المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل الثاني عشر: الجماعات العربية القديمة ذات الصلة برسالات الأنبياء ‌ ‌أولًا: - تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة

[عبد العزيز صالح]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأول: مصادر التاريخ العربي القديم ودراساته الأثرية الحديثة

- ‌الفصل الثاني: ممهدات العصور التاريخية في شبه الجزيرة العربية

- ‌مدخل

- ‌خطوط الكتابة القديمة في شبه الجزيرة العربية

- ‌كتابة المسند:

- ‌الخط النبطي وتطوره إلى الخط العربي

- ‌الفصل الثالث: تمهيد في جنوب شبه الجزيرة العربية

- ‌مدخل

- ‌مشكلة نشأ دولة سبأ في عصورها المبكرة

- ‌الفصل الرابع: عهود المكربين في سبأ

- ‌الفصل الخامس: دولة قطبان

- ‌الفصل السادس: دولة معين

- ‌الفصل الثامن: دولة أوسان

- ‌الفصل التاسع: عودة إلى دولة سبأ في عصر الملكية السبأية

- ‌الفصل العاشر: دولة سبأ وذوربدان-وسيطرة حمير

- ‌الفصل الحادي عشر: مناطق الأطراف العربية

- ‌اولاً: المصادر المسمارية

- ‌ثانيًا: من نتائج الكشوف الأثرية الحديثة:

- ‌الفصل الثاني عشر: الجماعات العربية القديمة ذات الصلة برسالات الأنبياء

- ‌أولًا: مدين

- ‌ثانيًا: قوم عاد

- ‌ثالثًا: الثموديون

- ‌الفصل الثالث عشر: من الممالك العربية المسقرة

- ‌اولاً: دولة ددان ولحيان

- ‌ثانيًا: دولة الأنباط

- ‌الفصل الرابع عشر: من ممالك الأطراف العربية

- ‌أولًا: مملكة الحيرة

- ‌ثانيًا: دولة الغساسنة

- ‌الفصل السادس عشر: انتقال مركز الثقل إلى مكة ويثرب

الفصل: ‌ ‌الفصل الثاني عشر: الجماعات العربية القديمة ذات الصلة برسالات الأنبياء ‌ ‌أولًا:

‌الفصل الثاني عشر: الجماعات العربية القديمة ذات الصلة برسالات الأنبياء

‌أولًا: مدين

أبقى على ذكر مدين ما ذكره القرآن الكريم وذكرته التوراة عن ارتباطها بالنبيين موسى وشعيب عليهما السلام. فقد لجأ موسى عليه السلام إلى أرضها هربًا من مصر بعد أن قتل فيها أحد خصومه. وصاهر في مدين رجلًا صالحًا ذكرته التوراة باسم رعوئيل وأطلقت عليه لقب يثرون بمعنى الكاهن. كما ذكرت ابنته التي تزوجها موسى باسم صفورة.

وتدل معاصرة مدين لعهد موسى عليه السلام على قدم وجودها وإمكان نسبتها إلى ما قبل القرن الثالث عشر ق. م على أقل تقدير. وكان قومها يتألفون من قبائل متعددة انتشرت في إقليم حسمى وما يمتد منه إلى الشرق والجنوب الشرقي من خليج العقبة. وربما وصلت إبان ازدهارها حتى حدود واحة العلا الحالية في شمال الحجاز.

أما النبي شعيب عليه السلام الذي ذكر القرآن الكريم قيامه بدعوة أهل مدين إلى عبادة الله وحده، فمن المحتمل توقيت عهده بأوائل فترات ازدهار تاريخها القديم.

وإذا كانت قصة النبي موسى قد دلت على اعتماد بعض قبائل مدين على حرفة الرعي، فإن دعوة النبي شعيب لهم بالتزام الأمانة في الكيل والميزان تعني أن بعض قبائلهم الأخرى اعتمدت على معاملات التجارة في حياتها الاقتصادية. وكان موقع أرضهم يسمح لهم فعلًا بالانتفاع بثلاثة طرق تجارية رئيسية: طريق يتجه نحو شبه جزيرة سيناء وجنوب فلسطين. وطريق يتجه ناحية الجنوب بشعبتين في اتجاه يثرب ومكة. وطريق ثالث شرقًا نحو تبوك وتيماء.

وإلى جانب الرعي والتجارة كان في اتساع المنطقة التي انتشرت فيها قبائل

ص: 135

مدين ما جعلها تنتفع كذلك بعدد من الواحات الخصبة في شئون الزراعة، وربما انتفعت أيضًا بساحلها المطل على البحر الأحمر في النشاط البحري. وكانت أكبر واحات المنطقة هي واحة البدع وتركزت حولها أهم جماعات مدين. وأدت كثرة مياهها وكثرة ما ينمو فيها وفيما يمتد منها إلى ساحل البحر من الأشجار ونخيل التمر والدوم، إلى اتجاه بعض المؤرخين المسلمين إلى ربطها باسم الأيكة بمعنى الغيضة أو الشجر الكثيف الملتف، واعتبروها على هذا الأساس هي الأيكة التي ذكر القرآن الكريم أن أصحابها كذبوا المرسلين.

ووافق بعض الباحثين الغربيين على فكرة الربط بين أرض مدين وبين الأيكة فعلًا ولكنهم فسروا اسم الأيكة بطريقة أخرى، فاعتبروه النطق العربي لكلمة Leuke التي أطلقها بعض الإغريق على الميناء البحرية الواقعة في أرض مدين حين سموها Leuke Kome بمعني القرية البيضاء، وهو المعنى الذي يشبه اسم ميناء الحوراء أو أملج الحالية الواقعة إلى الجنوب الغربي من واحة البدع. ولا يزال التفسير الأول أي: تفسير المؤرخين المسلمين لكلمة الأيكة هو الأكثر شيوعًا.

ويفهم من قصص التوراة أن عداء أهل مدين للعبرانيين بدأ منذ عهد موسى عليه السلام، وذلك ما يمكن تفسيره بما أسلفناه من أنهم تألفوا من قبائل عدة. ربما صادقت إحداها موسى بعد أن تزوج منها، بينما جاهرت القبائل الأخرى قومه اليهود بالعداء بعد أن خشيت منهم على أرضها وتجارتها.

وزاد عداء مدين للأسرائيليين حينما زادت أطماع هؤلاء الأخيرين في فلسطين وما يليها جنوبًا على عهد ملكهم شاؤول في نهاية القرن الحادي عشر ق. م. وقد قاومهم المديانيون مقاومة شديدة بحيث ذكرت إحدى الروايات أنهم تمكنوا من بني إسرائيل سبع سنين.

وبعد قرون دخلت مدين في طي النسيان، ثم سيطر الأنباط على أرضها بعد أن مدوا نفوذهم التجاري والسياسي من شرق الأردن إلى شمال الحجاز. وعملوا خلال القرن الأول ق. م على توسيع ميناء الحوراء وتحصينها. ولا تزال المقابر التي نحتت في الصخر بجوارها خلال عصرهم تعرف باسم مغاير شعيب وتشبهها بعض مقابر واحة البدع، كما تشبه بقية مقابر الأنباط في بترا وفي مدائن صالح لولا أنها تهدمت إلى حد كبير.

ص: 136