المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: دولة الغساسنة - تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة

[عبد العزيز صالح]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: مصادر التاريخ العربي القديم ودراساته الأثرية الحديثة

- ‌الفصل الثاني: ممهدات العصور التاريخية في شبه الجزيرة العربية

- ‌مدخل

- ‌خطوط الكتابة القديمة في شبه الجزيرة العربية

- ‌كتابة المسند:

- ‌الخط النبطي وتطوره إلى الخط العربي

- ‌الفصل الثالث: تمهيد في جنوب شبه الجزيرة العربية

- ‌مدخل

- ‌مشكلة نشأ دولة سبأ في عصورها المبكرة

- ‌الفصل الرابع: عهود المكربين في سبأ

- ‌الفصل الخامس: دولة قطبان

- ‌الفصل السادس: دولة معين

- ‌الفصل الثامن: دولة أوسان

- ‌الفصل التاسع: عودة إلى دولة سبأ في عصر الملكية السبأية

- ‌الفصل العاشر: دولة سبأ وذوربدان-وسيطرة حمير

- ‌الفصل الحادي عشر: مناطق الأطراف العربية

- ‌اولاً: المصادر المسمارية

- ‌ثانيًا: من نتائج الكشوف الأثرية الحديثة:

- ‌الفصل الثاني عشر: الجماعات العربية القديمة ذات الصلة برسالات الأنبياء

- ‌أولًا: مدين

- ‌ثانيًا: قوم عاد

- ‌ثالثًا: الثموديون

- ‌الفصل الثالث عشر: من الممالك العربية المسقرة

- ‌اولاً: دولة ددان ولحيان

- ‌ثانيًا: دولة الأنباط

- ‌الفصل الرابع عشر: من ممالك الأطراف العربية

- ‌أولًا: مملكة الحيرة

- ‌ثانيًا: دولة الغساسنة

- ‌الفصل السادس عشر: انتقال مركز الثقل إلى مكة ويثرب

الفصل: ‌ثانيا: دولة الغساسنة

النعمان الأول تنسك وساح في الأرض. وأن المنذر بن ماء السماء تنصر، وأن النعمان الثاني ولد من أم ذات أصل يهودي.

وعلى الجملة ظلت أيام ملوك الحيرة مجالًا خصبًا لرواة العرب يمزجون فيها بين الواقع وبين الخيال، نظرًا لما تواتر إليهم عن ثرائهم ورفاهيتهم وقوة جيوشهم وقوافلهم، واتصالاتهم بالدولتين الكبيرتين دولة الفرس بالتبعية ودولة الروم بالعداء، وهي صفات لم يكن ينافسهم فيها من ملوك العرب الشماليين أكثر من ملوك بني غسان.

ص: 158

‌ثانيًا: دولة الغساسنة

قام الغساسنة على أطراف جنوب الشام وما يمتد حتى منطقة الجولان جنوبي دمشق، بمثل الدور الذي قام به اللخميون المناذرة على أطراف العراق. أي: بتكوين دولة حاجزة ووسيطة على أطراف بادية الشام تدين بالولاء لدولة الروم البيزنطية وتنتفع منها وتعمل باسمها، وكانوا أحدث عهدًا من المناذرة بنحو قرنين من الزمان. كما كان أتباعهم أقل استقرارًا في حواضرهم من أهل الحيرة. وربما كانوا أقل ثراء وبذخًا أيضًا من المناذرة، وأخذ المسيحيون منهم بالمذهب المونوفيستي اليعقوبي دون المذهب النسطوري الذي أخذ به أغلب مسيحيي الحيرة.

أطلق المؤرخون المسلمون على القبائل التي انتسب الملوك الغساسنة إليها اسم آل جفنة وآل ثعلبة فضلًا عن آل غسان. وذكروا أن غسان كان اسم ماء نزلوا عليه فسموا باسمه. وأضافوا أنهم نزلوا في جنوب الشام بجوار قبائل عربية قوية تدعى قبائل الضجاعمة، وهي من قضاعة، استخدمها الروم البيزنطيون في حماية حدود أملاكهم الصحراوية، فخضع الغساسنة لها حينًا وتألبوا عليها حينًا حتى أجلوها عن مواضعها فتفرقت وورثوها في أرضها وفي شهرتها، وحينذاك أقرهم الروم على مكانتهم التي حصلوا عليها بسيوفهم، ليعملوا باسمهم على مناطق الحواف وفي قوافل التجارة. وكانوا يخصصون لهم بعض موارد الشام المالية ليستعينوا بها في تقوية إمارتهم ونفقات جيشهم.

وذكر المؤرخون عددًا كبيرًا من الحكام الغساسنة تراوح بين الأحد عشر وبين الاثنين والثلاثين، وخلعوا عليهم ألقاب الملوك. ولكن يذهب الترجيح إلى أن عددًا من حكامهم الأوائل لم يكونوا أكثر من مشايخ قبائل كيسار خلع البيزنطيون عليهم لقب Phylarchos بمعنى وال، ولقب Patrieius بمعنى أب أو بطريق

ص: 158

وهكذا كان شأن أواخرهم الذين لم يزد أمرهم عن كونهم امراء أو شيوخًا وإن أطلق عليهم الرواة ألقاب الملوك.

