الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: عهود المكربين في سبأ
…
الفصل الرابع: عهود المكربين (أو المكارب) في سبأ
اصطبغت سلطة أوائل حكام دولة سبأ بصبغة ثيوقراطية أودينية، فتلقب كل منهم بلقب مكرب وهو لقب لايزال غير محدد النطق والدلالة، وإن أمكن تفسيره احتمالًا بمعنى المقرب للمعبودات، أي من يشرف على توفير القرابين وتقديمها إلى معابدهم. أو بمعنى المقرب بين شعبه وبين معبوداته باعتباره وسيطًا مقدسًا بينهما، أو بمعنى المقرب إلى أربابه. وهو على أي وجه من هذه الوجوه يتولى رياسة الكهنوت في دولته ويضمن إحاطة حكمه بقداسة روحية تكفل احترام الناس له وتدعوهم إلى تأييده. وتوافرت لهذه الصبغة الثيوقراطية سوابقها في أمم شرقية قديمة، فتلقب أوائل الحكام السومريين في العراق، على سبيل المثال، بلقب إنسي أي النائب أو الوكيل، إشارة إلى وكالته عن معبود مدينته في حكم أهلها، وإشارة إلى القداسة بالوكالة التي يرتكز علهيا في ممارسة سلطاته الدينية والمدنية. وتكررت نفس الظاهرة في دول عربية جنوبية أخرى عاصرت السبئيين في بعض مراحل تاريخهم، وكان منها أن تلقب أوائل الحكام في دولة معين بلقب مزود، وهو ما سوف نتناول مدلوله في حينه.
ولا زال الجدل التاريخي قائمًا في شأن تحديد البداية الزمنية لعهود المكربين السبئيين (أو المكارب السبئيين). فبينما يلتزم باحثون بوضع عهد حاكمة سبأ المعاصرة لسليمان موضع الاعتبار وبدء قيام دولتها بالتالي بالقرن الحادي عشر ق. م. أو نحوه، يكتفي بعض الباحثين الآخرين بالاقتصار على عهود الحكام الذين سجلت النصوص القديمة أسماءهم، ضاربين صفحًا عن عهود ما قبل معرفة الكتابة في سبأ، ولا يذهبون بتاريخ الدولة المؤكد بناء على ذلك إلى أبعد من عهد يثع أمر السبئي الذي ذكره نص سرجون الثاني ملك آشور في عام 715 أو عام 714ق. م.، وربما قبل ذلك بفترات قليلة.
وقام جدل تاريخي مماثل حول أعداد المكربين الذين أتوا بعد يثع أمر وسبقوا عهود الملكية الصريحة في سبأ فتراوحت النظريات في تقدير عددهم بين 100، 130، 170، 270. ولكل نظرية مبرراتها بطبيعة الحال.
وترتب هذا الجدل وذاك على ما سبق أن أشرنا إليه من أن كتبة السبئيين وغيرهم من كتبة الدول الجنوبيةلم يسجلوا الأحداث بتاريخ ثابت إلا في عهود متأخرة، ولم يلتزموا بتسجيل سنوات عهود حكامهم إلا في عهود متأخرة أيضًا، وفي حالات قليلة. ولم يتركوا قوائم ترتب أسماء حكامهم ومدد حكمهم واحد بعد الآخر. وترتب على هذا كله عمل الآخر، أو إذا ورد اسم حاكم وأبيه. بل إن الاعتماد على هذين الأساسين لا يخلو من مخاطرة في بعض أحواله، فقد يكمل أحدهم عمل جده وليس عمل أبيه، وقد يحكم بعد عمه وليس بعد أبيه، وقد تتشابه أسماء الحكام وآبائهم في فترات متباعدة. كما قد يحكم ابن مع أبيه في وقت واحد، أو أخ مع أخيه في آن واحد. وهكذا لم يجد الباحثون بدًا من ترتيب أسماء الحكام التى أتت الآثار بها ترتيبًا اجتهاديًا. وتقدير عهودهم تقديرًا اصطلاحيًا، على أساس افتراض ما بين 15 أو 20 أو 25 عامًا لكل منهم، وعلى أفضل الفروض بالاستعانة بما ورد عن بعضهم عن طريق المصادفة في نصوص خارجية مؤرخة عاصرت عهودهم.
على أنه مهما يكن من أمر بداية عهود المكريين وعددهم. فإن أهم ما ينسب إلى عهودهم هي آثار معابدهم الباقية، وبداية مشروع سد مأرب. وعملهم على التوسع الخارجي في المناطق الجنوبية المجاورة لهم.
اتخذ المكربون عاصمتهم الأولى في مدينة توافرت لها بعض المقومات الضرورية للعواصم السياسية، وهي مدينة صرواح. فقد نشأت في واد خصيب شبه دائري كفل لها مطالبها الزراعية وبعض مواردها الاقتصادية، وأحاطت بها بعض المرتفعات فكفلت لها الحصانة الطبيعية. وتوسط موقع صرواح بين مدينتي مأرب وصنعاء الشهيرتين، وتقوم على أطلالها الآن كل من قرية القصر وقرية الخريبة، ويظهر على سطح الأرض من عمائرها القديمة أطلال قليلة، بينما بقيت أغلب آثارها تغطيها الأنقاض حتى الآن.
