المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عظمة القرآن ووحدته الموضوعية: - تناسق الدرر في تناسب السور = أسرار ترتيب القرآن

[الجلال السيوطي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات:

- ‌تقديم:

- ‌نُبْذَةٌ عن مصحف عثمان "رضي الله عنه

- ‌عملنا في الكتاب:

- ‌عظمة القرآن ووَحْدَتُه الموضوعية:

- ‌ترجمة الإمام السيوطي

- ‌مقدمة المؤلف:

- ‌مقدمة في تريتب السور

- ‌مدخل

- ‌سورة الفاتحة:

- ‌سورة البقرة:

- ‌سورة آل عمران:

- ‌سورة النساء:

- ‌سورة المائدة:

- ‌سورة الأنعام:

- ‌سورة الأعراف:

- ‌سورة الأنفال:

- ‌سورة براءة:

- ‌سورة يونس:

- ‌سور هود

- ‌سورة يوسف:

- ‌سورة الرعد:

- ‌سورة إبراهيم:

- ‌سورة الحِجْر:

- ‌سورة النحل:

- ‌سورة بني إسرائيل:

- ‌سورة الكهف:

- ‌سورة مريم:

- ‌سورة طه:

- ‌سورة الأنبياء:

- ‌سورة الحج:

- ‌سورة المؤمنون

- ‌سورة النور:

- ‌سورة الفرقان:

- ‌سورة الشعراء:

- ‌سورة النمل:

- ‌سورة القصص:

- ‌سورة العنكبوت:

- ‌سورة الروم:

- ‌سورة لقمان:

- ‌سورة السجدة:

- ‌سورة الأحزاب:

- ‌سورة سبأ:

- ‌سورة فاطر:

- ‌سورة يس:

- ‌سورة الصفافات

- ‌سورة ص:

- ‌سورة الزمر:

- ‌سورة غافر:

- ‌سورة القتال:

- ‌سورة الفتح:

- ‌سورة الحجرات:

- ‌سورة الذاريات:

- ‌سورة الطور:

- ‌سورة النجم:

- ‌سورة القمر

- ‌سورة الرحمن:

- ‌سورة الواقعة:

- ‌سورة الحديد:

- ‌سورة المجادَلة:

- ‌سورة الحشر:

- ‌سورة الممتحنة والصف

- ‌سورة الجمعة:

- ‌سورة المنافقون:

- ‌سورة التغابن:

- ‌سورة الطلاق والتحريم

- ‌سورة تبارك:

- ‌سورة ن والحاقة

- ‌سورة سأل ونوح

- ‌سورة الجن والمزمل

- ‌سورة المدثر والقيامة

- ‌سورة الإنسان:

- ‌سورة المراسلات

- ‌سورة عم:

- ‌سورة النازعات وعبس والتكوير

- ‌سورة الانفطار والمطففين

- ‌سورة الانشقاق والبروج والطارق

- ‌سورة الأعلى والغاشية

- ‌سورة الفجر والبلد

- ‌سورة الشمس والليل والضحى:

- ‌سورة {أَلَمْ نَشْرَحْ} :

- ‌سورة التين:

- ‌سورة العلق والقدر

- ‌سورة لم يكن:

- ‌سورة الزلزلة:

- ‌سورة العاديات والقارعة

- ‌سورة التكاثر والفيل

- ‌سورة قريش والماعون

- ‌سورة الكوثر والكافرون

- ‌سورة النصر:

- ‌سورة تبت:

- ‌سورة الإخلاص:

- ‌سورة الفلق والناس:

- ‌الفهارس الفنية:

- ‌فهرس الحديث النبوي والآثار:

- ‌فهرس الأعلام:

- ‌فهرس أسماء الكتب:

- ‌فهرس الكتاب:

- ‌أهم المصادر والمراجع:

الفصل: ‌عظمة القرآن ووحدته الموضوعية:

‌عظمة القرآن ووَحْدَتُه الموضوعية:

بقلم: عبد القادر أحمد عطا

قالت الجن حينما سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} 1، واهتزت عقيدة الشرك في قلب رجل من صناديد الكفر هو الوليد بن المغيرة حينما سمع بعض آياته من الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:"ما هو بقول البشر"، وفزع أئمة الكفر من قريش حينما شاهدوا تأثير القرآن على القلوب، فقالوا لزعمائهم:{لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} 2، وسعى أهل النباهة من فتيان العرب -من أمثال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا رسول الله، علمني من هذا القرآن" حينما استأسر قلبه لسلطانه، واستشرف على عتبات الإسلام.

تلك واحدة من دلائل عظمة القرآن هي: سلطانه الروحاني الخفي على القلوب، وولايته المطلقة على مدارك الإنس والجن على السواء، وجاذبيته المضيئة لقلوب المهتدين والجاحدين جميعًا.

وقد يكون لبعض المكتوبات البشرية سلطان على المشاعر، وجاذبية للنفوس؛ ولكنها لم تصل في ماضي الزمان، ولن تصل في مستقبله إلى أعماق الروح، ولا إلى مستقر الإيمان واليقين، ولا إلى قمة التضحية في سبيلها بالمال والنفس، كما وصل الرواد الأوائل للإسلام إيمانًا بالقرأن، ويقينًا بسلطانه، واستشهادًا في سبيل دعوته، واحتمالًا لما لا يطيقه بشر في سبيل إعلاء كلمته.

تلك دلالة لا شك فيها من دلائل عظمة القرآن بالنسبة للمؤمنين،

1 سورة الجن، الآيتان:2.

2 سورة فصلت، الآية:26.

ص: 14

يقابلها على نفس الطريق عنف المقاومة لهذا السلطان من جانب الكفار، وجبروت التعذيب الذي تسلطوا به على المؤمنين في مطلع الدعوة، فما لبثوا أن فجروا جديدًا من ينابيع الإيمان بما ابتكروا من وسائل التعذيب، ووحدوا شتات الدعاة الأوائل تحت راية الرسول صلى الله عليه وسلم بما نفثوا من سموم الحقد والعداء، فكان القرآن هو محور هذا الصراع الرهيب العجيب الذي دارت رحاه على رمال جزيرة العرب، والذي طاشت في نهايته أحلام المعارضين على وفرة المال والرجال والسلاح حينما ذلت رقابهم أمام قلة من الرجال، وقلة من المال، وإعواز في السلاح يحدوها طوفان غامر من اليقين، وإيمان راسخ بالقرآن، وانطباع كامل بأخلاقه، فتحطمت إلى الأبد شوكة الكفر، وشمخ إلى الأبد صرح القرآن.