ولم يتضح شأن الحكام الغساسنة في المحيط السياسي قبل أوائل القرن السادس الميلادي، وكان أشهر من احتفظت الروايات البيزنطية والعربية بأعماله منهم الحارث الثاني ابن جبلة، وولده المنذر.

طال حكم الحارث الثاني بن جبلة واحدًا وأربعين عامًا 528 - 569م. عاصر فيها الإمبراطور يوستينيانوس، أو جستنيان، في بيزنطة، والمنذر الثالث ملك الحيرة، وكان كفئًا لهذا الأخير طموحًا مثله بدأ حروبه معه منذ العام الأول من حكمه 528م، ليس فقط كممثلين للدولتين الكبيرتين المتنافستين دولة الروم ودولة الفرس. ولكن للتنافس بينهما كذلك على السيطرة على المناطق التي أطلقت المصادر البيزنطية عليها اسم Strata وتمتد فيما يرى نولدكه على جانبي الطريق الحربي من دمشق حتى سرجيوس إلى الشمال من تدمر. وتعاقبت الانتصارات والهزائم بين الجانبين وكانت ضاربة عنيفة كما أسلفنا في الحديث عن تاريخ المناذرة، وبحيث قيل: إن المنذر أسر ولدًا للحارث في عام 544م وذبحه قربانًا للعزى، وأسر الحارث ولدين للمنذر في موقعة أخرى في العام نفسه، واستمر الحال هكذا حتى قتل المنذر قرب قنسرين عام 554م، وقتل في نفس الموقعة ولد آخر للحارث، ومع ما كان في هذا التنافس من دمار مؤسف للقوتين العربيتين، ازداد سلطان الحارث مؤقتًا في أرضه وامتد نفوذه من جنوب الأردن حتى الرصافة في شمال بادية الشام، واشتهرت من مدن دولته البلقاء والصفا وحران. ولقب نفسه بلقب ملك وقيل: إنه تتوج بتاج عوضًا عن الإكليل الذي سمح الروم به لأسلافه، حتى لا تكون لخصومه المناذرة ميزة عليه، وربما أقره الإمبراطور البيزنطي على لقبه وتاجه حين زاره في القسطنطينية عام 563م ليستأذنه في تعيين خليفته المنذر، ونعلق هذا على الاحتمال لاختلاف المؤرخين بشأنه.

على أن الواقع أن العلاقات بين الروم وبين الحارث الغساني لم تكن خالية من الشوائب دائمًا، فهو وإن أخذ وقومه بالمسيحية مثلهم إلا أنه كان يأخذ بالمذهب المونوفيستي اليعقوبي ويناصره كما أسلفنا دون المذهب الذي يناصره الروم، وكان في هذا ما أثار حفيظة بعض قساوسة الروم ضده وشكهم في ولائه لهم. وقد اتهموه بالخيانة خلال اشتراكه مع جيش بليزاريوس في حرب الفرس في عام 541م حين تراجع عن صفوف الحملة بعد أن عبر معها نهر دجلة، إما عن أنفة من التبعية له في الجيش أو نتيجة لخصومة شخصية بين القائدين.

وأعقب الحارث ولده المنذر 569 - 581م الذي لا ندري كيف سماه باسم

ص: 159

خصمه فتوالت حروبه مع النعمان ملك الحيرة وتعاقبت الانتصارات والهزائم بينهما كما حدث في عهد أبويهما. فانتصر على الخميين في موقعة عين أباغ قرب الفرات في عام 570م. ولكنه لم يستمتع بنصره طويلًا حيث غدر به الإمبراطور بوستينوس جوستين الثاني، ولم يكن يطمئن إليه فحرض عليه والي سوريا البيزنطي ليعمل على قتله، ولم يكن هذا الوالي أقل حقدًا منه عليه، ولكن المنذر استطاع النزوح بجزء من جيشه إلى البادية ورد للروم الصاع صاعين فأقلق حدودهم بإغاراته السريعة. وتشجع المناذرة بغيابه عن الميدان فأغاروا على سوريا، الأمر الذي جعل الروم يتسامحون مع المنذر في أواخر عهد يوستينيوس الثاني. وعندما ولي الإمبراطور تيبيريوس الثاني 578م582م وزاره المنذر الغساني في عاصمته أقره الإمبراطور على لقب الملك وسمح له بالتتوج مثل أبيه في عام 580م.

وظل سوء الظن قائمًا بين الطرفين يطل برأسه من حين إلى آخر. فحدث أن اشترك المنذر مع وإلى سوريا في حملة فاشلة على العراق فرد الروم فشلها إليه، ولكي يثبت براءته مما نسب إليه أغار مع أعوانه العرب وحدهم على الحيرة وألهب فيها الحريق.

وإذا كان المنذر قد فعل هذا ليرضي سادته على حساب بني عمومته، فقد اعتبروا نجاحه في هذه الغارة تحديًا لهم ولفشلهم، ونجح أعوان الإمبراطور في هذه المرة في القبض على المنذر ونفيه إلى صقلية، وقطع المعونة التي كانت بيزنطة تقدمها إلى دولته.

