الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصحافة الرسمية في مصر:
ولي محمد علي شئون مصر في سنة 1805 في جو لم يعرف الولاة العثمانيون له شبيهًا من قبل، فقد كان للشعب المصري دخل في هذه التولية فهو الذي طلبها وألح في طلبها، وأقر السلطان هذه الرغبة الشعبية، فآذنت هذه الحالة الجديدة بكتابة صفحة جديدة في تاريخ مصر، ومضى الوالي الجديد يرتب أموره على هذه الحقيقة التاريخية، أي أنه ربط مستقبله وحياته بمستقبل مصر وحياتها، ولم تستطع أساليب الدس في الآستانة وكل مشاكل الأرناءود في القاهرة أن تحول دون ولاية محمد علي لمصر سنة بعد أخرى، ثم قامت الأزمات بين السلطان وواليه وتدخلت الدول العظمى لتصفية الأزمة التركية المصرية تصفية نهائية في سنة 1840 وقررت لمحمد علي على ما أقره المصريون من قبل وجعلت له ملك مصر مدى حياته على أن يليه من بعده أعقابه جيلًا بعد جيل.
شهد مصر قبل ولاية محمد علي احتلالًا أجنبيًا مهما يكن أمره فقد برق في حياة المصريين وشغلهم بجديد لم يكن يعرفه الشعب المصري، سواء في الإدارة العامة أو في تفاصيل الحياة المصرية المتباينة، وأصبحت البلاد في مفترق الطرق بعد هذا الاحتلال، يعوزها الاستقرار حتى تتبين ما كان ينوى الفرنسيون صنعه، لذلك لم تختلف كثيرًا الأساليب التي اتبعها محمد علي عن الأساليب التي فرضها الاحتلال الفرنسي، ومن هنا نشأت حاجته إلى الفرنسيين فاستعان بهم لإنشاء مصر الحديثة.
وقد قطعت الحوادث التاريخية في عهد محمد علي بأنه كان مجددًا لمصر في جميع ما صنع في إدارته لها، وأنه كان يدعم نظامه الجديد بما يمكنه من التقدم ويهيئ له أسباب النضج والاستواء، فقد رأى تنظيم مصر إداريًّا في سنة 1813 فقسم كل مديرية إلى أقسام وعين لكل قسم ناظرًا ولكل مديرية
أو مديريتين مأمورًا أو متصرفًا1 وذلك توطئة للعناية بأهم المصالح المصرية وهي الزراعة فأنشأ ديوانها بعد التنظيم الإداري بسنتين2 واستتبع ذلك حفر الترع3 وإنشاء الفابريقات4 فالتنظيم الإداري تدفع إليه رغبة "تسهيل عمارة القطر وتقدم زراعته"5 ولم يكن الباشا يرحم عاملًا أو موظفًا يسيء إلى مصالح الإدارة أو الزراعة ولا يقبل تعلة أو اعتذارًا بل يدفن المهمل حيًّا في الأرض التي أهملها أو في المصنع الذي أساء إليه ليكون عبرة لأقرانه الأحياء فهو يريد بذلك أن تنظم حسابات الأقاليم والمصالح وشئونها الإدارية بحيث يقدم إليه ملخص عنها في نهاية كل شهر أو في نهاية كل سنة، أو في فترات أقل من الشهر والسنة، وهي طريقة جديدة في نظام مصر الإداري والمالي، يعرف بها الباشا حال البلاد آنًا بعد آن.
وكان هذا الملخص يقدم له كتابة في صورة تقرير يقال له: "الجرنال" وقد رأى محمد علي أن مدة الشهر والعام قد تخفى عليه ما يجب أن يظهر، وقد تجعل هذه المدة قصرت أو طالت مجالًا للعب عماله وتكاسلهم6 فأصدر المسئولون أمرًا بأنه "في اليوم الأخير من كل أسبوع ترد إلى جنابه العالي كشرف الأقاليم البحرية والقبلية بمقدار المال المتحصل وكميات الغلال والأصناف الأخرى حيث يعلم منها نشاط المأمورين أو تكاسلهم
…
" وتبين له بعدئذ أن
1 أمين سامي باشا: تقويم النيل، ج2، ص246، ص257.
2 المرجع نفسه.
3 أمين سامي باشا: تقويم النيل، ج2، ص261.
4 محفوظات عابدين، دفتر 3 معية تركي، أمر رقم 172 في 5 ربيع الأول عام1234هـ.
5 محفوظات عابدين دفتر 3 معية تركي، أمر رقم 320 في 13 جمادي الآخرة لعموم جهات القطر المصري بتفسير قسمة القطر إلى أقسام.
6 محفوظات عابدين دفتر 747 خديو تركي، وثيقة رقم 36، سنة 1244هـ، من الجناب العالي إلى حبيب أفندي مأمور ديوان الخديوي.
من الأمور ما لا يحتمل الانتظار سبعة أيام، فأصدر أمره بجواز عرض "الجرنالات يوميًّا أو في أي ساعة إلى الباشا للنظر في الشئون المستعجلة"1.
وهذه التقارير التي كانت ترفع إليه في كل عشرة أيام أو في الفترات الأخرى التي عينها وحددها كانت تطبع في مطبعة القلعة تقدم إليه بعد طبعها، وقد أنشأ لذلك "ورشة مخصوصة بطرفة كما عين كتابًا مخصوصين .. "2.
ويضم هذا الديوان الكبير نخبة من الكتاب الذين يجيدون اللغتين العربية والتركية3 وكان محمود أفندي "جرنال ناظرى" أن ناظر التقارير التي ترفع للوالي يستقبل تقارير الأقاليم ويعدها للعرض على الباشا حيث يقضي فيها بأمر ما4 وكان للمدن المصرية الكبيرة دواوين على غرار الديوان الرئيسي في القاهرة، يرأسها ناظران عامان للتقارير، أحدهما في الوجه القبلي والثاني في الوجه البحري يتلقيان أخبار المدن والأقاليم، كل فيما يخصه ثم يرسلانها إلى القاهرة5، وفي القاهرة يتولى ديوان الجرنال العام بحثها وتبويبها وعرضها على الباشا، ثمه يبلغ قرار الوالي إلى المجالس وما إليها6.
انتظمت أمور الجرنال وتشعبت مواده، بعد أن قامت المطبعة مقام النسخ، لذلك حرص عليه الباشا حرصًا شديدًا، فكان إذا رأى تهاونًا في
1 محفوظات عابدين، أمر كريم في 9 شوال عام 1251هـ، ص6، مجموع ترتيبات ووظائف.
2 أمر من محمد علي في 24 المحرم سنة 1252هـ "محفوظات عابدين".
3 محفوظات عابدين دفتر رقم 740 ديوان خديوي تركي، وثيقة رقم 31، في 6 رمضان عام 1243هـ من ديوان الخديوي إلى ناظر التقارير.
4 محفوظات عابدين دفتر رقم 30 معية تركي، وثيقة رقم 2، في 3 رمضان عام 1243 من الجناب العالي إلى محمود أفندى.
5 محفوظات عابدين دفتر 748 خديوي تركي، وثيقة رقم 215 في 4 جمادي الثانية عام 1244هـ.
6 محفوظات عابدين دفتر 740 ديوان خديوي تركي، وثيقة رقم 122، في 8 ذي القعدة عام 1243هـ من ديوان الخديوي إلى الأفندي ناظر التقارير.
إصداره أو تكاسلًا في إخراجه اعتبر ذلك خللًا "للمصلحة" إذ "إن فائدة الجرانيل هي مطالعتها وتحرير الاستعلامات بما يلزم للإجابة عنها في وقته" لذلك يعاقب الباشا موظفي الجرنال المهملين منهم فيجازيهم "كنص القانون بالضرب 300نبوت" إذ إن اضطراب نظام الجرنال "قد أوجب اغبرار خاطره" ثم يقول في حاشية أمره "إن عدم تقديمهم الجرنال حال بينه وبين معرفة معاملتهم للعباد وأنه لا يليق تأخير المصالح لأجل راحة أنفسهم وبقاء عباد الله في التعب فيلزم المبادرة لترك برزخ الاستراحة وإرسال الجرانيل في أوقاتها المقررة .... "1.
استمرت الأقاليم والمصالح ترسل إلى ديوان الخديو أخبارها وملخصًا وافيًا عن أحوال البلاد الزراعية والإدارية الأخرى، وقد يبدو من هذا العرض لماهية "الجرنال" وديوانه أنه كان وقفًا على الوالي دون حكومته وأن مطبعة القلعة كانت تقوم بخدمة هذا التقرير الخاص بمحمد على وحده، يبد أن فورني سكرتير بروكي في مطبعة بولاق يحدثنا عن هذا الديوان ويوضح لنا قيمة تقريره، ويعرض صوره لعلها أفضل الصور التي وصل إليها جرنال الخديو قبيل إنشاء الوقائع المصرية2.
يذكر فورني أنه كان يطبع من الجرنال كل يوم مائة نسخة باللغتين العربية والتركية متضمنًا الأخبار الرسمية الحكومية وبعض قصص من ألف ليلة وليلة.
وكان هذا التقرير الذي يمكن تسميته بالجريدة الرسمية مع شيء من التجاوز يرسل إلى رجالات الدولة ومأموريها الذين يعنيهم أن يقفوا على أحوال البلاد والنظام الجديد فيها، وفي ذلك تقول الوقائع المصرية في افتتاحية العدد الأول:
"ووضع ديوان الجرنال قاصدًا من وضعه أن ترد الأمور الحادثة الناتج منها
1 أمر من محمد علي في 24 المحرم سنة 1252هـ؛ تقويم النيل، ج2، ص467.
