المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بابما جاء في ذكر الفتن الكبار - إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة - جـ ١

[حمود بن عبد الله التويجري]

الفصل: ‌بابما جاء في ذكر الفتن الكبار

‌باب

ما جاء في ذكر الفتن الكبار

وقد تقدمت الإشارة إليها في كثير من الأحاديث التي تقدم ذكرها.

وعن أبي الغادية المزني رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون بعدي فتن غلاظ شداد، خير الناس فيها مسلمو أهل البوادي، الذين لا يتندون من دماء المسلمين ولا أموالهم شيئًا» .

رواه الطبراني في "الأوسط" و "الكبير". قال الهيثمي: "وفيه حيان بن حجر، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".

وعن أبي إدريس الخولاني؛ قال: سمعت حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما يقول: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلي في ذلك شيئا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعد الفتن:«منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهن فتن كرياح الصيف؛ منها صغار، ومنها كبار» . قال حذيفة رضي الله عنه: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري.

رواه: الإمام أحمد، ومسلم.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «يكون في هذه الأمة أربع فتن، في آخرها الفناء» .

رواه: ابن أبي شيبة، وأبو داود.

وعن حذيفة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يكون في أمتي أربع فتن، وفي الرابعة الفناء» .

ص: 52

رواه نعيم بن حماد في "الفتن".

«وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ قال: كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الفتن، فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله! وما فتنة الأحلاس؟ قال: هي هرب وحرب. ثم فتنة السراء؛ دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي، يزعم أنه مني وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع. ثم فتنة الدهيماء؛ لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل انقضت؛ تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم؛ فانتظروا الدجال من يومه أو غده» .

رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في "مستدركه"، وأبو نعيم في "الحلية"، وقال الحاكم:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

(الأحلاس) : جمع حلس؛ بكسر الحاء وسكون اللام.

قال ابن الأثير: "وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبهها به للزومها ودوامها".

وقال الخطابي: "إنما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس؛ لدوامها وطول لبثها؛ يقال للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه: هو حلس بيته؛ لأن الحلس يفترش فيبقى على المكان ما دام لا يرفع، وقد يحتمل أن تكون هذه الفتنة إنما شبهت بالأحلاس لسواد لونها وظلمتها".

قوله: "هي هرب وحرب".

ص: 53

قال ابن الأثير: "الحرب بالتحريك: نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له".

وقال الخطابي: "الحرب: ذهاب المال والأهل، يقال: حرب الرجل فهو حريب: إذا سلب أهله وماله".

قوله: ثم فتنة السراء.

قال القاري: "المراد بالسراء: النعماء التي تسر الناس من الصحة والرخاء والعافية من البلاء والوباء، وأضيفت إلى السراء؛ لأن السبب في وقوعها ارتكاب المعاصي بسبب كثرة التنعم، أو لأنها تسر العدو".

قوله: دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي.

قال ابن الأثير: "يعني: ظهورها وإثارتها، شبهها بالدخان المرتفع، والدخن بالتحريك: مصدر دخنت النار تدخن، إذا ألقي عليها حطب رطب فكثر دخانها ".

وقال الخطابي: " (الدخن) : الدخان؛ يريد أنها تثور كالدخان من تحت قدميه".

قلت: وهذه الفتنة تنطبق على ما وقع بين أهل نجد وبين الأتراك والمصريين من الحروب العظيمة في القرن الثالث عشر من الهجرة، وقد كانت هذه الفتنة من أعظم الفتن التي وقعت في هذه الأمة، وقد وهى الإسلام بسببها وانطمست أعلامه، حتى رد الله الكرة لأهل نجد بعد ذلك، فعاد الإسلام عزيزا، ولله الحمد والمنة.

وقد يكون المراد بفتنة السراء غيرها مما وقع في هذه الأمة أو ما سيقع فيما بعد، والله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم.

ص: 54

قوله: «ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع» :

قال ابن الأثير: "أي: يصطلحون على أمر واه؛ لا نظام له ولا استقامة؛ لأن الورك لا يستقيم على الضلع، ولا يتركب عليه؛ لاختلاف ما بينهما وبعده".

وقال الخطابي: "قوله: كورك على ضلع: مثل، ومعناه: الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم، وذلك أن الضلع لا يقوم بالورك ولا يحمله؛ يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك ولا مستقل به".

قوله: ثم فتنة الدهيماء.

قال الخطابي: " (الدهيماء) : تصغير الدهماء، وصغرها على مذهب المذمة لها".

وذكر ابن منظور في "لسان العرب" عن أبي عبيدة أنه قال: "قوله: الدهيماء: نراه أراد الدهماء فصغرها. قال شمر: أراد بـ (الدهماء) : الفتنة السوداء المظلمة، والتصغير فيها للتعظيم".

وكذا قال ابن الأثير في "النهاية": "إن الدهيماء تصغير الدهماء؛ يريد الفتنة المظلمة، والتصغير فيها للتعظيم".

وقيل: أراد بالدهيماء الداهية، ومن أسمائها: الدهيم، زعموا أن الدهيم اسم ناقة كان غزا عليها سبعة إخوة فقتلوا عن آخرهم وحملوا عليها حتى رجعت بهم فصارت مثلا في كل داهية.

ونقل ابن منظور في "لسان العرب" عن شمر؛ قال: "سمعت ابن الأعرابي يروي عن ابن المفضل أن هؤلاء بنو الزبان بن مجالد، خرجوا في طلب إبل لهم، فلقيهم كثيف بن زهير، فضرب أعناقهم، ثم حمل رؤوسهم في جوالق، وعلقه في عنق ناقة يقال لها: الدهيم، وهي ناقة عمرو بن الزبان، ثم

ص: 55

خلاها في الإبل، فراحت على الزبان، فقال لما رأى الجوالق: أظن بني صادوا بيض نعام، ثم أهوى بيده، فأدخلها في الجوالق؛ فإذا رأس، فلما رآه قال: آخر البز على القلوص، فذهبت مثلا. وقيل: أثقل من حمل الدهيم، وأشأم من الدهيم". قال:"وضربت العرب الدهيم مثلا في الشر والداهية".

