الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل العاشر: دولة سبأ وذوربدان-وسيطرة حمير
…
الفصل العاشر: دولة سبأ وذو ريدان وسيطرة حمير
اختلفت نشأة هذه الدولة عن نشأة غيرها من الدول في أنهالم تبدأ ببداية زاهرة، وإنما قامت خلال ظروف مضطربة استمرت أكثر من قرن ونصف القرن بين عام 90م وعام 265م، وهي ظروف لازالت تفاصيلها خافية ونصوصها متضاربة.
وكانت قد ظهرت بين القبائل العربية الجنوبية والوسطى خلال القرن الأول الميلادي روح من التنافس الشديد ورغبة الانتشار وأطماع الرياسة والسيادة، لأسباب غير محددة، قد تكون منها تلك المحنة التي هزت كيان دولة سبأ خلال الحملة الرومانية عليها، ورؤية دول الجنوب تنهار واحدة بعد واحدة لسبب أو لآخر، وزيادة ثراء بعض المناطق مع افتقار مناطق أخرى نتيجة للمنافسة بين التجارة البحرية والتجارة البرية. وقد يكون منها كذلك ما جد من انتشار الخيول والقوات الراكبة بين رجال القبائل وما أدى إليه هذا من سرعة الحركة والكر والفر والشعور بالزهو، وهلم جرا.
وكانت أكثر القبائل السبأية شهرة خارج مأرب هي قبائل مرئد وجرت التي ارتبطت بأسرة ملوك سبأ بروابط الأصل والنسب. ولهذا ظلت صلات المودة غالبة بينها وبينهم، ولكن هذا لم يمنع بعض حكامها الكبار الذين كانوا يتلقبون من قبل بألقاب الأقيان أو الأقيال من أن يتلقبوا بلقب "ملك" بين حين وآخر، بل ولقب ملك سبأ أيضًا، الأمر الذي تقبله الملك السبأي الشرعي في مأرب، في بعض الحالات، على مضض حتى يبقوا مساندين له.
وفي الوقت نفسه ظلت أكثر القبائل القريبة من مأرب، عددًا وبأسًا، هي قبائل سمعي التي ضمت أثلاث: سخيم، وبتع، وهمدان (والأخيرة هي التي انتسب إليها فيما بعد الرحالة أبو محمد الحسن الهمداني أشهر من كتب في العصور الإسلامية عن جغرافية شبه الجزيرة العربية وتاريخها).
وكيفت هذه القبائل مسلكها إزاء سبأ بما يتفق مع مصالحها والظروف التي عاشت فيها. فظل موالية للدولة في عهود قوتها، واستمرت كذلك حتى رأت الأطماع تحيط بها، فبدأت تتحين الفرصة لإثبات كيانها الذاتي تحت زعامة بيت حكم كبير فيها انتسب إلى جد أكبر يدعى" أعين". وجد أصغر يدعى أوسلات رفشان.
وفي حمأة هذه الأطماع والملابسات الداخلية التي مهددت لتمزق الكيان السبأي، كانت قبائل حمير قد شقت طريقها حتى حدود سبأ، واتخذت عاصمتها في مدينة ظفار التي نشأت في منطقة خصبة قرب مدينة يريم الحالية، وحمتها عدة حصون قامت على التلال التي تحيط بها، وكان حصن ريدان أكبرها، فأصبح حصنها الملكي، وانتسب إليه ملوكها في لقبهم الذي اشتهروا به وهو ذوريدان.
وفجأة ظهر في نصوص هذا العصر المضطرب ما يدل على أنه قامت في كل من مأرب وظفار أسرة حاكمة ادعى ملوكها لأنفسهم لقب ملك سبأ وذوريدان كل على حدة. وفي تفسير هذه الظاهرة افترض الباحث فون فيسمان أن مأرب عاصمة سبأ تعرضت لهجوم من قبل ملك ريدان الحميرى في نهاية القرن الميلادى الأول، وحينما انتصر عليها أضاف اسمها إلى لقبه، ولكن تقديره لمكانة سبأ التاريخية والدينية جعله يقدم اسمها في مقدمة هذا اللقب، وإن لم يطل حكمه. وعز على القبائل المحيطة بمأرب ما صارت إليه فعملوا على إجلاء الملك الحميري عنها وأعادوا إليها الملك السبأي المنهزم أو رجلًا من أسرته اتخذ هو الآخر لقب ملك سبأ وذوريدان في الوقت الذي لم يتنازل فيه الملك الحميري في ظفار عن لقبه المزدوج.
ومع التجاوز عن الأسماء العديدة التي أتت النصوص بها، مراعاة للتخفيف مؤقتًا، تكفي الإشارة إلى أنه كان من أصحاب الفضل في إعادة الملكية الشرعية إلى مأرب زعيم قبائل بتع، وزعيمان لقبيلتي مرئد وجرت، وقد عمل كل منهم من ناحيته، ولم يكن عمله بغير ثمن، فقد تلقب كل من الثلاثة بمثل لقب ملك مأرب العائد، أي ملك سبأ.
وعمل الهمدانيون على أن يكون لهم بدورهم نصيب في ألقاب العصر وزعامته. وكان قد ترأسهم بعد أوسلات رفشان ولداه يرم أيمن وبارج يهرحب، وقد مثلا ملك سبأ في عقد صلح أنهى حروبًا متقطعة قامت بينه وبين دولة حضر موت والحميريين والقتبانيين (الذين كانت دولتهم تلفظ أنفاسها الأخيرة). وكان الجزاء على عقد الصلح أن تلقب أكبر الأخوين يرم أيمن بلقب
ملك وأورثه لولده.
وهكذا شهد العصر (في منتصف القرن الثاني الميلادي) أربع أسر إقليمية أو قبلية ادعى كل رئيس فيها لقب ملك سبأ. وذلك إلى جانب ملك مأرب الشرعي صاحب لقب ملك سبأ وذوريدان في دولة كانت تسيطر عليها من قبل مملكة واحدة.