2 F. Bonola Rev، Int،d، Egypte Octobre. 1905،p،151
النفع والضرر إلى الديوان المذكور وأن ينتخب ويتنقح فيه منها ما منه ينتج النفع والإفادة حتى إذا ظهر عند المأمورين نوعًا النفع والضرر ينتخب ما منه تصدر المنفعة ويجتنب ما منه يحصل الضرر، وهذه الإرادة الصالحة الصادرة من حضرة سعادة ولي النعم وإن كانت قد جرت في ديوان الجرنال إلى الآن إلا أنها لم تكن عمومية"1.
تتفق مقدمة الوقائع كما رأينا مع تقرير فورني، فليس جرنال الخديو تقريرات خاصة بالوالي تقدم إليه كما كان الأصل في إنشاء الديوان وجرناله، بل تطور هذا الجرنال الخاص فأصبح هاديًا للمأمورين بما يذاع فيه من أخبار البلاد، خيرها وشرها، حتى يرى هؤلاء المأمورون أوامر الوالي وإرشاداته فيقبلوا على تنفيذ ما يرى تنفيذه ويجتنبوا ما نهت عنه أوامره، هو خلاصة لنشاط الحكومة وأعمال الموظفين واجتهاد العمال، ينشر في مائة نسخة توزع على رجال الدولة المسئولين في انتظام، لذلك بقيت هذه الجريدة التي ارتبط تاريخها بإنشاء النظم الجديدة وقفًا على المأمورين وحدهم؛ لأن نشاط الحياة المصرية على الإطلاق، سجلت نشاط الحكومة في نشأتها الحديثة الأولى وأدت وظيفتها على أحسن ما تؤدى الوظائف في الصحف الرسمية.
أنفق محمد علي زهاء أربعين عامًا في حكم مصر باذلًا أقصى الجهد في تنظيم الحكومة المصرية، فعنى ترتيب البلاد إداريًّا ورعاية "مصالح الزراعة والحراثة وباقي أنواع الصنايع التي باستعمالها يتأتى الرخاء والتيسير" ثم فكر "في نظام القرى والبلدان ورفاهية سكانها وراحتهم" فإذا نجح في ذلك كله "وضع ديوان الجرنال" على الصورة التي شرحناها وللغاية التي بيناها، ثم وجد الباشا في نهاية الأمر أن جرنال الخديو قد أدى وظيفته، وأن القواعد والنظم التي وضعها لحكومته قد أثرت في المصريين ومست حياتهم مسًّا عميقًا
1الوقائع المصرية، العدد الأول، في 25 جمادى الأولى، عام 1244هـ.
وأن قصر الأخبار على مأمورية ورجال دولته دون شعبه ليس من أصالة الرأي في شيء، فلما "لاح هذا الشيء في ضمير الذات السنية" أمر بطبع شئون الحكومة والمحكومين معًا في جريدة تنشر "عمومًا وقد سميت واشتهرت بالوقائع المصرية".
وتقول الوقائع المصرية في خطتها التي أذاعتها افتتاحية العدد الأول:
"أراد ولي النعم أن الأخبار التي ترد إلى الديوان المذكور -ديوان الجرنال- تتنقح وينتخب منها ما هو مفيد وتنشر عمومًا مع بعض الأمور التي ترد من مجلس المذاكرة السامي والأمور المنظور بها في ديوان الخديوي، والأخبار التي تأتي من أقطار الحجاز والسودان ومن بعض جهات أخرى" فكأن ديوان الجرنال باق وإن سمي بعد إنشاء الجريدة قلم الوقائع1 بيد أن اختصاصاته قد توسعت، فقد كان جرنال الخديو يعني بالتقارير التي تأتي من الأقاليم، أما المجالس العليا كديوان الخديو ومجلس المذاكرة السامي - وهي من آثار التنظيم الجديد للحكومة سنة 1826، فأخبارها شيء لا يتصل بشئون الجرنال وديوانه، وهذه المجالس تبلغ من الأهمية مكانًا يجعل قراراتها وأخبارها متصلة بالشعب وحياته، فيها تقرر مصائره وعنها تصدر كافة القرارات التي لها قوة القانون، فإذا نشرت على المصريين أخبارها كان ذلك عملًا له خطره في إذاعة حوادث الدولة الكبار.
وقد يجد مؤرخو الصحافة المصرية كثيرًا من النتائج في نشر الوقائع المصرية وخاصة بعد أن أذاعت افتتاحيتها مجمل ما ستحتوي عليه أعدادها، وهي موضوعات طيبة حقًّا، بالإضافة إلى تقريرها حقيقة مهمة وهي أنها ستنتشر لكافة الناس، فوزعت على العلماء2 وعلى تلاميذ المدارس3 والذوات
1 محفوظات القلعة، كراسات ملخصات الأوامر العلية، كراسة رقم 9، ص172هـ.
2 محفوظات عابدين وثيقة رقم 3 دفتر 93 مدارس عربي ص48 في 6شوال عام1263هـ.
3 محفوظات عابدين وثيقة رقم 380 دفتر 93 مدارس عربي ص111 و118 في 19 شوال عام 1263هـ من ديوان المدارس إلى ديوان المالية.
الملكية والجهادية1 وأرسلت إلى كريت والشام وبلاد العرب والسودان2 وقرأها المبعوثون في أوربا3 ولكن هؤلاء جميعًا لم يتجاوز عددهم ستمائة قارئ4، وذلك في أعظم أوقات الحكومة خطرًا يوم كان جيوشها تحارب في الشام وهي في أشد الحاجة إلى الدعاية والإعلان، ومصدر هذه القلة في عدد قراء الوقائع أسباب كثيرة من أهمها أن مجال الاشتراك فيها لم يبح على إطلاقه بل قرر الباشا أن من له حق الاشتراك فيها من بلغ مرتبه في كل شهر ألف قرش فأكثر5 ومن الثابت أن كثيرين ممن كانوا يتقاضون مرتبًا أقل من ألف قرش كان في استطاعتهم قراءتها والاستفادة منها، وقد تحدد عدد المشتركين في الوقائع أو القارئين لها، وبذلك لم يطلق توزيعها على الصورة التي اتبعت مع مثيلاتها من الصحف الرسمية في الدول الأخرى، كذلك تحددت أخبارها، فإن إشارة افتتاحية الوقائع إلى "بعض الأمور التي ترد من مجلس المذاكرة السامي والأمور المنظورة بها في ديوان الخديوي" يدلنا على أنه ليس كل ما يدور في هذه المجالس يصبح حقًّا مباحًا لقرائها، بل تقتصر على نشر ما من شأنه ألا يخل بسرية هذه المجالس، وكذلك كان الشأن في الأخبار العادية الأخرى التي درجت الجريدة الرسمية على نشرها فهذه أيضًا كانت لا تنشر إلا بعد امتحان قاس من ديوان الخديو وبعد رقابة عنيفة من الحكومة ومحمد علي نفسه6.
1 محفوظات القلعة كراسات ملخصات الأوامر العلية، كراسة رقم 9، ص172.
2 محفوظات عابدين وثيقة رقم 176 و216 في 29 صفر عام 1249 هـ دفتر 787 ديوان خديوي تركي.
3 تاريخ الوقائع المصرية "1828 - 1942" للمؤلف الطبعة الثانية، ص38 - 106،
4 Dowin La Mission Du Baron De Boisiecomte L Egypte et La Syrie En 1833 P، 139
5 محفوظات عابدين وثيقة رقم 127 دفتر رقم 9 مدارس عربي في 5 ذي القعدة عام 1260هـ من ديوان المدارس إلى المطبعة.
6 تاريخ الوقائع المصرية للمؤلف، ص55 وما بعدها.
كانت النظم الجديدة من أهم الأسباب التي دعت إلى إصدار الوقائع كجريدة للحكومة المصرية، فإن الوالي كان يريد أن يرى المصريون أو خاصة المصريين بمعنى أوضح المثل التي رسمها لسياسته العامة، فهو قد احتكر الأرض وأصبح التاجر الأول والصانع الأول في مصر، ومعظم هذا النظام غريب على المصريين، له حسناته وله سوءاته، وقد فرض على البلاد فرضًا، فلا أقل من إذاعة النتائج الطيبة التي سينتجها فعلًا هذا النظام، والوقائع المصرية وسيلته عند الراضين والساخطين على السواء، وهو ينشئ القناطر والجسور ويشق الترع وهذا يكلف الناس جهدًا فوق طاقتهم، ويتخلله شيء من ظلم الجماهير بتسخيرها في الحفر والشق وتعبيد الطرق، فلا أقر من أن تكتب المقالات تصف كفاح الحكومة من أجل عمران مصر، ثم هو ينشئ مصانع النسيج ومعامل الغزل ودور الصناعات الحربية بجانب المدارس على اختلاف أنواعها ويرسل البعوث هنا وهناك ويهيئ أحواض السفن لبناء أسطوليه التجاري والحربي فيربط مصر بأوربا بعد أن انقطعت الصلات عدة قرون، ثم يأمر فينشر هذا كله في صحيفته وهي الميدان الفسيح لمدحه والثناء عليه، وهكذا تعطي الوقائع المصرية بمقالاتها وأخبارها صورة للحكومة العادلة القادرة المجددة.
وهو يريد أن يرى الناس جزاء المجد أو المهمل فيأمر بنشر أخبار الموظفين ترقيتهم وعزلهم، ثم يأمر بنشر القضايا المهمة التي تتصل بالشرع والعرف مع ذكر الحكم والقصاص، ثم يؤكد على المحرر بأن يذيع بين آن وآن ما رمم من المساجد وما أنشئ من المؤسسات الخيرية إلى غير ذلك من الأخبار التي تتصل بالزرع والحيوان1 ثم لا يغيب عن صفحاتها بعض الأدب وأخبار السياسة الخارجية وشئون الدول الاجتماعية لعل فيها عظة وعبرة لقرائها.