قوله: «حتى يصير الناس إلى فسطاطين.....» إلى آخره:

قال ابن الأثير: " (الفسطاط) بالضم والكسر: المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط".

وقال الزمخشري: "هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق، وبه سميت المدينة، ويقال لمصر والبصرة: الفسطاط".

وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": "الفسطاط: الخيمة الكبيرة، وتسمى مدينة مصر: الفسطاط، والمراد به في الحديث الفرقة المجتمعة المنحازة عن الفرقة الأخرى؛ تشبيها بانفراد الخيمة عن الأخرى، أو تشبيها بانفراد المدينة عن الأخرى" انتهى.

قلت: وفتنة الدهيماء لم تقع إلى الآن، ولعلها الفتنة التي تستنظف العرب؛ كما سيأتي ذكرها في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.

والدليل على أنها لم تقع إلى الآن قوله في آخر الحديث: «فإذا كان ذاكم؛ فانتظروا الدجال من يومه أو غده» ؛ فهذا يدل على أنها من آخر ما يقع في هذه الأمة من الفتن، وأنها قبيل فتنة الدجال. والله أعلم.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون بعدي فتن، منها فتنة الأحلاس، يكون فيها هرب وحرب، ثم بعدها فتن أشد منها، ثم تكون فتنة؛ كلما قيل انقطعت؛ تمادت، حتى لا يبقى بيت إلا دخلته، ولا»

ص: 56

«مسلم إلا شكته، حتى يخرج رجل من عترتي» .

رواه نعيم بن حماد في "الفتن".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الفتنة الرابعة:«لا ينجو من شرها إلا من دعا كدعاء الغرق، وأسعد الناس فيها كل تقي خفي: إذا ظهر لم يعرف، وإذا جلس لم يفتقد، وأشقى الناس فيها كل خطيب مصقع أو راكب موضع» .

رواه نعيم بن حماد في "الفتن".

وعن علي رضي الله عنه: أنه قال: "ستكون فتنة عمياء مظلمة منكسفة، لا ينجو منها إلا النومة". قيل: وما النومة؟ قال: "الذي لا يدري ما الناس فيه".

رواه العسكري في "المواعظ"، ونقله عنه صاحب "كنز العمال".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تدوم الفتنة الرابعة اثني عشر عامًا، ثم تنجلي حين تنجلي وقد انحسر الفرات عن جبل من ذهب تكب عليه الأمة، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة» .

رواه نعيم بن حماد في "الفتن".

وعن زيد بن وهب عن حذيفة رضي الله عنه: أنه قال: "أتتكم الفتن ترمي بالنشف، ثم أتتكم ترمي بالرضف، ثم أتتكم سوداء مظلمة".

رواه أبو نعيم في "الحلية".

وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: "أتتكم الفتن ترمي بالعسف، ثم التي بعدها ترمي بالرضخ، ثم التي بعدها المظلمة...." الحديث.

ص: 57

قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

وعن أبي الطفيل عن حذيفة رضي الله عنه؛ قال: "ثلاث فتن، والرابعة تسوقهم إلى الدجال: التي ترمي بالرضف، والتي ترمي بالنشف، والسوداء المظلمة التي تموج كموج البحر، والرابعة تسوقهم إلى الدجال ".

رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد، وأبو نعيم في "الحلية"، وهذا لفظه.

قال ابن الأثير في "النهاية" وتبعه ابن منظور في "لسان العرب": "ومنه حديث حذيفة رضي الله عنه: "أظلتكم الفتن ترمي بالنشف، ثم التي تليها ترمي بالرضف"؛ يعني: أن الأولى من الفتن لا تؤثر في أديان الناس لخفتها، والتي بعدها كهيئة حجارة قد أحميت بالنار فكانت رضيفا؛ فهي أبلغ في أديانهم وأثلم لأبدانهم".

وقال ابن منظور: "وفي حديث حذيفة رضي الله عنه: أنه ذكر فتنا فقال: "أتتكم الدهيماء ترمي بالنشف، ثم التي تليها ترمي بالرضف"؛ أي: في شدتها وحرها كأنها ترمي بالرضف ". انتهى.

وعن حذيفة أيضا رضي الله عنه: أنه قال: "في هذه الأمة أربع فتن، تسلمهم الرابعة إلى الدجال: الرقطاء، والمظلمة، وهنة وهنة".

رواه نعيم بن حماد في "الفتن".

وعنه رضي الله عنه أنه قال: "ليكونن فيكم أيتها الأمة أربع فتن: الرقطاء، والمظلمة، وفلانة وفلانة، ولتسلمنكم الرابعة إلى الدجال ".

رواه نعيم بن حماد في "الفتن".

ص: 58

وعنه رضي الله عنه: أنه قال: " الفتن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة أربع: فالأولى خمس، والثانية عشر، والثالثة عشرون، والرابعة الدجال ".

رواه نعيم بن حماد في "الفتن".

وعنه رضي الله عنه: أنه قال: "تكون فتنة، ثم تكون بعدها جماعة وتوبة، ثم فتنة، ثم جماعة وتوبة.............. حتى ذكر الرابعة، ثم لا تكون بعدها توبة ولا جماعة".

رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن".

وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون بعدي أربع فتن: الأولى يستحل فيها الدم، والثانية: يستحل فيها الدم والمال، والثالثة: يستحل فيها الدم والمال والفرج» .

