الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
44 - بابُ التَّوْقِيتِ فِى الْمَاءِ
52 -
أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِىِّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِى أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ. فَقَالَ «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» .
ــ
52 -
إسناده صحيح .. ويأتى برقم (328).
* الحسين بن حريث هو ابن الحسن بن ثابت، أبو عمَّار المروزى أخرج له الجماعة إلا ابن ماجة.
وثقه المصنف، وابن حبان، ومسلمة بن قاسم في "الصلة".
* أبو أسامة، هو: حماد ابن أسامة بن يزيد القرشى، الكوفى أخرج له الجماعة.
قال أحمد:
"كان ثبتًا، ما كان أثبته! ، لا يكاد يخطىء".
ووثقه ابن معين، وابن سعد، والعجلى في آخرين.
فالعجب من الأزدى، أورده في "الضعفاء" ثمَّ حكى عن سفيان بن وكيع أنه قال:
"إنى لأعجبُ كيف جاز حديثُ أبي أسامة، كان أمره بيِّنًا، وكان =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= من أسرق الناس لحديث جيِّدٍ" اهـ.
وحكى الذهبيُّ في "الميزان" أن الأزديَّ نقل هذا الكلام عن سفيان الثورىّ فلعله قصد سفيان بن وكيع فسبق قلمُهُ، وعلى كل حالٍ فلم يُبال الذهبي به، وقال:
"أبو أسامة لم أوردْهُ لشىءٍ فيه، ولكن ليُعرف أنَّ هذا القول باطلٌ".
* قُلْتُ: وهذا حقٌّ، ولا يُقبل من سفيان بن وكيع هذا القول في أبي أسامة، فقد كان ضعيفًا، ومن المعروف أن جرح الضعيف للثقة مردودٌ كما صرّح به النقاد كابن حبان والذهبي والعسقلانى وغيرهم.
والأزدىُّ أيضًا، فضعيفٌ، وكان ذلق اللسان.
قال الذهبيُّ في "السير"(13/ 389) يُعلِّقُ على تضعيف الأزدىّ للحارث ابن محمد:
"قُلْتُ: هذه مجازفة! ليت الأزدىَّ عرف ضعف نفسه" وقال في مكان آخر منه (16/ 348):
"وعلى الأزدى في كتابه "الضعفاء" مؤاخذات، فإنَّهُ ضعَّف جماعة بلا دليل، بل قد يكونُ غيرُه قد وثقهم".
وقد قال ابن حبان:
"من المحال أن يجرح العدلُ بكلام المجروح".
مع أنه قد يظهر للأزدىّ من العذر ما لا يظهر لسفيان بن وكيع، وذلك أن عادة المصنفين في "الضعفاء" أنهم قد يوردون الثقة لأجل أىِّ مغمزٍ فيه، كما يفعلُ ابنُ عدىٍّ والعقيلى وغيرهما، وإن كان ما أوردوه يشير بجرحٍ، والله أعلمُ. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= * الوليدُ بنُ كثيرٍ هو أبو محمد المدنيُّ المخزومىُّ.
أخرج له الجماعةُ، وهو ثقهٌ جليلٌ.
وثقه ابنُ معين، وابنُ راهويه، وأبو داود، وعيسى بنُ يونس، وإبراهيمُ ابنُ سعدٍ، وابنُ حبان.
وقال الساجىُّ:
"صدوقٌ، ثبت، يُحتجٌّ به".
وأغربَ أبو بكر بنُ العربي رحمه الله فقال في "أحكام القرآن"(3/ 1420):
"وقال الشافعىُّ بحديث القلتين، ورواه عن الوليد بن كثير حُسْنَ ظنٍّ به، وهو مطعون فيه، والحديث ضعيفٌ".
كذا قال!! ولم يُصِبْ؛ لأننا لم نجد أحدًا طعن على الوليد بن كثير إلَّا ابْن سعدٍ، فقال:"كان له علمٌ بالسيرة والمغازي، وله أحاديث، وليس بذاك".
فهذا جرحٌ مبهم لا يعول عليه مع ثبوت التوثيق الصادر من أئمةٍ هم أمكن من ابن سعدٍ فرادى، فكيف وهم مجتمعون، ولو قصد ابنُ العربى رحمه الله أن أىَّ راوٍ تُكُلِّم فيه فهو مطعون عله، فلن يسلم من ذلك أحد، مع أن عبارته تشعر أن الأكثرين جرحوا الوليد بن كثير، وليس ثمَّ إلَّا ابنُ سعد فيما وقفت عليه.
أما قول الساجى وأبى داود: "كان إباضيًّا" فهذا لا يضرُّه مع ثبوت صدقه وضبطه. والله الموفق.
* محمَّدُ بْنُ جعفرٍ هو ابنُ الزبير بْنِ العوَّام المدنيُّ. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أخرج له الجماعةُ.
وثقه الدارقطنىُّ، وأثنى عليه ابن إسحق.
وقال ابنُ سعدٍ:
"كان عالمًا، وله أحاديثُ".
* عبد الله بن عبد الله بن عمر أبو عبد الرحمن المدنىُّ.
أخرج له الجماعةُ، إلَّا ابْنَ ماجة.
وثَّقه المصنِّفُ، وأبو زرعة، ووكيع، وابنُ سعدٍ، والعجلىُّ، وابنُ حبَّان.
* * *
والحديثُ أخرجه أبو داود (63)، وابنُ أبي شيبة في "المصنَّف"(1/ 144)، وعبدُ بن حميدٍ في "المنتخب"(817) وعنه ابن الجوزى في "التحقيق"(1/ 9/ 7)، وابن جريرٍ في "التهذيب"(1106 - مسند ابن عباس)، وابنُ حبان (118)، والطحاوىُّ في "المشكل"(3/ 266) وابن الأعرابى في "معجمه"(ج 7 / ق 134/ 1)، والدارقطني (1/ 13 - 14)، والحاكمُ (1/ 132 - 133)، والبيهقىُّ (1/ 260، 261)، والضياء في "المختارة"(ج 71/ق 501/ 2) والجوزقانى، في "الأباطيل"(321)، من طرقٍ عن أبي أسامة، عن الولد بن كثير، عن محمد بن جعفر، عن عبد الله -المكبر-، عن ابن عمر به وقد رواه عن أر أسامة -هكذا- خَلْقٌ، منهم: "إسحق بنُ راهويه، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شبة، ومحمد بن العلاء، ويعقوب بنُ إبراهيم الدورقىُّ، وأبو عبيدة بنُ أبي السفر، ومحمد ابنُ عبادة، وحاجبُ بنُ سليمان، وهارون بن عبد الله، أحمدُ بنُ جعفر =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الوكيعى، والحسين بنُ حريث، وهنَّادُ بنُ السَّرىِّ، والحسنُ بنُ علىّ ابن عفان، وعبدُ بن حميدٍ، وموسى بن عبد الرحمن الكندى".
قال الحاكمُ:
"هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بجميع رواته، ولم يُخرجاه، وأظُنُّهما - والله أعلمُ - لم يخرجاهُ لخلافٍ فيه على أبي أسامة على الوليد بنِ كثير". اهـ.
وصحَّحُه الشافعي وأحمد وأبو عبيد وابنُ خزيمة، وابنُ حبان، والطحاوىُّ، والدارقطنىُّ، وابن دقيق العيد (1) -كما في "طبقات الشافعية"(9/ 245) - لابن السبكىّ، والعلائي في جزءٍ مفردٍ لهُ، والحافظ ابن حجر والشوكانى، وشمس الحرق آبادى، والمباركفورى، وأحمد شاكر، والألبانى في آخرين وجوّدهُ ابنُ معين -كما يأتى-.
وقال ابن حزم في "المحلى"(1/ 151):
"صحيحٌ ثابتٌ، لا مغمز فيه".
وقال الجوزقاني:
"هذا حديثٌ حسنٌ".