وإلى جانب هؤلاء الملوك الخمسة كانت هناك ملكية حمير التي تمسكت هي الأخرى بلقب ملك سبأ وذوريدان وحاولت أن تحققه على حساب هذه الأطراف جميعًا.
وهنا تصدى زعيم همدان علهان نهفان الذي شارك أباه يرم أيمن في رئاسة قومه وفي لقب الملك، لمواجهة الأزمة، وتلمس الحلفاء حوله، ووجد بعضهم في خصوم الأمس، فتحالف مع دولة حضرموت، ومع جماعات حبشية ذكرتها النصوص تحت زعامة جدرت ملك حبشت أو جدورة ملك الحبشة أو الحبش. واختلفت آراء الباحثين في تحديد أصل هذه الجماعات. فذهب رأي إلى اعتبارهم فرعًا من سكان جنوب اليمن أو تهامة الأصيلين نزح بعضهم إلى الساحل الأفريقي المواجه لهم وكان لهم أثر في تكوين جماعات الجعزيين الأحرار الذين نشروا اللغة السامية في الحبشة، وقد عرفوا عند العرب حينذاك بتسمية الحبش على جانبي البحر الأحمر. وذهب رأي ثان إلى اعتبارهم مولدين من مهاجرين أحباش إلى سواحل تهامة تكاثروا عليها ثم عملوا لمصلحتهم في فترات التمزق الداخلي بالانحياز إلى فريق ضد فريق. وذهب رأي ثالث إلى اعتبارهم غزاة من الحبشة استغلوا فترات التفكك التي عمت المناطق اليمنية فاحتلوا مناطق ساحلية واسعة من شمال جيزان وعسير وجزء من ساحل الحجاز، ردًا على التوغل الاقتصادي والبشري العربي على الساحل الأفريقي، وللسيطرة الكاملة على التجارة الأفريقية المنقولة بالوساطة إلى الساحل العربي بعد أن فشلت الحملة الرومانية في السيطرة عليها. وأيا ما كان من هذه التفسيرات فإنها لا تخفى حقيقة واقعة وهي أن تمزق أهل الدولة الواحدة وتضارب مطامع زعمائها وتغليب المصالح القبلية أو الإقليمية فيها على حساب الصالح العام، كل ذلك كان سبيلًا إلى تدخل الأغراب في أمورها.
وجدير بالذكر أن النصوص الجنوبية أخذت تشير في هذه الفترة إلى دور الأعراب أهل البادية باسم أعرب وإلى انضمامهم إلى هذا الفريق أو ذاك. ويبدو أنه أصح لهم دور كبير في فرق الخيالة أو الفرق الراكبة في الحروب.
ولم يتحقق أمل علهان نهفان في إعادة هيبة دولة سبأ وريدان. إلا في عهد ولده شعر أو تر الذي أضاف إلى هذا الأمل هدفًا آخر وهو تحرير الأراضي التي سيطر الحبش عليها ولو استدعى الأمر أن يقاتل معهم من كانوا يحالفونهم من القبائل العربية الأصلية. وقد نجح في تنفيذ أغلب هدفيه وبسط سلطانه على أغلب اليمن وشماله، في أواخر القرن الثاني الميلادي.
ولكن نجاح شعر أوتر كان رهينًا بشخصه، وبعد وفاته عادت الحروب بين السبأيين وبين الحميريين لسنوات طويلة. وتحالف الحميريون فيها مع الأحباش أو الأكسوميين الأفريقيين في عهد ملكهم عذبه أو عذابًا. ويبدو أن هؤلاء الأحباش خططوا للعمل لمصالحهم الخاصة ووجدوا عونًا أو تحريضًا من الرومان الذين تلاقت مصالحهم معهم في استغلال تجارة البحر الأحمر وتقليل نصيب العرب منها. ولم ينفذ الجنوب منهم إلا وفاة عذبه الأكسومي أو الحبشي وقيام الاضطرابات في بلده بعد وفاته.
تلك كانت مجرد نماذج من فترات التشتت والصراع والمد والجذر التي شهدتها دولة سبأ وجيرانها، وقد تكررت أمثالها وتغيرت مواقع الأطراف فيها بين تحالف وتخاصم عدة مرات خلال القرون الثلاثة الميلادية الأولى. والغريب أنه على الرغم من ذلك كله، وعلى الرغم من منافسة ظفار الحميرية لمأرب السبأية في شئون التجارة والسياسة، ومنافسة ذمار (قرب صنعاء) لمأرب أيضًا في شئون العمران-ظلت أوجه النشاط الإنتاجي والتجاري قائمة إلى حد ما. وظلت تثير اهتمام المؤرخين والرحالة الكلاسيكيين المعاصرين لها.
ففي أوائل هذا العصر المضطرب تمت إعادة بناء الهويس الشمالي من سد مأرب (في الفترة بين عامي 100 - 120) بعد انهياره الأول المعروف. وإلى هذه الفترة نسب الأخباريون العرب تشييد قصر عمدان الذي أسرفوا في وصفه وتمجيد صاحبه إيل شرح يحضب ملك مرئد- وقد احترق القصر، ثم تم تدميره في بداية العصور الإسلامية وأصبح تلًا خربًا.
ونسب إلى عهد هذا الملك في نهاية القرن الميلادي الثاني إرسال بعثة إلى ملوك غسان والإزدونزار ومذحج وهي من أقدم المرات التي ذكرت فيها أسماء هذه القبائل.
وفي أوائل هذا العصر أيضًا، خلال القرن الأول الميلادي، ذكر الرحالة بليني في كتابه عن التاريخ الطبيعي أمرين متقابلين، ذكر في أولهما أن السفن التابعة للرومان كانت تخرج من برينيكي (قرب أسوان في مصر على البحر الأحمر) إلى ميناء أوكيليس على مضيق باب المندب، أو إلى قنأ في منطقة الكندر
دون توقف، ومن هناك إلى الهند رأسًا ودون وساطة العرب، ولكنه أصناف إلى ذلك أمرًا آخر وهو أن العرب ظلوا من أغنى الأمم لتدفق الثروة من روما وبارثيا إليهم وتكدسها بين أيديهم. فهم يبيعون ما يحصلون عليه من (تجارة) البحر ومن (إنتاج) غاباتهم ولا يشترون شيئًا في مقابله. وذكر أن السبأيين كانوا أعظم القبائل ثراء بما تنتجه غاباتهم من البخور، وما يملكونه من مناجم الذهب، وما يوجد عندهم من الأراضي الزراعية. وما ينتجونه من الحبوب والكروم والعسل .... إلخ.