ويبدو أن الصبغة الدينية التى استعان المكربون بها في تدعيم حكمهم جعلتهم يولون اهتمامًا كبيرًا لمعابد معبوداتهم. إظهارًا لتقواهم الشخصية. وتأكيدًا لصلتهم الروحية بهذه المعبودات. وعملًا على كسب ولاء رجال الكهنوت وبعض المدنيين أيضًا عن طريق تخصيص المرتبات العينية لهم من عائدات هذه المعابد.
وينسب إلى عهود المكربين البدء في إقامة أو توسيع عدة معابد قديمة نتخير منها أربعة جرى الكشف عن بعض أجزائها، وهي: معبد في صرواح، وآخر في صرواح أرحب (أوحجر أرحب). وثالث في أوام، ورابع في المساجد. وكان
هناك دون شك ما هو أكثر منها لولا أنه لم يكشف عنه بعد.
وحين نبحث أمر المعابد في سبأ أو في غيرها نبحثها على ثلاثة أسس، وهي:
أ) أن المؤرخ يستمد تاريخ الحضارات القديمة ويستنتجه من كل ما تركه أهلها في عالم الفكرة وعالم المادة.
ب) ما سبق أن ذكرناه من أن الآثار القائمة للأمم القديمة تعتبر من أصدق الدلالات على مدى إمكاناتها الاقتصادية والصناعية والفنية، فضلًا عن دلالتها على معتقدات قومها الدينية.
ج) أن المعابد لا تزال أكثر ما بقي من آثار الأمم القديمة، نتيجة لبناء أغلبها من الأحجار الصلبة، ومحافظة القدماء عليها بالترميم والإضافة جيلًا بعد جيل، نظرًا لما كانوا يفترضونه فيها من الحرمة والقداسة.
ومع هذه الأسس التي يجب تقديرها في الدراسات التالية لا بأس من الاكتفاء بالمعالم الرئيسية في دراسة المعابد وغيرها من الآثار المعمارية والفنية دون ضرورة للالتزام هنا بالتفاصيل الدقيقة فيها، ولا بأس كذلك من التعقيب على العناصر الدينية فيها بما تختلف به عن العقائد الإسلامية، كلما تطلب الأمر ذلك.
أنشئ معبد العاصمة صرواح الكبير لمعبود دولتها الأكبر الذى أطلق عليه اسم إلمقه ربما بمعنى الإله المقتدر أو الآمر، أو الإله البهي أو الجميل. ودل لفظ إل أو إيل عند العرب الجنوبيين وعند شعوب سامية قديمة أخرى في العراق والشام على معنى الإله. كما استخدم بنفس المعنى في اللغة العربية الشمالية أيضًا في مثل أسماء: إسماعيل وجبرائيل وميكائيل وإسرائيل
…
وهلم جرا.
وتأكيدًا لقداسة أصلهم تلقب حكام سبأ بلقب ولد إلمقه أي: أبناؤه. وخص السبئيون معبودهم الأكبر هذا بربوبية القمر واعتبروه سيد وعول صرواح بما يعني تعدد المعبودات فيها إلى جانبه ورئاسته لهم. وقدسوا معه في معبد العاصمة ربة باسم حريمت ربما كزوجة له، وهي ترمز في أغلب الظن إلى روبوبية الشمس. وهكذا توافرت للقمر عندهم وعند بقية عرب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام منزلة أكبر من منزلة الشمس، على عكس شعوب الهلال الخصيب الزراعية، ربما لانتفاع أهل شبه الجزيرة بالقمر في مسرى القوافل وتوقيت الشهور، مع شدة هجير الشمس وقسوتها لاسيما في البيئات الصحراوية. وقد
تعددت ألقاب هذين المعبودين بتعدد الصفات التي نسبها الناس إليهما واختلاف الأماكن التى عبدوها فيها، وكان شأنهما في ذلك شأن بقية ما تخيله القدماء من معبودات نعقب على خصائصها كلما أدت مناسبة الحديث إلى ذكرها.
وتألفت العناصر المعمارية الظاهرة في معبد إلمقه في صرواح من جزئين ضخمين. أحدهما مستطيل واسع، والآخر يتصل به ويبدو على هيئة البيضاوي الناقص، وتضمن أحد نصوص المعبد اسم المكرب يدع إيل ذريح (حرفيًا: يدع إلى ذرح) وذكر أنه سور معبد إلمقه وقدم ثلاث ذبائح لربته حريمت ويميل أصحاب التاريخ المختصر إلى توقيت عهد هذا المكرب بنحو 670ق. م. ويبدو أنه لم يشيد المعبد كله ولم يضع أساسه كله، وإنما بدأ بتوسيع معبد صغير قديم لمعبود قومه وعمل على تسويره كما أشار إلى ذلك نصه، وترك لخلفائه أن يزيدوه اتساعًا وارتفاعًا. ويدعو إلى الأخذ بهذا الرأي أمران، وهما أن بقية نقوش المعبد تضمنت أسماء عدة مكربين وملوك سبئيين آخرين، وأن مباني المعبد الحالية التي ترتفع بعض جدرانها الباقية نحو عشرة أمتار تدل على مهارة كبيرة في فن العمارة لم يكن من السهل على السبئيين أن يبلغوها في أوائل عهودهم بالاستقرار وإقامة العمائر الضخمة. ولازالت الأجزاء الداخلية من المعبد لم تكتشف كشفًا علميًا منظمًا حتى الآن، ويبدو أن جزءًا منه تحول إلى حصن في العصور الإسلامية وزادت فيه حينذاك بعض المداخل والمخارج، بل ولا زالت تقوم فوق جدرانه بعض المساكن الحالية التي غيرت إلى حد ما من خارطته الأصيلة.