وحسَّنهُ النووىُّ في "المجموع"(1/ 112)، وابنُ تيمية في "الفتاوى" (21/ 41) وقال: "وأمَّا حديثُ القلتين فأكثرُ أهل العلم بالحديث على أنه حديثٌ حسنٌ يُحتجُّ به.
وقال ابنُ مندة:
"على شرط مسلم"!. =
(1) وذكر الزيلعيُّ في "نصب الراية"(1/ 105) عنه أنه ضعّفه في "الإِمام" فلعله رجع إلى التصحيح، وابنُ السبكى يذكر أشهر آراء صاحب الترجمة. والله أعلم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= كذا، والصواب أنه على شرط الشيخين جميعًا كما قال الحاكمُ.
* قُلْتُ: وقولهم هذا هو الصوابُ، لا ريب في ذلك، ولكن خالف بعض الأئمة، فضعَّفوا هذا الحديث.
قال ابنُ عبد البر في "التهيد"(1/ 335):
وأمَّا ما ذهب إليه الشافعيُّ (1) من حديث القُلَّتين، فمذهبٌ ضعيفٌ من جهة النظر، غيرُ ثابتٍ من جهة الأثر؛ لأنه حديثٌ تكلَّم فيه جماعةٌ من أهل العلم بالنقل". اهـ.
* قُلْتُ: وقد صنَّف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسىُّ رحمه الله جزءًا ردَّ فيه ما ذكره ابنُ عبد البر (2) وغيرهُ، ولم أرهُ.
ويمكن إجمال ما ذكروه من الطعن فيما يلي:
1 -
أنَّ الحديث مضطربُ السَّند.
وذلك أن مداره على الوليد بن كثير، فقيل عنه، عن محمد بن جعفر ابن الزبير، وقيل: عنه، عن محمد بن عباد بن جعفر. وتارة يروى عن =
(1) قال أبو بكر بنُ العربى في "أحكام القرآن"(3/ 1425):
"ألا ترى أن الشافعىّ تعلق بحديث القلتين، وجعله تقديرًا، وخفى عليه أن الحديث ليس بصحيح" اهـ.
وقال أيضًا في "عارضة الأحوذى"(1/ 84):
"وحديث القلتين مداره على مطعون عليه أو مضطرب في الرواية".
وكذا قال أبو محمد علي بن زكريا المنبجى في "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب"(1/ 90 - 91)، "ليس فيه شىءٌ من التحرير، وسيأتي الجوابُ مفصلًا إن شاء الله تعالى.
(2)
ذكر ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الفتارى"(21/ 41 - 42).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر.
قالوا: وهذا اضطرابٌ يقدح في صحة السند، فإن الثقات المتقنين لا يقع منهم مثلُ هذا، فدلَّ ذلك على أن الرواة لم يحكموه.
2 -
أنَّهُ مضطربُ المتن أيضًا.
فإن في بعض ألفاظه:
"إذا كان الماء قُلَّتين".
وفي بعضها:
"إذا بلغ الماء قدر قُلَّتيْن أو ثلاثٍ".
والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها.
ومنهم من يقولُ:
"إذا بلغ الماءُ أربعين قُلَّةً".
فهذا اضطرابٌ يوجبُ ضعف الحديث.
3 -
أنَّهُ مُعَلٌّ بالوقف.
فأوقفه مجاهدٌ على ابن عمر. واختلف فيه عليه.
وقد اختلف فيه على عبيد الله أيضًا، رفعًا ووقفًا. ورجح شيخا الإِسلام أبو الحجاج المزى، وأبو العباس ابن تيمية وقفه، وسبقهما البيهقي في "سننه" وقفه من طريق مجاهد، وجعله الصواب.
4 -
أنَّهُ شاذٌّ.
قالوا:
"أمَّا الشذوذ، فإن هذا حديثٌ فاصل بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، وهو في المياه كالأوسق في الزكاة، والنُّصب في الزكاة، فكيف =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= لا يكون مشهورًا شائعًا بين الصحابة ينقله خلَفٌ عن سلفٍ، وحاجة الأمة إليه أعظم من حاجتهم إلى نصاب الزكاة؟! فإن أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة، والوضوء بالماء الطاهر فرضٌ على كل مسلم، فيكون الواجبُ نقل هذا الحديث كنقل نجاسة البول ووجوب غَسْله، ونقل عدد الركعات، ونظائر ذلك. ومن المعلوم أنَّ هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن أبن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافعٌ، وسالمٌ، وأيوبُ، وسعيدُ بن جبير؟ وأين أهلُ المدينة وعلماؤهم عن هذه السُّنَّة التي مخرجُها من عندهم، وهم إليها أحوجُ الخلْق لعزة الماء عندهم؟!! .... فأىُّ شذوذٍ أبلغُ من هذا؟ ".
* قُلْتُ: والجوابُ عمَّا ذكروه من وجوهٍ:
* الأوَّلُ: أنَّ ما وقع في سنده من الاختلاف فغيرُ قادحٍ في صحَّته، كما يأتى.
وقد رواهُ من تقدَّم ذكرُهم، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد جعفر بن الزبير، عن عبد الله -المكبر- ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
وقد اختلف على محمد بن جعفر فيه.
فرواه جمعٌ عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عنه، عن عبيد الله -المصَعَّر- ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
فصار شيخُ محمد بن جعفر هو "عبيدُ الله" المصغر، لا "عبد لله" المكُبَّر.
أخرجه المصنِّفُ، ويأتي برقم (328)، والدارمىُّ (1/ 152)، وابنُ خزيمة (ج1/ رقم 92)، وابنُ حبَّان (118)، والطحاوىُّ في =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= "شرح المعانى"(1/ 15)، وفي "المشكل"(3/ 266).
وقد رواه عن أبي أسامة -هكذا- جمعٌ، منهم:
"يحيى بن حسَّان، ومحمد بن عبد الله بن المبارك المخرميُّ، وموسى بن عبد الرحمن المسروقى، ابنُ أبي شيبة، وأبو الأزهر حوثرة بن محمد البصريُّ".
وقد توبع الوليدُ بْنُ كثيرٍ، عن محمد بن جعفر، عن عبد الله -المصغر- عن أبيه.
فتابعه: محمد بنُ إسحق، حدَّثنى محمَّدُ بْنُ جعفرٍ به.
أخرجه أبو داود (64)، والترمذيُّ (67) وابنُ ماجة (517)، والدارميُّ (1/ 152)، وأحمد (2/ 27)، وابن أبي شيبة (1/ 144)، وابن جرير في "التهذيب"(1109، 1110، 1111، 1115 مسند ابن عباسٍ) وأبو يعلى (ج 9/ رقم 5590)، والطحاويُّ في "الشرح"(1/ 15)، وفي "المشكل"(3/ 266)، الدارقطنيُّ (1/ 19، 21)، والحاكمُ (1/ 133)، والبيهقيُّ (1/ 261) والضياء في "المختارة" (ج 71 /ق 505/ 1): والبغويُّ في "شرح السنُّة"(2/ 58) وابنُ الجوزى في "التحقيق"(1/ 9/ 6).
وهذا سندٌ حسنٌ، وصرَّح ابنُ إسحق بالتحديث عند ابن جرير، الدَّارقطنيِّ.
وقد رواه عن ابن إسحق جماعة منهم:
"يزيد بنُ هارون، وعبدة بن سليمان، ويزيد بن زريع، وابنُ المبارك، وسعيد بن زيد -أخو حماد بن زيد-، وعبد الرحيم بنُ سليمان الكندى، وأبو معاوية الضرير، وحمادُ بنُ سلمة، وعبد الله بنُ نمير، وإبراهيم بنُ =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= سعدٍ، وعباد بنُ عباد المُهلبى، وسلمة بنُ الفضل، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان الثورى، وأحمد بن خالد الوهبى، وزهيرُ بن حربٍ وزائدة بنُ قدامة".
واختلف عن ابن إسحق فيه على ألوانٍ:
أ- فيرويه المغيرةُ بنُ سقلاب، عنه، عن نافعٍ، عن ابن عمر مرفوعًا.
