المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة البقرة: قال بعض الأئمة1: تضمنت سورة الفاتحة: الإقرار بالربوبية، والالتجاء - تناسق الدرر في تناسب السور = أسرار ترتيب القرآن

[الجلال السيوطي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات:

- ‌تقديم:

- ‌نُبْذَةٌ عن مصحف عثمان "رضي الله عنه

- ‌عملنا في الكتاب:

- ‌عظمة القرآن ووَحْدَتُه الموضوعية:

- ‌ترجمة الإمام السيوطي

- ‌مقدمة المؤلف:

- ‌مقدمة في تريتب السور

- ‌مدخل

- ‌سورة الفاتحة:

- ‌سورة البقرة:

- ‌سورة آل عمران:

- ‌سورة النساء:

- ‌سورة المائدة:

- ‌سورة الأنعام:

- ‌سورة الأعراف:

- ‌سورة الأنفال:

- ‌سورة براءة:

- ‌سورة يونس:

- ‌سور هود

- ‌سورة يوسف:

- ‌سورة الرعد:

- ‌سورة إبراهيم:

- ‌سورة الحِجْر:

- ‌سورة النحل:

- ‌سورة بني إسرائيل:

- ‌سورة الكهف:

- ‌سورة مريم:

- ‌سورة طه:

- ‌سورة الأنبياء:

- ‌سورة الحج:

- ‌سورة المؤمنون

- ‌سورة النور:

- ‌سورة الفرقان:

- ‌سورة الشعراء:

- ‌سورة النمل:

- ‌سورة القصص:

- ‌سورة العنكبوت:

- ‌سورة الروم:

- ‌سورة لقمان:

- ‌سورة السجدة:

- ‌سورة الأحزاب:

- ‌سورة سبأ:

- ‌سورة فاطر:

- ‌سورة يس:

- ‌سورة الصفافات

- ‌سورة ص:

- ‌سورة الزمر:

- ‌سورة غافر:

- ‌سورة القتال:

- ‌سورة الفتح:

- ‌سورة الحجرات:

- ‌سورة الذاريات:

- ‌سورة الطور:

- ‌سورة النجم:

- ‌سورة القمر

- ‌سورة الرحمن:

- ‌سورة الواقعة:

- ‌سورة الحديد:

- ‌سورة المجادَلة:

- ‌سورة الحشر:

- ‌سورة الممتحنة والصف

- ‌سورة الجمعة:

- ‌سورة المنافقون:

- ‌سورة التغابن:

- ‌سورة الطلاق والتحريم

- ‌سورة تبارك:

- ‌سورة ن والحاقة

- ‌سورة سأل ونوح

- ‌سورة الجن والمزمل

- ‌سورة المدثر والقيامة

- ‌سورة الإنسان:

- ‌سورة المراسلات

- ‌سورة عم:

- ‌سورة النازعات وعبس والتكوير

- ‌سورة الانفطار والمطففين

- ‌سورة الانشقاق والبروج والطارق

- ‌سورة الأعلى والغاشية

- ‌سورة الفجر والبلد

- ‌سورة الشمس والليل والضحى:

- ‌سورة {أَلَمْ نَشْرَحْ} :

- ‌سورة التين:

- ‌سورة العلق والقدر

- ‌سورة لم يكن:

- ‌سورة الزلزلة:

- ‌سورة العاديات والقارعة

- ‌سورة التكاثر والفيل

- ‌سورة قريش والماعون

- ‌سورة الكوثر والكافرون

- ‌سورة النصر:

- ‌سورة تبت:

- ‌سورة الإخلاص:

- ‌سورة الفلق والناس:

- ‌الفهارس الفنية:

- ‌فهرس الحديث النبوي والآثار:

- ‌فهرس الأعلام:

- ‌فهرس أسماء الكتب:

- ‌فهرس الكتاب:

- ‌أهم المصادر والمراجع:

الفصل: ‌ ‌سورة البقرة: قال بعض الأئمة1: تضمنت سورة الفاتحة: الإقرار بالربوبية، والالتجاء

‌سورة البقرة:

قال بعض الأئمة1: تضمنت سورة الفاتحة: الإقرار بالربوبية، والالتجاء إليها في دين الإسلام، والصيانة عن دين اليهود والنصارى.

وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مكملة لمقصودها.

فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم؛ ولهذا ورد فيها كثير من المتشابه لما تمسك به النصارى.

فأوجب الحج في آل عمران، وأما في البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه2، وكان خطاب النصارى في آل عمران، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر؛ لأن التوراة أصل، والإنجيل فرع لها، والنبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر3، كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب؛ ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء، فخُوطب به جميع الناس، والسور المدنية فيها خطاب من أقرَّ بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين، فخُوطبوا بـ: يأهل،

1 انظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي "1/ 260" وما بعدها.

2 وذلك في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} "196" الآية.

3 ثبت في التاريخ أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاهد اليهود وأخرجهم من دار الإسلام، ولم يحدث مثل ذلك للنصارى؛ وإنما بدأت مجادلة إياهم بوفد نجران الذي تحدثت عنه سورة المائدة، وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد أنه قال لعلي كرم الله وجهه:"يا علي، إن أنت وليت هذا الأمر بعدي، فأخرج أهل نجران من جزيرة العرب" يريد: النصارى "9/ 130".

ص: 53

الكتاب، يا بني إسرائيل، يأيها الذين آمنوا.

وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس، وهي نوعان: مخلوقة لله، ومقدورة لهم، كالنسب والصهر؛ ولهذا افتتحت بقوله:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} 1 [ثم] 2 قال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} 3.

فانظر إلى هذه المناسبة العجيبة، والافتتاح، وبراعة الاستهلال؛ حيث تضمنت الآية المفتتح بها ما في أكثر السورة من أحكام؛ من نكاح النساء ومحرماته، والمواريث المتعلقة بالأرحام، وأن ابتداء هذا الأمر بخلق آدم، ثم خلق زوجته منه، ثم بث منهما رجالًا كثيرًا ونساء في غاية الكثرة.

[و] 4 أما المائدة فسورة العقود، [و] 4 تضمنت بيان تمام الشرائع، ومكملات الدين، والوفاء بعهود الرسل، وما أخذ على الأمة، وبها تَمَّ5 الدين، فهي سورة التكميل؛ لأن فيها تحريم الصيد على الْمُحْرِم، الذي هو من تمام الإحرام، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين، وعقوبة المعتدين من السُّرَّاق والمحاربين، الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال، وإحلال الطيبات، الذي هو من تمام عبادة الله؛ ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كالوضوء] 6 والتيمم، والحكم بالقرآن على كل ذي دين.

1 سورة النساء، الآية:1.

2 ما بين المعقوفين إضافة من البرهان للزركشي، وكذا في "ظ".

3 سورة النساء: 1، وانظر: البرهان في علوم القرآن "1/ 260، 261" والنص له.

4 ما بين المعقوفين إضافة من "ظ".

5 في المطبوعة: "ونهاية" تحريف، والمثبت من "ظ"، ويؤيده ما في المصادر. انظر: البرهان في علوم القرآن "1/ 262".

6 ما بين المعقوفين إضافة من "ظ". انظر: البرهان "1/ 262".

ص: 54

ولهذا كثر فيها لفظ الإكمال والإتمام، وذكر فيها: أن من ارتد عوض الله بخير منه، ولا يزال هذا الدين كاملًا؛ ولهذا ورد أنها آخر ما نزل1 لما فيها من إرشادات الختم والتمام. وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات من أحسن الترتيب2. انتهى.

وقال بعضهم: افتتحت البقرة بقوله: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} فإنه إشارة إلى الصراط المستقيم في قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} كأنهم3 لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم، قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم4 الهداية إليه، كما أخرج بن جرير وغيره من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا:"الصراط المستقيم كتاب الله"5 "وأخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن مسعود موقوفًا"6.

وهذا معنى حسن يظهر فيه سر ارتباط البقرة بالفاتحة7.

