطرقة) : التي قد عليت بطارق، وهو الجلد الذي يغشاه. وشبه وجوههم في عرضها ونتوء وجناتها بالترس قد ألبست الأطرقة". وقال ابن الأثير: " " كأن وجوههم المجان المطرقة "؛ أي: التراس التي ألبست العقب شيئا فوق شيء، ومنه: طارق النعل؛ إذا صيرها طاقا فوق طاق، وركب بعضها فوق بعض". انتهى.

وعن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك: صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة» .

رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه، وهذا لفظ البخاري.

وعن سهيل (وهو ابن أبي صالح) عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك؛ قومًا وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر» .

رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وهذا لفظ مسلم.

وعن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم: حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر» .

ص: 367

رواه: الإمام أحمد، والبخاري، وهذا لفظه.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": " (خوز) ؛ بضم الخاء المعجمة وسكون الواو بعدها زاي: قوم من العجم. و (كرمان) ؛ بكسر الكاف على المشهور - ويقال: بفتحها - والراء ساكنة على كل حال. وتقدم في الرواية التي قبلها: "تقاتلون الترك"، واستشكل؛ لأن خوزا وكرمان ليسا من بلاد الترك: أما خوز فمن بلاد الأهواز، وهي من عراق العجم، وقيل: الخوز صنف من الأعاجم. وأما كرمان فبلدة مشهورة من بلاد العجم أيضا، بين خراسان وبحر الهند، ويمكن أن يجاب بأن هذا الحديث غير حديث قتال الترك، ويجتمع منهما الإنذار بخروج الطائفتين".

قلت: وسيأتي في أحاديث الدجال أنه ينزل خوز وكرمان في سبعين ألفا وجوههم كالمجان المطرقة، رواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وعلى هذا فلعل المراد بما في حديث همام أعوان الدجال، ووقع الإنذار بهم وبالترك لشدة بأس كل من الطائفتين. والله أعلم.

وعن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقاتلون بين يدي الساعة قومًا نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين» .

رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ مسلم.

وفي رواية أحمد: أنه قال: «قريب بين يدي الساعة تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وتقاتلون قومًا صغار الأعين، حمر الوجوه، كأنها المجان المطرقة» .

ولفظ البخاري: قال: «سمعته يقول (وقال هكذا بيده) : "بين يدي الساعة تقاتلون قومًا نعالهم الشعر" وهو هذا البارز» . وقال سفيان مرة: «وهم أهل البازر» .

ص: 368

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وقع ضبط الأولى بفتح الراء بعدها زاي، وفي الثانية بتقديم الزاي على الراء، والمعروف الأول، ووقع عند ابن السكن وعبدوس بكسر الزاي وتقديمها على الراء، وبه جزم الأصيلي وابن السكن، ومنهم من ضبطه بكسر الراء. قال القابسي: معناه البارزين لقتال أهل الإسلام؛ أي: الظاهرين في براز من الأرض. ويقال: معناه القوم الذين يقاتلون، تقول العرب: هذا البارز: إذا أشارت إلى شيء ضار. وقال ابن كثير: قول سفيان المشهور في الرواية من تقديم الراء على الزاي، وعكسه تصحيف، كأنه اشتبه على الراوي، من البارز، وهو السوق بلغتهم. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق مروان بن معاوية وغيره عن إسماعيل، وقال فيه أيضا: وهم هذا البارز.

وأخرجه أبو نعيم من طريق إبراهيم بن بشار عن سفيان، وقال في آخره: قال أبو هريرة رضي الله عنه: وهم هذا البارز؛ يعني: الأكراد. وقال غيره: البارز: الديلم؛ لأن كلا منهما يسكنون في براز من الأرض أو الجبال وهي بارزة عن وجه الأرض. وقيل: هي أرض فارس؛ لأن منهم من يجعل الباء موحدة والزاي سينا.

وقيل غير ذلك. وقيل: البارز ناحية قريبة من كرمان، بها جبال، فيها أكراد، فكأنهم سموا باسم بلادهم". قال:"وقد ظهر مصداق هذا الخبر". انتهى المقصود من كلامه ملخصا.

وعن الحسن؛ قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا ينتعلون الشعر، وحتى تقاتلوا قومًا عراض الوجوه، خنس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة» .

رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين، ثم روى بالإسناد نفسه عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.

وعن عمرو بن تغلب رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من»

ص: 369

«أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا ينتعلون نعال الشعر، وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة» .

رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والبخاري، وابن ماجه.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "هذا والحديث الذي بعده - يعني حديث الأعرج عن أبي هريرة وحديث ابن المسيب عن أبي هريرة - ظاهر في أن الذين ينتعلون الشعر غير الترك، وقد وقع للإسماعيلي من طريق محمد بن عباد؛ قال: بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر".

قال ابن حجر: " (بابك) ؛ بموحدتين مفتوحتين وآخره كاف، يقال له: الخرمي؛ بضم المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وكان من طائفة من الزنادقة استباحوا المحرمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد العجم؛ كطبرستان والري، إلى أن قتل بابك المذكور في أيام المعتصم، وكان خروجه في سنة إحدى ومئتين أو قبلها، وقتله في سنة اثنتين وعشرين؛ يعني بعد المئتين ". انتهى.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغارا الأعين، عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد، وكأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، ويتخذون الدرق، حتى يربطوا خيولهم بالنخل» .

رواه: الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، وإسناد أحمد صحيح على شرط مسلم، وإسناد ابن ماجه جيد أيضا.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

رواه البزار.

ص: 370

وعن عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه مرفوعا: «يوشك خيل الترك مخرمة الآذان أن تربط بسعف نخل نجد» .

رواه ابن قانع، وذكره صاحب "كنز العمال".

وقد ظهر مصداق هذا الحديث في أثناء القرن الثاني عشر من الهجرة، حين جاء الترك وأعوانهم من المفسدين في الأرض، فعاثوا في بلاد نجد بالقتل والتخريب والإفساد.

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه؛ قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه، صغار الأعين، كأن وجوههم الحجف (ثلاث مرار) ، حتى يلحقوهم بجزيرة العرب: أما السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة؛ فيصطلمون كلهم من بقي منهم ". قالوا: يا نبي الله من هم؟ قال: "الترك". قال: "أما والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين". قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر والأسقية بعد ذلك؛ للهرب مما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم من البلاء من أمراء الترك» . رواه الإمام أحمد وإسناده صحيح على شرط مسلم.

وقد رواه: أبو داود، والبزار، والحاكم مختصرا، ولفظ الحاكم: قال: «يجيء قوم صغار العيون، عراض الوجوه، كأن وجوههم الحجف، فيلحقون أهل الإسلام بمنابت الشيح، كأني أنظر إليهم وقد ربطوا خيولهم بسواري المسجد. فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! من هم؟ قال: "الترك» .

قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

ص: 371

(الحجف) : جمع حجفة، وهي الترس.

(الاصطلام) : الاستئصال: قال أبو داود: "وهو القطع المستأصل". وقال الخطابي: "أصله من الصلم، وهو القطع". وقال ابن الأثير: "الاصطلام: استئصال الشيء وأخذه جملة".

وعن معاوية بن حديج رضي الله عنه؛ قال: «كنت عند معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما حين جاءه كتاب من عامله يخبره أنه أوقع بالترك وهزمهم وكثرة من قتل منهم وكثرة ما غنم، فغضب معاوية من ذلك، ثم أمر أن يكتب إليه: قد فهمت ما ذكرت مما قتلت وغنمت؛ فلا أعلمن ما عدت لشيء من ذلك، ولا قاتلتهم؛ حتى يأتيك أمري. قلت له: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لتظهرن الترك على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم فأنا أكره قتالهم لذلك» .

رواه أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفهم".

قلت: وحديث بريدة يشهد له ويقويه.

وأيضا فقد ظهر مصداقه، وشهد له الواقع بالصحة، وذلك حين ظهرت التتار على المسلمين، وألحقوا العرب بمنابت الشيح والقيصوم من جزيرة العرب.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: "يوشك أن لا تأخذوا من الكوفة نقدا ولا درهما". قيل: وكيف؟ قال: "يجيء قوم كأن وجوههم المجان المطرقة، حتى يربطوا خيولهم على السواد، فيجلوكم إلى منابت الشيح، حتى إن البعير والزاد أحب إلى أحدكم من القصر من قصوركم هذه".

