المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مسألة: 29 [في بيان اختلاف العلماء في قبول المرسل] - توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار - جـ ١

[الصنعاني]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌مسألة 2 [في بيان مراد أهل الحديث بقولهم: هذا حديث صحيح]

- ‌مسألة 3 [من علوم الحديث: في معرفة أصح الأسانيد]

- ‌مسألة 4 [في ذكر أول من صنف في جمع الصحيح]

- ‌مسألة 6 [في عدد أحاديث الصحيحين]

- ‌مسألة 7 [في بيان الصحيح الزائد على ما في البخاري ومسلم]

- ‌مسألة 8 [في المستخرجات]

- ‌مسألة:9 [في بيان مراتب الصحيح]

- ‌مسألة 10 [في إمكان التصحيح في كل عصر ومن كل إمام]

- ‌مسألة:11 [في بيان حكم ما أسنده الشيخان أو علقاه]

- ‌مسألة 12 [في أخذ الحديث من الكتب]

- ‌مسألة 13 [في بيان القسم الثاني: وهو الحديث الحسن]

- ‌مسألة 14 [في بيان شرط أبي داود]

- ‌مسألة: 15 [في بيان شرط النسائي]

- ‌مسألة: 16 [في بيان شرط ابن ماجه]

- ‌مسألة: 17 [في الكلام على جامع الترمذي]

- ‌مسألة: 18 [في ذكر شرط المسانيد]

- ‌مسألة: 19 [في الكلام على الأطراف]

- ‌مسألة: 20 [في بيان المراد بصحة الإسناد وحسنه]

- ‌مسألة:21 [في بيان المراد من الجمع في وصف الحديث بين الصحة والحسن]

- ‌مسألة: 22 [في بيان القسم الثالث: وهو الحديث الضعيف]

- ‌مسألة: 23 [في بيان الحديث المرفوع]

- ‌مسألة: 24 [في بيان المسند من أنواع الحديث]

- ‌مسألة: 25 [في بيان المتصل والموصول من أنواع الحديث]

- ‌مسألة:26 [في بيان الموقوف]

- ‌مسألة: 27 [في بيان المقطوع]

- ‌مسألة: 28 [في بيان المرسل]

- ‌مسألة: 29 [في بيان اختلاف العلماء في قبول المرسل]

- ‌مسألة: 30 [في فوائد تتعلق بالمرسل]

- ‌مسألة: 31 [في بيان المنقطع والمعضل]

- ‌مسألة: 32 [في بيان العنعنة وحكمها]

- ‌مسألة:33 [في بيان اختلاف العلماء في قول الراوي أن فلانا قال]

- ‌مسألة:34 [في حكم تعارض الوصل والإرسال]

- ‌مسألة:35 [في بيان التدليس]

- ‌مسألة:36 [في بيان الشاذ]

الفصل: ‌مسألة: 29 [في بيان اختلاف العلماء في قبول المرسل]

‌مسألة: 29 [في بيان اختلاف العلماء في قبول المرسل]

في قبول المرسل ورده أقوال ذكر المصنف منها ثلاثة فقال: "وقد اختلف الناس في المرسل" أطلق المصنف المرسل هنا وقيده في مختصره حيث قال واختلفوا في قبول المرسل وأنواعه مع الجزم من الثقة ومع عدم القدح فيه من ثقة آخر ثم عد هنا أقوالا للمقبول:

الأول: قوله "فقيل تقبل مراسيل أئمة الحديث الموثوق بهم المعروف تحريهم" ويأتي الدليل على هذا.

والثاني: قوله "وقال الشافعي يقبل المرسل ممن عرف أنه لا يرسل إلا عن ثقة كابن المسيب" فإنه لا يرسل إلا عن ثقة وقد لقي جماعة من الصحابة وأخذ عنهم ودخل على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عنهن وأكثر روايته عن أبي هريرة.