وحاول أولاد المنذر الغساني أن يثأروا له فشبت المنازعات بينهم وبين البيزانطيين. وكان على رأسهم أخوهم الأكبر النعمان، الذي سماه أبوه باسم خصمه أيضًا، ولكن محاولاتهم لم تجد وتشتت شمل أسرتهم الحاكمة منذ عام 583 أو 584م ففقدت ملكها الواسع وهبط زعماؤها الكبار إلى مرتبة الإمارة وترأسوا مناطق متفرقة من ملكهم القديم - وقيل: إن بعضهم مال إلى جانب الفرس نكاية في الروم. وأضعف من آمال الغساسنة في استرجاع مجدهم استيلاء جيوش الفرس على بلاد الشام في عام 613م. ولم يكن من المنتظر أن يطمئنوا إليهم بعد عدائهم القديم ولحلفائهم. ثم سنحت الفرصة للغساسنة من جديد بعد نجاح جيوش هرقل قيصر الروم في إجلاء جيوش الفرس عن الشام في عام 629م. ويبدو أن ساسة الروم أدركوا أن لا أمان للأطراف الصحراوية وقوافل التجارة البرية إلا إذا عادت الزعامة إلى أهلها من الغساسنة، ومن هنا ظهرت أسماء أمراء جدد عاصروا ظهور الإسلام ومنهم الحارث بن أبي شمر الغساني أمير مؤتة الذي أرسل

ص: 160

الرسول عليه السلام إليه مع شجاع بن وهب في العام السادس للهجرة بكتاب يقول فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر. سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق. وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له. يبقى لك ملكك". وأبى الحارث الإسلام، فسير الرسول عليه السلام حملة ضده بقيادة زيد بن حارثة الكلبي.

ثم جبلة بن الأيهم آخر الأمراء الكبار من الغساسنة، وقد عاصر الفتح الإسلامي للشام. وقيل: إنه أسلم في عهد عمر بن الخطاب ثم ارتد عن الإسلام لأسباب اختلفت روايات المؤرخين بشأنها.

تنقل الغساسنة في أيام ازدهار دولتهم بين أكثر من عاصمة، وذكر المؤرخون المسلمون من عواصمهم جلق التي قد تكون جلين الحالية أو الكسوة على بعد عشرة أميال جنوبي دمشق، والجابية في منطقة الجولان ولازالت البوابة الغربية لدمشق القديمة تسمى باسمها.

وبعد أن تحضرت جماعات بني غسان في بلاد الشام، أولت اهتمامها لمشروعات الري والزراعة واستفادت منها لاسيما في إقليم حوران، بحيث ذكر لها نحو ثلاثين قرية. غير أن أمور الحرب وحماية القوافل وتجارة الوساطة ظلت هي الغالبة على أوجه نشاطها.

واشتهرت من مدن التجارة الخارجية ومراكز القوافل في أيامهم مدينة بصرى عاصمة إقليم حوران، وقيل: إن الرسول عليه السلام قصدها للتجارة مرتين في شبابه وقابل فيها بحيرا الراهب. وكانت من مراكز الحضارات الهيلينستية والرومانية القديمة.

ثم مدينة الرصافة شمال تدمر. وقد جدد الغساسنة كنائسها وأديرتها واشتهرت بقديسها المسيحي مارسرجيوس الذي خلع اسمه عليها فسميت Sargio- Plors وكان نصارى الشام يتيمنون به وبصورته ويعمدون أبناءهم في كنيسته. ولازالت أطلال بوابات الرصافة القديمة وصهاريج مياهها قائمة. على الرغم من تخريب جيوش الحيرة لها أكثر من مرة، وفعل توالي الأزمان عليها.

وانتفعت حضارة الغساسنة بالحضارات الشامية المحلية والبيزنطية والساسانية فضلًا على ميولها العربية. وكان شأنها في ذلك شأن الحضارة الأموية فيما بعد حينما استكملت عناصرها المتعددة في دمشق وما حولها. وترتب على ذلك أن نسب المؤرخون المسلمون آثار كل من الغساسنة والأمويين إلى الآخر.

ومن أشهر هذه الآثار قصران: القصر الأبيض بجوار منطقة النمارة. وقصر

ص: 161

المشتى وكان يقوم في الناحية الشرقية من نهر الأردن حتى نقلت أحجاره إلى متحف برلين وأعيد تركيبها فيه في أوائل القرن الحالي. ويذهب بعض المستشرقين إلى إرجاع المراحل الأولى في بناء القصرين إلى ما قبل استقرار الغساسنة في الشام.

وأبقى على ذكر الأمراء الغساسنة في التاريخ المسيحي ما أسلفناه من أنهم كانوا من أكبر أنصار مذهب الطبيعة الواحدة، أي: المذهب المونوفيستي أو المذهب اليعقوبي، وكانوا ينيبون عنهم قساوستهم في حضور المجامع الدينية الكبيرة التي حاولت أن توفق بين المذاهب المسيحية المتنافرة.

وخلد ذكر أمراء الغساسنة في الأدب العربي، شاعران، النابغة الذبياني الذي قصدهم بعد أن تخاصم مع ملوك الحيرة، فكان من لطيف وصفه لهم قوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

ثم حسان بن ثابت الذي يرجع نسبه إليهم، وقد نزل بلاطهم قبل الإسلام وحظي بإنعاماتهم، ووصف نعيمهم وترفهم، حتى بعد أن خبا نجمهم، وذكر أن نفوذهم كان لايزال يمتد في أيامه بين حوران وبين خليج العقبة.

من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:

خالد العسل: الحيرة وعلاقتها بالجزيرة العربية - مجلة العرب - يونيو 1973 - ص 857 - 874، يوليو 1973 - ص 924 - 935.