وفي تصويره لمدى استهلاك العالم الخارجي لمنتجات جنوب شبه الجزيرة، روى بليني أن جنازة poppaea في روما قد استنفذت ما يساوي الإنتاج السنوي للعربية السعيدة. وروى أنه ترتب على ازدياد استهلاك البخور والصموغ في أيامه، أن أصبح الصمغ يجمع مرتين في العام دون أن يترك التجار الوقت الكافي لسيقانه لكي تنضج.
وهكذا يبدو أن تجار الإغريق والرومان وإن سيطروا على أغلب تجارة الهند في المحيط الهندي والبحر الأحمر. فقد ظل العرب ينتفعون ببيعها ويقومون بنقل منتجاتهم الخاصة من البخور والصموغ ومشتقاتها بقوافل الإبل ويعملون على تصريفها ويجنون أرباحها. وهو أمرلم ينتفع به الجنوبيون وحدهم، وإنما انتفع به العرب الشماليون أيضًا لفترات طويلة مما سنعود إلى ذكره فيما بعد.
بل إن السفن الإغريقية والرومانية وإن عرفت الطريق البحري القصير المباشر إلى الهند، إلا أنها ظلت تلجأ إلى الموانئ العربية من حين إلى آخر للإتجار معها مباشرة، أو للراحة فيها والتزود منها بالماء والزاد خلال رحلاتها الطويلة إلى سواحل الهند وعودتها منها. بل وظلت تسمح لبعض السفن العربية بالاشتراك معها في التجارة، وذلك مما يعني أنها لو تقاطعها جملة ولم تحرمها من التجارة جملة. وقد كان للحميريين على ساحل البحر الأحمر وساحل البحر العربي أسطول تجاري ضخم لا يمكن تجاهله.
وأدت هذه الأوضاع إلى أن ورد في كتاب الطواف حول البحر الإريتري Periplus Maris Erythrael من حديثه عن جنوب شبه الجزيرة في حوالي عام 220م، ما سبق أن استشهدنا به منه عن ازدهار ميناء قنأ الحضرمية، وتجارتها الواسعة من عمان وبارثيا والهند. وقد ذكر نفس الأمر عن ميناء موزا (موشج أو المخا) فقال إنها ميناء عامرة دائمًا بأصحاب السفن والملاحين العرب وفي شغل شاغل بشئون التجارة، ويتعامل أهلها مع الساحل البعيد (الأفريقي؟) ومع بريجازا (في حوض السند) ويرسلون سفنهم إليهما.
وهكذا احتفظ العرب بنشاطهم على الساحل الأفريقي، لاسيما في منطقته المعروفة باسم رأس التوابل، وفي منطقة الصومال، وعلى ساحل الحبشة، وامتد نشاطهم إلى ميناء رهابتا (وقد تكون ربطة العربية) بجوار زنزبار، وذكر مؤلف كتاب الطواف أن رهابتا هذه ظلت تعترف بالسيادة لأمير معافر الحميري بحكم امتياز قديم أخضع ساحلها لنفوذ دولة قديمة في بلاد العرب (وهي دولة أوسان) وأن طائفة من تجار ميناء موزا الحميرية كانوا يعملون باسم أميرهم فيها ويسيطرون على تجارتها ويتزاوجون مع أهلها.
وظل للعرب نشاطهم في جزر البحر العربي (أو المحيط الهندي) القريبة منهم مثل جزيرة سوقطرى (دفيبا سخترا=ديوس كوريديس= الجزيرة السعيدة).وذكر مؤلف الكتاب السابق أنها كانت تابعة لملك اللبان يعني بذلك ملك حضر موت، وأنه كان يسكن على ساحلها الشمالي تجار من العرب والهنود والإغريق.
وليس من شك في أنه لو توافر للمناطق العربية الجنوبية سلامها القديم عوضًا عن الاضطرابات التي مزقت شملها في هذه الفترة لاستطاعت أن تحقق أضعاف ما استشهدنا به من روايات المؤرخين والرحالة عنها- ولكن هذا الذي استشهدنا به كاف للدلالة على أنه كان لا يزال بها من الإمكانات ما تستطيع أن تستعيد به أمجادها القديمة أو بعضها على أقل تقدير.
وإذا كانت مأرب قد استنفذت جزءًا كبيرًا من طاقتها بعد كفاحها الطويل في سبيل البقاء، فقد بقي على ظفار أن تقوم بدورها، وقد مالت موازين القوى النسبية إليها بالفعل منذ النصف الثاني للقرن الثالث الميلادي. وبجوارها قام حصن ريدان الملكي الذي نافس حصن سلحين السبأي المجاور لمأرب. وقد اعتبر الإخباريون العرب الحصنين قصرين وأشادوا بما فيهما من فخامة وروعة ما وسعتهم الإشادة. وضموا إلي ذكر قصر ريدان قصرًا فخيمًا آخر ذكروه باسم شوحطان.
نهضة حمير وملكية سبأ وذوريدان وحضرموت ويمنة:
مهدت الفترة السابقة لسيادة أسرة حميرية ريدانية تنسب إلى إيل عز نوفان يهصدق. أو إلى ولده الأوسع شهرة منه ياسر يهنعم الثاني الذي حرف بعض الإخباريين اسمه إلى ناشر النعم اليعفرى. وذكر عبيد بن شرية أنه سمي كذلك واشتهر به لأنه استرجع ملك الحميريين وجمع الأمر لهم. ولما كان رأس أسرة جديدة أسرفت روايات هؤلاء الإخباريين (لاسيما ذوي الأصل اليمني) في ذكر
مناقبه وفتوحه فروت أنه ضرب في الشرق والغرب والبر والبحر. بتفاصيل نتجاوز عن ذكرها لعدم ثبوت شيء منها.
