الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمات:
تقديم:
الحمد لله الذي أنزل الكتاب متناسبًا سوره وآياته، متشابهًا فواصله وغاياته، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي تمت كلماته، وعمت مكرماته، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده الذي خُتمت به نُبوَّاته، وكملت برسالته رسالاته، توالت عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأحبابه صلواته، وتواتر تسليمه وبركاته ما دامت حياته وبقيت ذاته وصفاته.. وبعد:
فهذا كتاب لطيف، تناول فيه مؤلفه من علوم القرآن، ألا وهو ترتيب السور وتناسقها ومناسباتها، وإيضاح ما في ذلك من إعجاز وبيان ومقاصد، وسوف يتجلى لنا من خلال عرض هذا الكتاب الدقائق التي فتح الله بها على مصنِّفه، وتلكم اللمحات الزكية التى أكثرها من نتاج فكره، وولاد نظره، وغير ذلك من فوائد، يجنيها القارئ.
وقد قلَّ اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته، وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي1 في تفسيره: أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط.
وقال بعض الأئمة: من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض؛ لئلا يكون منقطعًا.
وهذا النوع يهمله بعض المفسرين -أو كثير منهم- وفوائده غزيرة، قال
1 ترجمته في مقدمة المصنف، وقد أكثر السيوطي النقل عنه.
القاضي أبو بكر بن العربي1: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني -علم عظيم، لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله عز وجل لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلة، ورأينا الخلف بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه2.
ثم إنك لا ترى علمًا هو أرسخ أصلًا، وأبسق فرعًا، وأحلى جنًى، وأعذب وِرْدًا، وأكرم نِتَاجًا، وأنور سراجًا، من علم البيان، الذى لولاه لم ترَ لسانًا يحوك3 الوَشْيَ، ويصوغ الحَلْيَ، ويلفظ الدر، وينفث السحر، ويقري4 الشهد، ويريك بدائع من الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذى لولا تَحَفِّيه5 بالعلوم، وعنايته بها، وتصويره إياها، لبقيت كامنة مستورة، ولما استبنت لها يد الدهر6 صورة، ولاستمر السرار7 بأهلَّتها، واستولى الخفاء على جملتها، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء8.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام9: المناسبة علم حسن؛ ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر10.
1 ترجمته في مقدمة المصنف أيضًا.
2 البرهان في علوم القرآن "1/ 35، 36".
3 أي: ينسج.
4 يقري: يجمع.
5 تحفَّى بفلان: احتفل.
6 يقولون: لا أفعله يد الدهر أي: لا أفعله أبدًا.
7 السِّرار بالكسر: اختفاء القمر في آخر ليلة في الشهر.
8 دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني 5، 6.
9 هو الإمام عبد العزيز بن عبد السلام المشهور بالعز، والملقب بسلطان العلماء، توفي سنة 660هـ، ترجمته في طبقات الشافعية "5/ 80".
10 البرهان في علوم القرآن "1/ 37".
وقال برهان الدين إبراهيم البقاعي1: "وعلم المناسبات -الأهم من مناسبات القرآن وغيره- علم تعرف منه علل الترتيب، وموضوعه أجزاء الشيء المطلوب علم مناسبته من حيث الترتيب، وثمرته الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه، وما أمامه من الارتباط والتعلق الذي هو كلحمة النسب، فعلم مناسبات القرآن علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه، وهو سر البلاغة لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال، وتتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها، ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير نسبة علم البيان من النحو"2.
أما ترتيب السور: فقد اختلف العلماء في ترتيب السور:
- فالقول الأول: إنه توقيفي، تولاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه، فكان القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرتَّب السور، كما كان مرتب الآيات على هذا الترتيب الذي لدينا اليوم، وهو ترتيب مصحف عثمان الذي لم يتنازع أحد من الصحابة فيه مما يدل على عدم المخالفة والإجماع.
- والقول الثاني: إن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة؛ بدليل اختلاف مصاحفهم في الترتيب؛ كمصحف ابن مسعود، ومصحف أُبي.
- والقول الثالث: إن بعض السور ترتيبه توقيفي، وبعضه باجتهاد من الصحابة؛ حيث ورد ما يدل على ترتيب بعض السور في عهد النبوة، فقد
1 هو الإمام العالم العلامة ذو الفنون العديدة، والتصانيف المفيدة، والأقاويل السديدة، أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط علي بن أبي بكر البقاعي، توفي سنة 885هـ، ترجمته في: الضوء اللامع "1/ 101"، ووجيز الكلام "3/ 909، 910".
2 نظم الدرر في تناسب الآيات والسور "1/ 5".
ورد ما يدل على ترتيب السبع الطوال والحواميم والمفصل في حياته عليه الصلاة والسلام.