رواه: الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، ولم يذكر غير ثلاث، وقد رواه نعيم بن حماد في كتاب "الفتن"، وزاد:"والرابعة الدجال ".

وقد وقع استحلال الدم بعد قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ووقع استحلال الدم والمال بعد ذلك في فتن كثيرة، ووقع استحلال الفروج في فتن كثيرة أيضا، أولها في خلافة معاوية وابنه يزيد.

فأما في خلافة معاوية رضي الله عنه؛ فذكر ابن عبد البر في "الاستيعاب" عن أبي عمرو الشيباني: أن معاوية رضي الله عنه وجه بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي رضي الله عنه. قال ابن عبد البر: "وفي هذه الخرجة أغار بسر بن أرطاة على همدان وسبى نساءهم، فكن أول مسلمات سبين في الإسلام".

ثم روى من طريق بقي بن مخلد؛ قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة؛

ص: 59

قال: حدثنا زيد بن الحباب؛ قال: حدثني موسى بن عبيدة؛ قال: "حدثنا زيد بن عبد الرحمن بن أبي سلامة عن أبي الرباب وصاحب له: أنهما سمعا أبا ذر رضي الله عنه يدعو يتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها. قال: فسألناه: مم تعوذت؟ وفيم دعوت؟ قال: تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني، ويوم العورة أن أدركه. فقلنا: وما ذاك؟ فقال: أما يوم البلاء؛ فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضا، وأما يوم العورة؛ فإن نساء من المسلمات يسبين، فيكشف عن سوقهن، فأيتهن كانت أعظم ساقا؛ اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان، ولعلكما تدركانه.

قال: فقتل عثمان رضي الله عنه، ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن، فسبى نساء مسلمات، فأقمن في السوق".

وأما في خلافة يزيد بن معاوية؛ فذلك في فتنة الحرة، حيث استحلت فيها الدماء والأموال والفروج.

قال المدائني: "أباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام؛ يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال، ووقعوا على النساء، حتى قيل: إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج".

قال المدائني: "عن أبي قرة؛ قال: قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج".

وقد ذكر ابن كثير وغيره: أن يزيد بن معاوية أمر مسرف بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع فتن تكون بعدي: الأولى: يسفك فيها الدماء، والثانية: يستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة: يستحل فيها الدماء والأموال والفروج، والرابعة: صماء عمياء مطبقة»

ص: 60

«تمور مور الموج في البحر حتى لا يجد أحد من الناس منها ملجأ، تطيف بالشام، وتغشى العراق، وتخبط الجزيرة بيدها ورجلها، تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم، ثم لا يستطيع أحد من الناس أن يقول فيها: مه مه، لا يدفعونها من ناحية إلا انفتقت من ناحية أخرى» .

رواه نعيم بن حماد في "الفتن". قال في "كنز العمال": "ورجاله ثقات، ولكن فيه انقطاع".

قلت: وله شواهد كثيرة مما ذكر في هذا الباب وفي الباب بعده.

وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تأتيكم من بعدي أربع فتن؛ فالرابعة الصماء العمياء المطبقة، تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم، حتى ينكر فيها المعروف ويعرف فيها المنكر، تموت فيها قلوبهم كما تموت أبدانهم» .

رواه نعيم بن حماد في "الفتن". قال في "كنز العمال": "وسنده ضعيف".

قلت: وله شواهد كثيرة مما ذكر في هذا الباب وفي الباب بعده.

وعن الحكم بن نافع بلاغا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكون في أمتي أربع فتن، تصيب أمتي في آخرها فتن مترادفة: فالأولى: يصيبهم فيها بلاء، حتى يقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف. والثانية: حتى يقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف. ثم الثالثة؛ كلما انقطعت تمادت. والفتنة الرابعة: يصيرون فيها إلى الكفر إذا كانت الأمة مع هذا مرة ومع هذا مرة ومع هذا مرة؛ بلا إمام وجماعة، ثم المسيح، ثم طلوع الشمس من مغربها، ودون الساعة اثنان وسبعون دجالًا، منهم من لا يتبعه إلا رجل واحد» .

رواه نعيم بن حماد في "الفتن"، وله شواهد كثيرة.

ص: 61

وعن عاصم بن ضمرة عن علي رضي الله عنه؛ قال: "جعلت في هذه الأمة خمس فتن: فتنة عامة، ثم فتنة خاصة، ثم فتنة عامة، ثم فتنة خاصة، ثم تأتي الفتنة العمياء الصماء المطبقة التي يصير الناس فيها كالأنعام ".

رواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "مستدركه" من طريقه، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

ورواه الحاكم أيضا من حديث محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه؛ قال: "تكون في هذه الأمة خمس فتن: فتنة عامة، وفتنة خاصة، ثم فتنة عامة، وفتنة خاصة، ثم تكون فتنة سوداء مظلمة يكون الناس فيها كالبهائم".

قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

وعن رجل من أهل الشام يقال له عمار؛ قال: أدربنا عاما ثم قفلنا، وفينا شيخ من خثعم، فذكر الحجاج، فوقع فيه وشتمه، فقلت له: لم تسبه وهو يقاتل أهل العراق في طاعة أمير المؤمنين؟ قال: إنه هو الذي أكفرهم. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يكون في هذه الأمة خمس فتن» ؛ فقد مضت أربع وبقيت واحدة، وهي الصيلم، وهي فيكم يا أهل الشام، فإن أدركتها، فاستطعت أن تكون حجرا؛ فكنه، ولا تكن مع واحد من الفريقين، وإلا فاتخذ نفقا في الأرض. قلت: أنت سمعت هذا من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.

رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: " وعمار هذا لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".

قال ابن الأثير وابن منظور: "الصيلم: الداهية، والياء زائدة".