وثانية الدلائل على عظمة القرآن: صموده أمام دعوات الهدم على مدى التاريخ الطويل، وتصديه لهجمات الإلحاد الضارية في ميدان الحرب وفي ميدان الفكر، فلم تزده تلك الهجمات إلا انطلاقًا إلى آفاق جديدة من الأرض، وانبلاجًا لنوره على صدر الزمان، وأعماقًا بعيدة لجذوره في القلوب، ولئن ذبلت في بعض أحقاب التاريخ همم أهل الحضارة القرآنية تحت تأثير الصدمات المتوالية واستجابة المؤمنين إلى أهواء النفوس، فما كان هذا الذبول إلا غفوة أعقبها استجماع للقوة، ورؤية مضيئة لحركة التاريخ كما حددها القرآن، فعاد الذبول نضارة، وكان من الضعف قوة، ومن آمال أهل الإلحاد تمزق وخيبة وانحلال، وكان من هذا التمزق دفع لمجتمع المؤمنين إلى ذروة التاريخ.

لقد عانت حضارة القرآن تسلط قريش، وجبروت الروم، وجدل الفرس، وسلاح الصليبية، ولؤم اليهودية العالمية، وأخيرًا عانت بريق المذاهب السياسية والاقتصادية وأخصها الشيوعية اليهودية، وكان من أبناء الإسلام أعوان لهؤلاء المتآمرين حاولوا قهر الأعزة على أوهام الشيوعية، فأعزوا في سبيل ذلك أهل الأهواء؛ ولكن أولئك جميعًا ذلوا

ص: 15

أمام صلابة الحق في القرآن، وذهلوا حينما عجز المال والسلاح والتكتل الدولي عن النيل من إيمان أهل القرآن.

وثالثة الدلائل على عظمة القرآن بعد الصمود الذي لا يستطيعه إلا الكتاب الحكيم: أنه كتاب حضارة تندرج تحت لوائه الأمم والشعوب، وتستسلم حضاراتها لحضارته، فما تلبث أن يحتويها الإطار الشامل للإسلام الرحيب، وتتخذ نفس الصفة الشرعية لخير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر داخل النفس وخارجها، وداخل الأمة وبين الأمم الأخرى، وتؤمن بالحق والعدل عن الله فيصلًا وحكمًا بين الجميع، فلا عنصرية ولا عصبية، ولا استمساك بالذات؛ بل هو إنكار لها، وعمل للمجموع مع الاحتفاظ بكرامة الفرد وكيانه بعيدًا عن أي لون من ألوان الامتهان.

فعظمة القرآن نابعة من أنه لا يستجدي الشعوب أن يتبعوه، ولا الحضارات أن تذوب في حضارته؛ بل يعرض أمام العالم وجهه السمح الكريم، ويكشف عن رحابته النادرة بين دساتير الحضارة، ويعلن حربه الضارية على الظلم وامتهان الإنسان للإنسان، وامتهان الإنسان لنفسه وعقله، ويكشف الستر البراق عن عفن اللؤم البشري، وعن الحبائل التى ينصبها أعداء العدل، ومتلصصة الفكر، أولئك الذين يحاربون الله ورسوله لا لشيء إلا لأن الإيمان بهما يقف سدًّا منيعًا أمام أطماعهم وشهواتهم التي لا تدع قيمة إلا حطمتها، ولا مثلًا أعلى إلا شوهته وأذلت أهله، والداعين إليه.

وعلى مر القرون ما زال كبار المفكرين في العالم كله يشيدون بتلك السمة التى استعصى عليهم الجهر بها هذا الردح الطويل من الزمان.

ورابعة الدلائل على عظمة القرآن: سرعته المذهلة في بناء الحضارات إذا أتيح له من ينفذ تعاليمه من القادة على نفسه وأهله قبل أن ينفذها بين

ص: 16

جمهور المؤمنين، وهو الأمر الذي أهاب الله تعالى بالمؤمنين أن يحرصوا عليه، وضمن لهم في سبيل ذلك تمكينًا سريعًا، وزحفًا منصورًا، وعونًا من جند الله يفوق كل قوة وكل جبروت وكل سلاح، وصادف هذا النصح الإلهي من القلوب حبًّا لا يقاوم للقرآن.

وتدعيمًا لذلك فقد كان القرآن دستورًا حضاريًّا للعمل على مستوى الأمة كلها، عن طريق الحفظ والدرس والتلاوة الواعية والتدبر والاقتناع والتذكر والتطبيق السلوكي الدقيق، والدليل على أن تحويل القرآن إلى سلوك لم يفرض على المؤمنين بعصا السلطان؛ وإنما جاء عن طريق الدرس والتدبر والاقتناع بعظمة القرآن -ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا الذين كانوا يقرءون القرآن -كعثمان وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وغيرهما- أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعملوا بما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا؛ ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في أعيننا، وأقام عبد الله بن عمر رضي الله عنهما على حفظ البقرة ثماني سنين.

ويضيق بنا المقام إذا استقصينا أقوال الصحابة في هذا الصدد؛ ولكن الذي نريد أن نوضحه هنا هو أن سرعة الحضارة القرآنية في الانتشار والتأصل نابعة من هذا الينبوع العريق في الأصالة، فلا تتعثر الحضارات إلا من جهل الشعوب بالدساتير وأهدافها، أو من قصور تلك الدساتير في ذاتها، أو في إقناع الشعوب بجدواها، وفي كلا الحالين تختلف الشعوب مع السلطات، وتتمرد على القانون، ومن هنا لا تسرع الحضارة في سيرها نحو غايتها على فرض صلاحيتها، فضلًا عن النفقات الهائلة التي

ص: 17

يتطلبها إيقاف التيار المتمرد على السلطة، وتعويق السلطة لذلك عن المضي إلى غايتها.