وأنشئ معبد معرب في قرية المساجد ببلاد مراد وعلى مبعدة 27 كيلو متر من مأرب الحالية، من أجل إلمقه أيضًا. وأتم نفس المكرب يدع إيل ذريح عمارته في مناسبتين تحدثت عنهما نصوصه، مناسبة قام فيها بتنظيمات اجتماعية، وأخرى أحرز فيها انتصارات حربية وذكر عن المناسبة الأولى أنه أسس كل الهيئات الخاصة بمعبوده، والخاصة به شخصيًا باعتباره حامي دولته، ثم الخاصة بتحقيق الاتحاد والتحالف بين طوائف شعبه. ومعنى ذلك أن دولته الناشئة كانت بسبيل إقرار تنظيمات مستقرة تجري عليها في شئونها الدينية والدنيوية. وتخليدًا لذكرى هذه الإنجازات أقيم الجزء الداخلي من المعبد وتألف من بهو أعمدة بقيت منها ثلاثة، ويعقبه إلى الداخل فناء كبير تقوم في وسطه مقصورة العبادة الرئيسية وتحمل سقفها أربعة أعمدة في صفين، بينما يتقدم المقصورة صفة ذات أعمدة. ويصل بين أعلى هذه الصفة وبين أعلى المقصورة سقف حجري منحدر. ولا تزال هذه المجموعة المعمارية للمعبد تحتفظ بروعتها على الرغم مما لحق بها من تهدم.
أما المناسبة الحربية فقد أدت إلى توسيع رقعة الدولة بعد أن استولى يدع إيل ذريح بجيشه على منطقة يشقر ومزارعها. ولما كان يعتقد أن هذا التوسع قد تم بتأييد إلمقه (وذات حميم وعثتر) عمل على توسيع مساحة المعبد أيضًا وإحاطته بسور مستطيل كبير بلغت أبعاده 104×37 مترًا وتقدمت واجهة هذا السور صفة أخرى فخمة ذات ستة أعمدة مستطيلة المقطع بلغ ارتفاعها بين 4.5 و5 أمتار، أقيمت فوق رصيف حجري ليضمن توازنها. وتألف كل عمود منها من حجر واحد. وأدت هذه الصفة الخارجية إلى المدخل الرئيسي للمعبد الذي حف به مدخلان جانبيان فتوفر له شكل مهيب. واتصل أعلى الصفة بأعلى المدخل بسقف حجري منحدر. ولا ندري هل كانت ظاهرة السقف المنحدر التى تكررت مرتين في عمارة المعبد. ظاهرة عفوية نتيجة لاختلاف الارتفاعات، أم كانت ظاهرة مقصودة لتصريف مياه الأمطار من فوقها بسهولة؟.
وبني المعبد الثالث المكتشف من عهود المكربين في بلدة صرواح أرحب (أو حجر أرحب) من أجل عبادة عثتر الذي اعتبره العرب الجنوبيون ربًا لنجم الشعرى وولدًا لرب القمر وربة الشمس. وكان شأنهم في هذا التعدد هو شأن أغلب أصحاب الديانات الوضعية القديمة، ونعني بها الديانات التى وضعها البشر ولم تكن مما أوحى به من السماء إلى الرسل والأنبياء. وكانوا يتخيلون لكل ظاهرة طبيعية ربًا يختص بها، ويتخيلون لمعبوداتهم حياة تماثلها حياة البشر يتزاوجون فيها وينجبون. ويتآلفون فيها ويختصمون. وظل العرب القدماء هكذا حتى ظهر الإسلام فخلصهم من تعدد المعبودات ووجههم إلى ديانة التوحيد وعبادة رب العالمين دون سواه. وبني المعبد بتخطيط بسيط ولكنه لا يخلو من خصائص مميزة تمثلت في تعدد المشكاوات وإدخال عنصر الزخرف على أجزائه المعمارية ولا سيما الأعمدة. فقد أقيم سور المعبد على هيئة مستطيل ينحرف قليلًا عن الجهات الأصلية الأربعة. وقامت في مؤخرة فنائه الداخلي المقصورة الرئيسية للعبادة، وبني أمامها حوض مربع متسع، لعله كان يستخدم لماء التطهير.
وظهرت عناصر التجديد في عمارة المعبد في أنه تصدرت واجهته الخارجية مشكاة عليا تطل على الطريق. وتصدرت جداره الخلفي مشكاة عليا أيضًا تطل على فنائه. كما تصدرت الجدار الداخلي لمقصورة العبادة مشكاة ثالثة كبيرة تطل على المتعبدين فيه. ويبدو أنه كان يوضع في كل مشكاة من هذه المشكاوات تمثال لصاحب المعبد. ثم تجديد زخرفي آخر، تمثل في إقامة تسعة أعمدة مثمنة الأضلاع على الجوانب الخارجية لحوض ماء التطهير الكبير، وإقامة تسعة أعمدة أخرى كل عمود منها ذو 16 ضلعًا داخل مقصورة العبادة الرئيسية.