وشاركه في الحكم قبيل عام270م ولده شمر يهرعش (الثالث) ثم انفرد بالحكم في حوالي 291 - 316، وتوافرت له شهرة أوسع من شهرة أبيه، واحتفظت له بعض الأساطير العربية بسمعة عريضة، فاعتبرته أعقل من حكم، وأطلقت عليه لقب تبع الأكبر، واعتبرته فاتحًا عظيمًا امتد حكمه في زعمها إلى أرض بابل وفارس وسمرقند وأرمينيا والصين والتبت
…
إلخ. وعلى الرغم من وضوح عنصر التهويل فيما ادعته هذه الأساطير، فإنه يبدو أنها اعتمدت على نصيب متواضع من الواقع وضخمته باسم القومية في عصر نشطت فيه قوى خارجية من الفرس والروم والحبشة لتوجيه مصائر الأمة العربية.
فقد حاول شمر يهرعش الثالث أن يحقق الوحدة السياسية لجنوب شبه الجزيرة وأن يزيد من إمكاناته ويوسع من حدوده واتصالاته. فاستولت جيوشه على أجزاء متسعة من دولة حضرموت وتوابعها وإن لم يقض تمامًا عليها وبقيت تجاهد في سبيل البقاء لفترة قصيرة. وتغلبت جيوشه على أقاليم من تهامة واتسعت في وسط شبه الجزيرة وشمالًا في أرض سهرة وعك. وربما غزت سواحل الحبشة أو على الأقل ضيقت على مصالح الأحباش في تجارة البحر الأحمر، وبلغت اتصالاته الدبلوماسية إلى قطوسف وكوك ويحتمل وجودهما قرب المدائن بين العراق وفارس.
وفي نفس العهد الذي حقق فيه عرب الجنوب نهضتهم على يدي شمر يهرعش الثالث، كان لعرب الشمال نهضة أخرى لا تقل قيمة عنها على يدي امرئ القيس بن عمرز التنوخي المتوفى عام 328م، وسوف نتناول تفاصيل نص امرئ القيس المشهور هذا فيما بعد، وتكفي الإشارة هنا إلى ما ذكره من أنه أحرز نجاحًا في حصار نجران مدينة شمر (يهرعش) أي الخاضعة له. وأنه شتت قبائل مذحج. وكان شمر يهرعش قد احتضن قبائل مذحج هذه، ومنها كندة، واستعان بها في مهاجمة مناطق التنوخيين قوم منافسه امرئ القيس أو أنصاره على الخليج العربي، كما وجه نشاطه من صعدة إلى أرض مالك بن كعب ملك أزد السراة.
وشجعت هذه الانتصارات المتوالية شمر يهرعش الثالث على أن يزيد في ألقاب ملكيته ألقابًا أخرى، فاتخذ لقب ملك سبأ وذوريدان وحضر موت ويمنة حول أواخر القرن الثالث الميلادي، وكانت يمنة (أو يمانة) فيما يحتمل وأشرنا من قبل هي الجزء الجنوبي من دولة حضرموت. وكان الرجل مصلحًا إلى جانب
كونه محاربًا، فبقي من أيامه نص ينظم بيع الرقيق والماشية. ويحدد المدة التي يكون البائع مسئولًا فيها عن الحيوان الذي باعه إذا هلك بسبعة أيام. ويبدو أن هذا النص كان جزءًا من تشريع متكامل صدر في أيامه.
ومرة أخرى ارتبطت هذه النهضة الحميرية الكبيرة بشخصية شمريهرعش الثالث ومن قبله بشخصية أبيه قبل أي شيء آخر، بحيث أن بعض أقاليم دولته في حضر موت وفي تهامة، حاولت الانسلاخ عنها في أواخر أيامه أي عندما شاخ عهده. وربما ردها إلى طاعته ولكن إلى حين.
وتجددت المشكلات في عهود خلفائه الأقربين ولم ينجحوا في غير إخضاع حضرموت التي استنفذت قواها، أما الأطراف الغربية لدولتهم فاكتنف الغموض مصيرها.
فقد ورد في ألقاب ملك الحبشة عيزانا الذي يرى بعض الباحثين أنه عاصر خلفاء شمريهرعش المباشرين منذ حوالي عام 325م- أنه ملك أكسوم وحمير وريدان وحبشة وسبأ وسلحين وصيامو وبجه وكاسو ملك الملوك. ويبدو أن سيطرته على حمير وسبأ اللتين أوردهما لقبه بعد عاصمته أكسوم. كانت سيطرة مفتعلة أراد أن يمهد بذكرها لمرحلة مقبلة بعد أن أصبحت دولة سبأ وذوريدان في نظره لقمة سائغة طحنتها مشكلاتها الداخلية. ولا يستغرب مثل هذا الأمل المفتعل إذا ما قورن بما حدث بعد كثير من القرون حين أمر الإمبراطور نابليون بسك نوط تذكاري باسمه تمجيدًا لفتحه الجزر البريطانية، وهو أمر لم يتم وبقي النوط تذكارًا لأمل لم يتحقق.