أما حضارة القرآن فتختلف عن جميع الحضارات من هذه الوجهة، فالقرآن هو الفطرة البشرية التي لا تختلف فيها أمة ولا جنس، فهو مقنع لجميع الناس بجدواه وعظيم فائدته، ودافع لهم بما يحتويه من وجوه الحكمة الملائمة لجميع الأجناس إلى الدرس والتدبر الذي لا يزيد الناس إلا إيمانًا وإمعانًا في استكشاف الحِكَم التي لا تنتهي، ولا تضعف في قوتها على كثرتها الكاثرة، ومن هنا كان العلم بدستور الحضارة الإسلامية إلى جانب الاقتناع به عاملًا رئيسيًّا من عوامل السرعة في البناء، والقوة في الأسس التي تقوم عليها الحضارة، وتوفير جهود السلطات الحاكمة؛ حيث تتفرغ لارتياد آفاق جدية لإقامة صرح الإسلام على أرضها.

لقد أمر رب القرآن بتدبر القرآن فقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} 1، ونعى على من لا يتدبرونه فقال:{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} 2، ولا يمكن أن يكون التدبر إلا مقرونًا بفقه المعاني والأهداف والحكمة؛ ولهذا لم يؤثر خلاف بين الصحابة على معاني القرآن إلا نادرًا، ولم يتهرب المخالفون للشريعة من الحدود المشروعة لأمثالهم؛ بل تقدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم طالبين إقامة الحد عليهم، رغم محاولات ردهم عن الاعتراف، والمشروعة للتثبت من أهلية طالب الحد، وجديته في طلب التطهير من الذنب؛ حيث وصل هذا التطهير إلى الموت رجمًا بالحجارة، وما كان ذلك إلا لأن هؤلاء قد وصلوا إلى درجة من الوعي القرآني والإسلامي لم يصل إليها واضعو الدساتير الأرضية فضلًا عن الشعوب المحكومة بها.

1 سورة "ص"، الآية:29.

2 سورة النساء، الآية:82.

ص: 18

تلك عظمة لا تساق إليها الشعوب بالعصا؛ وإنما تقوم على رعايتها الشعوب بمحض الإيمان والغيرة والعلم والتطلع إلى مزيد من النجاح، الأمر الذي استطاع به الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه بناء أعظم حضارة عرفها التاريخ في ربع قرن من الزمان، لا يكفي لإصلاح مدينة واحدة تحت لواء دستور أرضي في أي دولة من دول العالم، وفي جميع أحقاب التاريخ.

ولعل هذا المعنى العظيم هو الذي يفسر لنا الحوافز التى شرعها الله تعالى لحفَّاظ القرآن، والتالين له في مختلف الأوقات -لا سيما قرآن الفجر المشهود- حيث يصل الإنسان في هذا الوقت إلى درجة عليا من الصفاء الذي يهيئ لمن يصاحب القرآن فيه فهمًا لا يمكن أن يتيسر في وقت آخر، حتى لقد شجع النبي صلى الله عليه وسلم من يقرأ القرآن بلا فهم تذرعًا إلى دفعه إلى درجة من الفهم فيما بعد، وكذلك من تشق عليهم القراءة تدريبًا لهم على أن يألفوا القرآن فتسهل عليهم قراءته، ثم فهمه وتدبره، وكان القرآن شرطًا لصحة الصلاة، وأفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه، إلى آخر ما هو مسطور في السنة النبوية المشرقة.

وخامسة الدلائل على عظمة القرآن: أن إجماع أهله حجة على الناس جميعًا في مختلف العصور، ولم يمنح الله تلك الصفة على المستوى العالمي لأمة غير أمة القرآن، وما كانت عظمة تلك الأمة على هذه الصورة العجيبة إلا من عظمة دستورها: كتاب الله الحكيم.

والذي يتصل بالقرآن من دلائل حجية إجماع المسلمين على العالم قول الله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} 1، ولا خروج إلى النور إلا بالقرآن، فإذا أجمعوا على باطل كانت نتيجة إجماعهم إما بقاء الناس في الظلمات، وإما إعادة الناس من النور إلى الظلمات، وهو ما يشهد التاريخ بخلافه؛ إذ أمة القرآن بقيادة رسولهم صلى الله عليه وسلم ومن بعده من

1 سورة البقرة، الآية:257.

ص: 19

الأئمة جاهدوا الناس لإنقاذهم من شؤم الظلام إلى وضح النور، وما زال إجماعهم هكذا في مجال الرأي والفكر والاستنباط.

وحينما أعطى الله تعالى أمة القرآن سلطان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك سلطانًا من الله تعالى لهم أن يصيبوا الحق فيما كان معروفًا أو منكرًا عند الله حينما يجمعون على أحدهما أو عليهما معًا أو يختلفون فلا يعدوهم الحق، وكذلك يقول الله تعالى عن أمة القرآن:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 1 فالوسط: من يُرتضى قوله، والشاهد: من يكون قوله حجة في مجلس القضاء للفصل في الخصومات، وهو إيذان بأن الحق لا يعدوهم مجتمعين أو مختلفين.

وهذه الصفة وإن كانت لأمة القرآن فإنما اكتسبوها من القرآن، فلولا أن القرآن مهيمن على جميع الكتب، ورسوله شاهد على شهداء الأمم كلها، وفيصل بين الحق الذي هو من عند الله وبين باطل تلك الأمم، لما كان لأهله تلك الصفة، ولا تلك العظمة المستمدة من القرآن على مستوى العالم كله في الدنيا، والتي تتعدى الدنيا إلى مجلس القضاء في الآخرة؛ حيث يشهد رسول القرآن صلى الله عليه وسلم على شهداء الأمم جميعًا.

وأخيرًا، فإن إعجاز القرآن هو العظمة الذاتية التي حار العلماء والمفكرون في الكشف عنها، وما زالوا يكتشفون منها كل يوم جديدًا، ولا يزالون كذلك ما دام القرآن متلوًّا أو محفوظًا في الصدور.