أخرجه ابنُ عدىٍّ في "الكامل"(6/ 2358).
وهذا منكرٌ، والمغيرةُ ضعّفه الدارقطنيُّ، وقال ابنُ عدىّ:
"عامة ما يرويه لا يتابع عليه".
وقال الدارقطنيُّ في "العلل"(ج 2 / ق 28/ 2).
"هو وهمٌ، والصواب: عن ابن إسحق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه". اهـ.
ب- ويرويه عبد الوهاب بن عطاء، عنه، عن الزهرىّ، عن سالمٍ، عن أبيه مرفوعًا.
أخرجه ابنُ حبان في "الثقات"(8/ 476 - 477) عق علي بن الحسن بن بيان، والدارقطنيُّ (1/ 21) عن علي بن سلمة كلاهما عن عبد الوهاب به.
وخالفهما يحيى بن أبي طالب، فرواه عن عبد الوهاب، عن ابن إسحق، أنَّه بلغه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال .. ولم يذكر إسناده.
ذكره الدارقطنيُّ في "العلل"(ج 2 / ق 48/ 2 - 49/ 1).
قال ابنُ حبان:
"هذا خطأ فاحشٌ، إنما هو محمد بنُ إسحق، عن جعفر بن الزبير عن =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= عبيد الله بن عمر، عن أبيه. وقال عثمان -يعني: ابن حرزاذ-: لم يُحدِّث عبد الوهاب هكذا إلَّا بالرقة" اهـ.
وقال الدارقطنيُّ في "العلل"(ج 2 / ق 28/ 2):
"وقيل: عن عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن إسحق، عن الزهرىّ، عن سالمٍ، عن أبيه، وهو وهمٌ أيضًا". اهـ.
وقد خولف عبد الوهاب فيه، وهو:
* الَّلوْنُ الثالث: فخالفه إسماعيلُ بنُ عيَّاش، فرواه عن ابن إسحق، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا.
فجعل شيخ الزهريِّ هو: "عبيد الله" بدل "سالمٍ"، ونقل الحديث من "مسند ابن عمر" إلى "مسند أبي هريرة".
أخرجه الدارقطنيُّ (1/ 21) من طريق محمد بن وهبٍ، عن إسماعيل، وقال:
"كذا رواهُ محمد بنُ وهبٍ، عن إسماعيل بن عيَّاش بهذا الإِسناد.
والمحفوظ: عن ابن عيَّاش، عن محمد بن إسحق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه".
* قُلْتُ: والعُهدةُ -عندي- على إسماعيل بن عياش؛ لأن ابْنَ عيَّاش إذا روى عن أهل الحجاز جاء بالمناكير، وشيخه في الحديث ابنُ إسحق، وهو مدنيٌّ، فالاضطرابُ من هنا.
والذي يترجحُ من هذا الاختلاف الوجه الذي اتفق عليه الحفاظ وهو ابنُ إسحق، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله، عن أبيه. =
* * *
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وتوبع محمد بن جعفر أيضًا.
فتابعه عاصمُ بنُ المنذر، قال: دخلتُ مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانًا فيه مقراةُ ماءٍ، فيه جلدُ بعيرٍ ميِّتٍ، فتوضَّأ منه، فقُلتُ له: أتتوضأُ منه، وفيه جلدُ بعيرٍ ميت؟! فحدَّثنى عن أبيه، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم، قال:"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث".
أخرج أبو داود (65) وابن الجارود (46) والطيالسىّ (1954)(1)، وابنُ المنذر في "الأوسط"(ج 1 رقم 189)، والطحاويُّ في "الشرح"(1/ 16)، والدارقطنيُّ (1/ 22)، والبيهقُّي (1/ 262) والضياء في "المختارة"(ج 71/ ق 504/ 2) جميعًا من طريق حماد بن سلمة، ثنا عاصمُ بنُ المنذر به.
وروى لفظ الحديث هكذا عن حمادٍ جماعةٌ، منهم:
"موسى بن إسماعيل، وعفان بن مسلم، والطيالسيُّ، ويزيد بنُ هارون، وعبيد الله بن محمد العيشى، والعلاء بنُ عبد الجبار، ويعقوب بن إسحق الحضرميُّ، وبشر بنُ السريّ".
وخالفهم آخرون، فرووه عن حماد بن سلمة بسنده سواء، بلفظ:"إذا بلغ الماء قُلَّتين أو ثلاثًا لم يحمل الخبث".
هكذا على الشك.
من هؤلاء:
"وكيع بن الجراح، وأبو سلمة التبوذكىّ (2)، ويزيد بن هارون، =
(1) وعنده: "عن عاصم بن المنذر قال: كنا مع أبي لابن عمر
…
" وهذا المبهم هو: عبيد الله بن عبد الله بن عمر.
(2)
هو موسى بن إسماعيل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وعفان بن مسلم، وإبراهيم بن الحجاج، وهُدْبة بنُ خالدٍ، وكامل بن طلحة، وزيد بن الحباب، وعبيد الله بن محمد العيشى".
أخرجه ابن ماجة (518)، وأبو الحسن بن سلمة في "زوائده عليه"، وأحمد (2/ 23، 107)، وعبدُ بن حميد في "المنتخب"(818)، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام في "كتاب الطهور"(ق 19/ 1)، وابنُ جرير في "التهذيب"(1112، 1113 - مسند ابن عباس)، والدارقطنيُّ (1/ 22)، والحاكمُ (1/ 134)، والبيهقيُّ (1/ 262)، وابنُ الجوزى في "التحقيق"(1/ 11/ 8، 9).
* قُلْتُ: وهذا الاختلاف -عندي- عن حماد بن سلمة، فإنَّهُ وإن كان ثقةً، إلَّا أنه تغيَّر في آخر عمره رحمه الله، وإنما جعلنا الاختلاف منه دون غيره، لأنَّ الذين رووا عنه الوجهين جماعةٌ، وفيهم حُفَّاظٌ أثبات، منهم يزيد بن هارون، وعفان بنُ مسلم، وعبيد الله بن محمد العيشى، وأبو سلمة التبوذكى، فإنهم رووه بالَّلفظين معًا عن حمادٍ، فدلَّ أن الاختلاف منه دون غيره. والله أعلمُ.
هذا:
وقد خولف حمَّادُ بْنُ سلمة.
خالفه حمَّادُ بْنُ زيدٍ، فرواه عن عاصمٍ بن المنذر.
عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه موقوفًا غير مرفوع.
ذكره الدارقطنيُّ في "سننه".
فخالفه في موضعين:
الأول: في وقفه.
الثاني: في شيخ عاصم بن المنذر. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وأشار إلى الموضع الأول من الاختلاف أبو داود في "سننه" فقال: "حماد بن زيد وقفه عن عاصم".
فظاهر صنيع أبي داود أنَّ حماد بن زيد رواه بنفس رواية حماد بن سلمة لكن خالفه في رفعه وحماد بن سلمة إنما يرويه عن أبي داود عن عاصم بن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر لا عن أبي بكر بن عبيد الله. فاللهُ أعلمُ بمراده من ذلك.
وكذلك رواه إسماعيلُ بْنُ عُليَّة، عن عاصمٍ، عن رجُلٍ لم يُسمِّهِ، عن ابن عمر موقوفًا.
أخرجه ابنُ أبي شيبة في "المصنَّف"(1/ 144)، وابنُ جرير في "التهذيب"(1104 - مسند ابن عباس).
قال عباسُ بنُ محمد الدُّوْرى -كما في "تاريخ ابن معين"(4/ 240) -: "سمعتُ يحيى وسئل عن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر (1) عبيد الله بن عبد الله بن عمر
…
فقال: هذا خَيِّر الإسناد -أو قال يحيى: هذا جيدُ الإسناد-. قيل له: فإن ابن عُليَّة لم يَرْفَعْهُ.