ولم يقتصر هدف عيزانا من هذا اللقب على مجرد الأمل في السيطرة على بلاد الجنوب العربي وما يصل إليها من متاجر، بل كانت وراءه ملابسات أخرى، فقد سمح الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأكبر بانتشار المسيحية في دولته ابتداء من عام 311م، ثم أصبحت دينًا رسميًا للإمبراطورية في عام 375م، واتجهت بعثات بيزنظة في عهده إلى الحبشة وما يجاورها للتبشير بالمسيحية واتخاذ الدين مدخلًا إلى عقد المحالفات السياسية والاتفاقيات الاقتصادية. ونجحت هذه البعثات من ناحيتها الدينية في إطلاق حرية العبادة للمسيحيين من التجار الأغراب ومن تنصروا من رجال البلاط وأهل البلاد التي دخلتها المسيحية. ويبدو أن عيزانا ملك الحبشة قد سايرها على الرغم من أن اليهودية كانت قد سبقت المسيحية إلى بلاده منذ قرون ولكنها ظلت محصورة في نطاقها الضيق وسط الديانة الوضعية الشائعة. ولعله في مشايعته للمسيحية وفي لقبه الذي ادعى فيه سيطرته على سبأ وحمير كان يعمل على أن تكون له الصدارة
في تمثيل البلاد الواقعة على جانبي السواحل الجنوبية للبحر الأحمر أمام حليفته الدولة البيزنطية القوية حامية المسيحية في الشرق ووريثة الرومان في السيطرة على سياسته وتجارته.
على أن الجدير بالذكر هو أنه إذا كان ملك الحبشة هذا أو خلفاؤه قد ودوا أن تكون لهم اليد العليا على المناطق العربية الجنوبية، فقد أسلفنا من قبل أن هجرات عربية جنوبية قديمة كانت قد أثبتت وجودها وتأثيراتها في الحبشة، عن طريق استخدام اللغة العربية الجنوبية في نصوصها إلى جانب اللغة الأفريقية، أو مختلطة بها، وكتابة هذه النصوص بحروف المسند العربية. وعن طريق النشاط الاقتصادي الذي جعل لطوائفهم التي عرفت باسم الجعزيين أي الأحرار منزلة مرموقة ومكانة سياسية كبيرة في الحبشة، مع امتداد نفوذهم على أجزاء متفرقة من الساحل الأفريقي.
وعلى أية حال فما لبثت دولة أكسوم أن اضطربت أحوالها في أرضها الأفريقية فانشغلت بنفسها.
وبقيت ملكية سبأ وذوريدان وحضر موت ويمنة العربية قائمة تجاهد في سبيل الاستمرار، ومن أعمال ملوكها إصلاح سد مأرب ثلاث مرات، وفي أولاها أصلح الجزء الأوسط منه عند تهدمه للمرة الثانية المعروفة بعد عام 360م.
وتميز من ملوك العصر أب كرب أسعد الذي مارس الحكم نحو ستين عامًا منذ أن اشترك مع أبيه طفلًا. وعندما استقل بالحكم اشرك معه ولده حسان يهنعم في حوالي عام 400م. وأثرت له جهود لتوطيد الأمن في دولته والسيطرة على طرق القوافل المتجهة إلى الشمال. فكانت له حروب في منطقة معد، ولعلها امتدت أيضًا في نواحي الحجاز من ناحية، وحتى الربع الخالي في أواسط شبه الجزيرة من ناحية أخرى، وكانت قبيلة كندة من أعوانه. وشجعه نجاحه على أن يزيد في ألقابه الملكية عبارة أكد فيها سلطانه على بدو المرتفعات والبراري، فأصبح ملك سبأ وذوريدان وحضرموت ويمنت وأعرب طودم وتهمت. أي وأعراب الجبل وتهامة (أو النجد والسهل)
…
ولا تساع أعماله العامة نسبيًا أشاد الإخباريون بذكراه وذكروه باسم أسعد تبع ونسبوا إليه فتوحات واسعة كما أشادوا بقصوره أو حصونه فيما بين ظفار وبين صنعاء.
وأصلح سد مأرب ثانية في عام 449م في عهد الملك شرحبيل يعفور، وزيدت قنواته ودعمت جسوره، ولكن انهار جانب من سد رحب ثانية بعد عملية إصلاحه بعام واحد وأدى ذلك إلى هلع السكان وفرارهم إلى الجبال خوفًا من
طغيان السيول، فأصلح مرة أخرى في عام 451م وقيل إنه اشترك في إصلاحه نحو 20 ألف رجل.
وارتبطت أهم أحداث العصر في الجنوب العربي الذي سوف نعبر عنه فيما يلي باسم اليمن وهو الاسم الشائع في المصادر العربية، بالتطورات الدينية وما ترتب عليها من نتائج حضارية وسياسية.
فقد سلكت اليهودية سبيلها إلى اليمن في عهود غير معروفة ود بعض الكتاب ومن اليهود بخاصة أن يرجعوا بها إلى زمن بعيد فربطوا بينها وبين عهد تخريب الرومان لبيت المقدس في عهد فسباسيانوس وتيتوس في عام 70م، وتشتيتهم لمن بقي فيها من اليهود الذين هرب بعضهم إلى الصحراء وانزووا في جاليات صغيرة على الطريق التجاري المتجه إلى الجنوب حتى اليمن. والواقع أنه ليس من سند لإرجاع هجراتهم إلى بلاد العرب إلى مثل هذا الزمن البعيد الذي رددته بعض الكتب التاريخية دون تمحيص حيث لم يظهر لعقيدتهم أثر في النقوش العربية الجنوبية أو الشمالية إلا منذ القرن الرابع أو الخامس الميلاديين.
وليس من المستبعد أن بعضهم تسلل إلى اليمن عن طريق فارس التي احتضنتهم نكاية في البيزنطيين المسيحيين الذين كانوا يكرهونهم. ولأمر ما ربط بعض الإخباريين ومن ذوي الأصل العبري أيضًا بين الملك أب كرب أسعد وبين يهود يثرب، مرة بدخولهم إليها في عهده، ومرة برحلته إليها وتهوده، ومرة بامتداد نفوذه إليها وتعيين أحد أولاده عليها حيث قتل بعد رحيله عنها
…
إلخ.