قال ابن منظور: "والصيلم: الأمر المستأصل، ووقعة صيلمة من ذلك، والاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا".

ص: 62

وقال ابن الأثير وابن منظور أيضا في (مادة: صرم) : "وفي الحديث: «في هذه الأمة خمس فتن، قد مضت أربع وبقيت واحدة، وهي الصيرم» ، وكأنها بمنزلة الصيلم، وهي الداهية التي تستأصل كل شيء، كأنها فتنة قطاعة، وهي من الصرم: القطع، والياء زائدة". انتهى.

وعن الوليد بن عياش عن إبراهيم عن علقمة؛ قال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحذركم سبع فتن تكون بعدي: فتنة تقبل من المدينة، وفتنة بمكة، وفتنة تقبل من اليمن، وفتنة تقبل من الشام، وفتنة تقبل من المشرق، وفتنة تقبل من المغرب، وفتنة من بطن الشام، وهي السفياني» .

قال: فقال ابن مسعود رضي الله عنه: منكم من يدرك أولها، ومن هذه الأمة من يدرك آخرها. قال الوليد بن عياش: فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة والزبير، وفتنة مكة فتنة عبد الله بن الزبير، وفتنة الشام من قبل بني أمية، وفتنة المشرق من قبل هؤلاء.

رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق نعيم بن حماد، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي فقال:"هذا من أوابد نعيم".

قلت: لم يكن نعيم بن حماد كذابا ولا متروكا حتى يقال: "هذا من أوابده"، وكيف يقال فيه هذا القول وقد وثقه الإمام أحمد وابن معين والعجلي؟ ! وحسبك بتوثيق أحمد ويحيى، وقال أبو حاتم:"صدوق"، وروى عنه البخاري في "صحيحه" ومسلم في مقدمة "صحيحه"، وروى عنه أيضا ابن معين والذهلي وغيرهما من الأئمة، ومن كان بهذه المثابة عند هؤلاء الأئمة؛ فحديثه مقبول. والله أعلم.

وقد وقع مصداق هذا الحديث، سوى فتنة السفياني؛ فهي لم تقع إلى الآن، ولم يجئ في خروجه حديث صحيح يعتمد عليه.

ص: 63

وقول الوليد بن عياش: "وفتنة المشرق من قبل هؤلاء": الظاهر - والله أعلم - أنه يعني السفاح وأعوانه كأعمامه وأبي مسلم الخراساني وغيرهم ممن سعى في تلك الفتنة التي وقعت بين بني العباس وبني أمية.

وأما الفتنة التي تقبل من المغرب؛ فهي - والله أعلم - ما وقع من الأتراك والمصريين من محاربة أهل نجد في القرن الثالث عشر من الهجرة، وهي من أعظم الفتن وأنكاها لدين الإسلام.

وقد وقع في اليمن فتن عظيمة، من آخرها ما وقع منذ سنوات بين إمام أهل اليمن محمد بن أحمد بن يحيى وبين المصريين وأشياعهم من أهل اليمن، وهي فتنة عظيمة؛ أريقت فيها دماء كثيرة، ونهبت فيها الأموال، وانتهكت المحارم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وعن كرز بن علقمة الخزاعي رضي الله عنه؛ قال: «قال أعرابي: يا رسول الله! هل للإسلام من منتهى؟ قال: نعم؛ أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرًا؛ أدخل عليهم الإسلام. قالوا: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: ثم تقع فتن كأنها الظلل. قال: فقال أعرابي: كلا يا رسول الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده؛ لتعودن فيها أساود صبًا يضرب بعضكم رقاب بعض» .

رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد، والبزار، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

قوله: كأنها الظلل:

قال ابن الأثير وابن منظور: "هي كل ما أظلك، واحدتها: ظلة، أراد:

ص: 64

كأنها الجبال أو السحب ".

و (الأساود) : الحيات. قاله الزهري راوي الحديث.

وذكر ابن منظور عن شمر: أنه قال: "الأسود أخبث الحيات وأعظمها وأنكاها، وليس شيء من الحيات أجرأ منه، وربما عارض الرفقة وتبع الصوت، وهو الذي يطلب بالذحل ولا ينجو سليمه".

وقوله: "صبا".

قال ابن الأثير: " (الصبا) : جمع صبوب".

وذكر ابن منظور عن الزهري - وهو راوي الحديث -: أنه قال: "هو من الصب".

قال: "والحية إذا أراد النهش؛ ارتفع ثم صب على الملدوغ".

وذكر ابن الأثير نحو هذا عن النضر بن شميل.

وذكر ابن منظور عن ابن الأعرابي: أنه قال: "صبا ينصب بعضكم على بعض بالقتل " انتهى.

وعن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتت الفتن كقطع الليل؛ يركب بعضها بعضًا، الآخرة أشد من الأولى» .

رواه الإمام أحمد.

وفي رواية: قال: «أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم؛ يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى» .

إسناده جيد.

وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم نصف

ص: 65

النهار مشتملا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته:«أيها الناس أظلتكم الفتن كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا وضحكتم قليلًا» .

رواه الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا؛ يظهر النفاق، وترفع الأمانة، وتقبض الرحمة، ويتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين، أناخ بكم الشرف الجون. قالوا: وما الشرف الجون يا رسول الله؟ قال: فتن كقطع الليل المظلم» .

رواه: ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

(الشرف) ؛ بضم الشين وسكون الراء وبالفاء: جمع شارف، وهي الناقة المسنة. و (الجون) : السود.

قال ابن الأثير: "شبه الفتن في اتصالها وامتداد أوقاتها بالنوق المسنة السود، ويروى هذا الحديث بالقاف؛ يعني: الفتن التي تجيء من جهة المشرق". انتهى.

«وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنها: أنه قال: يا رسول الله! إنا كنا في شر فذهب الله بذلك الشر، وجاء بالخير على يديك؛ فهل بعد الخير من شر؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال: فتن كقطع الليل المظلم، يتبع بعضها بعضًا، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر، لا تدرون أيا من أي» .

رواه الإمام أحمد.

وعنه رضي الله عنه: أنه قال: "هذه فتن قد أظلت كجباه البقر؛ يهلك

ص: 66

فيها أكثر الناس؛ إلا من كان يعرفها قبل ذلك".

رواه: ابن أبي شيبة، ونعيم بن حماد في "الفتن".

وعن خرشة بن الحر؛ قال: "قال حذيفة رضي الله عنه: كيف أنتم إذا تركت تجر خطامها، فأتتكم من هاهنا وهاهنا؟ ! قالوا: لا ندري والله. قال: لكني والله أدري، أنتم يومئذ كالعبد وسيده، إن سبه السيد؛ لم يستطع العبد أن يسبه، وإن ضربه؛ لم يستطع العبد أن يضربه ".

رواه ابن أبي شيبة.

وعن حذيفة أيضا رضي الله عنه: أنه قال: "تكون فتنة لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى، فيقوم لها رجال فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى، فيقوم لها رجال، فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون أخرى، فيقوم لها رجال، فيضربون خيشومها حتى تذهب، ثم تكون الخامسة دهماء مجللة تنبثق في الأرض كما ينبثق الماء".

رواه ابن أبي شيبة.

وعنه رضي الله عنه: أنه قال: "والله لا يأتيهم أمر يضجون منه؛ إلا ردفهم أمر يشغلهم عنه".

رواه ابن أبي شيبة.

وعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرهن في النار؟ !. قلت: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء، وقعدت الحملان على المنابر، واتخذ القرآن مزامير، وزخرفت المساجد، ورفعت المنابر، واتخذ الفيء دولًا، والزكاة مغرمًا، والأمانة»

ص: 67

«مغنمًا، وتفقه في الدين لغير الله، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه وأقصى أباه، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره؛ فيومئذ يكون ذلك، ويفزع الناس إلى الشام، وإلى مدينة منها يقال لها: دمشق، من خير مدن الشام، فتحصنهم من عدوهم. قلت: وهل تفتح الشام؟ قال: نعم وشيكًا، ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة، ثم يتبع الفتن بعضها بعضًا، حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له: المهدي، فإن أدركته فاتبعه وكن من المهتدين» .

رواه الطبراني. قال الهيثمي: "وفيه عبد الحميد بن إبراهيم، وثقه ابن حبان، وهو ضعيف، وفيه جماعة لم أعرفهم".

وعن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة؛ قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما وهو جالس في ظل الكعبة، فسمعته يقول:«بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر؛ إذ نزل منزلا، فمنا من يضرب خباءه، ومنا من هو في جشره، ومنا من ينتضل؛ إذ نادى مناديه: الصلاة جامعة! قال: فاجتمعنا. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطبنا فقال: إنه لم يكن نبي قبلي؛ إلا دل أمته على ما يعلمه خيرًا لهم، ويحذرهم ما يعلمه شرًا لهم، وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها، وإن آخرها سيصيبهم بلاء شديد وأمور تنكرونها، تجيء فتن يرقق بعضها لبعض، تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي! ثم تنكشف، ثم تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه! ثم تنكشف، فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة؛ فلتدركه موتته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه؛ فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه؛ فاضربوا عنق الآخر. قال: فأدخلت رأسي من بين الناس، فقلت: أنشدك بالله؛ أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأشار بيده إلى أذنيه، فقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي.»

ص: 68

«قال: فقلت: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا بأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن نقتل أنفسنا، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} . قال: فجمع يديه، فوضعهما على جبهته، ثم نكس هنية، ثم رفع رأسه فقال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله عز وجل» .

رواه: الإمام أحمد - واللفظ له - ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

قوله: "ومنا من هو في جشره".

قال النووي: "هو بفتح الجيم والشين، وهي الدواب التي ترعى وتبيت مكانها".

وذكر ابن منظور عن أبي عبيد: أنه قال: " (الجشر) : القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى، ويبيتون مكانهم ولا يأوون إلى البيوت".

وقوله: "ومنا من ينتضل": هو من المناضلة، وهي المراماة بالسهام.

وقوله: "تجيء فتن يرقق بعضها لبعض":

قال النووي: "هذه اللفظة رويت على أوجه: أحدها - وهو الذي نقله القاضي عن جمهور الرواة -: يرقق؛ بضم الياء وفتح الراء وبقافين؛ أي: يصير بعضها رقيقا -أي: خفيفا- لعظم ما بعده، فالثاني يجعل الأول رقيقا، وقيل: معناه: يشبه بعضها بعضا، وقيل: يدور بعضها في بعض ويذهب ويجيء، وقيل: معناه: يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها. والوجه الثاني: فيرفق؛ بفتح الياء وإسكان الراء وبعدها فاء مضمومة. والثالث: فيدفق؛ بالدال المهملة الساكنة وبالفاء المكسورة؛ أي: يدفع ويصب، والدفق الصب". انتهى.

ص: 69

وفيه وجه رابع: فيدقق؛ بدال مهملة ثم قاف مشددة مكسورة؛ أي: يجعل بعضها بعضا دقيقا، وهذه رواية النسائي.