قال يحيى: وإنْ لم يحفظه ابنُ عُليَّة، فالحديثُ جَيِّدُ الإِسناد، وهو أحسنُ
(1) وقع في "التاريخ": "عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر" كذا! ولعل لفظة "ابن"، زائدة، وصوابه "عن أبي بكر عبيد الله" لأن "أبا بكر" كنيةُ عبيد الله، والذي جعلنى أميلُ إلى ذلك أن حماد بن سلمة إنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن المنذر، عن عبد الله بن عد الله بن عمر، أمَّا حماد بن زيد فهو الذي يرويه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله. فإت ثبت أنَّ النصَّ صحيحٌ، فيكون اختلافًا آخر على حماد بن سلمة. والله أعلمُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= من حديث الوليد بن كثير (1) " اهـ.
* قُلْتُ: وهذا الترجيحُ من يحيى صحيحٌ، لأنَّ من حفظ حجةٌ على من لم يحفظ، وعندى أنَّهُ لا اختلاف بين الروايتين في الرَّفع والوقف، ومما يدلُّ على ذلك أن حمَّادَ بْنَ سلمة قد رواه موفوفًا أيضًا.
أخرجه الطحاويُّ في "الشرح"(1/ 16) قال: حدثنا ربيعُ المؤذِّنُ، ثنا يحيى بن حسَّان، ثنا حماد بنُ سلمة به موقوفًا على ابن عمر.
وهذا سندٌ صحيحٌ.
وربيعٌ هذا، هو ابن سليمان المراديُّ تلميذُ الشافعىِّ وراوية كتبه، وهو ثقةٌ مأمونٌ، ويحيى بن حسان ثقةٌ متفق عليه.
* قُلْتُ: فيظهر من هذا التحقيق أن محمد بن جعفر بن الزبير، يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر -المصغر-، عن أبيه.
وقد اختُلف على الوليد بن كثير فيه.
فرواه أبو أسامة، عنه، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله -المُكبَّر- ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه.
فصار شيخُ الوليد بن كثير هو: "محمد بن عباد بن جعفر" لا "محمد ابن جعفر بن الزبير".
أخرجه أبو داود (63)، وابنُ الجارود في "المنتقى"(44)، وابنُ أبي حاتمٍ في "العلل"(ج 1 / رقم 96)، وابنُ حبان (117)، وابنُ الأعرابىّ في "معجمه"(ج 1 / ق 7/ 2)، وابن جرير في "التهذيب"(1108)، والدارقطنيُّ (1/ 15، 16)، والحاكم (1/ 133)، والبيهقيُّ (1/ 260، 261).
(1) وهو يقصد حديث الوليد بن كثير في بئر بضاعة كما صرح عباس الدورى عقب كلام ابن معين وكذا الحاكم على ما نقله العلائى في "جزئه"(ق 8/ 2).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وقد رواه عن أبي أسامة -هكذا- جماعةٌ من أصحابه، منهم:
"أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، والحسنُ بنُ عليّ بن عفان، ومحمد بن عثمان الوراق، وحجاجُ بنُ حمزة، ومحمد بن سعيد القطان، والحميديُّ، وأحمد بنُ زكريا بن سفيان الواسطيُّ، ومحمد بن حسَّان الأزرق، ويعيشُ ابنُ الجهم، وأبو مسعود أحمدُ بنُ الفرات، ومحمد بن الفضيل البلخيُّ، ومحمد بن عثمان بن كرامة، وأحمدُ بْنُ عبد الحميد الحارثيُّ، وسفيان بنُ وكيع، والحسين بنُ علىّ بن الأسود، وعليُّ بنُ شعيب، وعليُّ بنُ محمد بن أبي الخصيب".
وتابعهمُ الشافعيُّ، قال: أخبرنا الثقةُ، عن الوليد بن كثير، بسنده سواء.
أخرجه في "مسنده"(ج 1 رقم 36) وفي "الأم"(1/ 4) ومن طريقه الحاكمُ في "المستدرك"(1/ 133) وقال:
"الثقةُ: هو أبو أسامة بلا شكٍّ فيه".
وقد نظر أهل العلم في هذا الاختلاف، فمنهم من رجَّحَ، ومنهم من جمع.
فممَّنْ رجَّح، أبو داود السجستانيُّ - صاحبُ السُّنن.
فقال فيها: "وقال عثمانُ والحسنُ بنُ عليّ: "عن محمد بن عباد بن جعفر، وهو الصوابُ".
وقال ابنُ أبي حاتمٍ في "العلل"(ج 1 / رقم 96):
"قُلْتُ لأبى: إن حجاج بْنَ حمزة حدَّثنا عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، فقال: عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر مرفوعًا. فقال أبي محمد بن عباد بن جعفر ثقةٌ، ومحمد بن جعفر بن الزبير ثقةٌ، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبهُ" اهـ.
وقال ابنُ مندة -كما في "نصب الراية"(1/ 106) -:
"اختُلف على أبي أسامة، فرُوى عنه عن الوليد بن كثير، عن محمد =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ابن عباد بن جعفر، وقال مرةً: عن محمد بن جعفر بن الزبير، وهو الصوابُ" اهـ.
* قُلْتُ: فرجَّح أبو حاتم والخطابي ويأتي ردُّ العلائى عليه، وابنُ مندة رواية:"محمد بن جعفر بن الزبير"، ورجح أبو داود رواية:"محمد بن عباد بن جعفر"، وليس يصار إلى الترجيح إلَّا مع عدم إمكان الجمع، والجمعُ ممكنٌ، بل هو الراجح يقينًا.
فقد رواه شعيب بن أيوب، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن جعفر ومحمد بن عباد، عن عبد الله -المكبر- ابن عبد الله عن عمر، عن أبيه.
أخرجه الدَّارقطنيُّ (1/ 18)، والحاكمُ (1/ 133)، والبهقيُّ (1/ 260 - 261) قال الدَّارقطنيُّ:
"فلما اختُلف على أبي أسامة في إسناده، أحببنا أن نعلم مَنْ أتى بالصواب، فنظرنا في ذلك فوجدنا شعيب بن أيوب قد رواه عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير على الوجهين جميعًا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، ثمَّ أتبعه عن محمد بن عباد بن جعفر، فصح (1) القولان جميعًا، عن أبي أسامة، وصحَّ أن الوليد بن كثير رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن =
(1) علَّق أبو بكر بن العربى رحمه الله على كلام الدارقطني فقال في "أحكام القرآن"(3/ 1420): "وقد رام الدارقطنيُّ على إمامته أن يصحح حديث القلتين فلم يستطع، واغتصَّ بجُريعة الذقن فيها، فلا تعويل عليه". اهـ.
* قلْتُ: فإن لم يكن التعويل على الدارقطنىّ وأمثاله فعلى من يكون؟.
وكلام الدارقطنىّ رحمه الله جارٍ على الأصول، وهو دالٌّ على تبحره وتسنمه ذروة هذا الفن، وأبو بكر بن العربى مع جلالته، لا يجرى في مضمار الدارقطنىّ وأمثاله، فرحمهما الله وغفر لهما.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= محمد بن عباد بن جعفر جميعًا، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، فكان أبو أسامة مرة يُحدث به عن الوليد عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة يُحدث به عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفرٍ، والله أعلم". اهـ.
وقال الحاكمُ:
"هذا خلاف لا يوهنُ هذا الحديث، فقد احتجَّ الشيخان جميعًا بالوليد ابن كثير، ومحمد بن عباد بن جعفر (.....)(1) وإنما قرنه أبو أسامة إلى محمد بن جعفر ثمَّ حدَّث به مرةً عن هذا، ومرةً عن ذاك .. ثمَّ قال بعد رواية شعيب بن أيوب:
(1) هنا سقطٌ من "المستدرك المطبوع" ثمَّ وجدتُه والحمد لله.