ديسو رنيه: العرب في سوريا قبل الإسلام-ترجمة عبد الحميد الدواخلي-القاهرة 1959.

صالح العلي: منطقة الحيرة - مجلة كلية الآداب بجامعة بغداد، 1962.

فيليب حتى: تاريخ العرب - ترجمه بيروت 1965.

نولدكه تيودور: أمراء غسان من آل جفنة- ترجمة بيروت 1933.

يوسف رزق الله غنيمة: الحيرة-بغداد 1936.

ص: 162

الفصل الخامس عشر: مملكة كندة في نجد وما حولها

لقبائل كندة تاريخ قديم قد لا تتأخر نشأته عن نشأة تاريخ تنوخ. وقد امتدت أيامها حتى نافست المناذرة والغساسنة في عنفوان مجدهم. ولكن أحاط الغموض بتاريخ كندة أكثر مما أحاط بتاريخ هؤلاء وهؤلاء. ويرجع هذا الغموض إلى عدة أسباب، أهمها أنه لم تكتشف لجماعات كندة آثار قائمة مهمة أو نصوص وفيرة، وأن وجودهم في أغلب عهودهم في قلب البادية أقصاهم إلى حد ما عن معرفة المؤرخين الكلاسيكيين والبيزنطيين فيما خلا إشارات مختصرة ذكرها عنهم كل من بليني وبطلميوس وننوسوس وبروكوبيوس، ومالالاس، وثيوفانيس، ويوشع.

وهي في مجملها إشارات تحتمل كثيرًا من الجدل. ثم إن أوائل المؤرخين والأدباء المسلمين الذين كتبوا عن كندة وملوكها تأثروا إلى حد ما بميولهم القبلية، ونقلوا قصصها من مصادر متضاربة فخرجت أخبارهم عنها متباينة مختلطة.

واستفادت أغلب روايات المؤرخين والأدباء المسلمين القدامى من مؤلفات هشام بن محمد الكلبي المفقودة الآن للأسف وأخصها كتاب ملوك كندة وكتاب الكلاب الأول، وكتاب الكلاب الثاني

إلخ. كما استفادت أغلب الدراسات الحديثة عن كندة مما حققه المستشرق جونار أو لندر عن ملوك كندة أو أسرة آكل المرار في مؤلفه المنشور في عام 1927.

ثم نشرت في الأعوام الأخيرة بضعة نصوص سبأية وحميرية ألقت ضوءًا جديدًا على نشأة كندة وأرجعتها إلى عهود أقدم مما تخيله المؤرخون المسلمون عنها.

وسوف نبدأ بما أتت به المصادر الإسلامية القديمة ونستعين بما حققه أو لندر منها. ثم نعقب أخيرًا بما أضافته حديثاً قراءة النصوص الأثرية القديمة إلى المعروف عن تاريخ كندة.

رد أغلب المؤرخين المسلمين كندة إلى أصل قحطاني، ورووا أنها أقامت في بداية أمرها في شرقي اليمن وغربي حضرموت، ثم احتدمت المنازعات بينها

ص: 163

وبين الحضارمة إلى أن تركت موطنها ونزحت إلى الشمال. وتعاقب على كندة رؤساء لقبهم المؤرخون المسلمون بألقاب ونسبوهم إلى جد أعلى يدعى ثور. واختلفوا في حقيقة عددهم وفي مدد حكمهم. وبعد أمد ما تحالفت كندة مع الحميرين لتكون لهم مثل اللخميين بالنسبة للفرس. في عهد الملك الحميري أب كرب أسعد الملقب بلقب تبع الأكبر، أو ولده حسان بن تبع. فولي أحدهما كبيرها حجرًا بن عمرو الملقب بآكل المرار على أرض معد فنزل ببطن عاقل بنجد. وأغار ببكر فانتزع ما كان بأيدي اللخميين من أرض بكر. وكان أب كرب أسعد قد بلغ في هذه النواحي وادي مأسل الجمح جنوب شرق الدوادمي. وسجل اسمه على صخرة فيه.

وانتشرت كندة في أرض نجد وما في شمالها وتصادمت مع الضجاعمة وحلفائهم الغساسنة على أطراف الشام، كما تصادمت مع المناذرة على أطراف العراق.

وولي بعد آكل المرار ولده عمرو بن حجر الذي لقب المقصور ربما لهبوط همته ولأن الظروف قصرت حكمه على جزء من ملك أبيه دون ملكه كله.

فاكتفى بمناطق ربيعة ومعد في نجد وتخلى عن اليمامة لأخيه، وعوض هذا القصور بصداقاته وولائه لجيرانه الحميريين واللخميين، ومحاولته الإغارة على أملاك الغساسنة.

وخلفه ولده الحارث بن عمرو الكندي في نهاية القرن الخامس الميلادي كما يعتقد أولندر، وكان أشد صلابة منه. وامتد حكمه على قبائل بكر بن وائل التي رغبت في الاحتماء بسلطانه حين نزحت هي وقبائل تغلب من أرض اليمامة نحو الشمال بعد أن مزقتها حرب البسوس، تريدان النزول في البحرين والعراق.