1 محفوظات عابدين وثيقة 65 في غرة صفر عام 1258هـ، دفتر 286 شورى المعاونة.
ويعين لخدمتها بعض رجالات العصر كرفاعة رافع الطهطاوي وأدهم بك مدير المدارس غير بعض السوريين الذين ولًّاهم شئونها الصغرى في التحرير والإدارة كأحمد فارس الشدياق والسيد شهاب الدين باشمصحح مطبعة بولاق1.
وقد اقتسمتها اللغتان التركية والعربية وتغلبت الأولى مرة والثانية مرة أخرى إلى أن صدرت كل منهما في صورة منفصلة.
وعلى هذا النحو نشرت أقدم الصحف المصرية ومضت قدمًا كأول مثال للصحيفة المصرية بالمعنى المفهوم، وهي نظائرها من الصحف الرسمية في أوربا التي تخصصت للأوامر الرسمية والقوانين واللوائح فقط.
ارتبط تاريخ الصحافة الرسمية في مصر بالنظم الجديدة التي قررها ولي النعم، فقد شاهدنا كيف أنتج نظامه الإداري الأول الجرنال فأصبح جريدة رسمية يومية لكبار موظفيه ومأموريه، ثم رأى الباشا أن يعدل نظمه ويؤسس حكومته من جديد، واستلهم في ذلك القواعد الفرنسية التي اتبعت في مصر خلال الاحتلال الفرنسي فأسس في سنة 1826 مجالس الدولة وأنشأ الوزارات في صورة دواوين وعدل التقسيم الإداري، كما أنشأ مع نظامه هذه المدارس، وأخذت مطبعة بولاق تزحم في تلك الفترة بكتبها في كثير من العلوم والفنون، كما عقب على نشاطه الإداري والتعليمي بتنظيم زراعي لا بأس به2 وقد تبع إنشاء النظام الجديد كثير من التغيير والتبديل في مصالح الحكومة واختصاصاتها، وبذلك أنشأ محمد علي أول نظام ثابت لحكومة مصر وكانت قد حرمت النظام والاستقرار عدت قرون، وارتبط إنشاء الوقائع المصرية بهذا النظام وأصبحت لسانًا له وصدى لآماله الكبار.
1 تاريخ الوقائع المصرية للمؤلف، ص99 وما بعدها.
2 الوقائع المصرية، عدد 113، في 28 شعبان عام 1254هـ.
ولعل أعظم ما بهر المؤرخين وشغلهم في تاريخ محمد علي النظم العسكرية التي أدخلها في مصر وكون جيشه بمقتضاها، فقد كتب المؤرخون عن هذه النظم مجلدات ضخمة أحدثها ما نشره الجنرال فيجان العسكري الفرنسي المعروف1، ويتبين لنا قدر هذا الجيش إذا عالجنا خدماته للوالين فيه قضى على المماليك وزعمائهم، وطرد الإنجليز في سنة 1807، وفتح بلاد العرب وأراح السلطان من مشاكل الجزيرة العربية، كما استعان به في فتح السودان وكريت واليونان والشام أخيرًا، وهو القوة التي ارتكز عليها في سياسته الخارجية إزاء الباب العالي ودول أوربا، فلا غرو إن رأى المؤرخون أن العسكرية المصرية في عهده فرضت النظام على شعبه وخلقت حسًّا وطنيًّا لم يكن معروفًا من قبل ووضعت أساس الاستقلال المصري2 وأنها في رأي آخر مكنته من "أن يلعب في مصر برغم موارده المحدودة دور أمة قوية السلطان"3.
هذا رأي بعض المؤرخين في النظام العسكري وآثاره في مصر، غير أن مؤرخ الصحافة الرسمية لا يعنيه من هذا شيء بقدر ما يعنيه الأثر الذي خلفه الجيش المصري في الصحافة المصرية، وقد قامت الوقائع بنشر أخبار هذا الجيش4 وفسحت صدرها لذكر تقدمه وانتصاراته.
ولما كان جرنال الخديو لم يعد يحتمل نشاط الدولة بعد اتساعها وتنظيمها الجديد كذلك لم تستطع الوقائع المصرية أن تنفرد وحدها بتسجيل التفاصيل التي تتصل بالجيش وهو يكتب صحيفته الرائعة في حروب الشام، وهذه
1 واسم كتابه Histoire Militaire de Moh، Aly et de ses fils، 2 Vols،1936
2 Clot. A.B. Apercu general sur l، Egypte 1840
3 De Freycinet - La Question d،Egypte.p19
4 محفوظات عابدين وثيقة رقم 321 في 27 جمادى الآخرة عام 1250هـ، ثم وثيقة رقم 242 في 26ربيع الثاني عام 1249هـ دفتر 49 معية تركي، ووثيقة رقم 668 في 3 جمادي الآخرة عام 1251هـ دفتر 66 معية تركي.
التفاصيل من شئونه الخاصة، لذلك اختص الجيش بجريدة له سميت "الجريدة العسكرية" وإن مضت الوقائع المصرية تنشر تنقلاته وترقيات ضباطه وتصور أفعاله المحيدة، بيد أنها لم تتمكن من أن تلم بكل ما يتصل بحياة جيش يبلغ زهاء ثلاثمائة ألف جندي وضابط1.
وقد طبعت هذه الجريدة العسكرية في مطبعة ديوان الجهادية في مستهل حملة الشام سنة 1833، وقد أنكرتها الوثائق والمراجع قبل هذا التاريخ، ولعل حوادث الجيش وجرائم الآلايات لم تكن تحتمل تخصيص صحيفة له قبل تنظيمه وازدياد جنده هذه الزيادة التي قلما تجارى في تلك الظروف.
وقد فصلت إحدى الوثائق قدر هذه الصحيفة حيث قالت: إنها "الجريدة الخاصة بنشر الجرائم التي تقع في الآلايات" وأنه يصدر منها "شهريًّا خمس عشرة نمرة الجاري طبعها في مطبعة ديوان الجهادية"2 وقد شكا حضرة صاحب الدولة الباشا السر عسكر3 من التهاون الملحوظ في نشر هذه الجريدة العسكرية، فقرر مجلس شورى الجهادية التنبيه على "أحمد أفندي ناظر مطبعة ديوان الجهادية؛ لأن يبذل جهده حتى لا يقل عدد ما يطبع خاصًّا بالجرائم العسكرية من خمس عشرة نمرة في كل شيء" وتكليف "ثابت أفندي كاتب مجلس شورى العسكرية بأن يختار من بين المستخدمين في شورى الجهادية موظفًا قديرًا ويوليه مهمة تسليم ما يرد إلى المجلس من أعداد الجريدة العسكرية وإرسال أعداد هذه الجريدة بالبريد إلى الديوان الخديوي" ثم يكلف مجلس شورى الجهادية "الأفندي وكيل مأمور الديوان الخديوي" بأن يعني بإرسال الجريدة إلى الجهاد المختصة مرتين في كل أسبوع.
1 راجع قيودات الأوامر العلية وتحريرات المعية لسنة 1249هـ.
2 محفوظات عابدين وثيقة رقم "13أصلي÷ 43 مسلسل" دفتر 98 ديوان خديوي ص25 في 28 محرم عام 1250هـ.
3 هو إبراهيم باشا بن محمد علي وثاني ولاة مصر بعد أبيه.
ولم نوفق إلى الحصول على نسخة من الجريدة العسكرية حتى نصورها في الصورة اللائقة بها، ولكن في استطاعتنا أن نقرر من تسمية هذه الجريدة أنها كانت تنشر تفاصيل هذه الجرائم والقصاص الذي نزل بمرتكبيها، وأنها قياسًا على ما كان يحدث في أمر توزيع الجرنال والوقائع نرجح أنها كانت توزع على ضباط الجيش، ولعلها كانت تقرأ على الجنود أو يفسر لهم ما فيها، وأكبر الظن أن حياة هذه الجريدة لم تستقم على ما كان يهوى دولة السر عسكر فإن الجنود المصرية لم تكن خلال حرب الشام في حالة تسمح باستقرار ينتج صحيفة تصدر خمسة عشرة مرة في كل شهر؛ لأن الحواديث والجرائم التي تقع في الجيش كان يتعذر نقلها في انتظام إلى مصر من حدود الأناضول أو من أعماق السودان لتنتظم أمور الجريدة وحوادثها، وفي ذلك شكا دولة السر عسكر كما رأينا.
ونحن نرجح أن عمر هذه الجريدة لم يطل لأن الوثائق التي اتصلت بالجيش ونظامه وحروبه وظفره أنكرتها إنكارًا تامًا فيما خلا تلك الوثيقة التي أشارت إليها، وعندي أن معاهدة لندن وقد حدت من نشاط العسكرية في مصر قد حالت دون استمرار الجريدة واضطلاعها بالأعباء التي حدثتنا عنها وثيقة مجلس شورى الجهادية أو لعلها تطورت إلى شيء يشبه الغازتة العسكرية المعروفة بأخبار الترقيات والتنقلات بين صفوف الجيش، وهو عمل صحفي هادئ تدعو إليه الحاجة وليس له موعد معلوم.
أثبت جرنال الخديو والوقائع المصرية والجريدة العسكرية أن ولي النعم كان يؤمن بقدر الصحافة وخطرها في المسائل العامة التي كان يكرس حياته من أجلها، وقد أدى جرنال الخديوي وظيفته من حيث تمثيله للنظم القديمة، كما أدت الوقائع المصرية رسالتها من حيث أنها كانت أكثر عمومية وأوسع إدراكًا لمعنى الجريدة بصفتها الرسمية والعامة كما أنها كانت لسانًا طيبًا لإصلاحاته وتنظيماته التي أدخلها في سنة 1826، وهكذا كان الغرض من الجريدة العسكرية، فقط ارتبط وجودها باتساع الجيش اتساعًا لم يكن معهودًا من قبل.
