الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: في ذكر شيء من كلام ابن عبد الهادي
في بعض مسائل المصطلح
الحديث المرسل:
قال ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي "(143 - 147): (قال الشافعي: والمنقطع مختلف فمن شاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من التابعين فحدث حديثًا منقطعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر عليه بأمور، منها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحة ما قيل عنه وحفظه.
وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما ينفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوى له مرسله، وهي أضعف من الأولى.
وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً له، فإن وجد يوافق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذا دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله تعالى.
وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولاً، ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه.
ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ في حديث لم يخالفه، فإن خالفه ووجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه.
ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه حتى لا يسع أحدًا قبول مرسله.
قال: وإذا وجدت الدليل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة ثبتت بها ثبوتها بالمتصل، وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا سمي، وأن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحدًا، من حيث لو سمي لم يقبل، وإن قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال برأيه لو وافقه لم يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها، ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوافقه، ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء.
قال الشافعي: فأما من بعد كبار التابعين فلا أعلم واحدًا منهم يقبل مرسله لأمور:
أحدها: أنهم تجوزوا فيمن يروون عنه.
والآخر: أنهم تؤخذ عليهم الدلائل فيما أرسلوا لضعف مخرجه.
والآخر: كثرة الإحالة في الأخبار، وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه.
هذا كله كلام الشافعي، وقد تضمن أمورًا:
أحدها: أن المرسل إذا أسند من وجه آخر دل ذلك على صحة المرسل.
الثاني: أنه إذا لم يسند من وجه آخر نظر هل يوافقه مرسل آخر أم لا؟
فإن وافقه مرسل آخر قوي، لكنه يكون أنقص درجة من المرسل الذي أسند من وجه آخر.
الثالث: أنه إذا لم يوافقه مرسل آخر، ولا أسند من وجه، لكنه وجد عن بعض الصحابة قول له يوافق هذا المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم دل على أن له أصلاً ولا يطرح.
الرابع: أنه إذا وجد خلق كثير من أهل العلم يفتون بما يوافق المرسل دل على أن له أصلاً.
الخامس: أن ينظر في حال المُرسل فإن كان إذا سمى شيخه سمى ثقة وغير ثقة لم يحتج بمُرسَله، وإن كان إذا سمى لم يسم إلا ثقة لم يسم مجهولاً ولا ضعيفًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه كان ذلك دليلاً على صحة المرسل.
وهذا فصل النزاع في المرسل، وهو من أحسن ما يقال فيه.
السادس: أن ينظر إلى هذا المُرسل له إن كان إذا شرك غيره من الحفاظ في حديث وافقه فيه ولم يخالف، دل ذلك على حفظه، وإن خالفه ووجد حديثه أنقص - إما نقصان رجل يؤثر في اتصاله، أو نقصان رفعه بأن يقفه، أو نقصان شيء من متنه - كان في هذا دليل على صحة مخرج حديثه وأن له أصلاً، فإن هذا يدل على حفظه وتحريه بخلاف ما إذا كانت مخالفته بزيادة، فإن هذا يوجب التوقف والنظر في حديثه.
وهذا دليل من الشافعي رضي الله عنه على أن زيادة الثقة عنده لا يلزم أن
تكون مقبولة مطلقًا كما يقوله كثير من الفقهاء من أصحابه وغيرهم، فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه، ولم يعتبر المخالف بالزيادة، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلاً على صحة مخرج حديثه، وأخبر أنه متى خالف ما وصف أضر ذلك بحديثه، ولو كانت الزيادة عنده مقبولة مطلقًا لم يكن مخالفته بالزيادة مضرًا بحديثه.
السابع: أن المرسل العاري عن هذه الاعتبارات والشواهد التي ذكرها ليس بحجة عنده.
الثامن: أن المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها يسوغ الاحتجاج به ولا يلزم لزوم الحجة بالمتصل، وكأنه رضي الله عنه سوغ الاحتجاج به ولم ينكر على مخالفه.