وسلكت المسيحية سبيلها إلى اليمن عن أكثر من طريق، فسلكته أولًا عن طريق البعثات التبشيرية. ويبدو أن الدولة البيزنطية حينما وجدت الحبشة قد انشغلت بمشاكلها الداخلية عما أملته فيها من نشر المسيحية وما يستتبعها من أهداف سياسية، تعاملت مع الدولة الحميرية رأسًا. وكان من رسلها المبشرين الأوائل ثيوفيلوس الهندي في منتصف القرن الرابع الميلادي ويروي التاريخ الكنسي أنه نجح في تنصير الملك الحميري المعاصر له. ولم يكن تنصير الملك، إن صح، هو بيت القصيد. وإنما يبدو أن بيزنطة أرادت أن تضمن لها أنصارًا باسم الدين للوقوف في وجه انطلاق نفوذ الفرس المحتمل في شبه الجزيرة العربية وما يتصل بها عبر الخليج العربي وعمان. وهكذا اتجهت البعثات التبشيرية البيزنطية إلى جزيرة سوقطرى وميناء هرمز أيضًا.
وسلكت المسيحية طريقها إلى الجنوب العربي كذلك عن طريق تجار الشام المسيحيين الذين تعاملوا مع أهله، وربما سلكته كذلك عن طريق تجار الحبشة المسيحيين، وبعض أهل الحيرة أيضًا على الرغم من اختلاف مذهبهم المسيحي
عن المذهب الذي أخذ به نصارى اليمن.
على أنه مهما كان من أمر المسيحية واليهودية في اليمن. فقد ظل أتباعهما قلة قليلة. وظلت غالبية أهل الجنوب العربي على عقائدهم الوضعية القديمة وإن حاولوا أن يوسعوا آفاقهم الدينية من تلقاء أنفسهم تارة ونتيجة لاتصالهم بأصحاب الديانتين اليهودية والمسيحية تارة أخرى. وهكذا ورد في نص الملك شرحبيل يعفور عن إصلاح سد مأرب عبارة تقول ما يمكن ترجمته إلى بنصر وعون الإله سيد السماء والأرض وذلك مما يعني تقديس معبود أكبر يشمل سلطانه السماء والأرض ولا يقتصر سلطانه على إقليم بعينه أو مظهر معين. ووردت في نص عبد كلال عبارة تقول بردا رحمنن أي: بعون الرحمن، مما يعني الإيمان برحمة الرب الدائمة وفضله الواسع، وروى أحد مؤرخي التاريخ الكنسي أنه كان بين الحميريين إبراهيميون عارضوا ثيوفيلوس المبشر المسيحي، غير أن أمثال هذه الفلتات القليلةلم تقض على عقائد التعدد القديمة فظلت هي الغالبة.
وتنافست الديانات الثلاث، وكان الأكثر تنافسًا أنصار الديانتين الجديدتين أي اليهودية والنصرانية. وفي خلال هذا التنافس اشتد أحد الملوك الحميريين الأواخر وهو يوسف أسأر يثأر الملقب ذو نواس في معاملة التجار المسيحيين والأشاعرة حلفاء الأحباش لسبب ما يرده البعض إلى تهوده، ويرده البعض إلى صداقته لليهود وتأثره بتحريضهم، ويرده البعض الآخر إلى ربطه بين انتشار المسيحيين في بلده وبين احتمال انتشار النفوذ الحبشي المسيحي عن طريقهم لاسيما وأن منهم من كانوا على صلة ببلاط الحبشة فعلًا. وترتب على هذه الشدة أن قل تعامل التجار البيزنطيين مع الموانئ العربية والموانئ الأفريقية القريبة منها. واستنصر المسيحيون بعضهم بعضًا، وناشدوا إمبراطور بيزنطة أن يتدخل لمعاونتهم، ولكن الشقة بين بيزنطة وبين اليمن كانت بعيدة، فوقع عبء معاونتهم على ملك الحبشة كاليب أل أصبحا حليف البيزنطيين ووجدت دعوة الاصتنصار هذه هوى في نفسه لتحقيق أمل أسلافه ولزيادة نفوذه السياسي والتجاري، لاسيما وأن بلاده قد تأثرت إلى حد ما من اضطراب أمور التجارة البيزنطية في جنوب البحر الأحمر.
وقيل: إن كاليب كان على رأس الحملة على اليمن أو أشرف على الأقل على إعدادها في ميناء عدولى الذي أبحرت منه عبر باب المندب في فترة ما تقع بين520م و 523م. ونجحت الحملة في غرضها، وفر ذو نواس إلى منطقة جبلية ببعض أعوانه. وأعلن الملك الحبشي سيادته على ظفار وعين عليها واليًا حبشيًا، وعندما توفي هذا الوالي استغل ذو نواس فرصته فأعاد تجميع أنصاره واستعاد
ظفار وانتقم ممن فيها من الأحباش وأجلى بقيتهم عن بلاده ثم رد الصاع صاعين، فترك اليهود يفتكون بمن شاءوا من منافسيهم المسيحيين. ووجه انتقامه إلى نجران أكبر مراكز تجمع المسيحيين فراسل زعيمها الحارث؟ ليتصل به، ولكن الرجل تخوف غدره فتحصن بمدينته. وشدد نواس حصار نجران وقيل: إنه وعد أهلها الأمان إن استسلموا له. فلما طال المطال عليهم فتحوا له أبواب مدينتهم فكان انتقامه هو وأعوانه منهم على نحو ما ذكر القرآن الكريم في سورة البروج (4 - 9) إذ يقول: {قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} .
وأراد ذو نواس أن يتخذ له سندًا لو تأزمت الأمور ضده فكتب إلى ملك الحيرة المنذر الثالث يود أن يحالفه أو يجعل له سبيلًا إلى محالفة الفرس وتصادف أن كان في مجلس المنذر وقتئذ وفد من قساوسة الروم فأشاعوا أن ذا نواس دعا المنذر في رسالته إلى أن يفتك بمسيحي الحيرة كما فتك هو بمسيحي نجران.
وثارت ثائرة العالم المسيحي، وأراد الملك الحبشي أن ينتقم لما أصاب رجاله فعاود الحملة على اليمن بجيش كثيف، وانتصر جيشه بعد جهد جهيد. وقتل ذو نواس أو فر وغرق كما روت بعض المصادر العربية.