وليس القول بالإعجاز في القرآن موجهًا نحو العجز عن فهمه بالقدر الذي تقوم به الشريعة كما يحلو لبعض هواة الجدل حول الدين أن يتلمسوا معنًى بعيدًا عن نطاق الفكر الإسلامي كهذا المعنى الذى لم يقل به أحد، فيقيموا حوله سوقًا لئيمًا من الجدل، ويطلقوا القول بعدم

1 سورة البقرة، الآية:143.

ص: 20

إعجازه من هذه الوجهة التي لم تخطر على بال مسلم من العامة فضلًا عن الخاصة، فيظن بعض البسطاء في نهاية تلك السوق نفي الإعجاز عن القرآن بالكلية؛ نتيجة لذلك اللؤم في الفكر، أو لهذه الهواية البهلوانية مما يشبه ألعاب "السيرك" من الكلام يقتل به صاحبه نفسه، ويقتل غيره، وحسبه أن تلوك الألسنة اسمه على أي صفة وأي صورة من الصور والصفات حتى ولو كانت باللعنات المترادفات.

عظمة القرآن في أنه آية من آيات الله واضحة المعنى والهدف بالقدر الذي يحتمله البشر، ويفهم منه القانون الإلهي، سهل الأسلوب؛ حتى ليخيل لمن مارس طريقته أنه يستطيع مثله، فإذا حاول عجز عجزًا كاملًا، واعتراه النقص والتخبط مهما أجهد عقله ونفسه، وراضها على تلك الحكمة الأسلوبية الناصعة الوضوح في القرآن.

ولهذا كان وصف الوليد بن المغيرة للقرآن واضحًا في أن نسق القرآن مغاير تمامًا لنسق الكلام البشري، فما هو إلا ضرب من القول فوق قدرات البشر سماه:"سحرًا يؤثر".

قال الوليد لأبي جهل: والله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته.

فلما قال له أبو جهل: إن هذا القول لا يرضى به قومه، فكر طويلًا فلم يجد إلا أن ينسبه إلى قوة من القوى غير المنظورة، وغير المقدورة، فقال:"سحر يؤثر"، وبطلان نسبة القرآن إلى السحر معلوم؛ ولكن نسبة الوليد إياه إلى تلك القوة غير المنظورة يبطن العجز عن معارضته، وشلل القدرة العربية -على الأقل في ذلك العصر وفي وسط الكفار الذين يتلمسون وجهًا للمعارضة- عن الإتيان بمثله، فهو وإن لم

ص: 21

يعزل القرآن عن القدرة البشرية عزلًا كاملًا؛ بل أبقى من يستطيع السحر قادرًا على مثله، فقد زلزل بهذا الرأي عموم القدرة الإنسانية على مثله، وشهادة العدو بذلك شهادة بالإعجاز إذا راعينا جانب الكفر واللدد في الخصومة في وزن هذا القول بميزان علمي دقيق.

ومن أحسن ما قيل في تعليل إعجاز القرآن ما قاله ابن عطية في مقدمة تفسيره "1/ 278": "إن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن عَلِمَ بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدًا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله فصرفوا عن ذلك، والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط؛ ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولًا، ثم ينظر فيها فيغيِّر فيها، وهلم جرًّا، وكتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد

وقامت الحجة على العالم بالعرب؛ إذ كانوا أرباب الفصاحة، ومظنة المعارضة".

لقد كان العرب أشد الناس أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، فكان من المحال أن يطيقوا ثلاثًا وعشرين سنة من التحدي ولا يعارضونه لو استطاعوا إلى ذلك السبيل.

ونقل السيوطي عن حازم في منهاج البلغاء ما يتم به كلام ابن عطية؛ إذ قال: وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارًا لا يوجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب ومَن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة من جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم

ص: 22

تعرض الفترات الإنسانية، فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه؛ بل توجد في تفاريق وأجزاء منه.

وأي عظمة تعدل عظمة العجز عن معارضة نظم القرآن وأسلوبه على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها؛ حتى أصبح الكلام في هذا الموضوع في عصرنا ضربًا من صرف الناس عن عظمة التشريعات القرآنية، ولعبة لئيمة يمارسها الأعداء من جبابرة اللؤم والخداع.

وقد فطن المرحوم الأستاذ الدكتور محمد أحمد الغمراوي في الكتاب الأول من كتابه "الإسلام في عصر العلم" إلى دلالة نص من القرآن على عظمة القرآن وإعجازه الذي لن يزال ماضيًا في الأمم من وجهة نظر العلم؛ ذلك النص هو قول الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 1، وقد لفت رحمه الله النظر إلى كلمات "الفطرة" و"الناس" و"لا تبديل لخلق الله"، فالفطرة هي السنن الإلهية الثابتة التي تقوم عليها الخلقة في أصلها، والناس لفظ شامل لمن عاش ومن سيعيش على ظهر الأرض من كل الشعوب والأمم، وعدم التبديل يدحض زيف العلماء التجريبيين الذين يحلو لهم مهاجمة الإسلام وغيره من الأديان بالتعارض مع العلم؛ وإنما التعارض وقع في تجاربهم لا في السنن الثابتة التي لما يصلوا إليها بعد، فظنوا القصور في أصل القوانين، بينما القصور ما زال في عقولهم وتجاربهم.

ويقول رحمه الله: "ومن أعجب عجائب تلك الآية الكريمة وصف الإسلام -دين القرآن- بأنه نفس الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذا شيء فوق العقل البشري أن يتصوره فضلًا عن أن يسبق إليه في القديم

1 سورة الروم، الآية:30.

ص: 23

والحديث، والإنسانية كلها إلى الآن لا تعقل حتى إمكان تحقيقه، فلا فلاسفتها ولا مشرعوها يحدثون أنفسهم بالوصول يومًا إلى نظام ينطبق على الفطرة من جميع وجوهها، والمسلمون في شغل بما ينبذ إليهم الغرب من الآراء والمذاهب، غافلين عن الكنز الذي بين أيديهم، والنور الذي فوق أبصارهم، والنعمة الكبرى التى مَنَّ الله عليهم بها في الإسلام.