وكان لكل عمود منها تاج زخرفي في أعلاه يضيق من أعلى إلى أسفل بما يشبه بعض العمائم اليمنية. وقد تهدمت الأعمدة ولم يتبق غير قواعدها وأجزاء من تيجانها.
وتكرر اسم المكرب يدع إيل ذريح، الذي أولى اهتمامًا خاصًا للمعابد ضمن نصوص معبد ضخم آخر يقع إلى جنوب شرقي مأرب الحالية بنحو أربع كيلو مترات، وهو معبد أطلق السبئيون عليه اسم بيت أوام أي معبدها على اعتبار أنه يعتبر بيتًا مقدسًا للمعبود الأكبر في البلد الذي يعبد فيه، وخصصوه لإلمقه بعل أوام أي سيدها. وكانت منطقة أوام هذه ذات صلة بعشيرة مرثد السبأية التي انتسب إليها كثير من حكام سبأ. وأطلق المسلمون على المعبد تجاوزًا أو خطأ اسم محرم بلقيس تأثرًا بما نشرته القصص عن هذه السيدة. ويظهر السور الكبير للمعبد على هيئة بيضاوية تقريبًا، ولا يزال داخله لم يكتشف بعضه. بينما اكتشفت بعثة أمريكية آثارية أجزاءه القريبة من مدخله فأظهرت بضعة عناصر معمارية راقية بنيت في أغلب الظن بعد عهود المكربين ولهذا نؤجل الحديث عنها إلى حين نبحث منشآت عصور الملكية في سبأ.
ويكفي هنا ما يستنتج من اتساع النشاط المعماري في عهود المكربين في أكثر من مكان، وإذا لم يكن لدينا حتى الآن ما نقدمه من صور هذا النشاط غير المعابد. فإن المعابدلم تكن تقام في مناطق مقفرة وإنما لا بد أنه صحب قيامها نشاط أكبر في توفير العمران السكاني والاقتصادي بقربها. وإذا كان مكرب واحد مثل يدع إيل ذريح قد أسعد الحظ ذكراه بأن أبقى على نصوصه في ثلاثة معابد على أقل تقدير لتكون شاهدًا على اهتماماته الدينية والعمرانية والتنظيمية والحربية كما أسلفنا، فالمرجح أن مكربين آخرين سبقوه وخلفوه كان لهم مثل نشاطه. وتحدثت بعض نصوصهم الباقية فعلًا عما عملوا على تشييده في عهودهم من معابد، وإن لم يعثر على آثار معظمها حتى الآن. وأخيرًا فقد كان اتجاه النشاط الإنشائي والديني إلى قرب مدينة مأرب مبشرًا بقرب انتقال الأهمية السياسية إليها واستغلال ما حولها، وقد أقيم فيها بالفعل أكبر مشروع بدأه السبئيون في عهود المكربين وهو:
مشروع سد مأرب:
قامت مأرب عند ملتقى طرق تجارة القوافل القديمة الواردة من بيحان وحضرموت ومواني البحر العربي والبحر الأحمر الجنوبية، فضمنت لنفسها موارد اقتصادية كبيرة من مكوس التجارة. وقامت في الوقت نفسه عند النهاية الشمالية
الشرقية لتل يمتد نحو نصف كيلو متر وبعرض يبلغ نحو 350 مترًا كفل لها بعض الحماية الطبيعية. كما أشرفت، وهذا هو الأهم، على وادي أذنه الكبير الذى عمل السبئيون على استغلاله في الزراعة على نطاق واسع.
وغالبًا ما كانت الأمطار الغزيرة تسقط على مرتفعات اليمن في بعض مواسمها السنوية وتجري على هيئة السيول العنيفة في عدة وديان ينتهي بعضها إلى فتحة طبيعية كبيرة توسطت بين جانبي جبل بركاني مرتفع سمي جبل البلق، وهو جبل يفصل بين الصحراء وبين مرتفعات اليمن في منطقة مأرب ويسمى جانباه عند هذه الفتحة باسم، جبل البلق الأوسط، وجبل البلق الشمالي. ويبدو أن تسمية البلق كانت تعني الحجر كما تعني الفتحة أيضًا، وإن سميت هذه الفتحة الآن باسم الضيقة ويتراوح اتساعها في بعض أجزائها بين500 متر وبين 190 مترًا، بمتوسط للاتساع يبلغ 230 مترًا. وكانت السيول بعد أن تعبر هذه الفتحة تندفع إلى وادي أذنة (أو ذنة) الكبير فتتفرق فيه، ولا تلبث حتى يضيع أغلبها في التربة بغير فائدة.
واستهدف السبأيون (أو السبئيون) من إنشاء السد ثلاثة أغراض، وهي أن يقللوا من اندفاع السيول إلى وادي أذنة وما يمكن أن يؤدي إليه من بوار الزرع وتدمير القرى في مواسم الأمطار العنيفة. وأن يحولوا دون ضياع أغلب مياه السويل في جوف الأرض حين تتجاوزه. وأن يرفعوا مستوى مياه الري عدة أمتار تسمح لها بأن تصل إلى المدرجات المرتفعة القابلة للزراعة على جانبي الوادي، ثم توزيعها عن طريق فتحات جانبية يسهل التحكم فيها. وهكذا يميل المهندس ريتشارد بوين من دراساته لمشروعات السدود الجنوبية إلى تعديل الفكرة القديمة عن الغرض من السد وهي فكرة تخزين المياه خلفه في بحيرة صناعية كبيرة أو نحوها وذلك لوجوده في بيئة يمكن أن تتشرب أرضها المياه بسهولة.