وسنحت الفرص لعلو شأن الحارث الكندي نتيجة لأمرين، وهما انتقال صيته إلى فارس بعد أن أغار اتباعه البدو على حدود العراق وحوافه الزراعية وفشلت جيوش الحيرة في إخضاعهم. ثم رغبة الملك الفارسي قباذ في إيجاد منافس قوي أمام المنذر الثالث ملك الحيرة حتى لا تزيد أطماعه بعد انتصاراته الأولية على الغساسنة. وبعد أن وصل إليه رسل قيصر الروم يفاوضونه في فك أسراهم أو يغرونه بالانضمام إلى صفوفهم أو مهادنة أنصارهم، كما سلف القول من قبل، وربما كتغيير يناسب الحركة المزدكية في فارس.

وذكر المؤرخون المسلمون أن قباذًا ملك الفرس أقر الحارث الكندى على ما استولى رجاله عليه من أطراف العراق، وأضافوا أنه استقبله بنفسه عند قنطرة

ص: 164

الفيوم قرب هيت في العراق. وبعد أن اطمأن قباذ إليه عزل المنذر الثالث وولى الحارث الكندي على أطراف فحكمها من الحيرة أو من الأنبار، وكان له أولاد كثيرون ولاهم رؤساء على القبائل العربية منذ أن ذاع صيته في البادية وخلال حكمه لمملكة الحيرة بوجه خاص، وأسند إلى أكبرهم حجر رياسة قبائل أسد وكنانة أو بني أسد بن خزيمة وغطفان، وكانت أسد قبيلة كبيرة تركزت في جنوب جبلي طيء على جانبي وادي الرمة وتوزعت بطونها فيما قيل بين المدينة وبين الفرات. فقبلت رياسته على مضض بحيث قيل: إنه لم يكن يقيم فيها وإنما كان يقيم في تهامة ويبعثث رسله ليجمعوا الإتاوة منها. ثم تشجع بما صارت إليه رئاسته فشن هجمات خاطفة على حدود الغساسنة، وتجرأ أخوه معد يكرب بمثل جرأته وكان يلي قيس عيلان فأغار على حدود فلسطين وأوغل فيها حتى أوفد قيصر الروم أناستاسيوس وفدًا إلى أبيه الحارث ليوقف شره.

وهكذا زاد شأن الحارث الكندي واستمر على حكم الحيرة وما حولها، ولكن لفترة قليلة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات 525م-528م ثم مالبثت الآية أن انقلبت عليه حين توفي ملك الفرس الذي ولاه وعضده. وكان المنذر الثالث قد لجأ بعد عزله إلى بعض حلفائه من القبائل واستجمع قواه بينهم ثم عاد ليسترجع ملكه. ووجد التأييد من ملك فارس الجديد كسرى أنو شروان الذي سمح له باستعادة ملك الحيرة، وعزل الكندي ففر وتبعته جيوش المنذر، واختلفت الروايات العربية فيما إذا كان أفلت منها أم قتلته.

وأدت هزيمة الحارث أو قتله إلى أن انقلبت القبائل الخاضعة له ضد آله وبنيه بحيث قيل: إن تغلب سلمت ثمانية وأربعين فردًا من أسرته إلى المنذر فأمر بضرب رقابهم جميعًا. ونعاهم امرؤ القيس كثيرًا في شعره. وكان شر البلية أن تناحر أبناء الحارث بعضهم مع بعض حتى ذهبت ريحهم فقيل على سبيل المثال: إن ولدًا للحارث يدعى شرحبيل كان يحكم قبائل بكر بن وائل وما والاها من قبائل المنطقة الشرقية اختلف مع أخر أصغر، له يدعى مسلمة كان يحكم قبائل تغلب والنمر بن قاسط. وزكى المنذر ملك الحيرة الفرقة بين الأخين، فتقاتلا وأضعف كل منهما هيبة الآخر، فتنمر لهما أتباعهما وحلفاؤهما إلى أن قتل الأول فيما يسمى يوم الكلاب وهو ماء بين البصرة والكوفة، وفر الثاني، فكر المنذر ملك الحيرة عليه بجيشه وقتل من اتباعه خلقًا كثيرًا.

أما أسد فقد زاد حقدها على ولده حجر، ولما اشتد وعماله عليها تمكنت من قتله والفتك بأهله في ظروف اختلف الرواة في تصويرها.

وهكذا تشتت أفراد أسرة آكل المرار وفت في عضدهم أن ضعف شأن

ص: 165

حليفتهم حمير واحتل الأحباش المسيحيون اليمن في عام 525م، فلم يبق لهم نصير خارجي لا من الفرس ولا من اليمن ولا من الروم ولا من أنفسهم بعد أن فرقت المطامع صفوفهم. وكان لحجر عدة أبناء أصغرهم هو امرؤ القيس الشاعر وكان ميالًا للهو مع شهرته في الشعر. وكان أبوه فيما ذكرته الروايات العربية قد تبرأ منه في حياته حتى يقلع عن لهوه وشعره ففارقه وظل على سفره ولهوه حتى أتاه نعيه وهو يشرب ويسمر في دمون من أرض حضر موت فقال جملته المأثورة: ضيعني صغيرًا وحلمني دمه كبيرًا، لا صحو اليوم ولا سكر غدًا، اليوم خمر وغدًا أمر، واستنصر امرؤ القيس قبائل بكر وتغلب على بني أسد قاتلي أبيه. فاستعصم بنو أسد ببني كنانة ثم تركوهم. وتعقبهم امرؤ القيس بحلفائه والتحم معهم في معركة ضارية ولكنهم هربوا منه بليل. واكتفت بكر وتغلب بما حدث وتفرقت عنه.