وحسب القرآن من العظمة أنه المعجزة الباقية على مدى الدهر؛ حيث اندثرت معجزات الرسل السابقين جميعًا بعد أداء وظيفتها في إقامة الدليل على صدق أولئك الرسل. وحسبه كذلك من العظمة أنه يتصل بالحياة ما بقيت الحياة، فبه حياة القلوب بالإيمان، وبه حياة الإيمان بالجهاد، وبه قيام الجهاد بمنهجه الأمثل في تربية إنسان الحضارة الأمثل، وبهذا الإنسان الموصول بالقرآن تنبض الحياة بالعدل، وبه يدبر الظلم والإلحاد، وما كانت معجزات الرسل السابقين كذلك؛ فقد كانت كلها إما متصلة بحياة جسد، أو متحدية وهم السحر، أو حجة على قوم بعينهم مردوا على الكفر فهلكوا بعدها بوسيلة تدمير غيبية، وما كذلك معجزة القرآن التى بقيت لتحقق مزيدًا من الاتساع في قاعدة الإيمان على مدى الزمان.

وَحْدَةُ الموضوع في القرآن:

لا أريد أن أطيل القول في موضوع تلاحم آيات القرآن من الوجهة التي طرقها الإمام السيوطي، وطرقها في عصره الإمام برهان الدين البقاعي في كتابه "نظم الدرر في تناسب الآي والسور" وهو موسوعة جيدة جدًّا في ستة مجلدات مخطوطة -كبار- وطرقها حديثًا المرحوم الأستاذ سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن"؛ وإنما أريد أن أحدد القول في وحدة موضوع القرآن من حيث هو قوانين فطرية تتدرج إلى قانون واحد فطري من وجهة الاجتماع البشري، لا يمكن بأي حال أن يتبدل ولا يتغير؛ بل إنه يحكم التصرفات البشرية في كل مكان،

ص: 24

ويخضعها لسنته وتجاربه المنظورة وغير المنظورة في ثنايا القرآن والتي تتنافر مع أهواء الناس، وتتفق تمامًا مع الوعي العقلي الموصول بوعي البصيرة والروح؛ أي: الوعي العقلي المنفصل عن الهوى.

أقول: إن القانون الرئيسي الذي تدور حوله مواضيع القرآن الفرعية هو: أن الإنسان عبد فقير مأمور محبوس في مملكة عدوه، والله معبود غني مانح للحرية من سجن الدنيا إلى حقيقة الحرية في جواره الأعلى، ولا تجد تشريعًا في القرآن وفي أي باب من أبواب الفقه الإسلامي إلا وهو متصل بهذا القانون الرئيسي؛ بحيث تتضافر التشريعات كلها لتحقيق هذا الأصل وتحويله إلى عقيدة شاملة هي "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

ولقد جاء القرآن الكريم بهذا الأصل الفطري مؤيِّدًا بنصوصه فروعه الأربعة: فنحن نراه يؤكد عبودية الإنسان وغيره من الكائنات في نصوص أشملها قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} 1، ويؤكد فقر العباد بقوله:{وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} 2، وأكد أن الإنسان خاضع للأمر وليس بآمر ولا حاكم بقوله:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 4 إلى آخر ما ورد في القرآن من الأوامر الموجَّهة إلى الإنسان على وجه الإلزام، وأكد حبس الإنسان في مملكة عدوه بقوله تعالى:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} 5، فبين أن الدنيا للذين لا نصيب لهم في الآخرة، وهم أعداؤنا، وأريد هذا المعنى الذي يكون شطرًا كبيرًا في العقيدة بقوله:

1 سورة مريم، الآية:93.

2 سورة محمد، الآية:38.

3 سورة آل عمران، الآية:128.

4 سورة الإنسان، الآية:30.

5 سورة الشورى، الآية:20.

ص: 25

{وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} 1.

وآيات الله في النفس إذا تأملها الإنسان مجردًا عن الكتب والرسالات السماوية تبينت له تلك القوانين الفطرية، وتأكد له أن القرآن لم ينزل إلا بهذه الفطرة التي هي الخلقة الإلهية بقوانينها العلمية الثابتة التي يواجهها إنسان العصر فاغرًا فاه من الدهشة متصورًا أنه على ضد في هذه الحياة؛ لكثرة ما اعتراه من النسيان، وصلابة ما غلف قلبه من رين الغفلة؛ حتى ظن الباطل حقًّا والحق باطلًا إلا من عصم الله، وقليل ما هم.

فالإجماع قد انعقد في جميع الأفهام على أن العبد: اسم خاص للمملوك من جنس العقلاء، والمملوك: اسم لعاقل قهره غيره فاستولى عليه استيلاء السيد على العبد، سواء أكان القاهر له إنسانًا مثله، أو شهوة من شهواته، أم طاغوتًا من الطواغيت، أم شيطانًا من الشياطين، أم هو قوة خفية لا يستطيع أن يميزها، ولا يتبين لها وجهًا ولا جهة، قاهرة عليا فوق كل القوى.

وتَأَمُّلُ الإنسان في نفسه دون تقيد بكتاب ولا رسول يؤكد له في أصل الفطرة أنه عاقل مقهور بالتكوين والإنشاء من العدم، وإذا كان مقهورًا بأصل الفطرة على هذه الصورة فقد انعدمت في فطرته المشيئة؛ لأن المشيئة عبارة عن نهاية الملكية، والإنسان قد فطر على ضدها من المملوكية التي أوضحناها، والدليل على فقدان الإنسان للمشيئة من واقع سلوكه أنه يشاء الكثير من الخير، ولا يصيب إلا المقدور له، والمقسوم منذ الأزل السحيق.

1 سورة الزخرف، الآيات: 33-35.

ص: 26

وإذا تحققت العبودية في فطرة الإنسان، وتحقق عدم أهليته للملكية كان فقيرًا بفطرته، والفقر يقتضي الحجر وعدم التصرف إلا بإذن وسلطان من المالك الحق.