وقال الخويي8: أوائل هذه السورة مناسبة لأواخر سورة الفاتحة؛ لأن الله تعالى لما ذكر أن الحامدين طلبوا الهدى، قال: قد أعطيتكم ما طلبتم: هذا الكتاب هدى لكم فاتبعوه، وقد اهتديتم إلى الصراط المستقيم المطلوب المسئول.

1 أخرجه الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها "2/ 311" وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والإمام أحمد في المسند عن معاوية بن صالح عن عائشة رضي الله عنها "6/ 188". انظر: البرهان "1/ 262".

2 البرهان في علوم القرآن، للزركشي "1/ 261، 262".

3 في المطبوعة: "فإنهم"، والمثبت من "ظ".

4 في المطبوعة: "سألتهم" تحريف، والمثبت من "ظ".

5 أخرجه ابن جرير عن علي من حديث حمزة الزيات، جامع البيان "1/ 173".

6 المستدرك "4/ 83".

7 انظر: البرهان في علوم القرآن "1/ 38" والنص له.

8 هو أحمد بن خليل بن سعادة بن جعفر أبو العباس، ونسبته إلى خوي مدينة بأذربيجان، توفي بدمشق عام 627هـ. انظر: عيون الأنباء "2/ 171"، شذرات الذهب "3/ 25".

ص: 55

ثم إنه ذكر في أوائل هذه السورة الطوائف الثلاث الذين ذكرهم في الفاتحة، فذكر الذين على هدى من ربهم، وهم المنعَم عليهم، والذين اشتروا الضلالة بالهدى، وهم الضالون، والذين باءوا بغضب من الله، وهم المغضوب عليهم1. انتهى.

[و] 2 أقول: قد ظهر لي بحمد الله وجوهًا من هذه المناسبات:

أحدها: أن القاعدة التي استقرأتها3 القرآن: أن كل سورة تفصيل لإجمال ما قبلها، وشرح له، وإطناب لإيجازه، وقد استمر4 معي ذلك في غالب سور القرآن، طويلها وقصيرها، وسورة البقرة قد اشتملت على تفصيل جميع مجملات الفاتحة.

فقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} تفصيله: ما وقع فيها من الأمر بالذكر في عدة آيات، ومن الدعاء في قوله:{أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} "186" الآية، وفي قوله:{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} "286"، وبالشكر في قوله:{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} "152".

وقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} تفصيله قوله: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا

1 ذكر السيوطي: أن للخويي تفسيرًا نقل عنه في الإتقان "2/ 7، 12 و3/ 29 و4/ 144" ولم نعثر عليه، ولعل هذا النقل منه.

2 ما بين المعقوفين إضافة من "ظ".

3 في المطبوعة: "استقر بها"، والمثبت من "ظ".

4 في المطبوعة: "استقر"، والمثبت من "ظ".

ص: 56

وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} "21، 22"، وقوله:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} "29"؛ ولذلك افتتحها بقصة خلق آدم الذي هو مبدأ البشر1، وهو أشرف الأنواع من العالمين، وذلك شرح إجمال2 {رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

وقوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قد أومأ إليه بقوله في قصة [توبة] 3 آدم: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} "54"، وفي قصة إبراهيم لما سأل الرزق للمؤمنين خاصة [بقوله:{وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ} "126"] ، فقال:{وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} "126"؛ وذلك لكونه رحمانًا.

وما وقع في قصة بني إسرائيل: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم} "52" إلى أن أعاد الآية بجملتها في قوله: {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} "163".

وذكر آية الدَّيْنِ4 إرشادًا للطالبين من العباد5، ورحمة بهم، ووضع عنهم الخطأ والنسيان والإصر، وما لا طاقة لهم به، وختم بقوله:{وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} "286"

1 وذلك في قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} إلى قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} "30-37".

2 في المطبوعة: "لإجمال"، والمثبت من "ظ".