وأبى امرؤ القيس إلا المضي في الانتقام لأبيه، فمضى يستنصر عرب العراق تارة وعرب اليمن تارة أخرى، ثم قاتل بني أسد مرة أخرى وظفر ببعض بطونهم وقيل: إنه مثل بها تمثيلًا شديدًا، ثم أحل الخمر لنفسه. ولو أن شاعر بني أسد عبيد بن الأبرص نفى في شعره تمكن امرئ القيس من قومه، وأخذ بروايته بعض المؤرخين.

وكان رؤساء الحيرة لا يزالون يكنون البغضاء لكندة، فتعقبوا امرؤ القيس وشردوه ..... ، وتشجعت عليه قبائل أسد ومعد، وتفرق عنه أتباعه. ففر بأهله وأسلحته وماله وظل يتنقل بهم والمكائد تلازمه بين بني يربوع، وإياد. وطيء، وفزارة، ثم ارتحل إلى تيماء ويبدو أنها كانت تحت رئاسة قريب له من كندة يدعى قيس، وإن كانت بعض الروايات قد اكتفت من قصته فيها بأنه أودع أهله ودروعه عند السموأل بن عاديا صاحب الحصن الأبلق ورجاه أن يوصي به الحارث بن أبي شمر الغساني، ثم قصد بلاد الشام ونم شعره عن أنه مر فيها بحوران وبعلبك وحمص وحماة

ومن هناك أوفده الحارث الغساني بتزكية منه إلى قيصر الروم في القسطنطينية، حيث مات فيها مريضًا أو مسمومًا، أو مات أثناء رجوعه منها في فترة ما بين 530و540م من قبل أن يحقق هدفه، وأضافت الروايات نفسها أن بعض أعدائه أو بعض أنصاره عندما تحققوا من وفاته طالبوا السموأل بودائعه فأبى، فحاصروا حصنه وقتلوا ولده، ولكنها اختلفت فيمن طالب السموأل وحاصره، إن كان الحارث بن أبي شمر الغساني، أو الأبرد ابن عمه، أو الحارث بن ظالم حليف المنذر ملك الحيرة. ونظر بعض المؤرخين المحدثين ومنهم فنكلر ومارجوليوت إلى المشكلة من وجهة نظر أخرى، فقد

ص: 166

لاحظوا أن شاع القصة وأشاد بوفاء السموأل مصدر يهودي يتمثل في دارم بن عقال الذي قيل: إنه كان من نسل السموأل، وسعية بن عريس، وغيرهما من رواة اليهود، ثم الأعشى الشاعر الجاهلي، ورأى فنكلر علامات الشك محتملة فرجح أن تكون قصة السموأل قصة موضوعة استوحاها رواة اليهود هؤلاء من بعض قصص التوراة وأشاعوها تمجيدًا لقومهم، ثم رددها بعض الإخباريين بعدهم وأعجبوا بها لما اصطبغت به من روح الوفاء والإباء المحببة إلى العرب.

واعتاد الباحثون في تاريخ كندة أن يقفوا قليلًا عند قصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية ومصيره فيها. حيث لم تذكر المصادر البيزنطية شيئًا عن امرئ القيس هذا ولا عن زيارته لعاصمتها من طرف صريح، وإن أشارت في مناسبات أخرى متفرقة إلى أن أعوان القيصر كانوا يقربون بين مشايخ العرب وملوكهم الصغار وبين قيصرهم ويشجعونهم على زيارة بلاطه أو يسعون عنده في أن يسمح لهم بزيارته في عاصمته.

ويفهم من بعض هذه المصادر على سبيل المثال أن شيخًا من شيوخ العرب الكبار يسمى امرأ القيس ارتحل من نواحي العراق إلى دومة الجندل واتخذها مركزًا لغزو جنوب فلسطين وساحل البحر الأحمر أو ساحل العقبة واستولى على جزيرة فيه. ثم اتصلت الأسباب بينه وبين الأسقف العربي بطرس فأقنعه بمهادنة الروم والسعي إليهم. وسعى له هو عند القيصر ليو حتى دعاه إلى القسطنطينية حوالي عام 473م فزاره وتنصر، وأقره على أرضه ولقبه بلقب فيلارخوس. وليس لامرئ القيس هذا صلة بامرئ القيس الشاعر وهو يسبق عهده بأكثر من نصف قرن.

واتصلت الأسباب بين شيخ عربي آخر دعته المصادر البيزنطية أبا كرب وبين القيصر يوستينيانوس (جوستين) وكان أبو كرب يتزعم قبيلته في جنوب فلسطين، وله واحة هناك كثيرة النخيل تقرب بها إلى القيصر فقبلها منه ولقبه هو الآخر بلقب فيلارخوس، وجاور أرضه أعراب من معد كانوا يدينون بالولاء للحميريين، مما يحتمل معه أنهم كانوا من كندة. وأراد أن يستعين بالقيصر ضدهم.

وذكرت رواية أخرى أن الإمبراطور يوستنيانوس أرسل رسولًا إلى سميفع إشوع المسيحي عامل الأحباش على اليمن، يدعوه إلى أن يصفح عن رئيس عربي يدعى قيس ويعاونه على رياسة معد ويتعاون معه على غزو أملاك فارس-وكانت هذه السفارة قبل عام 531م ولم تحقق غرضها - إما للخوف من فارس أو لأن سميفع لم تكن له سيادة فعلية على معد بحيث يولي قيسًا عليها.