وقد يبدو غريبًا ألا تكون للشئون الزراعية أو التجارية جريدة مماثلة لصحف النظم الإدارية والعسكرية، مع أن هذه الشئون قد شغلت الدولة كما شغلها الجيش وتجديده، فقد حفلت محفوظات عابدين بمئات الأوامر واللوائح والقوانين التي تتصل بتقوية جسور النيل وتنظيم البلاد الواقعة على شاطئيه والعناية بالري وزراعة الأثمار وغرس الأشجار، ومراقبة مياه المحمودية، ونظام بيع المحصولات وما إلى ذلك من الموضوعات التي تتصل بالزراعة والتجارة1.
وأهم الوثائق التي تنتظم أغراض الباشا في التجارة والزراعة تبدو من أمره الخطير بإنشاء بنك في الإسكندرية "مثل بنوكة الممالك المتمدنة ويكون له امتياز وسلطة في تسعير العملة المصرية والعملة الأجنبية والأوراق وتسعير سائر أصناف الزراعة والتجارة الجاري الأخذ والعطاء فيها سواء كانت بالمزايدات أو بالممارسة أو بالإعلانات، وفتح اعتمادات وقبول التحاويل والرجع الميرية لما فيه من إزالة الضرر واتساع نطاق التجارة"2.
وفي انتظام شئون الزراعة واتساع المجال في الحياة التجارية كما رأينا ما يبرر إنشاء صحيفة لهما تكون على غرار ما كان للجيش، ولعل الوالي قد وجد في الوقائع كفاء لهذا بما اعتادت نشره من هذه الأخبار، ولعل الفترة التي تحرجت فيها الأمور بينه وبين السلطان، وهي تقع بين سنتي 1833 - 1840 لم تتح له الانصراف التام إلى مثل هذه الشئون الجزئية إن صح التعبير، فقد كان كل شيء في خدمة الجيش، فإذا انجلت الأمور عن معاهدة لندن واستقرت الأحوال بين القاهرة والأستانة انصرف جهد الحكومة عن الجيش
1 محفوظات عابدين، دفتر مجموع زراعة وهو في 250 صفحة من الحجم الكبير.
2 أمر صادر عن اللائحة المختصة بإنشاء بنك في الإسكندرية في 25 ذي الحجة 1285هـ.
واتجه إلى الإصلاح الداخلي وفي مقدمته الزراعة وحياة الفلاح، وهو ولي نعمته كما يقول هو1.
وفي ذلك العهد -عهد الهدوء والاستقرار- صدرت لائحة زراعة الأراضي وقد ضمنها الوالي جملة دلت على القصد منها فقد قال في مقدمتها "إن رفاهية الأهالي هي من الزراعة"2، ثم توسع في إنشاء الترع والقناطر وأهمها القناطر الخيرية، ولم يكن ابنه وخليفته إبراهيم باشا بأقل منه اهتمامًا بالزراعة، فقد توفر عليها يرعى مختلف شئونها3 فليس غريبًا إذن أن يكون محمد علي قد فكر في إصدار جريدة للزراعة والتجارة وحال مرضه دون إتمام هذا المشروع، ومن ثم أخذ ولده إبراهيم على عاتقه أن يصدر هذه الصحيفة فأمر بإنشائها في 4 ذي القعدة سنة 1264هـ، وجاء في أمره:
"حيث استنسب عندنا في هذه الدفعة ترتيب جرنال يحتوي على الإعلانات الملكية والأخبار التجارية لأجل الحصول على الفوائد العمومية واستصوب أن يرسل منه لكل كافة البنادر والقرى صورته الآتى نظيرها أدناه ليحصل لكل أحد فائدة من الجرنال المذكور، وربما أن الحصول على ذلك كما يجب فهو منوط لإرسال الإفادات والكشوفات والإعلانات المقتضى جلبها لديوان المدارس جمعة بجمعة بدون توقف"4.
ثم يبدي الوالي العناية بهذا الموضوع والغيرة على نجاحه حتى يطبع في كل أسبوع ويوزع في البلاد والقرى كافة، ويشتمل الجرنال على "الأشياء التي تباع في ظرف كل جمعة بساحات وسواحل محروسة مصر وإسكندرية والبنادر الكبار بالأقاليم المذكورة. أعني يكون مشتملًا على
1 من أمر لمحمد علي إلى مفتش عموم الفابريقات في غاية جمادى الآخرة عام 1252هـ؛ تقويم النيل، ص274.
2 أمر محمد علي إلى ديوان الجفالك في 26 ذي القعدة عام 1262هـ؛ تقويم النيل ص540.
3 تقويم النيل لأمين باشا سامي، ص543 - 544.
4 محفوظات عابدين دفتر مجموع ترتيبات وظائف، وترتيب وظائف ديوان شورى المعاونة، ص9، ص30.
الأسعار التجارية في بيع الغلال والأبذار والأصناف وأجناس الحيوانات المباعة في المدة التي هي من ابتدى يوم السبت لغاية يوم الخميس"، ثم يفرض نشر أخبار المبيعات التي ترسل "إلى البلاد الخارجية بحرًا" على أن يتولى ديوان المدارس هذه الأخبار بوساطة المديرين ومن إليهم ألقيت أمور الدواوين.
فإذا فرغ من أخبار التجارة وتفاصيلها ذكر البند الثاني أنه يجب أن تنشر في هذا الجرنال "الأعمال التي تفيد الزراعة وأخبار الأطيان المزروعة زيادة عن العادة ببذل الجهد أو طرق مخصوصة لتربية الحيوانات أو زراعة تقاوي نظيفة أو زراعة أنواع النبات التي لم تعرفها مصر أو غرس أشجار نافعة مثمرة أو غير مثمرة" كما ينبغي ألا تفوت الجريدة "مشاهدات أطباء المديريات عن الصحة والأمراض والعلل النادرة الوقوع والأدوية وأوجه العلاج".
ثم يقرر الأمر في بند ثالث الموضوعات الأخرى التي يجب أن تنشرها الجريدة وهي "أوصاف وفوائد البدء في الترع والجسور والأبنية والعمارات الميرية وعدد الأنفار والصناع وما صرف عليهم وحوادث كسور القناطر وكذلك أخبار الأضرار والخسائر التي تنزل بالغيطان من طغيان المياه ونشر المجهودات التي بذلت لإصلاح الحال".
هذا مجمل لأهم ما جاء في أمر إبراهيم باشا بإنشاء الجريدة، وقد علقت الوقائع في 12 ذي القعدة سنة 1264هـ على ذلك الأمر بقولها "لما كان أمر التجارة والزراعة أساسًا للرفاهية والثروة وقد أراد الجناب الخديوي أن يطبع "جرنال جمعي" في شأن على البلاد والقرى كافة زيادة على نسخ الوقائع المعتاد نشرها في كل أسبوع لتعلم أرباب التجارة والزراعة بمطالعته ما يتحصل من الرواج ويكون وسيلة إلى استحصال الفوايد العامة" ثم ذكرت الوقائع في 3 ذي الحجة من نفس السنة أنه " ........ بودر إلى الشروع في طبع الجرنال المذكور من الآن، طبق مراد الآصفي على الشأن1، وسينشر في كل يوم جمعة
1 أي السر عسكر إبراهيم باشا.
بدون انقطاع، وقد حررت في هذا الأسبوع أول نسخة منه وطبعت، وعلى كافة المديريات نشرت".
ويبدو من الأمر الخديوي أن فكرة إنشاء هذه الصحيفة ليست جديدة فقد ذكر أنه استنسب عند إبراهيم باشا في "هذه الدفعة" ترتيب هذا الجرنال ومعنى هذا كما يدل منطوق أمره أن هناك محاولات قد بذلت مرة على الأقل قبل "تلك الدفعة" التي تقرر فيها إنشاء الجريدة، وأن هذه المحاولات غالبًا مابذلت في عهد والده محمد على الذي نرجح أن صحته لم تطاوعه في المضي نحو تحقيق هذا المشروع الصحفي، وهكذا نشرت جريدة التجارة والزراعة في عهد خلفه "زيادة على نسخ الوقائع المعتاد نشرها في كل أسبوع" كما تقول الجريدة الرسمية في تعليقها على تلك الصحيفة، وقد وزعت الجريدة على كافة المديريات، وسمتها الوقائع في كثير من أعدادها "الجرنال الجمعي" كما نقلت عنها بعض محتوياتها، ولم يطل عهدها فقد كفت الوقائع عن ذكرها بعد وفاة إبراهيم باشا، ولم نعثر على نسخة منها، وأكبر الظن أنها نشرت خمس مرات فحسب منذ صدر الأمر بإنشائها إلى يوم وفاة منشئها في 14 ذي الحجة سنة 1264هـ.
بلغت الصحافة الرسمية مكانة سامية في عهد إبراهيم باشا، فلما خلفه على شئون مصر عباس الأول تغيرت الحال، وتغيرت نظم الحكم الداخلية كلها على وجه التقريب، وأثرت أخلاقه الخاصة فيما صنعه جده العظيم، فقد كان سيئ الظن بالناس شديد التطير عزوفًا عن كل جديد، فأقصى معظم الخبراء الذين استعان بهم محمد علي من فرنجة ومصريين1،وأقفل معظم المدارس بدرجاتها جميعًا بحجة الاقتصاد أو بدافع من طبيعة الحرص فيه.
1 Merruau L Egypte Contemporaine. Paris 1857
p.123
ثم أغلق المصانع والمعامل وهي نتيجة لحاكم لا يؤمن بأثر التعليم، وأفسد عامدًا خير ما صنعه جده لوحدة البلاد، فشابَ مصرية الجيش بلون من الجنود الأرناءود وهم فئة عابثة حاول جده مدة سنوات حكمه التخلص منها والقضاء عليها1.