ففي "ذيل الميزان"(647) للحافظ العراقي في ترجمة محمد بن عباد بن جعفر، قال:"تكلَّم فيه الحاكم في "المستدرك" عقب حديث القلتين، فقال: احتج الشيخان جميعًا بالوليد بن كثير ومحمد بن جعفر بن الزبير، قال: فأمّا محمد بن عباد بن جعفر فغيرُ مُحتجّ به، وإنما قرنه أبو أسامة إلى محمد بن جعفر، ثُمَّ حدَّث به مرة عن هذا، ومرةً عن ذاك. وقد تعقبه البيهقيُّ في "الخلافيات" فقال: "قولُ شيخنا رحمه الله في محمد ابن عباد بن جعفر أنه غير محتجٍ به سهوٌ منه، فقد أخرج البخاريُّ ومسلم حديثه في غير القلتين في الصحيح، فاحتجا به". اهـ.
قال الحافظ العراقي:
"قلتُ: إن أراد الحاكمُ أنه غيرُ محتج به في "الصحيحين" فهو وَهمٌ فقد احتجا به في حديثه عن جابرٍ في النهى عن صوم يوم الجمعة، واحتج به البخاريُّ في حديثه عن ابن عباسٍ في نزول قوله تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم}، واحتج به مسلمٌ في حديث له عن ابن عمر وحديثٍ له عن أبي هريرة وغير ذلك وإن أراد أنه غير محتجٍ به مطلقًا فليس كذلك، فقد وثقه ابنُ معين وأبو زرعة، وأبو حاتمٍ، وابنُ سعدٍ، وابنُ حبان، وروى عنه الأئمةُ: الزهريُّ وابن جريح والأوزاعيُّ، ولم أر لغير الحاكم فيه جرحًا، وعلى تقدير أن يكون الحاكمُ أراد أنه غير محتجٍ به في "الصحيحين" فلا ينبغى أن يكون تضعيفًا لأنَّ جماعةٌ من الثقات لم يحتج بهم الشيخان، ولم يُتكلم فيهم بجرحٍ. والله أعلم". اهـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= "قد صحَّ وثبت بهذه الرواية صحةُ الحديث، وظهر أن أبا أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير عنهما جميعًا، فإن شعيب بن أيوب ثقةٌ مأمونٌ وكذلك الطريق إليه".
ونقل البيهقيُّ في "المعرفة" عن الحاكم قوله:
"الحديث محفوظٌ عنهما جميعًا أعنى: عبيد الله وعبد الله، كلاها رواه عن أبيه" وقال: وذهب إليه كثيرٌ من أهل الرواية.
وقال الحافظُ العلائى في "جزء له في تصحيح هذا الحديث"(ق 2 - 3)، بعد أن ساق بعض الطرق:
"فقد ثبت بهذه الطرق عنهم روايةُ الحديث عن أبي أسامة على الوجهين جميعًا، وذلك يُفيد كونه عند أبي أسامة عنهما جميعًا وإلا لما اختلف الرجل الواحدُ في ذلك، خصوصًا ابنا أبي شيبة في حفظهما وإتقانهما.
وقد حكي الترمذي في "كتاب العلل" له أنه سأل الإِمام أبا عبد الله البخاري رحمه الله عن حديث: "أفطر الحاجم والمحجوم"(1) وما فيه من الاضطراب، فإن جماعة رروه عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان ورواه آخرون عن أبي قلابة عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس. فقال البخاريُّ: كلاهما عندي صحيحٌ لأن يحيى بن أبي كثير رواه عن أبي قلابة على الوجهين فروى الحديثين جميعًا.
قال الترمذي: وهكذا ذكروا عن علي بن المدينى، يعني أنه صحح الحديثين جميعًا لكون يحيى بن أبي كثير رواهما عن أبي قلابة. نعلم بهذا أن=
(1) حديثٌ صحيحٌ، وقد خرجته تخريجًا وافيًا في "جنة المرتاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب"(ص 373 - 398). ولى فيه جزءٌ مفردٌ، لعله ينشر قريبًا إن شاء الله تعالى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= الراوى الواحد إذا كان ضابطًا متقنًا وروى الحديثين على الوجهين المختلف فيهما أنّ كلا منهما صحيحٌ. ثمَّ نقولُ قد روى شعَيبُ بن أيوب الصريفينى هذا الحديث عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عباد بن جعفر، ومحمد بن جعفر بن الزبير جميعًا كلاهما عن عبد الله بن عبد الله بن عمر. أخرجه كذلك الحاكم في "مستدركه" وقال: شعَيبٌ ثقةٌ مأمونٌ، وكذلك رواه الدارقطنيُّ ووثق شُعَيبًا أيضًا، فثبت بذلك أن الحديث عند أبي أسامة عنهما جميعًا، وإنما كان يرويه تارة عن أحدهما، وتارةً يجمع بينهما. ولا يُعترضُ على هذا بما رُوى عن أبي داود أنه قال:"إنى لأخاف الله في الرواية عن شعيب بن أيوب" لأنه قد روى عنه في "سننه"، ولو كان كذلك لم يرو عنه ولم يضعِّفْهُ وكلامه هذا محتمل (1)، وقد ذكره ابنُ حبان في "كتاب الثقات" ومثلُ هذا في الحديث كثيرٌ .. =
(1) قلت: وقول العلائي: ولو كان كذلك لم يرو عنه، فيه نظر؛ لأن أبا داود تكلم في رواةٍ كثيرين وأخرج لهم في "سننه"، وربما يكون قول أبي داود إنما كان لأن شعيب بن أيوب ولى القضاء، ولأن القاضى لابد أن يتلبس بشىء من المظالم فكان بعض العلماء يتورع فيترك الرواية عنه. وقد ذكر ابن أبي خيثمة في تاريخه قال: خرجنا إلى مكة فقلت لأبي: عمن أكتب؟ فقال: لا تكتب عن أبي مصعب واكتب عمَّن شئت، هذا مع أن أبا مصعب وهو أحمد بن أبي بكر راوي الموطأ من الثقات الفحول، ولم يدر الذهبي وجهًا سائغًا لهذه القولة، بينما قال الحافظ في "التهذيب" (1/ 20):"يحتمل أن يكون مراد أبي خيثمة دخولُه في القضاء أو إكثاره من الفتوى". ومثله ما ورد في ترجمة أحمد بن إسحق بن زيد أنَّ أبا بكر المروذى قال: قيل لأحمد: كتبت عنه؟ قال: لا، تركتُه على عمدٍ -قيل له: أيشٍ أنكرت عليه؟ قال: كان عندي إن شاء الله صدوقًا، ولكتى تركتهُ من أجلِ ابن أكثم، دخل له في شىء. والأمثلة على ذلك كثيرة. فلو صحَّ أن أبا داود تكلَّم في شعيب بن أيوب لذلك، فهو غير قادح بلا ريبٍ، وليس في العبارة ما يقتضي جرحًا، وهي مجملة غير مفسرة، فالعمل على التعديل المحقق. والله الموفق.
. . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فمثل ذلك حديثُ أبي هريرة: "مثل المهجر إلى الجمعة كالمهدى بدنة .. الحديث" رواه سفيان بن عيينة وغيرهُ عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أن هريرة ورواه (
…
) (1) وغيرُهما عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. ورواه معمر بن راشد ويونس بنُ يزيد وغيرهُما عن الزهريّ، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة. وقال شعَيبُ ابنُ أبي حمزة وغيرهُ: عن الزهريّ، عن أبي سلمة وعن الأغر كلاهما عن أبي هريرة، ورواه يحيى بن سعيد الأنصارى عن الزهري، عن الثلاثة جميعًا: سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر، فيثبتُ بذلك صحة كل الأقوال، وأنّ الزهرىّ كان سمعه من الثلاثة، فتارة يجمع بينهم، وتارة يرويه عن اثنين، وأخرى عن واحد فقط، والكل صحيحٌ، وكذلك حديثُ القلتين. وقد ظنَّ الإِمام أبو سليمان الخطابى أنَّ إحدى الروايتين غلطٌ، وجعل الصحيح من حديث أبي أسامة كونه عنده عن محمد بن جعفر بن الزبير لما رأى محمد بن إسحق بن يسار قد رواه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وأنَّ من قال فيه:"محمد بن عباد بن جعفر" فقد غلط، وليس الأمر كذلك لما قد تبين من كونه عند أبي أسامة عنهما جميعًا، وأيضًا قد تقدَّم أنَّ كُلا من الروايتين، رواهما عدد كثير من الأثبات المتقنين عن أبي أسامة، والغلطُ عليهم بعيدٌ، بل لو انفرد واحدٌ بروايته كذلك دون سائر الرواة أمكن أنْ يقال: إنّهُ وهم فيه. ومثالُ ذلك ما روى عبيد الله بن محمد بن عائشة هذا الحديث عن أبي أسامة عن محمد بن إسحق عن محمد بن جعفر بن الزبير، ولم يتابعه على قوله:"محمد بن إسحق" أحدٌ، إنما سائر الرواة عن أبي أسامة قالوا فيه: عن الوليد بن كثير فالذي =
(1) غير واضح بالأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= يظهرُ -والله أعلمُ- أنّ هذه الرواية غلط، وإنْ كان ابنُ عائشُة ثقة. وكونه عند أبي أسامة عن الوليد وابن إسحاق معًا مُمكنًا نردها برواية بضعة وعشرين نفسًا من الثقات عن أبي أسامة بخلاف ذلك، والله أعلمُ" اهـ.