التاسع: أن مأخذ رد المرسل عنده إنما هو احتمال ضعف الواسطة، وأن المرسل لو سماه لبان أنه لا يحتج به، وعلى هذا المأخذ فإذا كان المعلوم من عادة المرسل أنه إذا سمى لم يسم إلا ثقة ولم يسم مجهولاً، كان مرسله حجة.
وهذا أعدل الأقوال في المسألة، وهو مبني على أصل، وهو أن رواية الثقة عن غيره هل هي تعديل له أم لا؟ وفي ذلك قولان مشهوران، هما روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، والصحيح حمل الروايتين على اختلاف حالين، فإن الثقة إذا كان من عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كانت روايته عن غيره تعديلاً له، إذ قد علم ذلك من عادته، وإن كان يروي عن الثقة وغيره لم تكن روايته تعديلاً لمن روى عنه، وهذا التفصيل اختيار كثير من أهل الحديث والفقه والأصول، وهو أصح.
العاشر: أن مرسل من بعد كبار التابعين لا يقبل، ولم يحك الشافعي عن
أحد قبوله لتعدد الوسائط، ولأنه لو قبل لقبل مرسل المحدث اليوم، وبينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرة، وهذا لا يقوله أحد من أهل الحديث) ا. هـ.
وهذا من أحسن ما قيل في شرح كلام الشافعي في المرسل، وقد أشار في أثناء كلامه إلى مسألة زيادة الثقة - وسيأتي كلام مطول له حولها -، وأيضًا مسألة رواية الثقة عن غيره هل هي تعديل له أم لا؟
التفرد:
ذكر ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي "(119) حديثًا موضوعًا تفرد به أحد الكذابين، ثم قال:(ونسخة مالك عن نافع عن ابن عمر محفوظة معروفة مضبوطة رواها عنه أصحابه رواة " الموطأ " وغير رواة " الموطأ " وليس هذا الحديث منها بل لم يروه مالك قط ولا طرق سمعه ولو كان من حديثه لبادر إلى روايته عنه بعض أصحابه الثقات المشهورين، بل لو تفرد بروايته عنه ثقة معروف من بين سائر أصحابه لأنكره الحفاظ عليه ولعدوه من الأحاديث المنكرة الشاذة) ا. هـ
وينظر أيضًا: " الصارم ": (31، 34، 69، 78).
زيادة الثقة:
قال ابن عبد الهادي في كتابه في الجهر بالبسملة - كما في "نصب الراية"(1/ 336) -: (فإن قيل: .... الزيادة من الثقة مقبولة. قلنا: ليس ذلك مجمعًا عليه، بل فيه خلاف مشهور: فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع.
فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظًا ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله
أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله " من المسلمين " في صدقه الفطر، واحتج بها أكثر العلماء.
وتقبل في موضع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذلك حكمًا عامًا فقد غلط بل كل زيادة لها حكم يخصها:
فقي موضع يجزم بصحتها، كزيادة مالك.
وفي موضع يغلب على الظن صحتها، كزيادة سعد بن طارق في حديث " جعلت الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا "، وكزيادة سليمان التيمي في حديث أبي موسى " وإذا قرأ فانصتوا ".
وفي موضع يجزم بخطأ الزيادة، كزيادة معمر ومن وافقه قوله:" وإن كان مائعًا فلا تقربوه "، وكزيادة عبد الله بن زياد ذكر البسملة في حديث " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين "، وإن كان معمر ثقة، وعبد الله بن زياد ضعيفًا، فإن الثقة قد يغلط.
وفي موضع يغلب على الظن خطأها كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه، رواها البخاري في "صحيحه" وسئل هل رواها غير معمر؟ فقال: لا.
وقد رواه أصحاب " السنن الأربعة " عن معمر، وقال فيه: ولم يصل عليه.
فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضًا، والصواب أنه قال:" ولم يصل عليه ".
وفي موضع يتوقف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة، وزيادة نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه بل يغلب على الظن ضعفه) ا. هـ.
* * *