الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الكهف:
قال بعضهم: مناسبة وضعها بعد سورة الإسراء: افتتاح تلك بالتسبيح، وهذه بالتحميد1، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام؛ بحيث يسبق التسبيح التحميد؛ نحو:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} 2 "الحجر: 98"، وسبحان الله وبحمده.
قلت: مع اختتام ما قبلها بالتحميد أيضًا3، وذلك من وجوه المناسبة بتشابه الأطراف.
ثم ظهر لي وجه آخر أحسن4 في الاتصال؛ وذلك: أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء: عن الروح، وعن قصة أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين5، وقد ذكر جواب السؤال الأول في آخر سورة بني إسرائيل، فناسب اتصالها بالسورة التي اشتملت على جواب السؤالين الآخرين6.
فإن قلت: هلَّا جمعت الثلاثة في سورة واحدة؟
1 وسبب آخر ذكره ابن الزملكاني؛ هو: أن سورة الإسراء اشتملت على الإسراء الذي كذب به المشركون، وكذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم من أجله، وتكذيبه تكذيب لله، فأتى بسبحان تنزيهًا لله عما نُسب إلى نبيه من الكذب، وسورة الكهف لما نزلت بعد سؤال المشركين عن قصة أصحاب الكهف وتأخر الوحي، ونزلت مبينة أن الله لم يقطع نعمته عن رسوله ولا المؤمنين فناسب افتتاحها بالحمد "الإتقان: 3/ 387".
2 أو: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} كما ورد في الحجر: 98، وطه: 130، وغافر: 55، وق: 39، والطور: 48، وغير ذلك.
3 ختام الإسراء: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} "الإسراء: 111" الآية.
4 في "ظ": "حسن".
5 انظر: تفسير ابن كثير "5/ 137".
6 ينظر: مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور "2/ 230، 231".
قلت: لما لم يقع الجواب عن الأول بالبيان1، ناسب فصله في سورة.
ثم ظهر لي وجه آخر: وهو أنه لما قال فيها: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} "الإسراء: 85"، والخطاب لليهود، واستظهر على ذلك بقصة موسى في بني إسرائيل مع الخضر، التى كان سببها ذكر العلم والأعلم2، وما دلت عليه من إحاطة3 معلومات الله عز وجل التي لا تحصى، فكانت هذه السورة كإقامة الدليل لما ذكر من الحِكَم4.
وقد ورد في الحديث أنه لما نزل: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} قال اليهود: قد أوتينا التوراة، فيها علم كل شيء؛ فنزل:{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} "109" في هذه السورة5، فهذا وجه آخر في المناسبة، وتكون السورة من هذه الجهة جوابًا عن شبهة الخصوم فيما قدر بتلك.
وأيضًا فلما قال هناك: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} "الإسراء: 104" شرح ذلك هنا وبسطه بقوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ} إلى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا، وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} "98-100"، فهذه وجوه عديدة في الاتصال6.
1 لم يقع الجواب بالبيان؛ وإنما وقع بإسناد علم الروح إلى الله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} "الإسراء: 85".
2 أخرجه الإمام أحمد في المسند "1/ 255" وفيه: "أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا".
3 في "ظ": "كثرة".
4 في "ظ": "في تلك السورة".
5 وفي رواية لابن جرير في التفسير "15/ 104" فنزلت: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ} "لقمان: 27" الآية، وانظر: أسباب النزول، للنيسابوري "172"، والسيوطي "179".
6 نظم الدرر "4/ 441" وما بعدها.