3 ما بين المعقوفين إضافة من "ظ"، ويلاحظ أن الآية المذكورة بعدها تتعلق بقوم موسى واتخاذهم العجل، وأمر بالتوبة وتوبتهم؛ لكن ما يتعلق بتوبة آدم ورد في قوله تعالى:{فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} "37"، وكذلك قوله عز شأنه:{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ} [طه: 122] .

4 هي قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} "282" الآية.

5 في "ظ": "إرشادًا لعباده".

ص: 57

وذلك شرح قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

وقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} "الفاتحة: 4" تفصيله: ما وقع من ذكر يوم القيامة في عدة مواضع؛ ومنها قوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} "284". والدين [في الفاتحة] : الحساب [في البقرة] .

وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مجمل شامل لجميع أنواع الشريعة الفروعية، وقد فصلت في البقرة أبلغ تفصيل، فذكر فيها: الطهارة، والحيض، والصلاة، والاستقبال، وطهارة المكان، والجماعة، وصلاة الخوف، وصلاة الجمع، والعيد، والزكاة بأنواعها؛ كالنبات، والمعادن1، والاعتكاف، والصوم، وأنواع الصدقات، والبر، والحج، والعمرة، والبيع، والإجارة، والميراث، والوصية، والوديعة، والنكاح، والصداق، والطلاق، والخُلع، والرجعة، والإيلاء، والعِدَّة، والرضاع، والنفقات، والقصاص، والديات، وقتال البُغاة، والردة، والأشربة، والجهاد، والأطعمة، والذبائح، والأَيْمَان، والنذور، والقضاء، والشهادات، والعتق.

فهذه أبواب الشريعة كلها مذكورة في هذه السورة2.

وقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} شامل لعلم الأخلاق. وقد ذكر منها في هذه السورة الجم الغفير؛ من التوبة، والصبر، والشكر، والرضا، والتفويض، والذكر، والمراقبة، والخوف، وإِلَانَة القول.

وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخره. تفصيله3:

1 في "ظ": "النبات والمعدن".

2 انظر: البرهان في علوم القرآن "1/ 260، 261".

3 في "ظ": تفسيره.

ص: 58

ما وقع في السورة من ذكر طريق الأنبياء، ومَن حاد عنهم من النصارى؛ ولهذا ذكر في الكعبة أنها قبلة إبراهيم، فهي من صراط الذين أنعم عليهم، وقد حاد عنها اليهود والنصارى معًا؛ ولذلك قال في قصتها:{يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} "142"، تنبيهًا على أنها الصراط الذي سألوا الهداية إليه.

ثم ذكر: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} "145"، وهم المغضوب عليهم والضالون الذين حادوا عن طريقهم. ثم أخبر بهداية الذين آمنوا إلى طريقهم. ثم قال:{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} "213". فكانت هاتان الآيتان تفصيل إجمال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخر السورة.

وأيضًا قوله أول السورة: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} "2" إلى آخره في وصف الكتاب، إخبار بأن الصراط الذي سألوا الهداية إليه هو: ما تضمنه الكتاب؛ وإنما يكون هداية لمن اتصف بما ذكر [من صفات المتقين] . ثم ذكر أحوال الكفرة، ثم أحوال المنافقين، وهم من اليهود، وذلك [أيضًا] 1 تفصيل لمن حاد عن الصراط المستقيم، ولم يهتدِ بالكتاب2.

وكذلك قوله هنا: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} "136" الآية، فيه تفصيل النبيين المنعَم عليهم. وقال في آخرها:{لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} "136" تعريفًا

1 ما بين المعقوفين إضافة من "ظ".

2 هذا تفصيل للصراط المستقيم عن طريق التبصير بأعداء الصراط المستقيم، والتحذير منهم على وجه التفصيل، وسيأتي تفصيل للصراط المستقيم في آل عمران عن طريق التبصير بالعوائق النفسية التي تحول دون الإنسان وسلوك الصراط المستقيم باعتبار النفس عدوًّا للإنسان، وبهذا تظهر عظمة الأسلوب القرآني في الإجمال والتفصيل، وفي استيعابه كل شيء.