وقد ناقش بعض العلماء1 هذه الآراء الثلاثة، وانتهى إلى ما يلي:
- أن الرأى الثاني الذي يرى أن ترتيب السور باجتهاد الصحابة لم يستند إلى دليل يُعتمد عليه.
فاجتهاد بعض الصحابة في ترتيب مصاحفهم الخاصة كان اختيارًا منهم قبل أن يجمع القرآن جمعًا مرتبًا، فلما جمع في عهد عثمان بترتيب الآيات والسور على حرف واحد، واجتمعت الأمة على ذلك تركوا مصاحفهم، ولو كان الترتيب اجتهاديًّا لتمسكوا بها.
وحديث ابن عباس رضى الله عنهما: "قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينها
…
"2.
وهذا الحديث يدور إسناده في كل رواياته على "يزيد الفارسي" الذي يذكره البخاري في الضعفاء، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور؛ كأن عثمان كان يثبتها برأيه، وينفيها برأيه؛ ولذا قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه بمسند الإمام أحمد:"إنه لا أصل له".
وغاية ما فيه أنه يدل على عدم الترتيب بين هاتين السورتين فقط3.
- أما الرأى الثالث: الذي يرى أن بعض السور ترتيبها توقيفي، وبعضها ترتيبه اجتهادي، فإن أدلته ترتكز على ذكر النصوص الدالة على
1 هو الشيخ مناع خليل القطان في كتابه: مباحث في علوم القرآن 141، 142.
2 تخريج الحديث في مطلع سورة الأنفال.
3 وقد ذهب البيهقي إلى ذلك؛ حيث قال: "كان القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان رضى الله عنه".
ما هو توقيفي، أما القسم الاجتهادي فإنه لا يستند إلى دليل يدل على أن ترتيبه اجتهادي؛ إذ إن ثبوت التوقيفي بأدلته لا يعني أن ما سواه اجتهادي، مع أنه قليل جدًّا.
وبهذا يترجح أن ترتيب السور توقيفي كترتيب الآيات1.
وقال أبو بكر بن الأنباري2: "أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبر، ويوقف جبريل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمن قدم سورة أو أخَّرها فقد أفسد نظم القرآن"3.
وقال الزركشي: قال بعض مشايخنا المحققين: قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا، وعلى حسب الحكمة ترتيبًا، فالمصحف كالصحف الكريمة على ما في وفق الكتاب المكنون، مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، وحافظ القرآن العظيم لو استفتي في أحكام متعددة، أو ناظر فيها، أو أملاها لذكر آية كل حكم على ما سئل، وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى، ولا كما نزل مفرقًا؛ بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة، ومن المعجز البين أسلوبه، ونظمه الباهر؛ فإنه {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1] .
قال: والذي ينبغي في كل آية أن يبحث عن كونها مكملة لما قبلها، أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسباتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جَمٌّ، وهكذا في السور يُطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له.
1 مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان "141" وما بعدها.
2 ترجمته في مقدمة المؤلف.
3 البرهان في علوم القرآن "1/ 260"، والجامع لأحكام القرآن "1/ 60"، والإتقان "1/ 60".
وإذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما خُتم به السورة قبلها، ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى؛ كافتتاح سورة الأنعام بالحمد، فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء؛ كما قال سبحانه وتعالى:{وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] وكافتتاح سورة فاطر بـ {الْحَمْدُ} أيضًا، فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله:{وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} [سبأ: 54] وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحديد: 1] فإنه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم} [الواقعة: 74] .
وكافتتاح البقرة بقوله: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} إشارة إلى {الصِّرَاطَ} في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم، قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب.
وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة1.
ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتي قبلها "الماعون"؛ لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة، فذكر هنا في مقابلة البخل:{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أي: الكثير.
وفي مقابلة ترك الصلاة: {فَصَلِّ} أي: دُمْ عليها.
وفي مقابلة الرياء: {لِرَبِّكَ} أي: لرضاه لا للناس.
1 البرهان في علوم القرآن "1/ 38".
وفي مقابلة الماعون: {وَانْحَرْ} وأراد به: التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة1.
وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح، وسورة الكهف بالتحميد؛ لأن التسبيح حيث جاء مقدَّم على التحميد، يقال: سبحان الله، والحمد لله2.
هذا، وأسأل الله أن ينفع بهذا العمل، وأن يرد الأمة الإسلامية إلى كتابها الكريم وهذا الفرقان، معتصمة به، تالية له، ومتدبرة لما فيه، ومتمسكة بسُنة نبيها خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم، فلا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله، ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا الصبر عليه، ولا عز لنا إلا في إسلامنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مرزوق علي إبراهيم
في مساء الجمعة
26 محرم 1422هـ
20 إبريل 2001م
مدينة نصر- القاهرة
1 مفاتيح الغيب "تفسير الرازي""8/ 701"، وكذا البرهان في علوم القرآن "1/ 39".
2 البرهان في علوم القرآن "1/ 39".