* قلْتُ: وهو تحقيقٌ نفيسٌ غالٍ، جزاه الله خيرًا.
وقال الحافظُ في "التلخيص"(1/ 28):
"إنَّ هذا ليس إضطرابًا قادحًا، فإنه على تقدير أن يكون الجميعُ محفوظًا، انتقالٌ من ثقة إلى ثقةٍ، وعند التحقيق، الصوابُ أنه عن الوليد ابن كثير، عن محمَّد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر -المكبر-، وعن محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر -المصغر- ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم" اهـ.
فتعقَّبهُ الشيخ أبو الأشبال في "شرح الترمذي"(1/ 99) بقوله:
"وما قاله من التحقيق غير جيدٍ، والذي يظهر من تتبّع الروايات أنّ الوليد بن كثير رواه عن محمَّد بن جعفر بن الزبير، ومحمد بن عباد بن جعفر، وأنهما كلاهما رواياه عن عبد الله وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر". اهـ
* قُلْت: وما قاله أبو الأشبال حقٌّ، يظهر ذاك مما تقدّم من التحقيق.
رحمه الله ورضى عنه.
لكن قوله: إنهما روياه عن عبد الله وعبد الله ابني عبد الله بن عمر، إن أراد أنَّ محمد بن عباد بن جعفر رواه عن عبد الله بن عمر وهو ظاهرُ عبارته فقد وهم، إنما يرويه محمَّد بن عباد بن جعفر عن عبد الله -المكبرّ- وحده كما حققتهُ، أمَّا محمَّد بن جعفر بن الزبير فيرويه عنهما جميعًا. واللهُ الموفق.
فهذا هو الجواب عن دعوى أنه مضطرب السند.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= * الوجه الثانى: أنّ ما وقع في متنه من الاختلاف لا يضرّ، وبالترجيح يزول الاضطراب.
فرواية: "إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا" هكذا على الشكٌ فقد حققنا أنه من حماد بن سلمة، وأنه كان قد تغيرّ في آخر عمره، ولا ريب عندنا أن الحديث بلفظ "القلتين" أقوى للمتابعات السابقة وقال البيهقي (1/ 262):
"ورواية الجماعة الذين لم يَشُكوُّا أولى".
أما لفظ: "أربعين قلَّةً" فباطلٌ.
أخرجه ابنُ عديّ في "الكامل"(6/ 2058) والعقيلى في "الضعفاء"(3/ 473)، والدارقطنىّ (1/ 26)، والجوزقانى في "الأباطيل"(ج 1 / رقم 320)، وابنُ الجوزيّ في "الموضوعات"(2/ 77) وفي "التحقيق"(1/ 12 /10) من طريق القاسم بن عبد الله العمرى، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابرٍ مرفوعًا:"إذا بلغ الماء أربعين قُلَّة، فإنه لا يحملُ خبَثًا".
قال ابنُ عدىّ:
"وهذا، بهذا الإسناد، بهذا المتن لا أعلمُ يرويه غير القاسم، عن ابن المنكدر، وله عن ابن المنكدر غير هذا من المناكير".
وقال الدارقطني: "كذا رواه القاسم العمري عن ابن المنكدر عن جابر، ووهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ".
وقال البيهقي في "السنن"(1/ 262):
"فهذا حديث تفرد به القاسم العمريُّ هكذا، وقد غلط فيه وكان ضعيفًا في الحديث، جرحه أحمد بن حنبل، ويحيى بنُ معين والبخاريُّ وغيرُهم من الحفاظ. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظُ قال: سمعتُ أبا عليٍّ الحافظ يقول: حديث محمَّد بن المنكدر، عن جابرٍ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= خطأ، والصحيحُ: محمَّد بن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو قوله".
وقال ابن الجوزي:
"هذا حديث لا يصح عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم، والمتهمُ بالتخليط فيه: القاسم بنُ عبد الله العمريُّ. قال العقيليّ: قال عبد الله بن أحمد: سألتُ أبي عنه فقال: أف! أف! ليس بشىء".
*قلت: وتركه أبو حاتم والنسائي.
وقال البخاريُّ:
"سكتوا عنه".
وهذا جرحٌ شديدٌ عنده.
بل كذبهُ أحمد وابنُ معين: وبه أعله ابن عبد الهادي في "التنقيح"(ق 4/ 2).
وقد خالفه سفيان الثوري، فرواه عن ابن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو، موقوفُ عليه.
أخرجه ابنُ أبي شيبة (1/ 144)، وأبو عبيد في "كتاب الطهور"(ق 19/ 2) وابن جرير في "التهذيب"(1087، 1088 - مسند ابن عباس)، والعقيليُّ (3/ 473)، والدارقطنيُّ (1/ 27)، والبيهقي (1/ 262). وتابعه روح بن القاسم، عن ابن المنكدر.
أخرجه ابن جرير (1089)، والدارقطنيُّ، والبيهقيُّ.
وكذا معمر، عن ابن المنكدر.
أخرجه ابن جرير (1095)، والدارقطنيّ، والبيهقيّ.
وخالفهم أيوب السختياني، فرواه عن ابن المنكدر، ولم يتجاوزه.
أخرجه ابنُ أبي شيبة (1/ 144)، وابن جرير (1090)، والعقيليُّ (3/ 473)، والبيهقيّ.=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وأظنُّ أنّ هذا من أيوب رحمه الله، فكثيرًا ما يأخذ بالأقل، وقد أوقف أحاديث كثيرة هيبةً وورعًا رفعها الحفاظ الأثبات. فالصواب في الوقفُ. والله أعلمُ. وانظر (ص 76).
وله شاهدٌ عن أبي هريرة، قال:
"إذا كان الماء أربعين غَرْبًا، لم يفْسدْهُ شىءٌ".
أخرجه ابنُ جرير في "التهذيب"(1091) من طريق ابن المبارك، أخبرنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثنا بشير بن عمرو الخولانى، عن عكرمة، عن أبي هريرة.
ورجالُه ثقات.
وأخرجه أبو عبيد في "كتاب الطهور"(ق 19/ 2) ومن طريقه الخطيبُ في "التلخيص"(679/ 2) قال: ثنا ابنُ أبي مريم، عن ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بنُ أبي حبيب، عن سليمان بن سنان المزنيّ، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، عن أبي هريرة وتابعه بشرُ بنُ السريّ، عن ابن لهيعة به.
أخرجه الدارقطني (1/ 27).
وخالفهما عبد الله بن المبارك فقال: أخبرنا ابنُ لهيعة، قال: حدثني يزيد ابنُ أبي حبيب، عن عمرو بن حريث، عن أبي هريرة قال:"لا يُجنب أربعين دلوًا شىءٌ".
أخرجه ابنُ جرير (1092).
وتابعه عمرو بن طارق، عن ابن لهيعة به.