ص: 59

بالمغضوب عليهم والضالين الذين فرقوا بين الأنبياء؛ ولذلك عقبها بقوله: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} "137" أي: إلى الصراط المستقيم، صراط المنعَم عليهم كما اهتديتم1.

فهذا ما ظهر لي، والله أعلم بأسرار كتابه.

الوجه الثاني: أن الحديث والإجماع على تفسير {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} باليهود، والضالين بالنصارى2، وقد ذكروا في سورة الفاتحة على حسب ترتيبهم في الزمان، فعقب بسورة البقرة، وجميع ما فيها [من] خطاب أهل الكتاب لليهود خاصة، وما وقع فيها من ذكر النصارى لم يقع بذكر الخطاب3.

ثم بسورة آل عمران، وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب للنصارى4؛ فإن ثمانين آية من أولها نازلة في وفد نصارى نجران، كما ورد في سبب نزولها5، وختمت بقوله:{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} "آل عمران: 199"، وهي في النجاشي وأصحابه من

1 نظم الدرر في تناسب الآيات والسور "1/ 12" وما بعدها، ومصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور "2/ 67" وما بعدها.

2 أخرج أحمد في مسنده "4/ 378" والترمذي "8/ 286-288" بتحفة الأحوذي تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للمغضوب عليهم والضالين: باليهود والنصارى عن عدي بن حاتم. وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير "1/ 46".

3 وإنما جاء على أسلوب الخبر؛ كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} "62"، وقوله:{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} "111" الآية.

4 في "ظ": "خطابهم للنصارى".

5 انظر: تفسير القرآن العظيم "2/ 40" لمعرفة سبب النزول، وقصة وفد نجران في سيرة ابن هشام "1/ 573" وما بعدها.

ص: 60

مؤمني النصارى، كما ورد به الحديث1. وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين؛ كأنه لما ذكر في الفاتحة الفريقين، قص في كل سورة مما بعدها حال كل فريق على الترتيب الواقع فيها؛ ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود، وآخرها في ذكر النصارى2.

والوجه الثالث: أن سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والأمثال؛ ولهذا سميت في أثر: "فسطاط القرآن"3، الذي هو: المدينة الجامعة، فناسب تقديمها على جميع سوره.

الوجه الرابع: أنها أطول سورة في القرآن، وقد افتتح بالسبع الطوال4، فناسب البُدَاءة بأطولها.

الوجه الخامس: أنها أول سورة نزلت بالمدينة، فناسب الابتداء5 بها؛ فإن للأولية نوعًا من الأولوية.

الوجه السادس: أن سورة الفاتحة لما6 ختمت بالدعاء للمؤمنين بألا يسلك بهم طريق المغضوب عليهم ولا الضالين إجمالًا، وخُتمت سورة البقرة بالدعاء بألا يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وحمل الإصر، وما لا طاقة لهم به تفصيلًا، وتضمن آخرها

1 في إسلام النجاشي انظر: البخاري في الجنائز "2/ 108"، ومسلم في الجنائز "3/ 54، 55"، وانظر: تفسير الطبري "7/ 496".

2 وذلك قوله في النساء: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} "النساء: 46" وما بعدها، وآخرها قوله:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ} "النساء: 171" الآية.

3 أخرجه الدارمي "2/ 446" عن خالد بن معدان.

4 السبع الطوال هي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، وسيأتي سبب وضع الأنفال والتوبة بينها.

5 في المطبوعة: "البُداءة"، والمثبت من "ظ".

6 في المطبوعة: "كما"، والمثبت من "ظ".

ص: 61

أيضًا الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالين بقوله: {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه} "285" فتآخت السورتان وتشابهتا في المقطع، وذلك من وجوه المناسبة في التتالي والتناسق. وقد ورد في الحديث التأمين في آخر سورة البقرة كما هو مشروع في آخر الفاتحة1، فهذه ستة وجوه ظهرت لي، ولله الحمد والمنة.

1 كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: "آمين" آخر البقرة، كما أخرج عنه بن جرير، رواه وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن معاذ "تفسير ابن كثير 1/ 509".

ص: 62