وطبق بوين هذه الفكرة، والعهدة عليه فيها بحكم تخصصه، على سدود بيحان وغيرها من المناطق الجنوبية الأخرى. وكرر أن العرب الجنوبيين لم يعملوا قط على خزن المياه وراء السدود ولكنهم بنوها لكسر حدة السيول وتوزيعها على أكبر مساحة ممكنة. كما أشار إلى أن سدود الجنوب بنيت في وديان جافة وليست عبر أنهار، ومع عدم توافر الخبرة لبنائها تحت الماء.
وأقدم من سجل اسمه من حكم سبأ على صخور سد مأرب مكرب يدعى سمهو عالي ينوف (حرفيًا: سمه على ينف). وهو مكرب يرد للبي عهده إلى منتصف القرن السابع ق. م. ويرده ألبرايت إلى القرن الخامس ق. م. ويعتقد فيسمان بوجود مكربين اثنين حملا نفس
الاسم وحكما في هذين التارخين). وتخير المسئولون عن بناء السد منطقة تلي فم وادي أذنة وبمعنى آخر تلي مدخل فتحة جبل البلق نظرًا لتحديدها النسبي. وإمكان التحكم فيها، وسهولة الاعتماد على جوانبها الحجرية البركانية الصلدة.
وبدأوا بتشييد جسر ضخم من الرديم تختلف الآراء في تحديد امتداده الأصلي، وكسوا واجهته بالأحجار في مواجهة تيار الماء، ثم أعيد بناؤه كله بعد ذلك بأحجار جيدة في عهود تالية. وامتد هذا الجسر في الجانب الأيمن من اتساع الفتحة، وجعلوا له بوابة متسعة اعتمد أحد كتفيها عليه، أي: على الجسر أو الجدار من ناحية، واعتمد كتفها الآخر على الجبل نفسه من ناحية أخرى. ووجه المشرفون على المشروع المياه بعد هذه البوابة إلى مجرى واسع ينتهي إلى حوض ضخم حددوا جوانبه بالحجر للحيلولة دون سرعة تهدمها أو تسرب المياه منها. وتركوا في نهاية الجانب الأيمن منه فتحات مناسبة يسهل التحكم فيها لتصريف المقادير الضرورية من المياه لري الجانب الأيمن من وادي أذنة عن طريق ترع تختلف أطوالها واتساعاتها واتجاهاتها. وأطلقت النصوص القديمة على مشروع عهد سمهو عالي ينوف اسم رحب، أو رحاب، أو رحابوم، كما يقترح بعض اللغوين قراءته، وهو اسم قد يعني السد بمعناه الواسع. بينما أطلق اليمنيون المسلمون على بوابته اسم مربط الدم، أي: مربط القط تأثرًا بأسطورة عربية قديمة مستحيلة التصديق.
وعدل مشروع السد وأكمل في عهد المكرب يثع أمر بين ابن حفيد سمهو عالي ينوف، الذي تسمى بمثل اسمه منذ حولي 460 ق. م. وعمل رجاله على توفير مياه الري للناحية اليسرى من وادي أذنة كما توفرت للناحية اليمن منه من قبل فمدوا الجسر أو جدار السد في عرض فتحة الجبل حتى نهايتها ناحية اليسار، وأطلقوا على مشروعهم الجديد اسم وادي حبابض، وتركوا في نهاية بوابة ضخمة أخرى ذات فتحتين، وأجروا خلفها مثل ما تم خلف بوابة الجانب الأيمن، فمدوا وراءها مجرى طويلًا دعمت جوانبه بالحجر، وانتهى إلى حوض واسع ذي فتحات تؤدي إلى عدة ترع للمياه تتوزع في الناحية اليسرى المتسعة من وادي ذنة.
هذه صورة عامة لفكرة سد مأرب وبداية أجزائه -أما أبعاده الحالية فيفهم من وصف من اهتموا بدراسة مقاساته التفصيلية أن الارتفاع الحالي للجزء الباقي من جدار السد يبلغ 11 مترًا، ويبلغ امتداده العرضي 12.40 من الأمتار. ويبلغ عرض البوابة اليمنى 4.55 من الأمتار. وامتداد ضلع الحوض الواقع خلفها 78.80 من الأمتار.
أما في الناحية اليسرى وهي الأكبر فيمتد المجرى المائي الأساسي فيها نحو1160 مترًا، وتتفرع من الحوض الذي ينتهي إليه 14 ترعة يبلغ عرض الواحدة منه نحو ثلاثة أمتار. وقد فتحت في أعلى الجانب الأيسر لسد حبابض أربع فتحات تساعد على تصريف المياه الزائدة عن المنسوب المطلوب، وتؤدي إلى تخفيض ضغط المياه على جدار السد نفسه. وقد اتبعت فكرة الأهوسة في الفتحات أو البوابات خلال مراحل التقدم المعماري التالية. فشق في الكتفين الجانبيين لكل بوابة تجويفان رأسيان يمتدان بارتفاعها لتنزلق فيهما كتل الأخشاب الصلبة حين يراد قفل البوابة. وترفع فيهما إلى أعلى حين فتحها. ولا تقل طرق البناء المتمثلة فيما بقي سليمًا من السد دلالة على براعة المعماريين، فقد شيد في عصر اكتماله من أحجار ضخمة قطعت من جبل البلق وثبتت في مداميكها بمونة صلبة. وربط أحيانًا بين بعض أحجارها وبعض آخر في مداميكها بمونة صلبة. وربط أحيانًا بين بعض أحجارها وبعض آخر بقضبان من النحاس المنصهر والرصاص المنصهر رغبة في زيادة ترابطها وتماسكها. وقد يقارن لهذا استخدام ذي القرنين لمصهور الحديد والنحاس في بناء سد دفاعي كبير، انظر سورة الكهف آية96.