وصحب الاحتلال الحبشي الأخير لليمن في عام 525م ما يصحب كل احتلال أجنبي من ضروب القتل والتدمير والنهب والأسر التي أفاضت المصادر الإسلامية في تصوير بشاعتها. ويبدو أن مقاومة الحميريين للغزاة قد استمرت لبعض الوقت. إذ يذكر حمزة الأصفهاني (في تاريخ سنى ملوك الأرض والأنبياء) أنه أعقب ذا نواس ولده ذو جدن ولكنه لقي نفس مصيره. ولعله من جراء هذه المقاومة أن عمل نجاشي الحبشة على أن يوطد احتلاله لبلاد اليمن بما يخدر أهلها فعين على حكمهم تحت طاعته رجلًا من سادتهم يدعى سميفع أشوع كان من كبار أعوان ذي نواس، وبعد مقتله تحصن هو بأولاده في حصنه وجمع حوله بعض حلفائه، ثم تبين عقم المقاومة أو استجاب لدعوة الأحباش فهادنهم وربما تنصر حينذاك واتخذ اسمه المسيحي الصيغة الذي سبق ذكره. وقد نسب إليه نص عربي تلقب فيه بلقب ملك سبأ وذكر إيمانه بالمسيح الذي أورد اسمه بصيغة لاتينية محرفة، مع إثبات تبعيته لنجاشي أكسوم.
وازدادت أعداد الكنائس الكبيرة في اليمن منذ ذلك الحين، وكانت كبراها كنيسة في نجران سماها أتباعها كعبة نجران وكعبة اليمن وكان لها سرادق من أدم. وأخرى في ظفار أقام فيها كبار قساوسة اليمن، وكنيسة ثالثة في عدن
…
إلخ.
والتفت الدولتان الكبيرتان دولة الروم ودولة الفرس إلى هذا المجال لصالحهما، وكانت كل منهما قد فرغت من مشكلاتها التي شغلتها في أغلب القرن الخامس الميلادي حين تدفقت هجرات الهون على أملاك فارس، وتدفقت هجرات الجرمان على أملاك بيزنطة.
وبدأ الإمبراطور البيزنطي بمحاولة استغلال رؤساء مسيحي الحبشة واليمن.
وقيل: إنه طلب من نجاشي الحبشة ومن والي اليمن أن يجعلا قضية المسيحيين قضية واحدة وأن يتعاونا مع دولته في التضييق على الفرس. وأوصى الحاكم اليمني على شيخ عربي قصد بلاطه يدعى قيس أويلي زعامة قبيلة قيس وأن يجعله رئيسًا على قبائل معد وأن يتعاون معه على مهاجنة مصالح الفرس، ولكن يبدو أن أحدًا من هؤلالم يستجب له.
وسواء مات الوالي سميفع ميتة طبيعية أم قتل، فقد عمل الأحباش على أن يحكموا بلاد اليمن بعده حكمًا مباشرًا بعد أن رضخ أهلها لحكم الواقع. فعينوا عليها حاكمًا حبشيًا لعله كان القائد الأعلى لجيش الاحتلال، ولكن قائدًا من أعوانه مالبث حتى انقلب عليه واغتصب مكانه في ولاية اليمن، وهو الوالي الذي ذكرته المصادر العربية باسم أبرهة أو إل إبرهة. وحاول النجاشي إقصاءه ففشل، وعندما خلفه نجاشي آخر أرضاه أبرهة فأقره على ولاية ملك سبأ العريض تحت طاعته. وهنا انتحل أبرهة فأقره على ولاية ملك سبأ العريض تحت طاعته. وهنا انتحل أبرهة اللقب السبأي الضخم ملك سبأ وذوريدان وحضرموت وأعرابها في الجبل وتهامة، مع اعترافه بنيابته أو تبعته لسيدة ملك الجعزيين رمحس زبيمان ويبدو أن رمحس أو رماحس هذه تعني الشجاع. كما كان زبيمن لقبًا من ألقاب الحكام في الحبشة.
واتخذ أبرهة صنعاء عاصمة. وشيدت فيها خلال عهده كنيسة ضخمة ذكرها الإخباريون باسم القليس تحريفًا عن كلمة Eccleststic بمعنى المجمع الكنسي. وشيدت كنيسة ضخمة أخرى في مأرب. وروت المصادر العربية أن نفائس المعابد القديمة ومجهودات اليمنيين قد سخرت من أجل إخراج هاتين الكنيستين في فخامة كبيرة.
ويبدو أن عرب الجنوب لم يسلموا بحكم أبرهة بسهولة، إذ تحدثت بعض نصوصه عن انقلاب والي كندة يزيد بن كبشة ضده وتعاونه مع أبناء سميفع أشوع الوالي السابق وعدد من بقايا الأسر النبيلة القديمة وبعض قبائلهم ومنها قبيلة يزن التي انتسب إليها فيما بعد سيف بن ذي يزن. وهزم أبرهة بجيشه هؤلاء الأحلاف بعد جهد جهيد. ثم سنحت له فرصته لكي يظهر بمظهر الحاكم المصلح. فقد زاد تصدع سد مأرب بعد فترات الإهمال والاضطراب المتعاقبة. فعمل على
إصلاحه في عامي 542و543م. وقد أسلفنا في الفصل الرابع ذكر بعض الجهود الضخمة التي أنفقت فيه حينذاك، وأنه حضر حفل إعادة افتتاحه مندوبون من دول الحبشة والروم والفرس والغساسنة والمناذرة، مما يعني أن أبرهة استطاع أن يوفر لنفسه شهرة كبيرة تعدت حدود اليمن. ولعل هذه الشهرة كانت من العوامل التي خدعته عن نفسه وحقيقة قوته ودفعته إلى غزو مكة ومحاولة هدم الكعبة، سواء باسم التعصب الديني للمسيحية، أم لاستعادة السيطرة على الطريق التجاري الرئيسي الذي كانت مكة قد حققت لنفسها مكانة كبيرة فيه، أم استجابة لدعوة الروم القديمة بإحكام الخناق على المصالح التجارية الفارسية عن طريق ربط الدولة المسيحية الجديدة في اليمن بالدولة الغسانية المسيحية في جنوب الشام وكلتاهما من أولياء بيزنطة.