هذه العقلية التي أشرنا إلى بعض تصرفاتها في إنجاز لم تحتمل بالطبع أية صحافة مهما يكن لونها، وآية ذلك أن الجريدة التجارية الزراعية اختفت فجأة ولم يعد لها ذكر لا في الوقائع المصرية ولا في الوثائق المختلفة، والوقائع نفسها لقيت من الضيق في عهد عباس الأول ما حجبها عن القراء معظم أيام حكمه.
وتدلنا إحدى الوثائق على مدى فهمه لوظيفة الصحيفة الرسمية فهو يأمر بأن يقتصر توزيع الوقائع على "الحائزين على رتبة فريق ورتبة ميرميران ورتبة ميرلوا ورتبة ميرالاي فقط"2، ومعنى ذلك أن الستمائة نسخة التي كانت توزع على المشتركين من الموظفين والعلماء وتلاميذ المدارس وأعيان المصريين، قد انخفضت إلى بضع عشرات النسخ لعدد محدود من كبار ضباط جيشه، ومصدر هذا كله أن الوالي قد علم أن الجريدة ترسل "لجماعة أمية وسفلة مثل حسن أغا وكيل الخراج، وفيض الله أغا الطاهي، وموسى اليهودي الألاتي "المهرج" ثم يصور الأثر الذي تركته قراءة هؤلاء للوقائع في كتابه إلى مجلس الأحكام "فلما رأيت ذلك خجلت من نفسي ورأيت أن إرسال الجريدة إلى أمثال فيض الله أغا وحسن أغا من الأمية والجهلة الذين لا يعرفون معنى الجريدة ولا سيما موسى اليهودي الألاتي، فقد عددت إرسال الجريدة لهم ذلًا زائدًا"3.
1 علي مبارك باشا: الخطط التوفيقية، ج41، ص126.
2 محفوظات عابدين وثيقة رقم 497 دفتر 484 معية تركي في 23 صفر سنة1269هـ، إدارة.
3 محفوظات عابدين وثيقة رقم 484 معية تركي في غرة ذي الحجة عام 1268هـ، من المعية إلى مجلس الأحكام.
هاله أن تقرأ هذه الطبقة صحيفة الحكومة من أمثال وكيل الخراج وموسى الموسيقي، وهو اتجاه يجري في برج نظامه العام، ويتفق تمامًا مع تفكيره وترفعه عن عامة الناس، فبينما كان جده يفرضها فرضًا ويخلق لها القراء خلقًا، ويأبى هو أن تنحدر إلى أمثال هؤلاء من الأمية والسفلة، وكانت الصحيفة في أعدادها القليلة التي صدرت في عهده تعبر عن قصد الباشا تمام التعبير، فلم نعد نقرأ فيها مقالًا ذا قيمة أو خبرًا في طلاوة العبارة أو جدة المعنى.
ولم يكن حظ الوقائع والصحف الرسمية القديمة في عهد سعيد بأحسن من حظها في عهد سلفه وإن بدأ سياسته فيها بدء حسنًا فقد ذكر بعد توليه الحكم بثمانية أيام في أمر له إلى مدير المدارس أنه "لما كان جودت أفندي محرر الوقائع من أهل العلم وأصحاب الاجتهاد كان الواجب المتبع لدينا في ترقية الموظفين أن نرقي أمثاله فاعلموا أننا منحناه رتبة القائمقام وقيدوا له مرتب القائمقامية وجرايتها ابتداء من تاريخ أمرنا وأصرفوهما له كلما استحقهما طبق الأصول"1 وهذا الأمر يعني أن والي مصر الجديد سيعني على القليل بالصحيفة الرسمية، ولكنه على عادته المعروفة من التقلب وقف عن تحقيق هذه النهضة الصحفية المرجوة في عهده، وتاريخه حافل بهذا التقلب الملحوظ، فبينما يمنع الفلاحين حق ملكية الأراضي الرزاعية ويتجاوز عن الضرائب المتأخرة عليهم ويلغي نظام الاحتكار2 نجده يمعن فيما صنعه سلفه من تغليق المدارس وينصرف عن الجيش ويحوله إلى عمال لشق قناة السويس3 بعد أن اهتم به في أول الأمر، وكان الأمر عظيمًا في أن تجني مصر في عهده كثيرًا من نعمة الهدوء والاستقرار، ولكنه لا يستقر على اتجاه فلا عجب إذن إن لقيت.
1 محفوظات عابدين وثيقة رقم 1109 دفتر 484 معية تركي في 28 شوال عام 1270هـ.
2 Merruau L Egypte Contemporaine. p64
3 Lettres، Journal et Doeuments pour servir a l histoire du Cannl du Suez. F. De Lesseps. T. 4 P333.
الصحافة الرسمية في أول عهده تشجيعًا ملحوظًا آيته ترقية محررها ثم نراه يردها إلى الجمود المطلق الذي تجاوز في آثاره أسوأ مما صنعه سلفه عباس.
أراد سعيد باشا أن يتخلص من مطبعة بولاق وتكاليفها كما تخلص من المدارس التي أنشئت في عهد والده محمد علي، وذلك بعد أن أدت المطبعة واجبها أحسن الأداء منذ إنشائها متخطية كثيرًا من الصعاب، بيد أنها في عهد لقيت عناء أثر في نشاطها واضطرب إلى التوقف فاحتجب جهدها من يوليو سنة 1861 إلى 19 أغسطس سنة 1862 ثم عادت إلى الحياة في فتور لتطبع بعض ما كانت الحكومة في حاجة إليه من الكتب والدفاتر، ثم أنعم بها على صديقه عبد الرحمن رشدي بك مدير الوابورات الميرية وملكه العقار والآلات1.
تعطلت الوقائع المصرية سنة كاملة بوقف مطبعة بولاق كما رأينا ثم عادت إلى الحياة بعد تمليك رشدي بك للمطبعة، وأذن له الخديو إسماعيل -وكان قد تولى الحكم بعد منحة سعيد لرشدي بك بشهرين تقريبًا -"بنشر وإعلان الوقائع الرسمية الخاصة بالأهالي والحكومة على أصلها" ثم أعاره بعض الموظفين القادرين على أداء الخدمة الصحفية في الجريدة الرسمية2 "فأطلقت الجريدة من العقال وجالت في ميدان المقال، وشرعت تنشر الأخبار المصرية والأجنبية لكن في هيئة غير رسمية"3.
بقيت الوقائع المصرية في كنف رشدي بك زهاء ثلاثة أعوام حتى وافت سنة 1865 فإذا الخديو إسماعيل يشتري المطبعة الأميرية من صاحبها4 ويضع
1 محفوظات القلعة -دفتر الأوامر العلية الصادرة للمالية، أمر عال إلى نظارة المالية في 13 ربيع الثاني عام 1279هـ.
2 إرادة لأحمد رشيد بك ناظر المالية في 7 شعبان عام 1279هـ ترجمة ص40 دفتر 525.
3 الوقائع المصرية من مقالة أحمد خيري بك العدد الصادر في 25 نوفمبر عام1865م.
4 تقويم النيل، ج3، ص598.
الصحافة الرسمية تاريخًا يبز تاريخها في عهد أسلافه جميعًا، ويجدد في مناحيها ويخلق في أنواعها، فيبدأ بالوقائع ويقول في أمره لنظارة المالية:"إن من المسلّم به أن للجرائد منافع ومحسنات عند الأهالي ولدى الحكومة، ولذلك فإنني أرغب في إدخال جريدة الوقائع المصرية في عداد الجرائد المعتبرة" ودخلت الوقائع فعلًا في عداد الجرائد المعتبرة، وفاقت في عهده تاريخها السابق فنشرت من الأخبار قديمها وحديثها ونقلت عن الصحف الغربية خير ما فيها، ونشطت البرقيات بين صفحاتها، وعنيت بالبلاد الشرقية وأمورها، كما خصصت مكانًا رحبًا لأخبار الداخل وتفاصيلها، ولم تسقط من حسابها الأمور التجارية والمسائل الاقتصادية والأبواب الاجتماعية والأدبية، وفتحت صدرها للإعلانات كباب من أبواب رزقها، كما نصبت نفسها لسانًا يدافع عن الحكومة وتصرفاتها ويهاجم خصومها من الصحف الأجنبية في مصر أو الصحف الغربية في بلادها، ونظم الخديوي أمورها وعين لها خيرة العمال والمحررين وبذل لهم في سخاء لم يعهده محرورها من قبل1.
ويشاء الخديوي أن يجعل لسنة 1865 شرف النهضة الصحفية الرسمية فتصدر الحكومة صحيفتين أخريين، صدى لنهضة عميقة في الطب والجيش، فقد أقبل إسماعيل والمدارس مغلقة ودور العلم معطلة، فشاء أن يرد إليها الحياة في غير تردد، وعنى عناية خاصة بمدرسة الطب فكان تقدمها سريعًا حتى جاوز عدد طلابها المائة، ولم تكن وقفًا على الشعب المصري وحده بل فتحت صدرها للطلاب من البلاد الشرقية2 غير من ضمت من طلاب الصيدلة والقابلات المصريات، وإلى جانبها قامت مدرسة الطب البيطري يشرف عليها جميعًا فئة من أعلام الطب المصريين والأجانب على السواء.
رأى الخديوي إسماعيل أن يكون للنشاط الطبي في مصر أثر يخلد فعاله
1 محفوظات عابدين وثيقة رقم 64 دفتر 1181 أوامر للمالية في 3 رجب1282هـ.
2 أمر عال إلى مجلس الصحة في 24 ربيع الأول عام 1282هـ ص21 دفتر 1913 عربي.