وإذا كان الإنسان في أصل الفطرة على ما وصفنا من العبودية والفقر يعيش على تلك البسيطة الهائلة من الأرض، ولا يستطيع النفوذ من أقطارها، كان مقامه عليها على تلك الصورة بحكم الحبس للمحنة والابتلاء، ولا يتصورها مملكة إلا من عجز عن إدراك الفطرة، واتخذ إلهه هواه، وادَّعى الحرية، وعلا في الأرض على الملوك على مدرجة الضلال.

والبلاء الذي يمتحن به الإنسان هو اختلاف بني جنسه حول تلك الحقائق الفطرية اختلافًا هائلًا، ومن وجهات مختلفة، فاختلف الناس حول الإذعان لتلك الحقائق، أو ادعاء ضدها من الحرية والغنى والحاكمية والسيادة، ثم اختلفوا حول الحق حينما اتفق بعضهم على أن عبودية الإنسان جبلة فطرية في أصل خلقته، ثم اختلقوا طرائق وشواكل حول الغيبيات كلها، لا سيما البعث الذي شكل الخلاف حوله مذهبًا دهريًّا على حكمة الفطرة من أولها إلى آخرها، فكان بعث الرسل وإنزال الكتب ضرورة لا محيص عنها؛ لإقامة الحجة، وهداية الناس، وحمايتهم من عواقب الخلاف حول الفطرة، وإن كان الخلاف في أصله هو الآخر فطرة وسنة من سنن الله في الخلق {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} 1، فإن الكتب والرسالات كانت لقمع الجنوح النفسي تحت تأثير الخلاف إلى فوضى مدمرة لا تبقي ولا تذر.

كان من أمهات المسائل التى عُنِيَ القرآن بفصل القول فيها: مسألة العبودية لله، ومسألة البعث للجزاء والكشف عن الحقيقة العظمى التي

1 سورة هود، الآيتان: 118، 119.

ص: 27

اختلف حولها الإنسان في عالم الجسد المادي بما له من مقتضيات الخلاف واللدد في الخصومة، وتلك الحقيقة العظمى هي الوجود الإلهي، وإذعان كل الكائنات لسلطانه طوعًا أو كرهًا؛ ولذلك ارتبط إثبات البعث بإثبات الوجود الإلهي، وإثبات الدلائل على شمول علمه وقدرته، وارتبط كل ذلك بأصل الفطرة على الوجه الذي بيناه في هذه العجالة، وكان من تلك المسائل شطر كبير من القرآن، تبعًا لجهل أكثر الناس بها، ونسيان فطرتهم وهم يحاولون علمها، وتشددهم في إنكارها أو الغفلة عنها {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ، إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 1.

فلما كان الخلاف مركوزًا في الفطرة، لم تكن هناك سبيل إلى إدراك حقيقة البعث المؤكد للحقيقة الإلهية العظمى إلا حين يرتفع الخلاف بنقل الحياة إلى صورة أخرى ذات فطرة لا خلاف فيها، فيتحقق وجود حالة من الحياة مغايرة لتلك الحياة التي يحياها الإنسان في الدنيا ينكشف فيها الغطاء، ويحد البصر، فيرى ما لم يكن يراه من قبل {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} 2، فلا خلاف ولا تطاحن حول الحقائق.

ويطول بنا القول لو ذهبنا نستقصي منهج القرآن في إثبات هذا الشطر من فطرة الإنسان؛ ولكننا نشير إلى قسم آخر من أقسام تلك الفطرة؛ هو الحرية الإنسانية التي ترتبط هي الأخرى بموضوع البعث ارتباطًا وثيقًا؛ بحيث تشكل معه ومع العبودية والفقر إلى الله موضوعًا واحدًا، يتصل بموضوعات أخرى فرعية هي مقومات أو شواهد على صدق تلك الفطرة الإلهية الحكيمة، وتستغرق شطرًا كبيرًا من القرآن.

1 سورة النحل، الآيات: 38-40.

2 سورة الحجر، الآية:47.

ص: 28

لا حرية مطلقة للإنسان في هذه الدنيا، هكذا تنطق شواهد الفطرة التي جبل الله عليها الإنسان، وقامت عليها الشواهد في شريعته مما يمارسه نفس ذلك الإنسان الذي يدَّعي لنفسه الحرية والسيادة والغنى وهمًا وسرابًا لا حقيقة له في الذات ولا في الصفات، كما قرر القرآن.

والنموذج الواضح الذي يمكن الوصول من خلاله إلى هذه النتيجة الفطرية هو الغنى الذي ساد الناس بزعمه من جبابرة المال وملوك الأرض، حتى ملك العبيد، وخضعت له الرقاب، وجمع الجنود، واستولى على الأرض، فما له من منازع في أمر، ولا معقب في رأي، مطاع على عزة وامتناع في أنظار العامة من غير المستبصرين الباحثين عن الحقيقة في أصل الفطرة.

ويقول الإمام أبو زيد الدبوسي ردًّا على تلك الدعوى العريضة: إن هذا المدعِي للحرية والملك ما استقر سلطانه، وعلا مكانه بفطرته؛ وإنما بجنوده، وبأس عبيده، لا يستغني عنهم ساعة لاستدامة ما هو فيه، فهو يطلبهم بهواهم، وينيلهم مناهم، صدقًا برغبته فيهم، والناس يطيعونه رياء لخوفهم منه، أو طمعًا فيما في يده، وهو يطيع هوى من دونه، وهم يطيعون من فوقهم، وطاعته لهوى الناس ضرورية، وطاعة الناس له ليست ضرورية؛ لبقاء منزلتهم في أنهم عبيد فقراء مأمورون بلا وال، غير أن طاعة الناس له بأجسامهم، وطاعته لأهوائهم بقلبه فاستترت وما ظهرت إلا لأهل البصائر.

ويمضي الإمام الدبوسي في بيان العجيب إلى أن يقول مخاطبًا هذا النوع ممن يدعون الحرية والغنى:

فعميت وجلست على سرير العبودية للعبيد، وكان ائتمارك للجنود، وأحاطت بقلبك المكاره والآفات، وظننت أنك ملك، هيهات. ما أنت إلا مأمور حشمك، والرعية مأمور ملكهم، غير أن النفس لبست عليك مقام الائتمار بمسارعتك إلى الفعل قبل الأمر.

