الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول: تسبيح الله ذاته العلية عن الإشراك به
المبحث الأول: في آية سورة التوبة
…
المبحث الأول
في آية سورة التوبة:
مطلب: في بيان ما قبل التسبيح.
- الكلام في هذه الآية الكريمة عن اليهود والنّصارى حيث إنّهم اتخذوا أحبارهم - وهم علماء اليهود - ورهبانهم -2 وهم عبّاد النصارى - أرباباً من دون الله عز وجل، والمراد أنّهم يحلّون لهم ما حرّم الله فيحلّونه؛ ويحرّمون لهم ما أحلّ الله فيحرِّمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الله فيتبعونهم عليها3 أي جعلوهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كلِّ شيء؛ ومنه قوله تعالى:{قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} 4أي كالنار5.
1 سورة التوبة: الآية (31) .
2 قال القرطبي: الأحبار جمع حَبر، وهو الذي يحسِّن القول وينظِّمه ويتقنه بحسن البيان عنه. ومنه ثوب محبَّر أي جمع الزينة. وقد قيل في واحد الأحبار حِبر بكسر الحاء، والمفسرون على فتحها، وأهل اللغة على كسرها. قال الفرّاء: الفتح والكسر لغتان. والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به. (انظر: تفسير القرطبي ج8 ص119_120) .
3 انظر: تفسير الطبري ج10 ص80_81؛تفسير ابن كثير ج2 ص349؛ تفسير محاسن التأويل للقاسمي ج8 ص184_185؛تفسير السعدي ج3 ص223.
4 سورة الكهف، الآية:96.
5 تفسير القرطبي: ج8 ص120.ومستند المفسرين في هذا تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روى الترمذي وغيره عن عَدِيّ بن حاتم رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: يا عَدِيّ اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلّوا لهم شيئاً استحلّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه" [كتاب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث 5093 (تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ج8 ص492_493) وقد حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي ج3ص56] .
- وأما قوله تعالى: {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} فتخصيص المسيح بالذكر لأنّ تأليه النصارى إيّاه أشنع وأشهر1.
- وجملة {مَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً} في موضع الحال من ضمير {اتَّخَذُوا} وهي محطّ زيادة التشنيع عليهم وإنكار صنيعهم بأنهم لا عذر لهم فيما زعموا، لأنّ وصايا كتب الملّتين مليئة بالتحذير من عبادة المخلوقات ومن إشراكها في خصائص الإلهية 2.
- وقوله {لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} صفة ثانية لـ {إِلَهاً وَاحِداً} وهو توكيد لاستحقاقه تعالى للعبودية والطاعة دون سواه. فلا يعبد إلاّ هو، وإذا حرّم شيئاً فهو الحرام؛ وما حلله فهو الحلال؛ وما شرعه فهو المتبع؛ وما حكم به هو النافذ3.
مطلب: في بيان موضع التسبيح وغايته وصلته بما بعده:
- لمّا بيّن الله تعالى اتخاذ اليهود والنصارى لأحبارهم ورهبانهم أرباباً من دونه، واتخاذهم المسيح ابن مريم إلهاً مع الله وافترائهم عليه في ذلك كلّه نزه الله ذاته العليّة عن شركهم وافتراءاتهم. قال ابن جرير الطبري:"تنزيهاً وتطهيراً لله عما
1 التحرير والتنوير لابن عاشور: ج10 ص170.
2 المرجع السابق: ج10 ص170.
3 انظر: تفسير ابن كثير ج2 ص349؛التحرير والتنوير ج10 ص171؛ تفسير السعدي ج3 ص223_224.
يشرك هؤلاء في طاعته وربوبيته القائلون عزير ابن الله والمسيح ابن الله المتخذون أحبارهم أرباباً من دون الله"1.
وبما يشابه كلام الطبري قال السعدي:"أي تنزه وتقدّس وتعالت عظمته عن شركهم وافتراءاتهم فإنهم ينتقصونه في ذلك ويصفونه بما لا يليق بجلاله. والله تعالى في أوصافه وأفعاله عن كل ما نُسب إليه ممّا ينافي كماله المقدّس"2.
- ولمّا تبين أنّه لا حجة لهم على ما قالوه ولا برهان لما أصّلوه، وإنّما هو مجرد قول قالوه وافتراء افتروه أخبر سبحانه وتعالى بعد أن نزه نفسه الكريمة - بما يزيد ويؤكِّد تنزيهه وتعظيمه وتبرئته عمّا لا يليق به مبيناً حقيقة حالهم {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} 3.
1 تفسير الطبري: ج10 ص82.
2 تفسير السعدي: ج3 ص 224.
3 انظر: تفسير السعدي: ج3 ص224،والآية في سورة التوبة رقم (32) .