قال السندي في "حاشيته على سنن النسائي ": "وفي بعض النسخ براء ومهملة موضع الدال؛ أي: يصير بعضها بعضا رقيقا خفيا". قال: "والحاصل أن المتأخرة من الفتن أعظم من المتقدمة، فتصير المتقدمة عندها دقيقة رقيقة، وروي براء ساكنة ففاء مضمومة؛ من الرفق؛ أي: توافق بعضها بعضا، أو يجيء بعضها عقب بعض، أو في وقته، وروي بدال مهملة ساكنة ففاء مكسورة؛ أي: يدفع ويصب" انتهى.

وعن أبي إدريس الخولاني؛ قال: سمعت حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما يقول: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير؛ فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم. فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم؛ وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم؛ دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها؛ قذفوه فيها. فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: نعم؛ قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» .

متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.

وفي رواية له عن أبي سلام؛ قال: «قال حذيفة بن اليمان رضي الله»

ص: 70

«عنهما: قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشر، فجاءنا الله بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: "نعم". قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: "نعم". قلت: كيف؟ قال: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس". قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع» .

وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عبد الرحمن بن قرط؛ قال: دخلت المسجد؛ فإذا حلقة كأنما قطعت رؤوسهم، وإذا فيهم رجل يحدث؛ فإذا حذيفة رضي الله عنه؛ قال:«كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر كيما أعرفه فأتقيه، وعلمت أن الخير لا يفوتني. قال: فقلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير الذي نحن فيه من شر؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله تعالى واعمل بما فيه". فأعدت قولي عليه، فقال في الثالثة: "فتنة واختلاف". قلت: يا رسول الله! هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله تعالى واعمل بما فيه". فقلت: يا رسول الله! هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "فتن على أبوابها دعاة إلى النار؛ فلأن تموت وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .

قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

وقد رواه ابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن قرط عن حذيفة رضي الله عنه مختصرا، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار، فأن تموت وأنت عاض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .

ص: 71

ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو نعيم في "الحلية"؛ من حديث نصر بن عاصم الليثي؛ قال: أتيت اليشكري في رهط من بني ليث؛ قال: ما جاء بكم يا بني ليث؟ قلنا: جئنا نسألك عن حديث حذيفة رضي الله عنه؟ قال: غلت الدواب، فأتينا الكوفة نجلب منها دوابا، فقلت لصاحبي: أدخل المسجد، فإذا كانت الحلقة خرجت إليها. فدخلت المسجد، فإذا حلقة كأنما قطعت رؤوسهم، مجتمعون على رجل، فجئت، فقمت، فقلت: من هذا؟ قالوا: من أهل الكوفة أنت؟ قلت: لا؛ بل من أهل البصرة. قالوا: لو كنت من أهل الكوفة؛ ما سألت عن هذا، هذا حذيفة بن اليمان. فدنوت منه، فسمعته يقول:«كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر وعرفت أن الخير لن يسبقني. قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الخير شر؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله واتبع ما فيه"؛ قالها ثلاثًا. قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: "فتنة وشر" (وفي رواية أبي داود الطيالسي: فقال: هدنة على دخن) . قلت: يا رسول الله! ما الهدنة على الدخن؟ قال: "لا ترجع قلوب أقوام إلى ما كانت عليه". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم تكون فتنة عمياء صماء، دعاة الضلالة (أو قال: دعاة النار) ، فلأن تعض على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .

ورواه أبو داود السجستاني من حديث نصر بن عاصم؛ قال: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: من القوم؟ فقلنا: بنو ليث؛ أتيناك نسألك عن حديث حذيفة (فذكر الحديث) ..... «قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: "فتنة وشر". قال: قلت: يا رسول الله! بعد هذا الشر خير؟ قال: "يا حذيفة! تعلم كتاب الله واتبع ما فيه"؛ ثلاث مرات. قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الشر خير؟ قال: "هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء فيها أو فيهم". قلت: يا رسول الله! الهدنة على الدخن؛ ما هي؟ قال:»

ص: 72

«"لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه ". قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: "فتنة عمياء صماء، عليها دعاة على أبواب النار، فإن تمت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدًا منهم» .

ورواه: أبو داود أيضا، والحاكم؛ من حديث نصر بن عاصم عن سبيع بن خالد؛ قال: أتيت الكوفة في زمن فتحت تستر أجلب منها بغالا، فدخلت المسجد؛ فإذا صدع من الرجال، وإذا رجل جالس تعرف إذا رأيته أنه من رجال أهل الحجاز. قال: قلت: من هذا؟ فتجهمني القوم، وقالوا: أما تعرف هذا؟ ! هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال حذيفة رضي الله عنه: «إن الناس كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر، فأحدقه القوم بأبصارهم، فقال: إني قد أرى الذي تنكرون، إني قلت: يا رسول الله! أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله تعالى، أيكون بعده شر كما كان قبله؟ قال: "نعم". قلت: فما العصمة من ذلك؟ قال: "السيف". قلت: يا رسول الله! ثم ماذا يكون؟ قال: "إن كان لله تعالى خليفة في الأرض، فضرب ظهرك، وأخذ مالك؛ فأطعه، وإلا فمت وأنت عاض بجذل شجرة". قلت: ثم ماذا؟ قال: "ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره". قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: "هي قيام الساعة» .

هذا لفظ أبي داود.

وفي رواية الحاكم بعد قوله: «قلت: يا رسول الله! فما العصمة من ذلك؟ قال: "السيف ": "قلت: وهل للسيف من بقية؟ قال: نعم. قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم هدنة على دخن (قال: جماعة على فرقة) ، فإن كان لله عز وجل يومئذ خليفة ضرب ظهرك وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع» (وذكر بقيته بنحو ما تقدم) ".

