الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سورة الأنعام (6) : الآيات 56 الى 58]
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
تفسير المفردات
النهى: الزجر عن الشيء بالقول نحو اجتنب قول الزور، والكف عنه بالفعل كما قال تعالى:«وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى» والدعاء: النداء لطلب إيصال الخير أو دفع الضر، ولا يكون عبادة إلا إذا كان فيما وراء الأسباب العادية التي سخرها الله للعباد وينالونها بكسبهم واجتهادهم وتعاونهم عليها. والبينة: كل ما يتبين به الحق من الحجج العقلية أو الآيات الحسية، ومن ذلك تسمية الشهادة بينة. والقصص: ذكر الخبر أو تتبع الأثر، والفصل: القضاء والحكم.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين، ذكر هنا أنه نهى عن سلوك سبيلهم هو عبادة غير الله، وأن هذه العبادة إنما هى بمخض الهوى والتقليد، لا سبيل الحجة والبرهان، فهى جمادات وأحجار ينحتونها بأيديهم ويركبونها ثم يعبدونها.
الإيضاح
(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي قل أيها الرسول لهؤلاء الداعين لك إلى الإشراك: إنى نهيت أن أعبد الذين تدعونهم وتستغيثون بهم من دون الله أي غير الله من الملائكة والصالحين من عباده، دع مادونهم من الأصنام والأوثان التي لا علم لها ولا عمل.
وهذا النهى شامل لنهى الله عنه فى كتابه الكريم فى كثير من الآيات، ولأمره بضده وهو دعاؤه وحده، ولنهى العقل والفطرة السليمة قبل إرسال الأنبياء.
ثم أمره أن يبين لهم أن هذه العبادة مبنية على الرأى والهوى وهى ضلال وغىّ.
(قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) أي قل لهم: لا أتبعكم على ما تدعوننى إليه لا فى هذه العبادة ولا فى غيرها من الأعمال، لأنها مؤسسة على الهوى، وليست على شىء من الحق والهدى، فإن فعلت ذلك فقد تركت محجة الحق وسرت على غير هدى، فصرت ضالا مثلهم وخرجت من عداد المهتدين، وفى هذا تعريض بأنهم ليسوا من الهداية فى شىء.
ثم أمره أن يقول لهم: إنى على هدى من ربى فيما أتبعه.
(قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أي قل لهم أيها الرسول إنى فيما أخالفكم فيه على بينة من ربى أي على بيان قد تبينته، وبرهان قد وضح لى من ربى بالوحى والعقل، إذ القرآن بينة مشتملة على ضروب كثيرة من البينات العقلية والكونية التي يعجز الرسول عن الإتيان بمثلها.
(وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) أي والحال أنكم كذبتم به أي بالقرآن الذي هو بينتى من ربى، ومن عجيب أمركم أنكم تكذبون ببينة البينات، ثم تطمعون أن أتبعكم على ضلال من أمركم لا بينة لكم عليه إلا محض التقليد، والتقليد براءة من الاستدلال، ورضا بجهل الآباء والأجداد.
وفى هذا حجة دامغة، وبينة ناصعة على ما قبله، من نفى عبادته صلى الله عليه وسلم للذين يدعونهم من دون الله.
وبعد أن بين تكذيبهم به قفّى عليه برد شبهة تخطر حينئذ بالبال، وهى أن الله أنذرهم عذابا يحلّ بهم إذا أصروا على عنادهم وكفرهم، ووعد بأن ينصر رسوله عليهم وقد استعجلوا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فكان عدم وقوعه شبهة لهم على صدق القرآن، إذ هم يجهلون سنة الله فى شئون الإنسان، فأمر الله نبيه أن يقول لهم:
(ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) أي ما الذي تستعجلون به من نقم الله وعذابه بيدي ولا أنا على ذلك بقادر، ولم أقل لكم إن الله فوض أمره إلىّ حتى تطالبونى به، وتعدّون عدم إيقاعه عليهم حجة على تكذيبه.
ثم أكد ما سبق بقوله:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي ما الحكم فى هذا وفى غيره من التصرف فى شئون الأمم إلا لله وحده، وله فى ذلك سنن حكيمة تجرى عليها أفعاله وأحكامه، فلا يتقدم شىء منها عن ميقاته ولا يتأخر:«وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» .
ثم بين سبحانه أن كل ما قصه على رسوله فهو حق لا شبهة فيه فقال:
(يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) أي يقص على رسوله القصص الحق فى وعده ووعيده وجميع أخباره، وهو خير الحاكمين فى كل أمر، فهو لا يقع فى حكمه وقضائه حيف إلى أحد ولا جور وهو النافذ حكمه فى كل شىء، والمحيط علمه بكل شىء.
(قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي قل أيها الرسول لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب بقولهم: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» .
لو أن عندى ما تسعجلون به بأن مكننى الله من التصرف فيه وجعله من قدرتى الكسبية، لقضى الأمر بينى وبينكم فأهلكتكم عاجلا غضبا لربى، واقتصاصا من تكذيبكم، ولتخلصت منكم سريعا لصدكم عن تبليغ دعوة ربى، وصدكم الناس عنى، وقد وعدني ربى بنصر المؤمنين المصلحين، وخذلان الكافرين المفسدين.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) الذين لا رجاء فى رجوعهم عن الظلم إلى الإيمان والحق والعدل، ومن ثم لم يجعل أمر عقابهم إلى، بل جعله عنده ووقّت له ميقاتا هو أعلم به، ترونه بعيدا ويراه قريبا:«وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» .