ويعاونه على نشر أفضل المسائل الطبية كما يكون مجالًا يتبارى فيه الأطباء بإنشاء الموضوعات المفيدة، فأصدر مجلة "يعسوب الطب" وهي أقدم الصحف الطبية في الشرق كله، على أن تشرف عليها الحكومة المصرية، وتمدها بالمال، وقد قامت المطبعة الأميرية بطبعها، ومضى يحررها محمد علي باشا الحكيم كبير الأطباء المصريين، وهي ترجو -كما تذكر خطتها- "أن تقدم لمطالعيها من رياض الطب وأزهاره ما يغنيهم عن الرجوع إلى مطولات الكتب وشروحها أو المجلات الأجنبية وفصولها الطوال كما يجني اليعسوب وهو أمير النحل في دولته موارد العسل من أزاهير الرياض، وكان شعار المجلة:{يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} .
وكانت موضوعاتها طريفة تغري بالقراءة حقًّا1 فلم تتعرض للمسائل الصحية الجافة، وكانت تعالج الموضوعات العلمية في أسلوب يدركه القارئ العادي، وقد ساهم في تحريرها الأطباء المصريون والفرنجة، ومنح الشيخ إبراهيم الدسوقي علاوة على راتبه مائة وخمسين قرشًا مقابل قيامه بتصحيح قصول الأطباء الأجانب2، ومن أهم ما حملته هذه المجلة الفصول التي كتبتها القابلة جليلة تمرهان، وهي فيما نعلم أول مصرية تكتب في الصحف موضوعًا وموضوعًا فنيًّا بالذات، وأكبر الظن أن المجلة كانت توزع على الأطباء وطلاب الطب في مصر جريًا على ما اتبع مع مثيلاتها وطلبًا لتحقيق الفائدة منها.
وكذلك أصبحت الجريدة العسكرية المصرية الصحيفة الرسمية الثانية التي أنشأتها حكومة إسماعيل في سنة 1865 باستثناء الوقائع المصرية، ومن سقط القول أن نقدم لإنشائها بحديث عن النهضة العسكرية في ذلك الوقت، فذلك أمر يعرفه كل من درس عصر إسماعيل وألم بأطرافه وعدد المدارس التي أنشئت لتعليم الفنون العسكرية وما أنشئ معاونًا لها من المدارس، غير البعثات الحربية
1 احتفظت دار الكتب بأعدادها ابتداء من العدد 24 في 23 محرم عام 1285هـ.
2 أمر عال إلى مجلس الصحة في 24 ربيع الأول عا 1282هـ ص 21 دفتر 1931 عربي.
إلى فرنسا1 والبعثه الحربية من فرنسا، وهيئة أركان حربه من الأمريكيين، ومطبعة الجيش ومكتبته ومتحفه.
وإذا استقام أمر الجيش على هذه الصورة التي عرضناها في إنجاز فمن الطبعي أن يصدر الخديوي صحيفة تكون عنوانًا له "فقد اقتضت مروءته -أي مروءة الخديوي- وتعلقت عنايته بأحداث هذه المجموعة العلمية الدورية المسماة بالجريدة العسكرية المصرية بحيث تطبع وتنشر بوجه الانتظام على طرف حكومته العلية، إذ كان الغرض الأصلي منها أن تنشر بالخصوص على سائر الضباط الجهادية وضباط الصفوف والعساكر بالجيوش المصرية وعلى تلامذة المدارس الحربية، ولا تختص بالاشتمال على بنود تتعلق بأنواع العلوم والفنون العسكرية المتحصلة عند الملل المتأخرين والأمم المعاصرين فقط، بل يندرج فيها أيضًا فوائد جليلة وإرشادات جميلة مما لا بد منه لكل إنسان متمدن، ولا بأس به لكل حاذق متفنن من المعارف النافعة والفنون المتنوعة، مع ما ينضم لذلك من تحلية هذه المجموع بإدراج يوميات محصل ما يحصل في سائر أقطار الدنيا من الحوادث الكبيرة البوليتيقية أي السياسة والوقائع الشهيرة العسكرية".
ثم تستمر الجريدة في إعلان خطتها وتبيان أغراضها فتعلن أنها ستظهر "في كل شهر مرة فهي شهرية قمرية، فكل من أراد من المستخدمين الميرية وضباط الجيوش المصرية وغيرهم من أصحاب المعارف الخصوصية وأرباب المناصب العلمية أن يودع فيها فائدة مناسبة من معلوماته، أو نادرة مقبولة من تأليفاته ليساعد المعنيين بها على دوام تحريرها، ويجاهد مع الرفقاء في سبيل العلم والمصلحة العامة على تمام تسطيرها فليوجه من فضله إلى حضرة ناظر عموم المدارس المصرية ما استنسب إدراجه في ضمن سطورها واستصوب
1 حقائق الأخبار عن دول البحار لإسماعيل سرهنك ج2 ص 307 القاهرة عام 1312هـ.
استيداعه في طي منشورها حيث كان المعول الأعلى على حضرته في عموم إدارة أمورها"1.
فهي إذن تختلف أشد الاختلاف مع الجريدة العسكرية في عهد محمد علي إذ كانت الأولى للجرائم العسكرية وحدها، أما جريدتنا هنا فليست جريدة ضيقة المعنى محدودة الغرض، وهي ليست مقصورة على الشئون العسكرية بل "يندرج فيها أيضًا فوائد جليلة ....... من المعارف النافعة والفنون المتنوعة" وهي تفسح صدرها لكل كاتب غير ضباط الجيش المصري من "المستخدمين الميرية وغيرهم من أصحاب المعارف الخصوصية وأرباب المناصب العلمية".
ولم تشغل الجريدة العسكرية المصرية أقلام الكتاب والضباط المصريين وحدهم بل عنيت صفحاتها بمقالات المعلمين والضباط الأجانب حتى إن معظم أعدادها كان وقفًا على أقلام هؤلاء الأجانب وخاصة "مرشير بك Mircher رئيس الإرسالية العسكرية الفرنساوية في مصر" وكانت الخرائط التي تنشرها الجريدة العسكرية المصرية حدثًا جديدًا في تاريخ الصحافة المصرية.
وزاملت الجريدة العسكرية أخرى مشابهة لها وإن صدرت بعدها بعدة سنوات2 عقب تأليف هيئة أركان الحرب المصرية، وهي هيئة عسكرية كانت على أفضل صورة مماثلة لما كانت عليه جيوش أوربا، ضمت إليها فئات من الميكانيكيين والمهندسين والخبراء في علم طبقات الأرض، كما خصصت لها جماعة لوضع المصورات الطوبوغرافية الدقيقة عن مصر والسودان وغيرهما، وكانت أعمال الكشف أهم أغراض هذه الجماعة الأخيرة3، إذا كانت الجريدة العسكرية قد جاوزت حدودها فأذنت لكل صاحب علم أن فن أن يعرض معارفه على صفحاتها مهما يختلف الموضوع عما يوحي به
1 من مقدمة الجريدة العسكرية في غرة جمادى الآخرة 1282هـ "22سبتمبر عام 1865".
2 الرافعي: عصر إسماعيل، ج1، ص190.
3 المصدر السابق، ص189.
اسمها، فإن زميلتها "جريدة أركان حرب الجيش المصري" لم يسمح بهذا اختصاصها فإن "القصد من إنشائها تقدم الجيوش المصرية في الفنون الحربية، واطلاعهم على الوقائع والحوادث العسكرية التي تقع في البلاد الأجنبية"1.
وهي صحيفة الضباط وحدهم لا يؤذن لغيرهم بالنشر فيها أو الاطلاع عليها فقد تعطلت فترة من الزمن فإن أسباب احتجابها "تفرق الضباط الذين هم روح حياتها وواسطة حسن إدارتها في الأقطار السودانية والبلاد الحبشية شهورًا متداولة وأيامًا متطاولة"2، فهي صحيفة تحمل صفتها حقًّا وتربط بينها وبين هيئة أركان الحرب أغراض متماثلة واتجاهات معينة، فعنيت بالمسائل الحربية العلمية التي من شأنها أن تفتق أذهان الضباط وتوسع أفقهم العسكري وتضيف إلى معلوماتهم شيئًا جديد في أسلوب رائع يشرف على تهذيبه الشيخ حسن الطويل مصحح ديوان الجهادية3 وهي آنق طبعًا في أجزائها المتأخرة حين طبعت في مطبعة عموم أركان حرب بعد أن قامت بنشرها فترة طويلة مطبعة وادي النيل، وجريدة أركان حرب ليست صحيفة علمية عسكرية فقط، بل فيها من المعاني الوطنية فصول عن وقائع الجيوش المصرية المظفرة في الشام وبلاد العرب وكريت وغيرها كما حفلت أعدادها الكثيرة بألوان من المصورات المختلفة وأحدث الصور لآلات الحرب في ذلك الوقت.
وإذا كانت رعاية إسماعيل للطب والصحة العامة أنتجت يعسوب الطب ونهضته في الجيش وأقسامه استحدثت في عالم الصحافة الرسمية جريدتين، فإن عنايته بالتعليم وهو من أظهر مفاخر عصره كان قمينًا بأن تكون له صحيفة تعبر عن هذا النشاط الذي أخذ يدب في المدارس وقد أغلقها بعض أسلافه ولم يبقَ إلا على فئة منها لا تغني ولا تثمر، فأعاد إسماعيل تأليف ديوان المدارس بحيث يضطلع في تنظيمه الجديد بالشئون التي ألقيت على عاتقه.
1 راجع الجزء الأول من المجلد الأول للسنة الثالثة.
2 جريدة أركان حرب الجيش، الجزء الأول، المجلد الأول، السنة الثالثة.
3 جريدة أركان حرب الجيش، الجزء الثالث، المجلد الثاني، العدد التاسع.