ثم عد للمرسل المقبول صورا:

الأولى: قوله: "أو جاء" المرسل "عن ثقتين لكل واحد منهما شيخ غير شيخ الآخر" عبارة الشافعي فيما نقله عنه الزين يؤدي هذا إلا أنه قدم الرتبة التي أخرها المصنف وهي:

الثانية من الصور التي يفيدها "أو جاء مسندا" أي مرفوعا متصلا "من طريق الثقاة بمعناه" ثم قال كانت هذه دلالة على صحة ما قيل عنه وحفظه وجعل هذه الرتبة أقوى من التي قبلها فإنه قال في الأولى كانت هذه دلالة تقوى له رسله وهي أضعف من الأولى فأفاد أن المرسل الذي جاء بمعناه مسندا مرفوعا أقوى من المرسل عن ثقتين إلى آخره فإذا تعارضا قدم الأقوى.

والثالثة منها: قوله: "أو صح عن بعض الصحابة موقوفا" قال الشافعي: كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله تعالى.

ص: 262

الرابعة من الصور: قوله: "أو قال بمقتضاه عوام من أهل العلم" أي الكثير منهم "وذلك" أي قبول المرسل على جميع هذه التقادير كما دل قوله "كله" وكأه عام لرواية كبار التابعين أيضا مشروط "بشرطين: أحدهما أن يكون المرسل" اسم فاعل "من التابعين الذي رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" كأن المراد الذين رأوا أكثر أصحابه لا كلهم ولا الأقل لبعد الأول وكون الثاني: يدخل فيه صغار التابعين لأنهم قد رأوا الأقل من الصحابة ولو واحدا وإلا لما كان تابعيا "وثانيهما" أي الشرطين "أن يعتبر صحة حديث هذا المرسل" اسم فاعل "بأشياء تفيد ظن صحته" عد "منها" شيئين.

الأول: "موافقته للحفاظ في سائر حديثه" فيعرف أنه حافظ قال الشافعي إذا شارك أحدا من الحفاظ في حديثه ولم يخالفه فإن خالف ووجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه انتهى فأفاد أن نقص حديث من أرسل عن حديث من وافقه لا يضر ولم يفده كلام المصنف إلا أنه قد يمكن تطبيقه عليه وأشار الزين إلى هذا بقوله:

ومن إذا شارك أهل الحفظ

وافقهم إلا بنقص اللفظ

وإن كانت عبارته تفيد اشتراط نقص اللفظ إلا أنه معلوم أنه غير مراد وإنما ألجأه إليه النظم.

"و" الثاني: "منها أن يكون إذا سمي من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرفوعا عن روايته" قال الشافعي فيستدل بذلك على صحة ما روى عنه ثم قال أما إذا وجدت الدلائل بصحة حديثه كما وصفنا أحببنا أن نقبل مرسله "روى ذلك" أي كلام الشافعي "الخطيب في الكفاية وأبو بكر البيهقي في المدخل بإسناديهما الصحيحين عن الشافعي ذكره زين الدين فيما زاده على ابن الصلاح" قال زين الدين: إن ابن الصلاح أطلق القول عن الشافعي بأنه يقبل مطلق المراسيل إذا تأكدت بما ذكره والشافعي إنما يقبل مراسيل كبار التابعين إذا تأكدت مع وجود الشرطين المذكورين في كتابي انتهى وقد حصل زبدة كلامه المصنف بما ساقه.

"وفائدة قبول المرسل إذا أسند عن ثقات انكشاف صحته" كأنه جواب ما يقال إنه إذا اشترط وجود المرسل مسندا فأي فائدة في مع وجود المسند ولا يخفى أن هذه فائدة الصور الثانية مما سقناه "فيكونان حديثين" حديث مسند مرفوع وحديث مرسل "فإذا

ص: 263

عارضهما مسند آخر كانا أرجح منه" لاعتضاد المرسل بالمسند المرفوع.

القول الثالث: قوله: "وذهب الزيدية والمالكية والحنفية إلى قبول المرسل".