ص: 167

وذكر الكاتب البيزنطي نونوسوس ما أسلفناه من قبل من أن القيصر أناستاسيوس أرسل وفدًا برئاسة جده إلى الحارث ملك كندة ومعد بعد أن تعددت إغارات ولده معد يكرب على حدود فلسطين. كما أرسل القيصر يوستينيايوس وفدًا برئاسة أبيه أبراهام ليقابل قيسًا حفيد الحارث، ولعله بن معد يكرب، ليعقد حلفًا معه، فقابله وأخذ منه ولده معاوية إلى القسطنطينية كرهينة على وفاته. ثم كلف القيصر نونوسوس نفسه بأن يدعو قيسًا الكندي إلى القسطنطينية فاصطحبه معه إليها ثم أرجعه إلى بلده بعد أن أقره على ولاية جزء من فلسطين. وليس قيس هذا بطبيعة الحال هو امرؤ القيس الشاعر الذي ذكر المؤرخون وفاته بحسرته قبل أن تتحقق أمنيته بالعودة إلى بلده معززًا مكرمًا. وإن افترض بعض الباحثين احتمال صحبته لقيس هذا وهو من أبناء عمومته في رحلته وعودته معه وإن اهتم الرواة المسلمون بقصته هو وتناسوا ابن عمه.

أسلفنا أن ثمة ضوءًا جديدًا ألقته النصوص السبأية الحميرية المكتشفة حديثًا على بداية تاريخ كندة، وأن ما أضافته هو الرجوع بهذا التاريخ إلى أبعد مما ذهب به المؤرخون المسلمون وإلى ما حول ميلاد المسيح عليه السلام، وأن كندة ارتبطت في نشأتها بالعرب الشماليين أكثر مما ارتبطت بالعرب الجنوبيين على عكس ما رواه أغلب المؤرخين المسلمين، وأن الجنوبيين كانوا ينطقون اسمها كدة بدال مشددة مما قد يعني أن اسمها لم يكن من أسمائهم فحرفوه.

ويرجع أقدم هذه النصوص إلى عهد شعر أوتر ملك سبأ وذوريدان في أواخر القرن الميلادي الثاني، وهو ملك عمل أن يجمع شمل المناطق العربية الجنوبية وأن يقضي شبهة النفوذ الحبشي عن ساحل تهامة كما ذكرنا في سياق الفصل العاشر. فتعددت معارك جيوشه في حضرموت وفي ردمان وعلى ساحل تهامة الجنوبي وفي نجران.

ومن نجران اتجهت قواته إلى قرية ذات كاهل ولعلها كانت قريبة من الفاو الحالية ونسبت إلى معبودها كاهل، وحاربت ربيعة ذو آل ثور مالك كدة وقحطان وهو ملك قد ينتمي إليه معاوية بن ربيعة ملك قحطان ومذحج الذى ذكره نص من قرية الفاو أيضًا.

وكان الرحالة بليني قد ذكر في أوائل القرن الأول الميلادي منطقة آل ثور هذه مع ملاحظة أن المؤرخين المسلمين قد ردوا نسب ملوك كندة إلى ثور فعلًا واعتبروه رجلًا، وقد يكون معبودًا قديمًا عبدوه.

ص: 168

وذكر الجغرافي بطلميوس السكندري اسم العاصمة ماؤوكسموس كعاصمة لكندة في القرن الثاني الميلادي.

وبالاستفادة من هذه المصادر مجتمعة وبخريطة بطلميوس الجغرافي السكندري التي أثبتها في كتابه، يذهب الرأي الحديث إلى الاتجاه بديار كندة الأولى إلى ما في شمال نجران في منطقة الأفلاج والعارض وجبل طويق في قلب نجد. وإذا صحت قراءة قحطان التي تضمنها نص شعر أوتر وذكر ارتباطها بكندة وخضوعهما معًا لملك واحد يدعى ربيعة ومن بعده لولده؟ معاوية، فإنها قد تعني منطقة ما من أرض قحطان الواسعة في خولان الشمالية التي تمتد بين شمال شرق جيزان وبين شمال نجران.

وبعد جيل أو نحوه في أوائل القرن الثالث الميلادي، روي نص من عهد إيلشرح يخضب وأخيه يأزل بين ملكي سبأ وذوريدان خبر حرب شنتها قوات هذين الملكين ضد مالك ملك كندة وشعب كندة كدة لمؤازرته لامرئ القيس بن عوف ملك خصاصة، وأسرت هذه القوات قادة كندة واحتجزتهم في مأرب حتى سلموا الغلام امرأ القيس لملكي سبأ وذوريدان وتركوا أبناءهم رهائن لديهما، وأدوا الجزية والفدية من الخيول والإبل والمتاجر. وربما قامت خصاصة هذه حليفة كندة قريبة من منازلها في شمال نجران، إلى القرب من بيشة وإلى الجنوب الغربي منها.

وبعد قرن تقريبًا وفي أوائل القرن الرابع الميلادي تحدثت نصوص شمريهرعش الثالث ملك سبأ وذوريدان عن كندة ومذحج كأحلاف له ثم كأتباع له.