أنشأ الخديو شتى المدارس التي كان لها فضل النهضة الأدبية والفكرية في عصره وفي عصور خلفائه من بعده، فشهدت مصر لأول مرة مدرسة الهندسة في سنة 1866 وعوض عن مدرسة الحقوق بمدرسة الألسن التي لم يستسغ وجودها عباس الأول وشغل ديوان المدارس بأمر اللغة العربية، كما لاحظ الخديوي نفسه إهمالها في مصالح الحكومة، فرأى من ناحيته أن يرد لها اعتبارها فأمر بأن "المكاتبات التي تتداول من الآن فصاعدًا بكافة الدواوين والمصالح الميرية التي بداخل جهات الحكومة تكون باللغة العربية"1.
ولما كانت لغة الداوين في ذلك الوقت ركيكة العبارة ضعيفة الأسلوب شاء الخديوي أن يقود أمر إصلاحها في مصر، دواوينها ومدارسها فأمر بإنشاء مدرسة دار العلوم.
ولم يقف نشاطه عند هذا الحد من التجديد فأوحى إلى إحدى زوجاته أن تتولى أمر تعليم البنات فأنشأت لهن مدرسة كان عدد طالباتها أربعمائة فتاة2 ثم افتتحت مدرسة أخرى في العام التالي، ولم يبق من أنواع المدارس نوع إلا أقام الخديوي صرحه، فأسس مدارس للصناعة والمساحة والمحاسبة والزراعة، هذا بجانب ما أنشئ من المدارس الحرة التي لقيت عطفه وبره كمدارس الأقباط والمدارس الأوربية المختلفة.
أتكون هذه النهضة العلمية الضاربة في كل علم، الآخذه بكل فن من غير وسيلة تعبر عنها كما عبرت عن جزء منها يعسوب الطب؟ ما كان يمكن للصحافة الرسمية اكتمال من غير إنشاء الروضة لمدارسها، وهي مجلة أنشأها علي مبارك باشا في سنة 1870 في وقت كان يلي فيه شئون التعليم، فهي صحيفة ديوان المدارس تنفق عليها الحكومة، وكان الغرض من إنشائها النهوض باللغة العربية وإحياء آدابها ونشر المعارف الحديثة، وقد ألقيت مقاليد أمورها إلى
1 أمر صادر للمالية في 6 شوال عام 1286هـ، دفتر 930، ص46.
2 الوقائع المصرية، العدد 519 في 5 أغسطس سنة 1873م، وما بعده.
أستاذ الصحافة الرسمية في القرن التاسع عشر رفاعة رافع الطهطاوي محرر الوقائع في عهد محمد علي وناظر قلم الترجمة في عهد إسماعيل، يعاونه في إصدارها جهابذة العصر في العلوم والآداب والفنون المختلفة.
ورئيس التحرير أديب اختصمت فيه ثقافة الشرق والغرب، فهو من حفاظ القرآن ومن تلاميذ القضابي والعطار، درس في الأزهر ثم اختير إمامًا لأول بعثة علمية أرسلها محمد علي إلى فرنسا، وهناك استغل المكان والزمان، فأفاد المستشرقين واستفاد منهم، وعاد إلى مصر ليقود أجيال المثقفين.
ورفاعة الطهطاوي هذا أديب لمع اسمه زهاء أربعين عامًا في القرن التاسع عشر، فكان معلمًا وشاعرًا وناثرًا ومترجمًا، وعليه اعتمدت النهضة الثقافية، ومن بحره شربت النخبة التي سيطرت على أجيال مصر المتتابعة، وقد جاء اختياره لتحرير "روضة المدارس" اختيارًا موفقًا بدا أثره في إنشائها ومعانيها1.
وقد كانت روضة المدارس ميدانًا رحيبًا من ميادين الأدب يتبارى فيه أولئك الجهابذة بموضوعاتهم الطريفة وأساليبهم الرفيعة في الأدب والاجتماع والتاريخ والفلك والرياضيات وكانت تصدر حافلة بذلك مرتين في كل شهر.
وقد أمر إسماعيل بتوزيعها مجانًا "على التلاميذ" فعودتهم ملكة المطالعة والبحث، وفتحت صحائفها للنابغين منهم فكان ذلك يشجعهم ويدفع هممهم إلى البحوث والمجهودات المستقلة عن دروسهم، وهي أول صحيفة احتفت بعلم من أعلام الشعر في القرن الماضي فنشرت الشعر الحديث الرقيق "للشاب النجيب إسماعيل أفندي صبري""هو إسماعيل باشا صبري فيما بعد" وهو أحد تلامذة مدرسة الإدارة.
وقد أغنتنا افتتاحيتها عن الطواف برياضها لتسجيل غايتها وتبيان أغراضها، فهي تذكر وظيفة مصر في ذلك العصر، عصر إسماعيل "المتكفل بسمو
1 أعلام الصحافة العربية للمؤلف، الطبعة الثانية، ص28 وما بعدها.
درجتها ونمو بهجتها وتقويم صعدتها وتمكين نجدتها" هذا الأمير الذي استحق ثناءها؛ لأنه رد إلى ديوان المدارس مكانته، وهو ديوان كل ما يرجوه "اعتمادًا على مساعدة العناية الخديوية تعميم العلوم وتتميم المعارف، وانتشار الفنون وإكثار اللطائف، ومداولتها بين جميع أبناء الوطن، وتسويتهم في الورود على مستعذب هذا المشروع الحسن".
ثم تضيف المقدمة إلى ذلك أن الإرادة الخديوية شاءت أن تصدر صحيفة باسم "روضة المدارس" تصبح مجالًا لأنفس المواد العلمية "بحيث تكون فيها الفوائد المتنوعة والمسائل المتأصلة والمتفرعة أقرب تناولًا للمطلع المستفيد، وأسهل مأخذًا لمن يعاينها من قريب الفهم والبعيد، بقلم سهل العبارة واضح الإشارة، وألفاظ فصيحة غير حوشية ولا متجشمة لصعب التراكيب".
ثم تبين لنا الغرض من إنشائها بقولها: "إن المرام من ظهورها بهذه الصورة هو أن تنكشف للعامة مخدرات العلوم وترفع حجبها المستورة وتستضيء بنورها أرباب العقول السليمة وأصحاب الطبائع المستقيمة، وخصوصًا بين أبناء المدارس، حتى تتسع دائرة معقولهم ومنقولهم، ويبعثهم على ازدياد اهتمامهم إذا علم كل منهم أن ما يظهر من أعمالهم المستحسن، ويشهر من أشغاله الدائرة على الأفئدة والألسنة سيقيد بهذه الصحيفة" أما موضوعاتها فهي "رسائل مؤلفة جديدة ونبذ مصنفة مفيدة من فنون وعلوم مختلفة ومسامرات من مستحسن الحكايات والأخبار مقتطفة، وبعض تراجم من لغات أجنبية".
وسيكون كتابها من خيرة عمال ديوان المدارس ويصبح تحريرهم في الروضة من أهم وظائفهم، لذلك "صار كل منهم برسم عضو تأسيس يتشكل به جسم هذه الصحيفة مندوبًا من طرف الديوان" وكان أظهر من عمل فيها أبو السعود أفندي الذي اختير لترجمة مقالات الأساتذة الأجانب المنشورة في الروضة، وقد عنيت إلى جانب ما ذكرنا بشئون المدرسين، تنقلاتهم وترقياتهم1
1 روضة المدارس، العدد الخامس.
وقد استغرقت بداية الصيف من كل عام أخبار الامتحانات المدرسية وحفلاتها كما ازدحمت بعض أعدادها بروائع من الشعر وقصائد المديح في الخديو إسماعيل، وشغلت بعض سطورها بالإعلانات، وهي إعلانات شديدة الصلة بوظيفتها كفتح المدارس وبيع الكتب والحاجة "إلى خوجات" وما إلى ذلك.
هذه هي الروضة التي بلغنا بها آخر مراحل النشاط الصحفي الرسمي في عهد الخديو إسماعيل، وهي نهاية موفقة كما كان البدء موفقًا في الوقائع المصرية ويكاد يكون عهد الخديوي خاتمًا لنشاط الصحافة الرسمية في مصر، فيما خلا مجلة شهرية علمية طبية نشرتها الحكومة في أواخر سنة 1881، وقد أذاعت الأهرام في محلياتها أن الأطباء الذي درسوا الطب في أوربا "شرعوا يفكرون في إصدار جرنال طبي وأنهم عرضوا الأمر على رئيس النظارة فسهل لهم وقرر معاونتهم بإحالة نفقة الجرنال على الحكومة، وأن أعضاء الجمعية الطبية انتخبوا لرئاسة تحريره الدكتور حسن بن محمود"1.
وإلى أن عين الشيخ محمد عبده محررًا للوقائع لم نشهد جديدًا في الوقائع المصرية عما كانت عليه قبل عزل إسماعيل وتولية توفيق، فإذا أخذ الأستاذ الإمام مكانه في تحريرها في 9 أكتوبر سنة 1881 تغير تاريخها كله، وأبت أن تعطي صورة للصحيفة الرسمية -لولا وظائف محرريها في الدولة ونشرها في مطبعة حكومية- فهي قد جاوزت وظيفتها وتخطت حدودها وأصبحت صحيفة رأي وفكرة قبل أن تكون صحيفة حكومية تخرج لنشر القوانين وتسجيل الحوادث الرسمية، فهي في ذلك الوقت من حيث سعادة مصر أو شقاؤها طمأنينتها أو قلقلها، تقدمها أو تأخرها، صورة حية لهذه الآمال والآلام، فإن كانت تاريخ مصر مجموع حوادث شعب له حياة سياسية وأدبية وعقلية، فقد تغير سير الجريدة الحكومة وتحريرها أيام الشيخ وأصبح لها مكان رفيع من تلك
1 الأهرام في 5 فبراير عام 1881.