قلت: ينبغي أن يستثنى من الزيدية المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني فإنه صرح بأنه لا يقبل المراسيل ولفظه في خطبة كتابه شرح التجريد وشرطنا فيه أي في الحديث الذي يرويه السماع والعدالة ثم قال ولقد أدركت أقواما ممن لا يتهم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحفظون السند ويرسلون الحديث فما قبلت أخبارهم ولا نقلت: ها عنهم وعندنا لا يحل لأحد أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما سمعه من فم المحدث العدل فحفظه ثم يحدث به كما سمعه ثم قال إن المراسيل عندنا وعند عامة الفقهاء لا تقبل انتهى كلامه ولم أنقله على ترتيبه لكن هذه ألفاظه.

"وخالف في ذلك أكثر المحدثين" فقالوا لا يقبل المرسل والقائلون بقولهم وهم من ذكرهم يقولون بقبوله مطلقا من غير شرط من الشروط الماضية إلا أنه لا بد من الاستفسار عن تعريف المرسل الذي قبلوه فقد مضت ثلاثة تعاريف للمصنف فلا ندري أيها المراد هنا والظاهر أنه الثالث: وهو الذي في كتب أصول الزيدية وغيرهم لأن المرسل هو ما سقط فيه راو أو أكثر وهو الثالث: من التعريفات التي ذكرها المصنف وذكر أنه مذهب الزيدية وحينئذ ففي انطباق الدليل الأول على مذهبهم نظر وهو قوله "فاحتج أصحابنا في ذلك بوجوه:

الأول: الإجماع وهو إجماع الصحابة وإجماع التابعين" فأنه إن سلم إجماع الصحابة فإنما أجمعوا على مرسل خاص وهو مرسل الصحابي كما يدل له قوله:

"أما إجماع الصحابة فلأنه اشتهر فيهم وظهر وشاع ولم ينكر من ذلك أن البراء" بفتح الموحدة فراء ممدود "ابن عازب" بعين مهملة فزاي بعد الألف فموحدة صحابي معروف "قال في حضرة الجماعة" أي من الصحابة "ليس كل ما أحدثكم به سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنا لا نكذب" أي لا نقول عليه صلى الله عليه وسلم ما لم يقله بل نحدث عمن حدثنا عنه إلا أنك قد عرفت من تعريف المرسل أنه قول التابعي أو كبار التابعين وليس هذا منه وكأنه يريد أنه قد حصل المعنى الذي في المرسل.

نعم على تعريف الأصوليين يقال لهذا مرسل إلا أنه لا يعلم حديث رواه

ص: 264

الصحابي أنه سقط منه راو إلا بإخبار الصحابي بذلك لأن الأصول فيما يرويه أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم سيما إذا عرف بالأخذ عنه والملازمة مثل أبي هريرة ونحوه "وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ربا إلا في النسيئة" 1 ثم قال أخبرني بذلك أسامة بن زيد ذكر ذلك كله المنصور بالله رضي الله عنه في الصفوة والشيخ أحمد في الجوهرة" ولا يخفى أن هذا فيما أرسل عن صحابي وهو أخص من مدعي الزيدية كما أن قوله "قلت: ومن ذلك حديث أبي هريرة في فطر من أصبح جنبا وقوله حدثني الفضل بن العباس" ولفظ الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح جنبا أفطر" 2 وفي لفظ له "من أصبح في رمضان جنبا فلا صوم له" وله ألفاظ أخر فقال: ما أنا قلتها ورب الكمية لكن محمدا قالها ولما عارضته أخبار نسائه صلى الله عليه وسلم بأنه كان يصبح جنبا ويصوم ولا يقضي3 سئل عما حدث به فقال أخبرني الفضل ابن العباس وفي رواية أسامة بن زيد وكذلك ابن عباس أسند حديثه المذكور لما عورض فسئل.