والمرجح أن جانبي وادي أذنة اللذين انتفعا بمشروع سد مأرب هما اللذان عناهما القرآن الكريم بقوله: {لَقَد كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ، جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ * بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ
…
} ولا تزال آثار القرى التى انتفعت بالمجرى الأيمن لسد مأرب تدل على عمرانها القديم وإن تخربت الآن إلى حد كبير، ومنها مدينة النحاس وخرابة مروث ومحرم بلقيس والعمايد. وكانت مأرب أكثر انتفاعًا بالمجرى الأيسر، وقد أطلقت النصوص على منطقته اسم يسرن.
والواقع أن روعة وضخامة سد مأرب بأجزائه كما سبق وصفها تدعوان إلى الشك فيما إذا كان قد بدأ هكذا منذ عهد منشئه سمهو عالي ينوف وعهد حفيده البعيد يثع أمر بين، أم أن شقي المشروع بدءا متواضعين في عهديهما ثم زاد اتساعهما وارتفاعهما وتقويتهما في عهود من تبعوهما من المكربي والملوك، ولعل هذا الرأي الأخير هو الأرجح. فقد أصلحت جدران السد أكثر من مرة بعد أن تعرضت للتهدم نتيجة لتراكم الإرساب خلفها حينًا، وبتأثير عامل الزمن في مبانيها حينًا، وشدة السيول حينًا آخر. وسجل عدد من الحكام السبئيين أخبار مرات الإصلاح التى تمت في عهودهم. وكان من ذلك على سبيل المثال أن أعيد بناء الهويس الشمالي في عهد الملكين ذمر عالي يهابر وتأران بعد القرن الميلادي الأول. واتخذت الفتحات الشمالية للسد صورتها النهائية في عهد الملك
شمريهرعش في حوالي عام 325م. ثم جدد المبنى كله أو دعم في عهد الملك شرحبيل يعفور في عام 449م. كما أعيد إصلاح صدع فيه في العام التالي أي عام 450م.
وتمت آخر إصلاحات السد في عهد أبرهة ملك سبأ حوالي عام 543م وبذلت فيه حينذاك جهود ضخمة، بحيث ذكرت نصوص أبرهة أن رجاله قضوا في ترميم السد أحد عشر شهرا، واستهلكوا 50806 غرارة من الدقيق، و26000 حمل من التمر، و3000 بعير وثور، و207 رأس من الغنم، وعلى الرغم من قيام ثورة ضده حينذاك في منطقة مأرب وتفشي الوباء فيها، إلا أنه أقام حفلًا كبيرًا بمناسبة انتهاء العمل في إصلاح السد. حضره وفد من الحبشة، ووفد من فارس، ووفد من بيزنطة. ووفدان من الحيرة وغسان.
وعلى أية حال فقد استطاع السبئيون على امتداد عصور اهتمامهم بسد مأرب أن يتموا مشروعًا كبيرًا حق لهم أن يفخروا به بين المشاريع المائية الأخرى في العالم القديم. وهي مشاريع كان من أقدم ما يمكن ترجيحه منها حتى الآن مشروع سد اللاهون في مصر الذى شيد في أوائل القرن الثامن عشر ق. م. لتوجيه جانب من فيضانات النيل إلى منخفض الفيوم لرفع مستوى الماء فيه حتى تنتفع به أكبر مساحة ممكنة من أراضي المدرجات الخصبة التى تحيط به. ثم الانتفاع ببعض مياهه لري الأراضي القريبة منها في غير أوقات الفيضان. وربما سبق مشروع هذا السد سد آخر في منطقة الجيزة بمصر أيضًا أقيم حوالي القرن السادس والعشرين ق. م. ولكن استخدامه لم يعمر.
وظل سد مأرب يؤدي أغراضه حتى نهاية عهد أبرهة في عام 571م أي بعد عهد بداية إنشائه بأكثر من أحد عشر قرنًا. ثم انهار أغلبه عام 575م بما وصفه القرآن الكريم ووصف نتائجه في قوله: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَاّ الْكَفُورَ، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ، فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سورة سبأ الآيات 15 - 18].
وأقام السبئيون سدودًا أخرى محلية في عهود متفرقة في المناطق التى تصلها مياه السيول بعيدًا عن منطقة مأرب. ومنها سد يعرف باسم مبنى الحشرج لتنظم مياه وادي السيلة، ويتكون من ثلاثة جدران ضخمة يقال إن كلًا منها يمتد ما بين150 - 180 مترًا، وتوجد فتحات كثيرة طويلة بينها، وعثر جلاسر على
عشر نقوش على صخورها.
