الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باطله وحاليه من عاطله
…
». وهو ما نص عليه أيضًا في أثناء الكتاب (ص 421) كما سيأتي نقله.
القرينة الرابعة:
إذا تبين هذا فلننظر إلى مقدمة الكتاب التي حفظها لنا ابن عبد الهادي، ومدى تطابقها مع موضوع المخطوط الذي عثرنا عليه. إذ سرد شيخ الإسلام في تلك المقدمة تاريخ علم الجدل والمراحل التي مر بها، فذكر المرحلة الأولى والثانية ثم ذكر الثالثة المحدثة فقال:
«ثم إن بعض طلبة العلوم من أبناء فارس والروم صاروا مولعين بنوعٍ من جدل المموهين، استحدثه طائفة من المشرقيين وألحقوه بأصول الفقه في الدين، راوغوا فيه مراوغة الثعالب، وحادوا فيه عن المسلك اللاحب، وزخرفوه بعبارات موجودة في كلام العلماء قد نطقوا بها، غير أنهم وضعوها في غير مواضعها المستحقة لها، وألفوا الأدلة تأليفًا غير مستقيم وعدلوا عن التركيب الناتج إلى العقيم
…
».
قارن هذا النصَّ الأخير الذي سقناه من مقدمة «التنبيه» التي حفظها لنا ابن عبد الهادي بقول المؤلف في الكتاب (ص 421): «واعلم أن نكت هؤلاء المموهين إذا صح بعضها وكان مبنيًّا على أصول الفقه، فإنه لا بد من حشوٍ وإطالة وذِكْر ما لا يفيد، ووقف الاستدلال على ما لا يتوقف، وإدخال ما ليس من مقدمات الدليل في المقدمات، فهي دائرة بين تغليط وتضييع، وبين الإحالة والإطالة، وبين الباطل الصريح والحشو القبيح» . ستجد أنهما قد خرجا من مشكاة واحدة.
ثم إذا نظرنا ثانيةً في مقدمة الكتاب التي ساقها ابن عبد الهادي نجد أن سبب تأليف الكتاب كان طلبًا من بعض الطلاب قال: «فلما استبان لبعضهم
أنه كلام ليس له حاصل، ولا يقوم بإحقاق حق ولا إبطال باطل= أخذ يطلب كشف مشكله وفتح مقفله، ثم إبانة علله وإيضاح زلله، وتحقيق خطئه وخطله، حتى يتبين أن سالكه يسلك في الجدل مسلك اللدَد، وينأى عن مسلك الهدى والرشَد، ويتعلق من الأصول بأذيال لا توصل إلى حقيقة ويأخذ من الجدل الصحيح رسومًا يموِّه بها على أهل الطريقة».
ونجد المؤلف في الكتاب (ص 202) يقول إشارةً إلى هؤلاء الطلاب: «وإنما ذكرتُ هذا لأنَّ بعض الطلبة قال: أُحِبُّ أن تذكر لي في آخر كلامك مَن فَلَجَ بالحجة من المستدل والمعترض، فذكرت ذلك» .
ونقول أيضًا في تطابق المقدمة مع الكتاب: إنَّ كل من يقرأ مقدمة الكتاب التي اقتبسها ابن عبد الهادي يعرف أن المقصود الأصلي من الكتاب هو نقد جدل «المموّهين» وبيان «تمويهاتهم» .
ثم إذا تصفَّح الكتاب متصفِّحٌ وجد ذِكر «تمويه الجدليين» و «الجدل المموّه» وأصحاب «الجدل المموهين» ومشتقاته بكثرة، وهذه بعض المواضع:
ص 24: «وعلى هذه الأغلوطة بنى المموه كلامه» .
ص 25: «اعتمد عليه بعض هؤلاء المموهين المغالطين من الجدليين» . وأيضًا فيها: «ولولا أنه ليس هذا موضع الاستقصاء في إفساد خصائص النكت المموهة، وإنما الكلام في عموم هذه الصناعة التمويهية» .
ص 31: «قد استدل عليه بالجدل المموَّه» .