وإذا عرفت هذا فلا يتم إطلاق من قال إن الصحابة كانوا يباحثون من أرسل ويطلبون منه الإسناد مستدلين بهذين الخبرين فإن الظاهر أنهم إنما كانوا يبحثون عند ظهور المعارض ومع عدم المعارض لا يبحثون ولا يسألون وحينئذ فيتم الاستدلال على قبول المرسل ما لم يعارض.

قلت: ولا يخفى وقد أشرنا أن الأصل فيما يرويه الصحابي الرفع فيعمل عليه ما رواه ما لم يصرح بخلافه.

"وقد قيل إن أكثر رواية ابن عباس كذلك" أي مرسلة "لصغر سنه وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم" فإنه توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسن ابن عباس في ثلاث عشرة سنة على أصح ما قيل.

"وأما إجماع التابعين" على قبول المراسيل "فرواه العلامة محمد بن جرير الطبري" الإمام المعروف صاحب التفسير والتاريخ الكبير وغيرهما "حكاه عنه ابن عبد البر في

1 البخاري 3/98. والنسائي 7/281. وأحمد 5/202.

2 بنحوه: البخاري في: الصوم: ب 22، 35. ومسلم في: الصيام: حديث 75-78. وأحمد 1/211.

3 أحمد 6/34.

ص: 265

مقدمة كتابه التمهيد وقال البلقيني" بالموحدة مضمومة وكسر القاف نسبة إلى قرية بمصر وهو إمام كبير الشأن وهو شيخ الحافظ ابن حجر وغيره من الأئمة "في علوم الحديث وذكر محمد بن جرير الطبري1 أن التابعين أجمعوا بأسرهم على قبول المراسيل ولم يأت عنهم إنكاره ول عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين قال ابن عبد البر كأن ابن جرير يعني أن الشافعي أول من أبى قبول المراسيل انتهى" لما قاله إلى رأس المائتين ولا يخفى أن التابعين قبلوا مراسيل التابعين إذ هي الموجودة في عصرهم ومراسيل الصحابة لكن لا خفاء أن هذا لا ينطبق على ما هو المراد بالمرسل عند الزيدية.

على أن هذا النقل الذي نقله ابن جرير وقوله إنه لم يأت عن أحد إنكاره إلى رأس المائتين ونقله ابن الحاجب أيضا فيه أمران الأول قد نقل عن سعيد ابن المسيب وهو من كبار التابعين كما عرفت أن المرسل ليس بحجة ومثله نقله الحافظ ابن حجر عن ابن سيرين وبه يعرف بطلان الإجماع وأن دعوى أنه لم يأت فيه خلاف إلا من بعد المائتين غير صحيح ويؤيد بطلان دعوى الإجماع أنه حكى عن أبي اسحق الإسفراييني أنه لا يقبل المرسل مطلقا حتى مرسل الصحابة قال لا لأجل الشك في عدالتهم بل لأجل أنهم قد يروون عن التابعين قال إلا أن يخبر الصحابي عن نفسه أنه لا يروى إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أو عن صحابي فحينئذ يجب العمل بما يرويه وذكر ابن بطال عن الشافعي أن المرسل عنده ليس بحجة حتى مرسل الصحابة.

وبهذا تعرف أن المسألة غير إجماعية فلا يتم لهم ولمن تبعهم دليلا على ذلك.

"وروى البلقيني قبول المراسيل عند أحمد بن حنبل في رواية وعدها" أي روايته عنه "من زوائد فوائده" لأنه يروها أهل علوم الحديث عن أحمد.

قلت: قد رواها أيضا تلميذ البقيني الحافظ ابن حجر ولكنها في مراسيل التابعين وإنما الاشتراط أن يكون المرسل من كبار التابعين بل ولو من صغارهم ولكن قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة ما لفظه وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حق جاء الشافعي فتكلم فيه وتابعه

1 محمد بن جرير الطبري الإمام صاحب التصانيف المشهورة ورحل في طلب الحديث وسمع بالعراق والشام ومصر وحدث بأكثر مصنفاته. مات سنة 310. له ترجمة في: البداية والنهاية 11/145. وتاريخ بغداد 2/162. ووفيات الأعيان 3/332.