ولم تغن السدود السبأيين عن دعوات الاستسقاء وطلب رحمة السماء من حين إلى حين. وتخلف من نصوصهم القديمة التى وجههوها إلى معبوده عثتر ذبيان، وقال في نهايته: وسقى خرف ودثا سبأ وجوم شبعم، أي: وسقى الرب خريفًا وربيعًا سبأ وجومًا سقاية مشبعة.
واختلف اللغوين في تفسير كلمة جوم في هذا النص، ففسرها بعضهم بمعنى الشعب أو بمعنى الحلف، وفسرها بعض آخر بمعنى النهر أو معنى السهل، وفسرها بعض ثالث بأنها تعني الأراضى المنخفضة من تهامة اليمن.
التوسع الحربي:
غالبًا ما تترتب على المشروعات الداخلية الكبيرة في الدول الفتية الناشئة مطالب ونتائج متنوعة يعبر الحكام عنها ويتولون رسم سياستها باسم شعبهم. فهي من ناحية تستدعي توفير الأمن لتنفيذها، وتستدعي العمل على تغظية نفقاتها سواء من موارد داخلية أو خارجية، كما تستدعي في الوقت نفسه العمل على حمايتها من الأخطار المتوقعة الداخلية منها أو الخارجية أيضًا. فإذا تم تنفيذ هذه المشروعات وآتت ثمارها وزاد الدخل القومي منها غالبًا ما يرتفع شأن أصحابها في نظر أنفسهم ونظر شعبهم، وهنا إما أن تشجعهم شهرتهم على أن يستزيدوا من الرفاهة لأنفسهم ويخلدوا إلى النعيم. وإما أن تشجعهم على أن يستزيدوا من قوتهم العسكرية والسياسية ليزيدوا لأنفسهم عن طريقها ما يعتقدون أنهم يستحقونه من المجد والشهرة.
ومرت دولة سبأ بأمثال هذه الملابسات والظروف حين مهدت لمشروعات الري الكبرى فيها وحين أتمتها. فقبيل البدء في مشروع سد مأرب عملت دولة سبأ على الاستزادة من موارد اقتصادية جديدة ولو على حساب جيرانها، كما أخذت تؤمن نفسها منهم. وكان أقرب هؤلاء الجيران غليها: دولة معين في شمالها ودولة أوسان في جنوبها الغربي. وكانت الأولى تنافسها فيما تأتي به تجارة البر. وكانت الثانية تنافسها فيما تأتي به تجارة البحر، وبدأت دولة سبأ منذ عهد المكرب يدع إيل بيين الذي يؤرخ أصحاب التاريخ المختصر عهده ببداية القرن السادس ق. م. تقص أطراف دولة معين القريبة منها. ويفهم من نصوصه أنه عمل على تسوير مدن الحدود وتقوية أبراجها ليتخذها جيشه مراكز دفاعية أو هجومية في الوقت المناسب. ويحتمل من نفس النصوص أن مدنًا حدودية معينية
الأصل دخلت فعلًا في حوزة دولته مثل نشق ودابر (في جنوب منطقة الجوف). ثم أعاد رجاله تحصينها لنفس الأغراض الدفاعية والهجومية السابقة.
وجرى خلفاء هذا المكرب على سياسته وعملوا على توسيع المدن الحدودية ومنها المدن المعينية التي دخلت في طاعة دولتهم. وأسكنوا فيها جماعات من السبأيين لينتفعوا بها. ويكونوا رقباء على أهلها. وسندًا لدولتهم فيها. وكان من ذلك أن زيد اتساع مدينة نشق 60 شوحطا في عهد المكرب كرب إيل بيين (في حوالي عام 560ق. م.) ثم زاد اتساعها مرة أخرى وأصلح ما حولها وأوقفت على مصلحة السبأيين في عهد ولده ذمر عالي وتر (منذ حوالي عام 535 ق. م.).
وانتفعت الدولة بحالة الأمن والرخاء التى وفرتها هذه الإنجازات وأمثالها فمضت في تنفيذ مشروع سد مأرب الكبير. وما أن تم تنفيذ مراحله في عهد يثع أمر بيين حتى التفتت إلى توسيع الحدود وإرهاب الجيران مرة أخرى. فقد واصل هذا المكرب العمل على تسوير المدن وتجديد الحصون وروت نصوص عهده أنه هاجم (والأصح أن جيشه هاجم) مدن معين حتى منطقة نجران. ودمر بعضها وأحرق قراها وقتل منها الألوف وسبى الألوف. وروت نفس النصوص أنه (أو جيشه) اندار على دولة قتبان التي تجاور دولته من الجنوب وأنزل بمدنها دمارًا مماثلًا. ويلاحظ هنا أننا وإن سلمنا باتجاه النشاط الحربي لدولة سبأ إلى هذه الاتجاهات إلا أننا حرصنا على أن نقول وروت نصوص الملك السبأي كذا أو ادعت كذا للإشارة إلى أننا غير ملزمين بالضرورة بأن نسلم بحرفية ما ورد فيها عن ألوف القتلى وألوف الأسرى وتوالي الانتصارات دائمًا لصالح أصحابها. ذلك أن المبالغات في تقارير الحروب أمر مألوف في العصور القديمة بل والعصور الحديثة أيضًا. وهو ما سنضعه دائمًا في الحسبان في مناسبات أخرى تالية.