الحوادث ومقام سام من ذلك التاريخ، فهو قد أحدث للجريدة نظمًا رفعت من قدرها وقومت تاريخها، وبدلت غايتها وسار بها رويدًا ثم حثيثًا إلى الصحافة الحرة المعاصرة، وإن ردها الاحتلال البريطاني إلى رسميتها الأولى ومقامها القديم.
لم تشهد السنوات الأخيرة من عهد إسماعيل صحفًا رسمية أخرى، بل إن الصحف الرسمية بدأ يعتورها الانحلال لعدة أسباب، فهي قد بدأت في أوائل عهد الخديوي يوم أخذت الحكومة على عاتقها شئون الحياة السياسية والاجتماعية وتصويرها في صحف تصدرها هي وتملي عليها اتجاهها وتخضعها لرقابتها، ثم خرجت هذه الشئون في نهاية عصر إسماعيل من يد الحكومة حيث ظهر رأي عام لم يعد يحتمل هذه الصحافة المحدودة أن يكتفى بأفقها الضيق، فنشأت صحف شعبية ملأت الفضاء، وخنقت بشبابها الصحافة الرسمية القديمة، ومن هذا الأسباب أيضًا أن حكومة إسماعيل قبضت يدها على البذل لهذه الصحافة بعد الأزمة المالية التي أخذت بخناق الدولة في جميع دواوينها ومصالحها، ومن بينها ديوان المدارس وصحيفته والجيش ومجلتاه والطب ويعسوبه.
ويجب بنا ونحن نشيع هذه الجرائد الرسمية ونكتب صحيفتها التاريخية أن نذكر أفضالها على الحياة المصرية في جيمع جوانبها، فأما أقدمها وهي الوقائع المصرية فلم تعثر في حياتها إلا لمامًا، ولم يعرف في تاريخ الصحف الشرقية جريدة بقيت على الزمن وتخطت أحداث الحياة ومضت قدمًا كصحيفة الوقائع ولم يعرف في تاريخ الصحافة الرسمية جريدة شغلت الحياة الفكرية كالوقائع الرسمية، فقد كانت معلمًا لأدباء الشرق ولمفكري مصر الكثيرين، تحنوا على طلاب العلم ومبعوثي الدولة1 فتفتح لهم صدرها وتسمح للعامة بنشر مقالاتهم وآرائهم فيها.
1 الوقائع المصرية في 14 يوليه عام 1870م.
وإذا كان الصحافة في عمومها مدرسة للتعليم والتثقيف فإن الوقائع بقيت زهاء أربعين عامًا وهي وحدها هذه المدرسة، تذيع على المصريين بعض الأدب والاجتماع والسياسة أحيانًا، وكان ظل هذه المدرسة يمتد مرة إلى بلدان أوربا حيث يقرؤها الطلاب المبعوثون في دولها الكبيرة، ومرات أخرى على كريت والشام وبلاد العرب والسودان حيث تطالعها الجاليات المصرية من جند وضباط ومدنيين، ولا يذكر تاريخ الصحافة الرسمية في العالم كله جريدة حكومة تنقد الحكومة ورجال الدولة1 نقدًا ينغص عليهم حياتهم كما كانت تنقد المسئولين في مصر قبيل الثورة العرابية نقدًا لاذعًا أفاد جوانب الحياة المصرية ومكن للإصلاح في إدارات الدولة مصالحها2 الأمر الذي نقلها إلى مصاف جرائد الرأي التي تصدر عادة عن الأفراد والجماعات.
والوقائع المصرية فوق ما ذكرنا تعتبر مصدرًا خطيرًا من مصادر التاريخ المصري الحديث، وكل مؤرخ لنواحي هذا التاريخ لا يعود إلى الوقائع ولا يكمل حقائقه من صفاحتها يعتبر مؤرخًا ناقصًا غير محقق لأنه لم يستق تاريخه من جدوله الأصيل، ويعتبر بحثه -مهما يكن جهده فيه- بحثًا تنقصه الدقة التاريخية وتعوزه الحقيقة الأولى المنشورة في الوقائع المصرية في أسلوب الأوامر والأحكام والقوانين وفي بعض المقالات المهمة التي تصور طبائع الشعب ومثله في الحياة.
ولا يستطيع مؤرخ الصحافة المصرية أن يزعم للصحافة الرسمية أثرًا مباشرًا في توجيه الرأي العام أو خلقه، بيد أنه يستطيع أن يجزم بأن هذه الصحافة عاونت على تهيئة الأفكار وتثقيف العقول وتنوير الأذهان ولفت النظر إن صح التعبير، فجريدة أركان حرب الجيش تذكر كثيرًا من مواقف الجيش المصري المخلدة في أيام محمد علي وإبراهيم، وتصور لضباطها موقف ضباطه في الذود عن الوطن والدفاع عن حرمته وكيف طرد الإنجليز في سنة 1807،
1 تاريخ الإمام، ج1، ص179.
2 الإسلام والتجديد في مصر، ص44.
وهي لا تذكر ذلك اعتباطًا أو لمجرد الذكرى في عددها السادس من المجلد الأول في سنتها الثانية بل تعلق قائلة: "وإذا قدر الله بغزو هذه الديار مرة أخرى فليتذكر ضباط الجيش المصري غزوة سنة 1807، وليكن كل ضابط مصممًا على المدافعة والذود عن وطنه ولا يرتكب العار في التسليم كما ارتكبه أمين أغا، بل يدافع بنفسه وبعساكره عن كل نقطة يتجه الهجوم إليها، كما فعل على بك السلانكلي الذي اكتسب الفخر والشرف ومنع العدو وصده عن الوطن".
وكانت الصحف الرسمية عمومًا مدرسة لصحفيي مصر فيما بعد، فمن تلاميذها كما ذكرنا رفاعة الطهطاوي، وهذا له مدرسته التي ضربت بسهم صائب في الصحافة الشعبية كعثمان جلال في نزهة الأفكار وأبي السعود أفندي في وادي النيل وولده أنسي في روضة الأخبار وصالح مجدي وعبد الكريم سليمان وأحمد عبد الرحيم في الوقائع والشيخ محمد عبده في العروة الوثقى.
والصحف الرسمية مهما يكن عدد قرائها قليلًا لها أثر عميق في مقومات النهضة العلمية الحديثة، فقد عودنا العهد القديم أن يكون الأزهر وحدهم رجال العلم القارئين له الكاتبين فيه، ولكن الصحافة الرسمية أشركت معهم بل قدمت عليهم فئة أخرى غير رجال الدين من التلاميذ والموظفين والضباط والمعلمين، فلم تعد القراءة أو الإنشاء وقفًا على الأزهريين أو احتكارًا لهم، كما نزعت المطبعة في أوربا احتكار الكنيسة للعلم والمعرفة، وتولت الصحف الرسمية في كثير من المواقف الدفاع عن الحكومة وشرح سياستها وتعداد أفضالها ومآثرها، ودحض ما يراه الأجانب من السوء في تصرفاتها كما حدث يوم تولى الطهطاوي تحرير الوقائع واشتدت المشاكل على مصر قبيل معاهدة لندن وبعدها، وأعادة الصحيفة الرسمية سيرتها في أوائل عهد إسماعيل، بل جعلت سياستها، ليس مجرد الدفاع عن الحكومة، بل مهاجمة خصومها في صحافتهم المنشورة في مصر أو الذائعة في أوربا.
فبهذا وبغيره من مقالات الصحف الرسمية رأت المجموعة القارئة في ذلك العصر شيئًا جديدًا لم تعتده، كما هيأت للطلاب والكتاب والمدرسين فرصة المنافسة بالاطلاع والإفادة والإنشاء في غير موضوع واحد، والإعلان عن الأكفاء والمجودين في شتى العلوم والفنون، وأتاحت الفرصة للشعر والشعراء في الروضة أو في الوقائع، ونشرت فيها الكتب تباعًا، وهي كتب للعلم أو الحكاية التهذيبية كما ترجمت الفصول الطوال وأرخت بذلك لعصر الترجمة أجمل تأريخ، ومجمل القول في أسلوب هذه الصحف إنها زخرت أحيانًا بنوع من السجع الذي يزدحم بالفواصل ويشغل بالجناس، وبعضه يثقل على السمع وينبو عن الفهم ويخرج على آداب اللغة العربية فلا يعد من أساليبها المرضية.
وأفضل ما في تاريخ الصحافة المصرية الرسمية أنها نشأت مصرية خالصة، ليس لغير المصريين فضل في إنشائها أو تقدمها أو ارتقائها، بل كان لها هي الفضل على البلاد الشرقية بما علمت من رجالها أصول الإنشاء والتحرير، حتى عادوا بعد قليل يقودون النهضة الصحفية في الشرق، وفي مقدمتهم أحمد فارس الشدياق صاحب "الجوائب" التي عظم شأنها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكان لها في تاريخ الشرق وتياراته السياسية أثر وأي أثر، كما كانت وثيقة الصلة بالخديوي إسماعيل1.
وإذا كانت المطبعة صاحبة فضل على الصحافة الرسمية في مصر فإن الصحافة نفسها تقارضها هذا الفضل وتبادلها هذا المعروف، فإنّ إنشاء الوقائع استتبع توسيع مطبعة بولاق أول الأمر2، ثم فرض أخيرًا إنشاء مطبعة خاصة بها في عهد محمد علي وقبيل الاحتلال الإنجليزي كما أوحت الصحف العسكرية بإنشاء مطبعة الجهادية وروضة المدارس بالتمكين لمطبعة الحكومة من التقدم والارتقاء.
1 محفوظات عابدين " Dossier 45-2" في سنة 1870م.
2 راجع في ذلك كتابنا "تاريخ الوقائع المصرية عام 1828 - 1942م" طبعة 1942.