رواه ابن أبي شيبة.

ص: 372

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: "تضاف العرب إلى منازلها الأولى، حتى يكون خير مالها الشاة والبعير".

رواه عبد الرزاق في "مصنفه"، وإسناده صحيح على شرط مسلم.

وعن أبي بكرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتنزلن طائفة من أمتي أرضًا يقال لها البصرة، يكثر بها عددهم، ويكثر بها نخلهم، ثم يجيء بنو قنطوراء: عراض الوجوه، صغار العيون، حتى ينزلوا على جسر لهم، يقال له: دجلة، فيتفرق المسلمون ثلاث فرق: فأما فرقة فتأخذ بأذناب الإبل وتلحق بالبادية وهلكت، وأما فرقة فتأخذ على أنفسها، فكفرت؛ فهذه وتلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالهم خلف ظهورهم ويقاتلون؛ فقتلاهم شهداء، ويفتح الله على بقيتهم» .

رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأبو داود السجستاني، وابن حبان في "صحيحه".

قال العوام بن حوشب أحد رواته: "بنو قنطوراء هم الترك". ذكره الإمام أحمد في روايته.

«وعن إبراهيم بن صالح بن درهم؛ قال: سمعت أبي يقول: انطلقنا حاجين؛ فإذا رجل، فقال لنا: إلى جنبكم قرية يقال لها: الأبلة؟ قلنا: نعم. قال: من يضمن لي منكم أن يصلي في مسجد العشار ركعتين أو أربعا، ويقول: هذه لأبي هريرة؟ سمعت خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يبعث من مسجد العشار يوم القيامة شهداء، لا يقوم مع شهداء بدر غيرهم» .

رواه أبو داود، وقال:"هذا المسجد بباب النهر".

قال ابن الأثير: " (الأبلة) ؛ بضم الهمزة والباء وتشديد اللام: البلد

ص: 373

المعروف قرب البصرة من جانبها البحري، قيل: هو اسم نبطي". انتهى.

وعن عقبة بن عمرو بن أوس السدوسي؛ قال: "أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وعليه بردان قطريان وعليه عمامة وليس عليه سربال (يعني: القميص) ، فقلنا له: إنك قد رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورويت الكتب. فقال: ممن أنتم؟ قال: فقلنا: من أهل العراق. فقال: إنكم يا أهل العراق تكذبون وتكذبون وتسخرون. قال: فقلت: لا والله لا نكذبك ولا نكذب عليك ولا نسخر منك. قال: فإن بني قنطوراء بن كركر لا يخرجون حتى يربطوا خيولهم بنخل الأبلة، كم بينها وبين البصرة؟ قال: فقلنا: أربع فراسخ. قال: فيبعثون أن خلوا بيننا وبينها. قال: فيلحق ثلث بهم وثلث بالكوفة وثلث بالأعراب. ثم يبعثون إلى أهل الكوفة أن خلوا بيننا وبينها، فيلحق ثلث بهم وثلث بالأعراب وثلث بالشام. قال: فقلنا: ما أمارة ذلك؟ قال: إذا طبقت الأرض إمارة الصبيان ".

رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ قال: "يوشك بنو قنطوراء بن كركر أن يخرجوا أهل العراق من أرضهم. قلت: ثم يعودون؟ قال: إنك لتشتهي ذلك؟ قال: ويكون لهم سلوة من عيش".

رواه الحاكم في "مستدركه".

وقد رواه عبد الرزاق في "مصنفه" والحاكم من طريقه، ولفظه: "قال عبد الله بن عمرو: أوشك بنو قنطوراء أن يخرجوكم من أرض العراق. قال: قلت: ثم يعودون؟ قال: وذاك أحب إليك؟ ثم يعودون ويكون لهم بها سلوة من

ص: 374

عيش".

قال الحاكم:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

قال الحاكم: "وبنو قنطوراء هم الترك". وكذا قال الخطابي وابن منظور في "لسان العرب". وقد تقدم قول العوام بن حوشب في ذلك. قال الخطابي: "يقال: إن قنطوراء اسم جارية كانت لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، ولدت له أولادا جاء من نسلهم الترك". وكذا قال ابن الأثير، وابن منظور، وزادا:"أن الصين من نسلها أيضا". قال ابن منظور: "وقيل: بنو قنطوراء هم السودان".