أخرجه أبو عبيد (ق 19/ 2).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= * قُلْتُ: فهذا الاختلاف في إسناده هو من ابن لهيعة، ورواية ابن المبارك عنه أصلحُ، لأنه من قدماء أصحابه.
وعمرو بن حريث لم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهولُ الحال.
والله أعلمُ.
وأخرجه ابنُ جرير (1093) عن ابن المبارك أيضًا، عن ابن لهيعة، قال: حدثني يزيدُ، أنَّ ابنَ عباسٍ، قال:"الحوضُ لا يغتسلُ فيه الجنُبُ، إلا أن يكون أربعين غربًا".
وأخرجه ابن جرير أيضًا (1094) عن ابن المبارك، أخبرنا ابنُ لهيعة عن خالد بن أبي عمران، قال: سمعتُ محمَّد بن كعب القُرظى يقول: "إذا كان الماء أربعين غربًا، فلا بأس".
فهذا الاختلاف على ابن لهيعة في سنده يُشعر أنه لم يضبطه، حتى وإن كان الراوى عنه ابن المبارك.
وقد قال ابنُ حبان في "المجروحين"(1/ 75):
"ورأيتُ في القديم (1) أشياء مدلَّسةً، وأوهامًا كثيرةً تدلُّ على قلة مبالاةٍ كانت فيه قبل احتراق كتبه".
ولو عوَّلنا على طريق عكرمة، عن أبي هريرة، لم يكنْ فيه حجةٌ في مخالفة الحديث المرفوع، إذ هو رأىٌ واجتهادٌ.
ولذا قال البيهقي (1/ 263):
"وابنُ لهيعة غيرُ محتج به، وقولُ من يوافق قوله من الصحابة قولَ =
(1) أي في قديم حديثه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى أن يُتبَّع، وبالله التوفيق". اهـ.
وقال الحافظ العلائى في "جزء في تصحيح حديث القلتين"(ق 9):
"فثبت أن الحديث (1) مرفوعًا ليس بصحيحٍ، ولا يجوز الاحتجاج به.
وأما ما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه، فهو ما رواهُ عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان، عن عبد الرحمن ابن أبي هريرة، عن أبيه قال:"إذا كان الماء أربعين قُلَّةً لم يحمل خبثًا".
وابنُ لهيعة ضعيفٌ لا تقومُ به الحجةُ. قال الدارقطنيّ: خالفه غيرُ واحدٍ رووه عن أبي هريرة: "أربعين غربًا" ومنهم من قال: "أربعين دلوًا"، فلم يصح عن أبي هريرة قوله:"أربعين قلةً"، ولو صحَّ ذلك لم يكن معارضًا لقول رسول الله-صلى الله عليه وسلم، وليس أبو هريرة من رواة حديث القلتين حتى يُعلَّلَ الحديث بقوله عند من يقول بأن مخالفة الصحابيّ الراوى للحديث يؤثر فيه. فثبت صحةُ حديث ابن عمر في اشتراط بلوغ الماء قلتين في دفع النجاسة. قال الإِمام أبو سليمان الخطابي: الحديث صحيحٌ احتج به الشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحق بن راهويه، وأبو عبيد ويحيى وآخرون غيرُهم. وممن صحَّحهُ الإِمام أبو جعفر الطحاويُّ الحنفيّ ولم يعترض على سنده بشىءٍ وإنما اعترض عليه بحمل مقدار القلتين، وأنه ليس له حد محدودٌ، والجواب عن ذلك موضعُهُ غير هذا، والله أعلمُ" اهـ.
* قُلْتُ: فحاصلُ البحث أن الَّلفْظ الثابت هو لفظُ حديث الباب، وما دون ذلك لم يثبت فينتفى الاضطراب رأسًا، والحمد لله على التوفيق. =
(1) يعني حديث: "إذا بلغ الماء أربعين قُلَّةً".
. . . . . . . . . . . . .
ــ
= *الوجهُ الثالثُ: أنّهُ مُعلّ بالوقف.
قالوا: "إنّ مجاهد بن جبرٍ أوقفه على ابن عمر، ومجاهدُ ثقةْ ثبتٌ، وقد رجح وقفه البيهقيّ والمزى وابن تيمية".
فالجواب أن يقال:
روى هذا الحديث معاوية بن عمرو، قال: نا زائدةُ بنُ قدامة، عن ليثٍ، عن مجاهد، عن ابن عمر موقوفًا:"إذا كان الماء قُلّتين، لم يحمل خبثًا".
أخرجه الدارقطني (1/ 23)، والبيهقيّ (1/ 262).
وخالفه محمَّد بن كثير المصيصى، فرواه عن زائدة بسنده سواء إلَّا أنه رفعه.
أخرجه الدارقطنيّ أيضًا، وقال:
"الموقوفُ هو الصواب".
وقال في "العلل"(ج2/ 28 / 2):
"والموقوف أصحُّ".
* قُلْتُ: وليس معنى قوله "أصحٌّ" أنه صحيحٌ، ففى السندِ ضعْفٌ، وليث بْنُ أبي سُلَيْمٍ فيه مقالٌ معروفٌ.
وقد خالفه أبو إسحاق السبيعى، فرواه عن مجاهد، ولم يتجاوزْهُ.
أخرجه ابنُ أبي شيبة في "المصنَّف"(1/ 144)، وأبو القاسم البَغَويُّ في "مسند ابن الجعد"(ج 2 /رقم 2201) من طريق شريك النخعى، عن أبي إسحاق.
وشريكٌ فيه مقالٌ، ولكن تابعه سفيانُ الثَّوْرى، عن أبي إسحاق به. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أخرجه ابنُ جرير في "التهذيب"(1102).
وقد توبع أبو إسحق.
تابعه ولدُهُ يونس قال: سمعْتُ مجاهدًا يقولُ: "إذا كان الماء قُلَّتين، لم يُنجِّسْهُ شىءٌ".
أخرجه أبو عبيد في "الطهور"(ق 19/ 2)، وابنُ جرير (1103) وخالفهم لوط، فرواه عن أبي إسحق، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:"إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا".
أخرجه ابنُ جرير (1101)(1)، والدارقطني (1/ 25)، والبيهقي (1/ 262) من طريق ابن جريج، أخبرنى لوط به.
* قلْتُ: ولوط هذا لعلّه ابن يحيى، فإن يكُنْهُ فهو تالف لا يوثق به ليس بثقةٍ، تركه أبو حاتمٍ وغيرهُ.
وقال ابنُ عدي: "شيعي محترقٌ".
فهذا اختلافٌ على مُجاهدٍ، الراجح منه أنه من قوله، والموقوف فيه ضعفٌ، فكيف يُعارضُ حديث عبيد الله وأخيه بمثل هذا؟!!
ثُمَّ أعلم أنَّ قول من قال: "إن البيهقىّ رجح وققه" فيه تدليسٌ أو غفلة، لأنه يوهم بهذا القول أن البيهقيَّ يرجح أن الموقوف على مجاهد أرجح من حديث عبيد الله المرفوع!! =
(1) وقع في "تهذيب الآثار": "
…
عن أبي إسحق، عن محمد، عن ابن عباس" و "محمد" إنما تصحّف عن" مجاهد" يقينًا، ولذلك لم يترجم له الأستاذ محمود شاكر؛ وكنت أظن أن يتفطَّن إليه، والغريبُ أنه قال: "وأبو أسحق لم أستطع أن أتحقق من يكون"!! وهو السبيعى بلا تردُّدٍ .. والله الموفق.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وليس كذلك. إنما رجح البيهقيُّ أن الحديث المرفوع من طريق مجاهد لا يصحُّ والموقوف هو الصواب كما ذكرنا ذلك قبل، وقلنا: ليس معنى قوله: "هو الصواب" أنه صحيحٌ.
ولو سلمنا -جدلًا- أن موقوف مجاهدٍ صحيحٌ، ولزمنا الترجيحُ لرجحنا حديث عبيد الله بن عبد الله بن عمر، لأنه أولى في أبيه وأخصُّ به من مجاهدٍ، فكيف وقد تابعه أخوهُ عبدُ الله؟!!