ص: 73

قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" من حديث «قتادة عن سبيع بن خالد (أو خالد بن سبيع) ؛ قال: غلت الدواب، فأتينا الكوفة نجلب منها دوابا، فدخلت المسجد؛ فإذا رجل صدع من الرجال حسن الثغر يعرف أنه من رجال الحجاز، وإذا ناس مشرئبون إليه، فقال: لا تعجلوا علي أحدثكم؛ فإنا كنا حديث عهد بجاهلية، فلما جاء الإسلام؛ فإذا أمر لم أر قبله مثله، وكان الله رزقني فهما في القرآن، وكان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وأسأله عن الشر، فقلت: يا رسول الله هل بعد هذا الخير شر كما كان قبله شر؟ قال: "نعم". قلت: فما العصمة يا رسول الله؟ قال: "السيف". قلت: فهل للسيف من بقية؟ فما يكون بعده؟ قال: "يكون هدنة على دخن ". قال: قلت: فما يكون بعد الهدنة؟ قال: "دعاة الضلالة، فإن رأيت يومئذ لله عز وجل في الأرض خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فإن لم تر خليفة؛ فاهرب حتى يدركك الموت وأنت عاض على جذل شجرة". قلت: يا رسول الله! فما يكون بعد ذلك؟ قال: " الدجال» .

هذا حديث صحيح، رواته كلهم ثقات.

قوله: "صدع من الرجال": قال الخطابي: "الصدع من الرجال مفتوحة الدال: هو الشاب المعتدل القناة، ومن الوعول الفتي". وقال ابن الأثير في "النهاية": "صدع من الرجال؛ أي: رجل بين الرجلين". وقال في "غريب جامع الأصول": "الصدع بسكون الدال وربما حرك: الخفيف من الرجال الدقيق، فأما في الوعول؛ فلا يقال إلا بالتحريك". والخطابي لم يفرق بينهما في التحريك.

ص: 74

وقوله: "فتجهمني القوم": قال ابن الأثير في "جامع الأصول": "تجهمت فلانا: كلحت في وجهه وتقبضت عند لقائه". وقال ابن منظور: "تجهمه وتجهم له: إذا استقبله بوجه كريه".

وقوله: "مشرئبون إليه": قال ابن منظور: "اشرأب الرجل للشيء وإلى الشيء: مد عنقه إليه".

وسيأتي تفسير قوله في الفتنة: "عمياء صماء"، في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.

باب

ما جاء في الفتنة التي تجترف العرب

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف» .

رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب".

قلت: ورواته كلهم ثقات؛ سوى ليث بن أبي سليم؛ فقد تكلم فيه، وقد روى له البخاري في "صحيحه" تعليقا، ومسلم مقرونا بآخر، وروى عنه غير واحد من أكابر الأئمة منهم معمر وشعبة والثوري، وقال الدارقطني:"إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد "، وعلى هذا فحديثه هذا حسن إن شاء الله تعالى.

وقد رواه ابن عساكر في "تاريخه"، ولفظه:«سيكون بعدي فتن يصطلم»

ص: 75

«فيها العرب، اللسان فيها أشد من السيف، قتلاها جميعًا في النار» .

قوله: "تستنظف العرب ": قال ابن الأثير وابن منظور: "أي: تستوعبهم هلاكا؛ يقال: استنظفت الشيء: إذا أخذته كله، ومنه قولهم: استنظفت الخراج، ولا يقال: نظفته". وقال علي القاري في "المرقاة": "وقيل: أي تطهرهم من الأرذال وأهل الفتن ".

قلت: وهذا قول قوي من حيث الدليل، وإن كان القول الأول أقوى من حيث اللغة.

ويشهد لما قاله القاري ما تقدم في ذكر فتنة الدهيماء: أنها لا تدع أحدًا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة. وقال فيها: حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه؛ فهذا يدل على أن فتنة الدهيماء تنظف المؤمنين من أهل الفتن والريب والنفاق، لا أنهم يستأصلون بالكلية، وفتنة الدهيماء هي أعظم فتنة تكون قبل فتنة الدجال.

والدليل على أن الفتن لا تستوعب العرب هلاكا ما رواه: مسلم في "صحيحه"، والترمذي في "جامعه"؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: أخبرتني أم شريك أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليفرن الناس من الدجال في الجبال. قالت أم شريك: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم قليل» .

قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".

ويدل على ذلك أيضا ما رواه ابن ماجه في "سننه" عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه في حديثه الطويل في ذكر الدجال، وفيه:«فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل، وجلهم يومئذ ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم»

ص: 76

«الصبح؛ إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليقدم عيسى يصلي، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم»

الحديث.

ويدل على ذلك أيضا ما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بني تميم: هم أشد أمتي على الدجال» .

وبنو تميم قبيلة كبيرة من العرب.

ويدل على ذلك أيضا ما رواه الحاكم في "مستدركه" عن حسان بن عطية عن ذي مخمر - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن أخي النجاشي - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«تصالحون الروم صلحًا آمنًا، حتى تغزون أنتم وهم عدوًا من ورائهم، فتنصرون وتغنمون وتنصرفون، حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيقول قائل من الروم: غلب الصليب! ويقول قائل من المسلمين: بل الله غلب! فيتداولانها بينهم، فيثور المسلم إلى صليبهم - وهم منهم غير بعيد - فيدقه، ويثور الروم إلى كاسر صليبهم فيقتلونه، ويثور المسلمون إلى أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله عز وجل تلك العصابة من المسلمين بالشهادة، فيقول الروم لصاحب الروم: كفيناك حد العرب، فيغدرون، فيجتمعون للملحمة، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» .

قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

والمقصود من هذا الحديث: قول الروم لصاحبهم: "كفيناك حد العرب"، وأنهم يغدرون ويجتمعون للملحمة، وهذا يدل على أن الملحمة الكبرى تكون بين العرب والروم.

وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم؛

ص: 77

من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال؛ في سبعة أشهر» .