ص: 266

على ذلك أحمد بن حنبل وغيره انتهى فينظر في نقل البلقيني وابن حجر عن أحمد.

"الوجه الثاني" من وجوه أدلة قبول المرسل عند الزيدية "أن الأدلة الدالة على التعبد بخبر الواحد" وهي معروفة في الأصول وعمدتها إجماع الصحابة والتابعين على العمل بها فهو عائد إلى الاستدلال الأول وهي "لم تفصل بين كونه مسندا أو مرسلا" لأن الكل يصدق عليه أنه خبر أحادي.

"الوجه الثالث" من الأدلة "أن الثقة إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جازما بذلك" هذا هو الذي قيد به المسألة في مختصره كما ذكرناه هو احتراز عن أن يرويه بصيغة التمريض "وهو يعلم أن من رواه مجروح العدالة كان الثقة قد أغرى السامع بالعمل بالحديث والرواية له" وهي من العمل أيضا إلا أنها لما تعورفت فيما عداها عطفها عليه "وذلك خيانة للمسلمين لا تصدر عن العدل" والفرض أنه عدل "ولهذا قبل المحدثون ما جزم به البخاري من التعاليق على أصح الأقوال" مع أنها مراسيل.

وأجيب عنه بأنه اختص البخاري بقبول تعاليقه لأنه التزم الصحة في كتابه بخلاف غيره من أئمة التابعين فإنهم لم يلتزموا ذلك وإن كان المشهور أن تعاليقه التي يحكم لها بالصحة هي ما علقه بصيغة الجزم لأنه يدل على صحة الإسناد بينه وبين من علق عنه.

وقال الحافظ ابن حجر إن كل ما أورده البخاري في كتابه مقبول إلا أن درجاته متفاوتة في الصحة ولتفاوتها تخالف بين العبارتين في الجزم والتمريض إلا في مواضع يسيرة جدا أوردها وتعقبها بالتضعيف أو التوقف في صحتها انتهى.

قلت: هذا كلام الحافظ هنا والذي أفاد كلامه في مقدمة الفتح أن المعلق في الصحيح بصيغة الجزم يحتمل ثلاثة أقسام:

الأول: معلق قد وصله في محل آخر فهذا موصول في الحقيقة وتعليقه عارض بسبب الاختصار.

والثاني: قسمان: معلق لا يلتحق بشرطه لكنه حسن وصلاح للحجية.

وثانيهما: ضعيف بالانقطاع هذا كلامه وإذا عرفته عرفت أن ما أورده بصيغة الجزم متردد بين ما ذكر فلا يتم الحكم لما أورده بها شيء حتى يكشف عن حاله فمن قال ما أورده البخاري معلقا بصيغة الحزم صحيح فقوله غير صحيح لما عرفته من الاحتمال.

ص: 267

ثم ذكر الحافظ في المقدمة فيما يورده البخاري بصيغة التمريض أنه متردد بين خمسة أشياء صحيح على شرطه صحيح على شرط غيره حسن ضعيف فرد انجبر بالعمل على موافقته ضعيف فرد لا جابر له هذا خلاصة ما أفاده كلامه في المقدمة.

وإذا عرفت تردد الصيغة بين هذه الخمسة فهي مبهمة لا يتم معرفة المراد منها إلا بعد الكشف عن حقيقتها وعرفت أن في تسميتها صيغة تمريض بحثا فإن الثلاثة الأول مما يجزم به وكأن المراد أنها صيغة تمريض نظرا إلى شرط البخاري في غير القسم الأول فإنه على شرطه.