ص: 29

ويمضي الإمام الدبوسي في بيانه العجيب إلى أن يقول مخاطبًا هذا النوع من الناس فيقول:

إن تصرفك في أموالك كلها متردد بين جائز مأمور به، وفاسد منهي عنه، وما هكذا علامة الملك والقهر؛ لكنه علامة الإذن على الفقر، غير أن الله تعالى خلقك للابتلاء مدة بقائك، وقرن بقاءك بغذائك، وخلق مما في الأرض منفعة لك إلى وقت انقضائك، فقسم لكل عبد نصيبًا مفرزًا؛ كي لا يتغالبوا فيتفانوا وجعل عليهم من أصلحهم قيمًا وهو السلطان، فهم يتمتعون بالأنصباء من يد القيم من أحوال طفولتهم وصغرهم، فإذا عقلوا سلمت إليهم الأنصباء لحق الإذن في التجارة دون إثبات الملك، فإذا بلغوا وكملت الحالة، ضربت عليهم الضرائب للمولى، وخوطبوا بأدائها مدة الحياة ليعتقوا إذا أدوا، وسلمت إليهم للحال الأنصباء لحق الإذن تسليم يد؛ ليتصور الأداء بحكم تباين الأيدي، وإن لم يكن في الحقيقة ملكًا للمؤدي، حتى لم يملكوا من أموالهم إلا بمقدار ما فك الله الحجر عنهم بالعقد.

وهنا يتصل هذا الموضوع بموضوع الرق في القرآن والشريعة بعدما انحسم القول في مشكلة الملك والحرية، والنصوص القرآنية المتعارضة في الظاهر، من حيث يثبت الملك في بعض النصوص للإنسان، ويرجع الملك كله لله وينتفي عن الإنسان في النصوص الأخرى، ثم يتصل الموضوع الواحد للقرآن بالتشريعات المالية وفروعها تحقيقًا للملك الإلهي والقدر المتاح للعباد بالتصرف، ثم بموضوع البقاء الإنساني بالتكاثر بعدما بقي المال، وما يتبع ذلك من أبواب التشريع، ثم بموضوع المجتمعات الإنسانية وحضاراتها التي لا تزدهر إلا تحت الأمر الإلهي، ولا تندثر إلا تحت التمرد على تلك الأوامر، وبموضوع القصص القرآني وتوجيه النظر نحوه في حركة التاريخ تحقيقًا لهذا الأصل الفطري الذي تدرج حتى وصل إلى قاعدة أوسع يحتمل فيها النسيان؛ ولهذا شرعت العبادات والذكر لدوام التذكر.

ص: 30

ولا يخلو موضوع من موضوعات التشريع من دليل واضح على تلك الفطرة الثابتة، وخير ما يمكن أن ندرك من خلاله موضوع الحرية الإنسانية هو موضوع الرق وما يتصل به من تشريعات؛ إذ إن الرق والعبودية لما كانا من فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، وأن الملكية للإنسان في الدنيا ما هي إلا ابتلاء ينال الإنسان من خلالها ومن خلال الأوامر المتصلة بها حقيقة الحرية، فقد شرع الله من التشريعات السلوكية في هذا الصدد ما تتضح به تلك الفطرة لكل ذي عينين.

يملك الرجل أخاه ملك يمين بسبب مشروع هو أن يكون أو أحد أصوله ممن تمردوا على دعوة العبودية لله بالسلاح فأسروا في الحرب الدينية؛ ولكن رحمة الله اقتضت أن يشرع له وجه من وجوه الحرية هو "المكاتبة"، والكتابة باب واسع في الفقه الإسلامي، يشتري العبد حريته من سيده بمال معلوم، ولما كان العبد لا يملك، فقد ندب السيد إلى أن يأذن له في العمل بجزء من المال إحسانًا، ويتصرف العبد بقدر ما انفك عنه الحجر، كأنه مالك وليس إلا عبدًا، فإذا أدى عتق، وإذا عجز بقي عبدًا، ومن هذه القضية التي يمارسها الإنسان بأمر الله يمكن الفصل في قضية الحرية الكبرى على المستوى الغيبي، بعد دراستها على المستوى المشهود.

فالحرية الممنوحة من الله تعالى لعباده الذين أدوا ما وجب عليهم في دار الابتداء تشمل الذات في الدنيا والصفات في الآخرة جميعًا، ويشهد لذلك قوله تعالى عن هؤلاء الأحرار في دار النعيم:{لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} 1، فما يريده هؤلاء الأحرار يتحقق بمجرد المشيئة، وتحقق المراد بمجرد المشيئة وإن كان حقًّا لله فقد أكرم الله به عبده المطيع بتكوين ما يشاؤه.

فإذا كانت الحرية في الدنيا هي خلاص حق الحر في نفسه وماله، فما

1 سورة "ق"، الآية:35.

ص: 31

لأحد على الفائز بالجنة حق في شيء من أحواله، فيكون عبدًا في ذاته من حيث التكوين، عتيقًا في أفعاله من حيث الإنعام والتكريم. وهكذا يكون مثل ما في التشريع، وصلًا بين حياتين يدرك المستبصر من خلالهما كل أسرار الفطرة التى لم يخرج عنها القرآن في أي موضوع فرعي من مواضيعها، ومن هذه النافذة يمكن أن تتصل موضوعات القرآن في وَحْدَةٍ متماسكة لا خلل فيها.

وجانب آخر متلاحم مع هذا الأصل الفطرى الذي دار حديثنا حوله، ودارت حوله الكثير من آيات القرآن الكريم هو: العدل باعتباره الفطرة التي بنى الله تعالى عليه هذا الكون المنظور وغير المنظور، وردنا من خلال تلك الفطرة إلى موضوع المعبود الحق الذي تقوم على أساسه الحضارة القرآنية، والدعوة العالمية إلى الإسلام ونجاحها اليقين من حيث تعثرت خطى الدعاة في عصرنا الحاضر حينما أخلوا بتلك الفطرة.