فهذه الأحاديث الأربعة دالة على بقاء جملة كبيرة من العرب بعد الفتنة العظيمة التي تقدم ذكرها في أول الباب.

وعلى هذا؛ فقوله: "تستنظف العرب "؛ معناه: أنها تستوعب أكثرهم هلاكا، وأقيم الأكثر مقام الكل كما هو شائع في كلام العرب. والله أعلم.

وقوله: "قتلاها في النار": قال بعض العلماء: "وإنما كانوا في النار لأنهم ما قصدوا بالقتال إعلاء كلمة الله ودفع الظلم أو إعانة أهل الحق، وإنما قصدوا التباهي والتفاخر، وفعلوا ذلك طمعا في المال والملك ".

قلت: وقد جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قاتل تحت راية عمية؛ يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتل؛ فقتلة جاهلية» .

رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه؛ من حيث أبي هريرة رضي الله عنه.

وفي رواية لمسلم: «ومن قتل تحت راية عمية؛ يغضب للعصبة، ويقاتل للعصبة؛ فليس من أمتي» .

قال أبو زيد اللغوي: " (العمية) : الدعوة العمياء؛ فقتيلها في النار".

وسيأتي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه التصريح بوقوع فتنة على دعوى جاهلية، قتلاها في النار.

وقوله: "اللسان فيها أشد من وقع السيف": هذا قد ظهر مصداقه في زماننا حين وجدت الإذاعات والصحف المنتشرة في جميع أرجاء الأرض، فكانت

ص: 78

ألسنة المتكلمين فيها - بسب المخالفين لهم، وتنقصهم، وذكر مثالبهم، وتهييج الفتن بينهم، وإثارة الأحقاد والضغائن فيهم - أعظم من وقع السيف بكثير.

وهذه الفتنة العظيمة لم تقع إلى الآن، ولعلها فتنة الدهيماء التي تكون قبيل خروج الدجال. والله أعلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون فتنة صماء، بكماء، عمياء، من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف» .

رواه أبو داود.

قال الجوهري: "الصماء: الداهية، وفتنة صماء: شديدة".

وقال ابن الأثير وتبعه ابن منظور في "لسان العرب": "ومنه الحديث: "ستكون فتنة صماء، بكماء، عمياء"؛ أراد أنها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنطق؛ فهي لذهاب حواسها لا تدرك شيئا، ولا تقلع، ولا ترتفع. وقيل: شبهها لاختلاطها وقتل البريء فيها والسقيم بالأصم الأخرس الأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء؛ فهو يخبط خبط عشواء".

وقال ابن الأثير في موضع آخر، وتبعه ابن منظور في "لسان العرب":"الفتنة الصماء العمياء: هي التي لا سبيل إلى تسكينها؛ لتناهيها في دهائها؛ لأن الأصم لا يسمع الاستغاثة، فلا يقلع عما يفعله، وقيل: هي كالحية الصماء التي لا تقبل الرقى".

وقوله: "من أشرف لها؛ استشرفت له"؛ أي: من تطلع إليها وتعرض لها؛ واتته، فوقع فيها.

وقوله: "وإشراف اللسان فيها كوقوع السيف": إشراف اللسان معناه:

ص: 79

إطلاقه بالكلام فيما يثير الفتن ويهيجها، ومن ذلك ما يفعله أهل الإذاعات في زماننا؛ كما تقدم ذكره. والله أعلم.

وعن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، من فتنة عمياء صماء بكماء، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، وويل للساعي فيها من الله يوم القيامة» .

رواه: نعيم بن حماد في "الفتن"، وابن حبان في "صحيحه".

وعنه رضي الله عنه: أنه قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب، أظلت ورب الكعبة أظلت، والله لهي أسرع إليهم من الفرس المضمر السريع، الفتنة العمياء الصماء المشبهة، يصبح الرجل فيها على أمر ويمسي على أمر، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. ولو أحدثكم بكل الذي أعلم؛ لقطعتم عنقي من هاهنا (وأشار إلى قفاه، ويقول:) اللهم لا تدرك أبا هريرة إمرة الصبيان".

رواه ابن أبي شيبة.

وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «تكون فتنة يقتتلون عليها، على دعوى جاهلية، قتلاها في النار» .

رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".

وقد كثر في زماننا القتل والقتال على دعوى الجاهلية، ولا سيما على إزالة الإمامة والخلافة، وإحلال الجمهورية محلها، وهذا محض التشبه بأمم الكفر والضلال في زماننا، واتباع سننهم حذو النعل بالنعل، ولا يستبعد أن تكون فتنة

ص: 80

الدهيماء على هذه الدعوى الجاهلية؛ عياذا بالله من الفتن.

وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه؛ قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم في عدة من أصحابه - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن ومعاذ وحذيفة وسعد - بعد الهجرة بثمان سنين في السنة التاسعة، فقال له حذيفة: فداك أبي وأمي يا رسول الله! حدثنا في الفتن. قال: «يا حذيفة! أما إنه سيأتي على الناس زمان؛ القائم فيه خير من الماشي، والقاعد فيه خير من القائم، القاتل والمقتول في النار» .

رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط". قال الهيثمي: "وفيه يزيد بن مروان الخلال، وهو ضعيف".

وعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه؛ قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: "اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا» .

رواه البخاري، وقد رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم مطولا، وستأتي رواياتهم في ذكر الملاحم إن شاء الله تعالى.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن حذيفة رضي الله عنه: أنه ذكر فتنة يقال لها: الجارفة، تأتي على صريح العرب وصريح الموالي وذوي الكنوز وبقية الناس، ثم تنجلي عن أقل القليل.

رواه الحاكم في "مستدركه"، وصححه، وإسناده ضعيف.

ص: 81