ومن هنا تعلم أن صيغة التمريض لا تدل على الضعف في اصطلاح البخاري ومن استدل بها على ضعف ما يرويه بها فقد جهل مراده ثم لا يعزب عنك أنه كان الأولى أن يجعل ما هو على شرط غيره من أقسام ما عبر عنه بصيغة الجزم كما أنه كان المتعين في القسم الأول من هذه الأقسام أن يعبر عنه بها وذلك لأنه قد جعل الحسن من أقسام ما يعبر عنه بصيغة الجزم وهو أنزل منه رتبة كما أنه كان يتعين جعل الضعيف بالانقطاع من هذا القسم أي من قسم ما يعبر عنه بصيغة التمريض لا مما يعبر عنه بصيغة الجزم وقد جعله من أقسام ما عبر عنه بصيغة الجزم وبعد هذا تعرف تقارب الصيغتين وتعرف أن تقرير الحافظ في النكت يخالف تقريره في المقدمة فتأمل ومنه تعرف أن قول المصنف ولهذا قبل المحدثون ما جزم به البخاري من التعاليق ليس على إطلاقه بل فيه التفصيل الذي سمعته.

"واعتذر المحدثون عن هذه الحجيج" التي استدل بها قابلوا المراسيل "أما إجماع الصحابة فلم يسلموا علمهم الجميع" لتفرقهم في الآفاق "و" لا يسلموا "أن سكوتهم عن رضا" وقد عرفت أنهما ركنا الإجماع السكوتي "وإن سلموا فلا حجة في ذلك لوجهين:

أحدهما: أن قبول مراسيل الصحابة مجمع على جوازه ممن روى الإجماع عليه ابن عبد البر في تمهيده ذكره في حديث ابن عمر في المواقيت" قد قدمنا الخلاف في مراسيل الصحابة عن أبي اسحق الإسفراييني وكذلك صرح أبو بكر الباقلاني في التقريب أن المرسل لا يقبل مطلقا حتى مراسيل الصحابة وذلك للعلة التي ذكرناها ونقل عدم قبول مراسيلهم عن الشافعي ابن بطال في أوائل شرح البخاري ذكر هذا كله الحافظ ابن حجر.

ص: 268

فالتابعون لم يتم إجماعهم وإن أريد إجماع الصحابة على قبول مراسيلهم فلا يسمى ما جاء عنهم مرسلا كما عرفت من تعريف المرسل إلا على التعريف بأنه ما سقط منه راو وإذا عرفت تعريف المرسل بكل تعريف عرفت أن لا يصح أن يقال مرسل الصحابة إذ لا مرسل لهم ففي قولهم مرسل الصحابة تسامح.

"وثانيهما" أي وجهي عدم حجية ما ذكر على تقدير التسليم "أن المرسل" اسم فاعل "في ذلك الزمان لم يكن يرسل إلا عن عدل" لأن العدالة غالبة في أهل ذلك العصر "ألا ترى أن ابن عباس وأبا هريرة لما أخبرا عمن أرسلا كيف أسندا الحديث إلى عدلين" أسامة بن زيد والفضل ابن العباس "فإن جوزنا إسناد الرواية إلى غير عدل في ذلك الزمان فذلك نادر ولا نادر غير معتبر ولا يجب الاحتراز منه لأنه مرجوح" والعمل على الراجح "بل قال ابن سيرين إنهم" أي الصحابة "لم يكونوا يبحثون عن الإسناد حتى ظهرت البدع وحافظوا على الإسناد ليعرفوا حديث أهل السنة" فيأخذوا به "من حديث أهل البدعة" فيتركونه ويأتي ما في هذا.

"فإذا ثبت إجماع الصحابة على قبول مراسيل أهل ذلك العصر لم يكن حجة عامة على قبول كل مرسل" لأن الدليل الخاص لا ينطبق على المدعي العام "وبيانه أنه احتجاج بفعل" وهو القبول من البعض والسكوت من الآخرين "والفعل لا عموم له" إذ العموم والخصوص من خواص الأقوال.