وقال صاحب "القاموس": "بنو قنطوراء هم الترك، أو السودان، أو هي جارية لإبراهيم من نسلها الترك". انتهى.

والقول الأول هو المشهور، ويدل له حديث بريدة وحديث معاوية، وقد تقدم ذكرهما قريبا، ويدل له أيضا حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وسيأتي في آخر الباب، وحديثه الآخر وسيأتي في الباب بعد هذا. والله أعلم.

وقال ابن حجر في "فتح الباري": "اختلف في أصل الترك: فقال الخطابي: هم بنو قنطوراء، أمة كانت لإبراهيم عليه السلام. وقال كراع: هم الديلم. وتعقب بأنهم جنس من الترك، وكذلك الغز. وقال أبو عمر: هم من أولاد يافث، وهم أجناس كثيرة. وقال وهب بن منبه: هم بنو يأجوج ومأجوج، لما بنى ذو القرنين السد كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين؛ فتركوا لم يدخلوا مع قومهم؛ فسموا الترك، وقيل: إنهم من نسل تبع، وقيل: من ولد أفريدون بن سام بن نوح. وقيل: ابن يافث لصلبه. وقيل: ابن كومي بن يافث ". انتهى.

والمشهور ما قاله أبو عمر ووهب بن منبه، والله أعلم.

ص: 375

قال سعيد بن المسيب: "ولد نوح عليه الصلاة والسلام ثلاثة: سام وحام ويافث: فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج".

رواه الحاكم في "مستدركه".

وقد رواه البزار في "مسنده" من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد لنوح سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس والروم، والخير فيهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة، ولا خير فيهم، وولد لحام القبط والبربر والسودان» .

في إسناده محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، وكلاهما ضعيف.

قال ابن كثير: "والمحفوظ عن سعيد من قوله، وهكذا روي عن وهب بن منبه مثله ". انتهى.

وعن عبد الله بن بريدة الأسلمي: "أن سلمان بن ربيعة العنزي حدثه: أنه حج مرة في إمرة معاوية ومعه المنتصر بن الحارث الضبي في عصابة من قراء أهل البصرة. قال: فلما قضوا نسكهم قالوا: والله لا نرجع إلى البصرة حتى نلقى رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مرضيا يحدثنا بحديث يستظرف نحدث به أصحابنا إذا رجعنا إليهم. قال: فلم نزل نسأل حتى حدثنا أن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما نازل بأسفل مكة فعمدنا إليه؛ فإذا نحن بثقل عظيم يرتحلون ثلاثمائة راحلة، منها مائة راحلة ومئتا زاملة، فقلنا: لمن هذا الثقل؟ قالوا: لعبد الله بن عمرو، فقلنا: أكل هذا له وكنا نحدث أنه من أشد الناس تواضعا؟ ! قال: فقالوا: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق. قال: فقالوا: العيب منكم حق يا أهل العراق، أما هذه المائة راحلة؛ فلإخوانه يحملهم عليها، وأما المئتا زاملة؛ فلمن نزل عليه من الناس. قال: فقلنا: دلونا عليه. فقالوا: إنه