وبعد جيلين أن نحوهما نشطت سبأ إلى حرب توسعية أخرى في عهد أخر مكربيها كرب إيل وتر (الثاني). وكان داهية في الحرب والسياسية. ويفهم من نصوص عهده أنه هادن دولة قتبان ودولة حضرموت ليتفرغ لحربه مع دولة معين. وضمن حيادهما مرة أخرى ليحمي ظهره في حربه مع دولة أو سان. وبدأ فاتجه بأطماعه إلى دولة معين ليستغل ما أنزلته الجيوش السبأية من قبل في نفوس أهل مدنها من الرعب وما صاروا إليه على أيامه من تفرق الكلمة وما لجأ إليه بعض أمرائهم من إعلان استقلالهم الذاتي عن جسم دولتهم، وهاجمها ببعض جيوشه. وعندما اتجه إلى دولة أوسان استمال إليه بعض حلفائها وأبتاعها ليضعفها ويحرمها من معونتهم. ثم انحط عليها بقواته. وهكذا أخذت الجيوش السبأية
تضرب هنا وهناك وتخرب وتحرق المدن والقرى بضراوة ثم اتجهت شمالًا لتكمل سيطرتها على منطقة الجوف ومنطقة نجران. وهنا ادعت نصوص كرب إيل وتر سيطرته على الألوف من الأسرى وقضائه على الألوف من الجنود مما سنعود إلى ذكره حين نعالج تاريخ كل من الدولتين معين وأوسان في تفصيل. وتكفي الإشارة هنا إلى ما عقبت به نصوص ذلك المكرب المنتصر من أنه أعاد توزيع الأقاليم التى خضعت له. فاحتجز بعضها لنفسه. وخصص بعضها لمعبوده الأكبر إلمقه. وأقطع بعضها للقبائل الموالية له ولاسيما قبيلته التي كانت تسمى فيشان أو بيشان، كما تنازل عن بعضها لدولتي قتبان وحضرموت مكافأة لهما على حيادهما خلال حروبه الطويلة مع خصومه، وتعويضًا لهما عن سبق اعتداء أوسان على حدودهما.
وعندما اطمأن كرب إيل وتر إلى سلامة مركزه شجعته انتصاراته على أن يصيغ حكمه بالصيغة المدنية علانية إلى جانب قداسته الروحية. فأعلن نفسه ملكًا، وادعى في نصوصه أن ربه إلمقه هو الذى تخيره ملكًا أو صيره ملكًا وأيده في مشروعاته. وسجل أخبار انتصاراته (عن طريق كتبته) في نص كبير في المعبد الأكبر بالعاصمة القديمة صرواح، ومن تصاريف الأقدار أن نص النصر الكبير هذا قد آل مصيره إلى التلف والمهانة في بداية العصر الحاضر بعد أن أطل وجه الحجر الذي نقش عليه على حظيرة للماشية وأطل وجهه الآخر على طريق السابلة ليعبث الصغار فيه ماشاءت لهم رغبة العبث.
وكما كان كرب إيل وتر خاتمة لعهود المكربين أصبح بداية لعهود جديدة في تاريخ دولته وهي عهود الملكية السبأية التي يبدؤها أصحاب التاريخ المختصر بحوالي عام 410ق. م. (بينما كان أصحاب التارخ المطول يبدأونها بحوالي عام 630ق. م.).
وقبل أن ندع عهود الكربين نود الإشارة إلى نظرية جديدة خرج بها الباحث A.G.Loundine منذ عام 1956، ولم تستقر صحتها تمامًا حتى الآن. ومفادها أن السبأيين وإن لم يؤرخوا نصوصهم بسنوات حكم المكربين ولم يدرجوا أسماء أولئك المكربين في قوائم متصلة. مما أدى إلى الاختلاف الواسع في تاريخ عهودهم كما أسلفنا من قبل، إلا أن التنظيمات السبأية جعلت إلى جانب المكرب موظفًا كبيرًا بلقب رشو، ربما بمعنى الكاهن النائب، ليؤرخ الناس باسمه في فترة نيابته التى تسمى رشوة أو رشاوة، وكان يلي الكهانة لمعبود قومه عثتر بالوراثة ولدًا عن والد في أكبر عشيرة في الدولة بعد عشيرة الملك (وهي عشيرة حزفر من قبيل خليل) -ويشرف إلى جانب كهانته على مشروعات الري
والزراعة بخاصة. وربما لم تكن لنيابته فترة محدودة في عهود المكربين ولكنها أصبحت محددة بست أو سبع سنوات في عهود الملكية كما سنعود إلى ذلك فيما بعد، وقد يحمل مع لقبه الخاص لقب مود أي صديق إشارة إلى الصلة أو المودة بينه وبين مكرب دولته.
من المؤلفات المختارة في دراسة الفصل:
أحمد فخرى: دراسات في تاريخ المشرق القديم -القاهرة 1963، ص 159 - 185.
جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام -بيروت 1968 - ج2 - مادة سبأ، نيلسن، وهومل، ورودو كاناكيس، وجروهما: المرجع السابق -ص75 - 87، 289 - 292.
Bowen، R.Jr.، Albright، W.F. and Others، Archacological Discoveries in South Arabia، I، Baltimore، 1958، 70.htm''75.
Philby، H.JB.، The Background of Islam، Alexandria، 1947،32-41.
phillips، W.،Qataban and Sheba، New York 1955.
Shahid، I.Pre-Islamic Arabia. CHI، Cambridge. 1970.