الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجست. لكن هذا النقل ليس في مخطوطتنا بسبب الخرم المشار إليه، ونحن نرجح أن الشيخ ذكر معاني النظر التي نقلها المرداوي عند شرحه قول صاحب الفصول في أوائله: «المعنيّ من الدليل ما لو جرد النظر إليه
…
».
القرينة الثالثة عشرة:
هي ما كتبه المشكّكون السالف ذِكرهم في صدر المقالة في نسبة الكتاب، فإن قيل: يا لله العجب، كيف يكون تشكيكهم دليلا على ثبوت الكتاب؟! فنقول: لقد جهِد الناقدون ليجدوا دليلا على نفي صحة الكتاب من داخل الكتاب أو خارجه، فلم يعثروا بعد هذا الجهد إلا على جملة تشكيكات لا أثر فيها للدليل أو الحجة.
وأفضل ما يمكن أن يُنظر فيه في محاولة التشكيك هو ما ذكره د. عبد العزيز العبد اللطيف فقد ذكر سبعة أمثلة على مخالفة ما في الكتاب لأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه المعروفة، وأن هذه المخالفة دليل على عدم الثبوت.
فيجاب عن ذلك بجوابين مجمل ومفصل: أما المجمل فهو أنه لا مانع أن يكون شيخ الإسلام قد تغير اجتهاده في بعض المسائل الفقهية أو الفروع العقدية، وهذا واقع في مجموع الفتاوى نفسها وفي غيرها من كتبه كما صرّح هو بذلك في مواضع عديدة، وهو أكثر ظهورًا في «شرح العمدة» وهو من أوائل مؤلفاته، ويفسح المجال لهذا الاحتمال أن هذا الكتاب من أوائل مؤلفاته، فقد كتبه وهو في أوائل العشرينات من عمره، فلا غرابة أن يتغيّر اجتهاده! وقد ذكرنا نحن في هوامش الكتاب بعض آرائه واجتهاداته التي خالفها في كتبه الأخرى المتأخرة.
أما الجواب المفصّل، فقد رجعنا إلى تلك الأمثلة المذكورة فلم نجد
واحدًا منها يصلح مثالًا على تلك المخالفة المزعومة، فبعضها ينص شيخ الإسلام على خلافها في صفحة سابقة أو لاحقة، وبعضها سيق مساق الاعتراض والمناظرة، أو ساقه على لسان الخصم ثم نقضه.
ولنذكر مثالًا واحدًا يكشف ما ذكرنا:
ذكر الباحث أن المؤلف ساق في كتاب «التنبيه» : (2/ 596 و 666 من الطبعة الأولى)[ص 563 و 628 من هذه الطبعة] حديثَ «أصحابي كالنجوم .. » مساق الاحتجاج، بينما ضعفه شيخ الإسلام في «الفتاوى» .
وحينما رجعنا للموضعين وجدنا الواقع غير ما ذكرَه، ففي الموضع الأول استدل النسفي صاحب كتاب «الجدل» المردود عليه بالحديث، ثم ذكر شيخ الإسلام في تلك الصفحة أن الحديث مشهور في أصول الفقه، ثم بعده بصفحتين (ص 598) [ص 565] ذكر أنه يُعترض على النسفي باستدلاله بالحديث من وجوه أولها: الطعن في إسناده. ثم ذكر وجوهًا أخر. هذا بالنسبة للموضع الأول، فأين الاحتجاج المزعوم؟!
أما الموضع الثاني فالإحالة خطأ محض؛ لأنها إحالة على كتاب النسفي «فصول في الجدل» حيث ألحقناه في آخر كتاب «التنبيه» من (ص 641 - 668)[ص 603 - 629]. فليس هذا الموضع من كلام شيخ الإسلام أصلًا.
وسنكتفي هنا بذكر هذا المثال الذي يكشف ما وراءه من أمثلة، وندعُ استكمال نقد بقية الأمثلة إلى مقال سينشر في مجلة «الأصول والنوازل» إن شاء الله تعالى.
فبان بهذه القرائن مجتمعة ثبوتُ نسبة هذا الكتاب إلى مؤلفه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذهبت تشكيكات من شكك أدراج الرياح، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ونختم أخيرًا بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بما يناسب ما نحن فيه، إذ هذه الأدلة والقرائن التي سقناها «تفيد الاعتقاد القوي والظن الغالب. وهذا فيه إنصاف وعدل، وهو خير من دعوى البراهين القطعية التي يظهر عند التحقيق أنها شبهات وخيالات فاسدة!!
ومن قال: لا يجوز أن يحتج في هذا الباب إلا بالقطعي الذي لا يحتمل النقيض، قيل له: أولًا أنت أول من خالف هذا، فأنت دائمًا تحتج بما لا يفيد الظن الغالب فضلًا عن اليقين.
وقيل له ثانيًا: لا نسلّم، بل الواجب على كل إنسان أن يأتي بما هو الحق، فإن كان عنده علمٌ قاطع قال به، وإن كان عنده ظنٌّ غالب قال به، والمسائل التي تنازع بنو آدم فيها لأن يحصل للإنسان فيها ظنٌّ غالب خير من أن يكون في الحيرة والجهالة، أو يكون في التقليد أو الحجج الفاسدة كما هو الواقع كثيرًا»
(1)
اهـ.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد و آله وصحبه أجمعين.
* * *
(1)
«بيان تلبيس الجهمية» : (2/ 371).