ص: 376

في المسجد الحرام. قال: فانطلقنا نطلبه، حتى وجدناه في دبر الكعبة جالسا؛ فإذا هو قصير، أرمص، أصلع، بين بردين وعمامة، ليس عليه قميص، قد علق نعليه في شماله. فقلنا: يا عبد الله! إنك رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فحدثنا حديثا ينفعنا الله تعالى به بعد اليوم. قال: فقال لنا: ومن أنتم؟ قال: فقلنا له: لا تسأل من نحن؛ حدثنا غفر الله لك. قال: فقال: ما أنا بمحدثكم شيئا حتى تخبروني من أنتم؟ قلنا: وددنا أنك لم تنقدنا، وأعفيتنا، وحدثتنا بعض الذي نسألك عنه. قال: فقال: والله لا أحدثكم حتى تخبروني من أي الأمصار أنتم؟ قال: فلما رأيناه حلف ولج؛ قلنا: فإنا ناس من العراق. قال: فقال: أف لكم كلكم يا أهل العراق؛ إنكم تكذبون وتكذبون وتسخرون. قال: فلما بلغ إلى السخرى وجدنا من ذلك وجدا شديدا. قال: فقلنا: معاذ الله أن نسخر من مثلك! أما قولك الكذب؛ فوالله لقد فشا في الناس الكذب وفينا. وأما التكذيب؛ فوالله إنا لنسمع الحديث لم نسمع به من أحد نثق به؛ فإذا نكاد نكذب به. وأما قولك السخرى؛ فإن أحدا لا يسخر بمثلك من المسلمين، فوالله إنك اليوم لسيد المسلمين فيما نعلم نحن؛ إنك من المهاجرين الأولين، ولقد بلغنا أنك قرأت القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن في الأرض قرشي أبر بوالديه منك، وأنك كنت أحسن الناس عينا فأفسد عينيك البكاء، ثم لقد قرأت الكتب كلها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما أحد أفضل منك علما في أنفسنا، وما نعلم بقي من العرب رجل كان يرغب عن فقهاء أهل مصره حتى يدخل إلى مصر آخر يبتغي العلم عند رجل من العرب غيرك؛ فحدثنا غفر الله لك. فقال: ما أنا بمحدثكم حتى تعطوني موثقا أن لا تكذبوني، ولا تكذبون علي، ولا تسخرون. قال: فقلنا: خذ علينا ما شئت من مواثيق. فقال: عليكم عهد الله ومواثيقه أن لا تكذبوني ولا تكذبون علي ولا تسخرون لما أحدثكم. قال: فقلنا له: علينا ذاك. قال: فقال: إن الله تعالى عليكم كفيل ووكيل؟ فقلنا: نعم.

ص: 377

فقال: اللهم اشهد عليهم. ثم قال عند ذاك: أما ورب هذا المسجد والبلد الحرام واليوم الحرام والشهر الحرام، ولقد استسمنت اليمين، أليس هكذا؟ قلنا: نعم قد اجتهدت. قال: ليوشكن بنو قنطوراء بن كركرى: خنس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة في كتاب الله المنزل: أن يسوقوكم من خراسان وسجستان سياقا عنيفا، قوم يوفون اللمم، وينتعلون الشعر، ويحتجزون السيوف على أوساطهم، حتى ينزلوا الأبلة. ثم قال: وكم الأبلة من البصرة؟ قلنا: أربع فراسخ. قال: ثم يعقدون بكل نخلة من نخل دجلة رأس فرس، ثم يرسلون إلى أهل البصرة أن اخرجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل البصرة من البصرة؛ فيلحق لاحق ببيت المقدس، ويلحق آخرون بالمدينة، ويلحق آخرون بمكة، ويلحق آخرون بالأعراب. قال: فينزلون بالبصرة سنة، ثم يرسلون إلى أهل الكوفة أن اخرجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل الكوفة منها، فيلحق لاحق ببيت المقدس، ولاحق بالمدينة، وآخرون بمكة، وآخرون بالأعراب؛ فلا يبقى أحد من المصلين إلا قتيلا أو أسيرا يحكمون في دمه ما شاؤوا. قال: فانصرفنا عنه وقد ساءنا الذي حدثنا، فمشينا من عنده غير بعيد، ثم انصرف المنتصر بن الحارث الضبي، فقال: يا عبد الله بن عمرو قد حدثتنا فطعنتنا؛ فإنا لا ندري من يدركه منا؛ فحدثنا هل بين يدي ذلك علامة؟ فقال عبد الله بن عمرو: لا تعدم عقلك؛ نعم بين يدي ذلك أمارة. قال المنتصر بن الحارث: وما الأمارة؟ قال: الأمارة العلامة. قال: وما تلك العلامة؟ قال: هي إمارة الصبيان، فإذا رأيت إمارة الصبيان قد طبقت الأرض اعلم أن أن الذي أحدثك قد جاء. قال: فانصرف عنه المنتصر، فمشى قريبا من غلوة ثم رجع إليه. قال: فقلنا له: علام تؤذي هذا الشيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: والله لا أنتهي حتى يبين لي، فلما رجع إليه بينه".

رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم

ص: 378

يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

وعن أبي الأسود الديلي؛ قال: «انطلقت أنا وزرعة بن ضمرة الأشعري إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلقينا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، فقال: يوشك أن لا يبقى في أرض العجم من العرب إلا قتيل أو أسير يحكم في دمه. فقال زرعة: أيظهر المشركون على أهل الإسلام؟ فقال: ممن أنت؟ قال: من بني عامر بن صعصعة. فقال: لا تقوم الساعة حتى تدافع نساء بني عامر على ذي الخلصة (وثن كان يسمى في الجاهلية) . قال: فذكرنا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، فقال عمر رضي الله عنه (ثلاث مرار) : عبد الله بن عمرو أعلم بما يقول. فخطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين حتى يأتي أمر الله. قال: فذكرنا قول عمر لعبد الله بن عمرو. فقال: صدق نبي الله صلى الله عليه وسلم، إذا كان ذلك كان الذي قلت» .

رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه":"على شرط البخاري ومسلم ". وقد رواه أبو يعلى عن شيخه أبي سعيد. قال الهيثمي: "فإن كان هو مولى بني هاشم فرجاله رجال الصحيح".

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه قال: "يأتيكم قوم من قبل المشرق: عراض الوجوه، صغار العيون، كأنما نبتت أعينهم في الصخر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حتى يربطوا خيولهم بشط الفرات".

رواه ابن أبي شيبة.

وعن ابن سيرين: أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كأني بالترك قد أتتكم على براذين مجذمة الآذان حتى تربطها بشط الفرات".

ص: 379

رواه عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين. ورواه الحاكم في "مستدركه" من طريق عبد الرزاق ولم يتكلم عليه، وقال الذهبي في "تلخيصه":"على شرط البخاري ومسلم ". ورواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح إن كان ابن سيرين سمع من ابن مسعود رضي الله عنه ".

وعن حذيفة رضي الله عنه؛ قال: "كأني بهم مشرقي آذان خيلهم رابطيها بحافتي الفرات".

رواه ابن أبي شيبة.

وعن يزيد بن معاوية العامري: أنه سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: "كيف أنتم إذا رأيتم قوما (أو: أتاكم قوم) فطح الوجوه؟ ! ".

رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".

قوله: "فطح الوجوه"؛ يعني: عراض الوجوه، وقد جاء ذلك صريحا فيما تقدم عن أبي هريرة وعمرو بن تغلب وأبي سعيد وبريدة وأبي بكرة والحسن رضي الله عنهم. قال ابن منظور في "لسان العرب":"الفطح: عرض في وسط الرأس والأرنبة حتى تلتزق بالوجه، كالثور الأفطح". انتهى.

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يملأ الله عز وجل أيديكم من العجم، ثم يكونون أسدًا لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم، ويأكلون فيأكم» .

رواه: الإمام أحمد بأسانيد صحيحة، والبزار، والطبراني، والحاكم، وقال:"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".

وعن أنس وعبد الله بن عمرو وحذيفة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم

ص: 380

نحوه، وفي أسانيدها ضعف.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكثر فيكم من العجم أسد لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم، ويأكلون فيأكم» .

رواه الطبراني. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح".

باب

النهي عن تهييج الترك والحبشة

عن أبي سكينة (رجل من المحررين) عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم» .

رواه: أبو داود، والنسائي.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» .

رواه: أبو داود، والحاكم، وقال:"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف؛ قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اتركوا الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» . رواه: الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح؛ غير موسى بن جبير، وهو ثقة.

وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اتركوا الترك ما تركوكم» .

ص: 381

رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات".

وعن عمر رضي الله عنه: أنه قال: «اتركوا هذه الفطح الوجوه ما تركوكم، فوالله لوددت أن بيننا وبينهم بحرًا لا يطاق» .

رواه ابن أبي شيبة.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتركوا الترك ما تركوكم؛ فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء» .

رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه عثمان بن يحيى القرقساني، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".

وقد وقع مصداق هذا الحديث والأحاديث المذكورة في الباب قبله.

قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وقد كان مشهورا في زمن الصحابة رضي الله عنهم حديث: «اتركوا الترك ما تركوكم» ، فروى الطبراني من حديث معاوية رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله.

وقاتل المسلمون الترك في خلافة بني أمية، وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدودا، إلى أن فتح ذلك شيئا بعد شيء، وكثر السبي منهم، وتنافس الملوك فيهم؛ لما فيهم من الشدة والبأس، حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثم غلب الأتراك على الملك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده واحدا بعد واحد، إلى أن خالط المملكة الديلم، ثم كان ملوك السامانية من الترك أيضا، فملكوا بلاد العجم، ثم غلب على تلك الممالك آل سبكتكين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثم كان بقايا أتباعهم بالشام، وهم آل زنكي، وأتباع هؤلاء، وهم بيت أيوب، واستكثر هؤلاء أيضا من الترك، فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية، وخرج على آل سلجوق في

ص: 382

المائة الخامسة الغز، فخربوا البلاد، وفتكوا في العباد، ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتر، فكان خروج جنكز خان بعد الستمائة، فأسعرت بهم الدنيا نارا، خصوصا المشرق بأسره، حتى لم يبق بلد منه إلا دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد وقتل الخليفة المستعصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ست وخمسين وستمائة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون، على أن كان آخرهم اللنك، ومعناه: الأعرج، واسمه تمر؛ بفتح المثناة وضم الميم وربما أشبعت، فطرق الديار الشامية، وعاث فيها، وحرق دمشق حتى صارت خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته، إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه البلاد.

وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: «إن بني قنطوراء أول من يسلب أمتي ملكهم» ، وهو حديث أخرجه الطبراني من حديث معاوية، وكأنه يريد بقوله:"أمتي": أمة النسب لا أمة الدعوة؛ يعني: العرب. والله أعلم ". انتهى.

باب

ما جاء في تداعي الأمم على المسلمين

عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها. قال: قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: "أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن". قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: "حب الحياة وكراهية الموت» .

رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والبيهقي في "دلائل النبوة"، وهذا لفظ أحمد، وإسناده حسن.

ص: 383

(الغثاء) : الزبد، وما ارتفع على الماء مما لا ينتفع به. قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، ونقله عنه البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه". وقال الراغب الأصفهاني:"يضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتد به".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لثوبان: كيف أنت يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم كتداعيكم على قصعة الطعام تصيبون منه؟ قال ثوبان: بأبي وأمي يا رسول الله أمن قلة بنا؟ قال: "لا؛ أنتم يومئذ كثير، ولكن يلقى في قلوبكم الوهن". قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حبكم الدنيا، وكراهيتكم القتال» .

رواه: الإمام أحمد، والطبراني في "الأوسط" بنحوه. قال الهيثمي:"وإسناد أحمد جيد".

باب

ما جاء في حصر المسلمين بالمدينة

عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك المسلمون أن يحصروا بالمدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح» .

رواه: أبو داود، والطبراني في "الصغير"، والحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

قال الزهري: " و (سلاح) : قريب من خيبر".

رواه أبو داود.

وعن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يوشك أن»

ص: 384

«يكون أقصى مسالح المسلمين سلاح» ، وسلاح: من خيبر.

رواه الطبراني في "الصغير".

وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث الزهري عن سالم: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: "يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين سلاح"، وسلاح: قريب من خيبر.

وعن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يرجع الناس إلى المدينة، حتى تصير مسالحهم بسلاح» .

رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر".

وهذا الحصر لم يقع إلى الآن، وكذلك الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية ورومية وقتل اليهود؛ فكل ذلك لم يقع إلى الآن. والله المستعان، وعليه التكلان.

باب

ارتفاع الفتن عند وقوع الملاحم

عن عوف بن مالك رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين: سيفًا منها، وسيفًا من عدوها» .

رواه: الإمام أحمد، وأبو داود؛ بأسانيد جيدة، وفيها إسماعيل بن عياش، وفيه مقال، وقد وثقه أحمد وابن معين ودحيم والفلاس والبخاري والفسوي وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في أهل الحجار، وهذا من روايته عن الشاميين؛ فالحديث لذلك صحيح. والله أعلم.

ص: 385