الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعم مساء، وجعل الشارع تحية المسلمين (السلام عليكم) إشارة إلى أن الدين دين سلام وأمان، الحسيب: المحاسب على العمل، كالجليس بمعنى المجالس وقد يراد به المكافئ والكافي، من قولهم: حسبك كذا إذا كان يكفيك.
المعنى الجملي
بعد أن أمر الله تعالى نبيه أن يحرض المؤمنين على الجهاد وذكر أنه ليس عليه وزر من تمرد وعصى- بين فى هذه الآية أنهم حين أطاعوك ولبّوا دعوتك أصابهم من هذه الطاعة خير كثير، وأن لك من هذا الخير نصيبا تستحق عليه الأجر، لأنك قد بذلت الجهد فى ترغيبهم فيه بجعل نفسك شفيعا ونصيرا لهم فى الوصول إلى تحصيل هذه الأغراض الشريفة.
الإيضاح
(مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها) أي من يجعل نفسه شفيعا لك ويناصرك فى القتال- وقد أمرت به وحدك- يكن له من شفاعته نصيب بما يناله من الفوز والشرف والغنيمة فى الدنيا عند ما ينتصر الحق على الباطل، وبما يناله من الثواب فى الآخرة فى جميع الحالات، سواء أدرك النصر فى الدنيا أم لم يدركه.
ووصف الشفاعة بالحسنة لأنها تأييد ونصر للحق، ومثل هذا كل من يعاون فاعل الخير ويساعده.
(وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها) أي ومن ينضم إلى عدوك فيقاتل معه أو يخذل المؤمنين عن قتاله يكن له نصيب من سوء العاقبة بما يناله من الخذلان فى الدنيا والعقاب فى الآخرة، وهذه هى الشفاعة السيئة لأنها إعانة على السيئات، وسمى هذا النصيب كفلا، لأنه نصيب مكفول للشافع، إذ هو أثر عمله، أو محدود لأنه على قدره.
والخلاصة- إن من ينضم إلى غيره معينا له فى فعل حسن يكن له منه نصيب، ومن ينضم إلى غيره معينا له فى فعل سيىء ينله منه سوء وشدة.
ويدخل فى الآية شفاعة الناس بعضهم لبعض، وهى قسمان: حسنة، وسيئة فالحسنة أن يشفع الشافع لإزالة ضرر ورفع مظلمة عن مظلوم أو جر منفعة إلى مستحق ليس فى جرها إليه ضرر ولا ضرار والسيئة أن يشفع فى إسقاط حد، أو هضم حق، أو إعطائه لغير مستحق، أو محاباة فى عمل بما يوصل إلى الخلل والزلل، ولأجل هذا قال العلماء: الشفاعة الحسنة ما كانت فيما استحسنه الشرع، والسيئة: فيما كرهه أو حرّمه.
وفى الآية من العبرة لنا أن نتذكر أن الحاكم العادل لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإخباره بما لم يكن يعلم من مظلمة المشفوع له أو استحقاقه لما يطلب له، ولا يقبل الشفاعة لإرضاء الشافع فيما يخالف الحق والعدل ويخالف المصلحة العامة.
أما الحاكم الظالم فتروج عنده الشفاعات، لأنه يحابى أعوانه المقربين منه ليكونوا شركاء له فى استبداده ليثبتوا على خدمته وإخلاصهم له، والحكومات التي تروج فيها الشفاعات وتعتمد عليها الرعية فى كل ما تطلب تضيع فيها الحقوق، ويحل الظلم محل العدل، ويسرى من الدولة إلى الأمة، فيعم فيها الفساد ويختل نظام الأعمال.
(وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) أي وكان الله مقتدرا على كل شىء فلا يعجزه أن يعطى الشافع نصيبا وكفلا من شفاعته على قدرها فى النفع والضر، ويجازى كلّا بما يستحق، لأن سننه قد قضت بأن يربط الجزاء بالعمل.
وبعد أن علّم سبحانه المؤمنين طريق الشفاعة الحسنة والسيئة وهى من أسباب التواصل بين الناس، علّمهم سنة التحية بينهم وبين إخوانهم ليؤدبهم بأدب دينه ويزكيهم ويطهر نفوسهم من الغل والحسد فقال:
(وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) أي وإذا حياكم أحد بتحية فردوها بتحية مثلها، أو بتحية أحسن منها، فقولوا لمن قال: السلام عليكم- وعليكم السلام، أو وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال هذا فى تحيته فالأحسن أن تقولوا:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهكذا يزيد المجيب على المبتدئ كلمة أو أكثر.
وقد يكون حسن الجواب بمعناه أو كيفية أدائه وإن كان بمثل لفظ المبتدئ بالتحية أو مساويه فى الألفاظ أو أخصر منه، فمن قال لك: السلام عليكم بصوت خافت يشعر بقلة العناية، فقلت له: وعليكم السلام بصوت أرفع وبإقبال يشعر بالعناية وزيادة الإقبال والتكريم كنت قد حييته بتحية أحسن من تحيته فى صفتها، وإن كانت مثلها فى لفظها.
والخلاصة- إن الجواب عن التحية له مرتبتان: أدناهما ردها بعينها، وأعلاهما الجواب عنها بأحسن منها، والمجيب مخير بينهما،
وقد روى ابن جرير عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيا فإن الله يقول (وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها)
ومن قال لخصمه السلام عليكم فقد أمنه على نفسه، وكانت العرب تقصد هذا المعنى والوفاء من شيمتها، وبعض المسلمين الآن يكره أن يحييهم غيرهم بلفظ السلام، كما يكرهون رد السلام على غير المسلم، وكأنهم غفلوا عن أن الآداب الإسلامية إذا ألفت عرفوا فضل الإسلام وجذبهم ذلك إليه.
والسنة أن يسلم القادم على من يقدم عليه، وإذا تلاقى الرجلان يبدأ الكبير فى السن أو القدر بالسلام،
وقد جاء فى الصحيحين أنه «يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير»
وروى «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بصبيان فسلم عليهم»
وروى الترمذي «أنه مر بنسوة فأومأ بيده بالتسليم»
وقد ورد فى الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم «إن أفضل الإسلام وخيره إطعام الطعام وأن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»
وروى الحاكم قوله صلى الله عليه وسلم «أفشوا السلام تسلموا»
: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) أي إنه تعالى رقيب عليكم فى مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية ويحاسبكم على ذلك.
وفى هذا إشارة إلى تأكيد أمر هذه الصلة بين الناس، ووجوب رد التحية على من بسلم علينا ويحيينا.