وقد أثبت القرآن الكريم في سورة الفيل نتيجة هذه المحاولة الفاشلة. وكان من تفسير الزمخشري والطبري: أنه ترتب على ما رمته الطير الأبابيل على جيوش أبرهة أن تفشى بينهم وباء لعله الجدري الذي روى ابن هشام وابن سعد وابن منبه أنه عرف أول ما عرف بأرض العرب في عام الفيل. وعوضًا عما كان أبرهة يأمل فيه من إضعاف مكة، أصبحت هزيمته بها من عوامل ازدياد شهرتها. وربما عاد هو إلى بلده بقلة قليلة بقيت من جنوده. وعندما هلك خلفه ولداه، ولد من أم حبشية كان قد ولاه من قبل على قبائل معافر. وذكره الأخباريون باسم يكسوم، وولد من أم عربية ذكروه باسم مسروق وكان أبوه قد ولاه من قبل أيضًا على قبائل شناتر. وكان كل منهما شرًا من أخيه فضاق الناس بهما وتمنوا تحرير أرضهم من حكمهما.
وتزعم حركة تحرير اليمن سيف بن ذي يزن الذي خلدت الروايات والأساطير الشعبية ذكره، ولكنه لم يستطع بأعوانه أن يناهضوا الغزاة الأغراب أو المهجنين بدون عون خارجي. ربما لأن هؤلاء الغزاة كانوا قد حرموا المواطنين من السلاح أو أشاعوا الفرقة بينهم. ولعل ماروته الأساطير من اضطرار ذي يزن إلى الاستعانة بالسحر والجن. وابتلائه بأم انضمت إلى من اغتصب عرش أبيه، وكثرة مالاقاه من مصاعب وعقبات في تنقله وترحاله- كل ذلك كان يرمز إلى المشكلات التي واجهتها دعوته التحريرية في مجتمعه وخارج بلده. وقد روت المصادر العربية أن سيفًا قصد بلاد الروم واستنجد بالإمبراطور جوستين الثاني ولكنه لم يجد لديه استعدادًا لمعاونته ضد دولة مسيحية حليفة. فتركه إلى ملك الحيرة العربية ليتوسط له لدى ملك الفرس أعداء الروم وأعداء المسيحية. فاستجاب له بعد لأي عسى أن يجد سبيلًا عن طريقه إلى السيطرة على بلاد اليمن
وحرمان بيزنطة من امتيازاتها السياسية والاقتصادية فيها. ولكنه لم يكن مطمئنًا كثيرًا إلى إمكان نجاح المحاولة حيث روت المصادر العربية أنه أعانه بفرق قليلة تألف أغلبها من الأفاقين المجرمين تحت رئاسة قائد فارسي يدعى وهرز. وخرجت الحملة في ثمان سفن غرفت اثنتان منها ووصلت الست الباقية إلى عدن أو إلى ميناء قنأ في حضرموت وهناك ضم سيف أنصاره إليهم وانتصر بهم على جيوش ابن أبرهة ولعله المسمى مسروق، في حوالى عام 575م.
وكالعادة، لم يكن العون العسكري الأجنبي بغير ثمن يقابله، فقد حكم سيف بن ذي يزن اليمن تحت طاعة الفرس. كما حكمها من قبل سميفع أشوع تحت طاعة الحبشة. وأضافت الروايات العربية أنه لقي مصرعه بعد ذلك على أيدي جماعة من الأحباش، سواء بدافع من كراهيتهم الشخصية له. أو بدافع من تحريض دولتهم، أو بدافع من تحريض الفرس أنفسهم. وقد كان عهد ولده معد يكرب الذي خلفه تحت طاعة الفرس. فيما يذكر المسعودي، عهدًا قصيرًا. وحكم الفرس اليمن بعد ذلك حكمًا مباشرًا، كما فعل الأحباش من قبل، بعد أن أطمأنوا إلى تسليم السكان بالأمر الواقع. فولوا حاكمًا فارسيًا في ظفار، وإن تركوا المخاليف في أيدي الأمراء الوطنيين. وهنا توفر للفرس ما لم يكونوا يحلموا به من السيطرة على مخارج التجارة البرية والبحرية من بلاد اليمن وإليها عن طريق البحر الأحمر والمحيط العربي -الهندي- وعلى الطرق البرية المؤدية إلى الخليج والعراق من ناحية وإلى الشام ومصر من ناحية أخرى، إلى جانب ما كانوا يسيطرون عليه من تجارة الخليج العربي. وتتابع على حكم اليمن ثلاثة أو أربعة من ولاة الفرس كان آخرهم باذان الذي أسلم في عهد الرسول عليه السلام ودخلت بلاد اليمن بعده في الإسلام في عام 628م. وانتهى دور المناطق الجنوبية أو العربية السعيدة Arabia Felix في عصور ما قبل الإسلام عند هذا الحد. بينما كانت المناطق الشمالية في شبه الجزيرة تعاصرها في المسيرة، وهو ما سوف نتتبعه في فصول تالية.
من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:
Beeston، A.F.L.، Qahtan، Studies in Old South Arabian Epig-
raphy 1976
philby، op. cit.، 87-121
pirenne، j.، Recueil des inscriptions et antiquites sud-asabes، 1977
Ryckmans،G، in Museon 1942،bsoas1952
Shahid، l.، The Martyrs of Najran 1971
Wissmann، H.V.، Zur Geschichte und Landeskunde von alt- Sudarabien، 1964
Wissmann، H.V. und Hofiners، M.، Beitrage Zur Historisschen
Geographie des Vorislamischen Sudarrabien، 1953
بافقيه، وبيبستون، وروبان، والغول: مختارات من النقوش اليمنية القديمة
-تونس 1985.
جواد علي: المرجع السابق، جـ2.
مظهر علي الأرياني: في تاريخ اليمن- القاهرة 1972.
مجلة العرب، السنة الخامسة- يناير 1971 - ص 401 - 424.