وكانوا في الحالة الأولى لا يزالون في منطقة الأفلاج في قلب نجد، ومثلت كندة القبيلة الرئيسية في مذحج، وتعاونوا جميعًا مع قواته على مهاجمة أرض تنوخ في المنطقة الشرقية على الخليج العربي وما يمتد منها إلى جنوب العراق. ولكن ضربة مضادة وجهت إليه وإليهم في أواخر عهده على يد ملك تنوخ امرئ القيس بن عمرو الذي استشهدنا بملخص نصه العربي المتأثر قليلًا باللغة الآرامية واللهجة النبطية في الفصل الرابع عشر، وبما ذكره فيه من أنه حاصر نجران مدينة شمريهرعش، وشتت -حلفاءه- قبائل مذجح عن أرضها. وهاجرت هذه القبائل حينذاك ومعها كندة إلى دولة حليفها شمريهرعش في الجنوب، وأصبح رجالها من فرق الأعراب في جيوشه. وأقطعهم منطقة أوسان ومضحاي القديمة فأصبحوا سادتها تحت حكمه.

واستمر وضع مذحج وكندة هكذا في عهود خلفاء شمريهرعش، فظهر رجالهما بين الأعراب في جيوش ياسر يهنعم الثالث وذرأ أمر أيمن ملكي سبأ

ص: 169

وذوريدان في حوالي عام 330م، كما ظهروا بعد نحو قرن من الزمان بين الأعراب في جيوش أب كرب أسعد وولده حسان يهأمن في حملتها على أرض معد في وادي مأسل حمح، وفي بداية القرن الخامس الميلادي.

ومر بنا في الفصل العاشر كذلك أن النصوص الحميرية القديمة والروايات العربية معًا قد نسبت إلى أب كرب أسعد وولده حسان في فترة اشتراكهما في الحكم مجهودًا حربيًا في منطقة أحلاف معد، وفي بعض نواحي الحجاز من ناحية، وحتى الربع الخالي في أواسط شبه الجزيرة العربية من ناحية أخرى، وأنه كان من بين قواته الراكبة رجال مذحج وكندة. وبالربط بين هذا العهد وبين ما كان يجري خارج حدود اليمن يتضح أنه كان يعاصر نهضة اللخميين على حدود العراق، ووثيق صلتهم بفارس في عهد النعمان الأول. وهكذا يبدو أنه كان من أهداف حملة أب كرب أسعد التي اصطحب معه فيها كندة ومذحج إعادة كيان إمارة كندة في الشمال تحت طاعة دولة سبأ وذوريدان أو حمير أو في حلفها، لكي ترأس قبائل معد العدنانية سبأ وذوريدان أو حمير أو في حلفها، لكي ترأس قبائل معد العدنانية وتقف في وجه التوسع اللخمي المنتظر من ناحية، وتؤمن الطرق التجارية المتجهة إلى نجد والحجاز وما ورائهما من ناحية أخرى.

ومن هنا تلاقت النصوص السبأية القديمة مع الروايات العربية التي روت أن تبعًا أب كرب أسعد وهو في طريقه إلى أرض العراق نزل بأرض معد فجعل حجرًا بن عمرو الكندي ملكًا هناك. وإذا كانت قد خلطت بين أب كرب وبين ابنه حسان في هذا الأمر فذلك يرجع إلى اشتراكهما في الحكم معًا لفترة طويلة.

وقامت كندة بدورها حتى الربع الأول من القرن السادس م، وفيه احتدم التنافس بين القوى الثلاث الكبيرة في شبه الجزيرة العربية وعلى أطرافها، وكل منها نجد خلفها من يؤيدها، نعني بذلك مملكة الحيرة في عهد المنذر الثالث 512 - 554م وتؤيدها دولة الفرس، ومملكة الغساسنة في عهد الحارث بن جبلة 528 - 569م وتؤيدها دولة الروم، ومملكة كندة في عهد الحارث بن عمرو بن حجر 528 - 540م وتؤيدها دولة حمير سبأ وذوريدان، وعن مرحلة من مراحل هذا التنافس تحدث نص سبأي قديم عن خروج قوات معد يكرب ملك سبأ وذوريدان مع مذحج وكندة في عام يقع بين 516 و 522م لإعادة الاستقرار إلى منطقة بني ثعلبة ومضر بعد مشاكلهم مع المنذر ملك الحيرة.

وهكذا يتضح إلى أي مدى أفادت النصوص القديمة الأصلية في توضيح التاريخ العربي القديم وتحقيق قضاياه، وكلما زاد المكتشف منها وتمت دراسته كلما أثري هذا التاريخ وزادت حصيلته.

ص: 170

من المؤلفات المختارة في دراسات الفصل:

أولندر (جونار): ملوك كندة من أسرة آكل المرار -1927 - ترجمة بغداد -1353هـ.

جواد علي: المرجع السابق -مادة كندة- جـ3، 6، 10.

عبد الرحمن الأنصاري: أضواء جديدة على دولة كندة من خلال آثار قرية الفاو ونقوشها -في مصادر تاريخ الجزيرة العربية- الرياض 1979 - جـ1، ص3 - 11.

يوسف محمد عبد الله: أوراق في تاريخ اليمن وآثاره جـ2 - ص89 - 121.

Jamme. A.، Sabaean Inscriptions from Mahram Bilqis،

Sabaean Rock Inscriptions form Qaryat al -Faw، Washington 1973

ص: 171