…
* الوَجْهُ الرَّابِعُ: فقولهم: "إنه شاذٌّ".
فالجوابُ: أنه ليس بشاذّ، وقد قال الشافعيّ رحمه الله "ليس الشاذُّ أن ينفرد الثقةُ برواية الحديث، بل الشاذُّ أن يروي خلاف ما رواه الثقات".
فيقال لهم: أين السبيل إلى معرفة من هو أوثق من ابن عمر ويروى حديثًا خلاف روايته؟! ولن يجدوا إليه سبيلًا.
وأما قولُهم: "إن صحة السند لا تستلزمُ صحة المتن المروى به"(1). =
(1) وهذا القولُ استغلهُ بعض الجهلة بعلم الحديث في عصرنا أسوأ استغلال ومنهم الشيخ محمَّد الغزالى المصري، فإنه يأتى على كل حديث لا يوافق هواه وإن كان في "الصحيحين"، وإسنادُة في غاية القوة، ولم يتكلم عالمٌ في الدُنيا عليه بشىء، فيقول: هذا باطلٌ وإن كان سندُهُ صحيحًا؛ لأنّ صحة السند لا تستلزم صحة المتن!! وجهل المشار إليه أن الذي يُعلُّ الحديث بهذا النوع من الإعلال لا بد أن يكون ناقدًا بصيرًا، أمضى عمره في هذا الفن بحيث اختلط بشحمه ولحمه، فتصير له ملكةٌ فيه، هذا مع الورع والخوف من الله، أمّا المذكور فقد علمنا أنه متخلفُ النظر في هذا العلم، فاقدٌ لأسباب الفلاح فيه، وقد بينتُ شيئًا يسيرًا من بضاعته في العلم في "طليعة =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فهذا صحيحٌ، ولكن قال العلماءُ: إذا قال عالمٌ ناقدٌ يُرجع إلى قوله إنَّ هذا السند صحيحٌ، فهذا إعلامٌ بصحة المتن أيضًا، وإلاّ ففيه إهدارٌ لأهمية الإسناد، وهذا الحديث قد حكم بصحة إسناده ومتنه جماعةٌ من أعيان العلماء تقدم ذكرهم.
وأما قولُهم: "أين نافعٌ، وسالمٌ، وأيوبُ
…
" ففى غاية العجب، فما من واحدٍ من هؤلاء وغيرهم إلَّا تفرَّد عن بعض الصحابة بسُنَّةٍ لا يشاركه فيها أحد.
وقد تفرَّد الزهريُّ بنحوٍ من ستين سُنَّةٍ، لم يروها غيرُهُ وعملت بها الأمة، ولم ترُدَّها بتفَرُّده.
ولا نذهبُ بعيدًا في ضرب الأمثال، فحديث "إنما الأعمال بالنيات" تفرد به عمر بنُ الخطاب رضي الله عنه، ولم يروه عنه إلَّا علقمةُ بنُ وقاصٍ، ولا عن علقمة إلَّا محمَّد بن إبراهيم التيمي، ولا عن محمدٍ إلَّا يحيى ابنُ سعيد الأنصاريّ. =
= سمط اللآلي" وسيأتى الكتابُ في جزئين يفضحان بجلاء علم هذا المتسور لمنبر الاجتهاد مع عرائه عن مؤهلاته.
فله من الأقوال الفاسدة، والآراء الكاسدة ما يستحقُّ عليه التعزيز الشديد، والحجْرَ المديد، هذا مع سلاطةٍ في اللسان، وصلابةٍ في العناد، نسأل الله الصون من الغواية، والسلامة في النهاية، وهو حسبُنا ونعم الوكيل. ويرى القارئ أنني قد قسوتُ، فأقول: نعم، غير أنني لم أتجن عليه، ولكل مقامٍ مقال.
وصدق المتنبي إذ يقول (2/ 11):
ووضع الندى في موضع السيف بالعُلا
…
مُضرٌّ، كوضع السيف في موضع الندى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وقال الإمام أحمد: "مدار الإِسلام على ثلاثة أحاديث .. " فذكره منها.
وكذا قال جماعةٌ من العلماء كأبى داود وغيره.
فهل يُقال: أين سائر الصحابة حتى يتفرد عمر بهذا الحديث الجليل، الذي يحتاج إليه في جميع أبواب العلم؟!
وفي "صحيح البخاري"(1/ 9) قال علقمة: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر يخطب .. فهذا يُبين أن هذا الحديث سمعه جمع غفيرٌ فهذا أدعى لانتشاره، فكيف تفرد به علقمة دون أولئك؟!
أم ترى أن الجميع كان نائمًا إلا علقمة فسمعه، أم لم يكن في المسجد أحدٌ غيرهُ؟! تالله إن هذا لعجبٌ عجابٌ.
ثُمّ أين أصحاب علقمة حتى يتفرد به محمَّد بن إبراهيم التيمي، وأين أصحاب التيمي حتى يتفرد به يحيى بنُ سعيد الأنصارى؟!
ولو طردنا هذا القول الفاسد لأدانا إلى طرح الكثير من السنن ثمّ إن هذا القول يؤدى إلى رد رواية الثقة العدل بدون موجبٍ لردِّها، وسوء ظن به من غير حجةٍ ناهضةٍ، فنعوذ بالله من التحكم والاعتساف، وقلة الإنصاف.
واعلم أن الإعلال بهذه الطريقة، هو شنشنةٌ قديمة عهدناها من أهل الأهواء إذا أعوزتهم الحجة، وضاق عطنُهم أمام خصومهم.
وقد قال ابن القيم رحمه الله في "إغاثة اللهفان"(1/ 441) عند مناقشة من طعن في حديث ابن عباس في المطلقة ثلاثًا:
"وقد ردَّهُ آخرون بمسلكٍ أضعف من هذا كلِّه فقالوا: هذا حديث لم =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= يروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا ابن عباس وحدهُ، ولا عن ابن عباس إلّا طاووس وحده.
قالوا: فأين أكابرُ الصحابة وحفاظُهم عن رواية مثل هذا الأمر العظيم، الذي الحاجةُ إليه شديدةٌ جدًّا؟ فكيف خفى هذا على جميع الصحابة وعرفه ابنُ عباسٍ وحده؟ وخفى على أصحاب ابن عباس كلهم، وعلمه طاورس وحده؟!! وهذا أفسدُ من جميع ما تقدّم، ولا ترد أحاديثُ الصحابة وأحاديثُ الأئمة الثقات بمثل هذا. فكم من حديثٍ تفرد به واحدٌ من الصحابة، لم يروه غيرُهُ، وقبلته الأمة كلهم، فلم يردَّهُ أحدٌ منهم، وكم من حديث تفرَّد به من هو دون طاووس بكثير، ولم يرده أحد من الأئمة. ولا نعلمُ أحدًا من أهل العلم قديمًا وحديثًا قال: إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابيٌّ واحدٌ لم يُقبل، وإنما يحكى عن أهل البدع ومن تبعهم في ذلك أقوالٌ، ولا يُعرف لها قائل من الفقهاء
…
ثُمَّ قال: ثُمَّ إن هذا القول لا يمكنُ أحدًا من أهل العلم ولا من الأئمة ولا من أتباعهم طرده، ولو طردوه لبطل كثيرٌ من أقوالهم وفتاويهم. والعجبُ أن الرادِّيْن لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرًا من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة، انفرد بها رواتُها، لا تعرف عن سواهم، وذلك أشهر وأكثر من أن تُعدَّ"اهـ.
• قلت: فظهر من التحقيق أن حديث القلتين لم يُعلّ بعلة حقيقية، هذا من جهة ثبوته أما من جهة الاستدلال به فعليه اعتراضات كثيرة والجواب عنها ممكنٌ وقد أودعت ذلك في جزء لي حول هذا الحديث اسمه "درء العبث عن حديث إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" ولعلى أنشره قريبًا إن شاء الله.