وأصل هذا الجانب الرئيسي: أن الله -عزت قدرته- علق بقاء الأنفس بالمال، وعلق بقاء الجنس بازدواج الذكر والأنثى، فأنت ترى أن أسباب البقاء والتكاثر هي شهوات الطبيعة التي فطر الله الناس عليها؛ لتكون تلك الشهوات سائقة إلى أسباب البقاء، ثم أعلن سبحانه أنه ما خلقهم للاستغراق في تلك الشهوات؛ بل ليوحدوه ويعبدوه بأمره على خلاف الطبع؛ ولهذا نرى القرآن يدعو إلى العمران ويشرع النكاح، وينعى على من يحرم الطيبات من الرزق، وفي الوقت نفسه يمقت الترف والإغراق، ويدعو إلى إيثار الآخرة على الأولى، ويعلق ملك الآخرة بالتوحيد والهدى، في مقابلة تعليق الحاضرة على الشهوات والهوى، وهنا كان الابتلاء الذي لا ينجو الإنسان منه إلا بالعدل وإقامة الموازين الدقيقة في شئون المال والعلاقات الجنسية بين الرجال والنساء.

عدل الإنسان مع نفسه، فلا ينساق إلى الترف في الجسد والعقل، وعدل الإنسان في علاقته بربه، فلا تطغى عليها الدنيا بشهواتها،

ص: 32

ولا تطغى العبادة على العمران، وعدل الإنسان في علاقته مع غيره من بني جنسه؛ إبقاء على الأخوة الضرورية لنجاح الأمة في شريعة الجهاد في سبيل الله، وقد أفاض القرآن في هذه المواضيع وربطها بما أشرنا إليه من مواضيع في شطر كبير جدًّا من آياته.

وغاية العدل: أن يصل الإنسان إلى أن كل سلطان عليه غير سلطان الله فهو شرك وضلال، وكل عبودية لسواه ذل، وعلى الإنسان أن يوفق بين ارتباط مصالحه الدنيوية بغيره من الناس وبين العبودية لله، فلا يمنح الإنسان أكثر من حقه في أنه عبد مسخر للعمل وتبادل المنافع مع غيره، ولا يتحدث عن الخالق الأعلى حديثه عن العبيد، ولا يخلط بين الفاني ومانح الحياة.

وعلى هذا النهج تخلص عقيدة المؤمن من الشرك الخفي والجلي، وعلى العكس إذا اختلت موازين العدل بين الإنسان ونفسه، فمال إلى الشهوات؛ فإنه حينئذ يصبح إنسانًا مختلًّا في توازنه بين مطالب الروح ومطالب الجسد، ويضعف أو ينعدم شعوره بسلطان الله وقهره ما دام مقهورًا للشهرة، مدفوعًا بسلطان المال، ومن هذا تكون الفوضى، ويتحطم بناء المجتمع باختلال نظام الأسرة.

فالإنسان لا يصبح سويًّا صالحًا لممارسة شعائر الإيمان الحق كما يريده الله تعالى إلا إذا عدل بين مطالب جسده، ومطالب عقله، ومطالب روحه:

فمطالب الجسد: إبقاؤه حيًّا متكاثرًا دون سرف ولا تقتير.

ومطالب العقل: النظر في العلوم والمعارف التى تؤدِّي إلى رقي الإنسان وتساميه عن وحل الانحراف.

ومطالب الروح: وصلها عن طريق العبودية والعبادة بمصدر الوجود الحق، وإسناد التوفيق إليه، والبراءة من الحول والقوة، والفرار إليه في كل المهمات.

وظلم الإنسان لنفسه في جانب من الجوانب الثلاثة ينتهي به إلى مرتبة

ص: 33

الأنعام حينما يعبد هواه، وإلى الشرك حينما يصبح الظلم عظيمًا بالغفلة عن الله، وعن مراقبته، ومراقبة إنعامه، ونسبة شيء من ذلك إلى العبيد باللسان أو بالوجدان أو بالعمل.

ولقد بث الله تعالى تعاليمه للمؤمنين -وحدة الموضوع القرآني- عن طريق العدل في المطالب البشرية الفطرية في مواضع كثيرة من أظهرها أوائل سورة الروم.

فقد افتتحها الله تعالى بتذكير المؤمنين بأن النصر من عند الله ولكنهم لا يعلمون؛ لأنهم يغفلون عن مطالب الروح فلا يعلمون إلا ظاهرًا من الدنيا، ثم أرشد إلى منهاج الوفاء بمطالب العقل والروح، ووجه الأنظار إلى التفكر في أنفسهم وفي خلق السماوات والأرض بالحق لعاقبة الجزاء، وإلى دراسة تواريخ الأقدمين من جبابرة الكفر، وكيف انتهى بهم الحال إلى ذل مقيم، ثم وجه الأنظار إلى استمرار خط الحياة بعد الموت، وبسط القول في الثواب والعقاب، وأمدهم بمادة التفكر الموصلة إلى حقيقة الإيمان والتوحيد، وكيف أن الملك الحق يفعل ما يريد.

ثم انتهى القول الكريم إلى مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهه نحو عناصر الفطرة في هذا البيان الحكيم، فقال تعالى قولًا فصلًا فيه كل العلم لأهل البصائر والذكرى.

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} 1.

وهذا هو الموضوع الواحد الذي شرحه القرآن، وعرضه على مختلف

1 سورة الروم، الآيات: 30-32.

ص: 34

المناهج حتى يستحق وصف الله تعالى له بأنه كتاب البشرية كلها، جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة في كل العصور والأجيال.

فسبحان الله الذي أقام بالعدل والقسط والميزان هذا الكون الهائل، وأنطق بالعدل حركات الكواكب، ودرجات الحرارة والبرودة، وموج المحيط، وهدير السحاب، وسوق الماء، واضطرب الأرض بالنبات، وكل سر لله في خلقه منظور ومحسوس ومغيب عن مدارك الإنسان، وربط بين العدل والفطرة، وربط بين الفطرة والقرآن، وأنزله كتابًا واحد الموضوع، كتاب الهدى والتوحيد والفطرة.

عبد القادر أحمد عطا

ص: 35