"وهذا سؤال وارد فلعل الصحابة لو رأوا ما حدث في الناس من التساهل في رواية الحديث لبحثوا أشد البحث فقد روى مسلم عن ابن عباس أنه سمع رجلا" هو بشير مصغر بشر بالمعجمة بعد الموحدة آخره راء بن كعب "يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينظر إليه فقيل له في ذلك" القائل هو بشير فإنه قال لابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع "فقال" ابن عباس "إنا كنا إذا سمعنا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصغينا إليه فلما ركب الناس الصعب والذلول" قال النووي في شرح مسلم أصل الصعب والذلول في الإبل والصعب العسر المرغوب عنه ولا ذلول السهل الطيب المرغوب فيه والمعنى سلكوا كل مسلك مما يحمد ويذم "لم نأخذ من الناس" أي من أحاديثهم "إلا ما نعرف رواه مسلم في مقدمة كتابه" الصحيح فقال ثنا أبو أيوب سليمان ابن عبد الله الغيلاني ثنا أبو عامر يعني العقدي أنبأنا رباح عن قيس ابن سعد عن مجاهد قال جاء بشير العدوي

ص: 269

إلى ابن عباس الحديث.

"فإذا كان هذا في زمن ابن عباس فكيف بعده" إلا أنه لا يخفى أن في هذا دليلا على وجود من لا يوثق بروايته في زمن الصحابة وليس فيه دليل على قبول المرسل ولا على عدم قبوله على أنه قال الحافظ في التقريب في ترجمة بشير ما لفظه بشير مصغر ابن كعب بن أبي الحميري العدوى أبو أيوب البصري ثقة مخضرم والمخضرم بفتح الراء من التابعين من أدرك الجاهلية وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست لهم صحبة ولم يشترط بعض أهل العلم نفي الصحبة قال الزين والمخضرم متردد بين الصحابة المعاصرة بين التابعين لعدم الرؤية وظاهر كلامه أنه في الاصطلاح خاص بما ذكر والذي في القاموس أن المخضرم الذي مضى نصف عمره في الإسلام ونصفه في الجاهلية أو من أدركهما أو شاعر أدركهما كلبيد انتهى فالمذكور أحد معانيه اللغوية وبه يعرف أن بشيرا من كبار التابعين.

"وأما الوجه الثاني" من أدلة قابلي المراسيل "وهو أن أدلة قبول الآحاد عامة للمراسيل والمسانيد فغير مسلم بل هي متناولة لقبول الصدر الأول ومن كان على مثل صفتهم" على أنه لا يتحقق المرسل في عصر النبوة إلا نادرا "أما الإجماع فهو على قبولهم" هذا تكرار زاده ليعطف عليه قوله "وكذا قبول رسل النبي صلى الله عليه وسلم: المبعوثين إلى الآفاق" فإنه من أدلة وجوب العمل بالآحاد وهو عطف على جملة أما الإجماع فهو على قبولهم وكلامنا في المراسيل عن غير أهل الصدر الأول "وكذا قبوله صلى الله عليه وسلم الآحاد وقبول الصحابة لهم" فإنه خاص بأهل ذلك العصر وهذه من أدلة قبول الآحاد وهي لا تشمل المرسل كما قاله من استدل بها على قبوله على أن رسله صلى الله عليه وسلم يبلغون عنه ما سمعوه منه أو يبلغون كتبه وهي كذلك غالبا وكذا قبوله الآحاد ليس دليلا أنهم يأتونه بمراسيل بل يخبرونه عمن شافهم فكيف يجعل دليل المسند دليلا للمرسل ويدعى شموله له؟.

"وكذا الدليل العقلي" الذي استدل القائلون بحجية الآحاد وأنها أدلة شاملة للمراسيل مقصور أي الدليل العقلي "على ما يثمر الظن" هذه إشارة من المصنف أن القائلين بأن الأمة متعهدة بقبول الآحاد عقلا وهذا قول أبي الحسين البصري والفقال وابن سريج واستدل أبو الحسين بأن العمل بالظن في تفاصيل الجمل المعلوم وجوبها عقلا واجب عقلا بدليل أن العقل يقضي بقبول خبر العدل في مضرة طعام معين وفي

ص: 270

إنكسار جدار يريد أن ينقض فيحكم العقل بأن الطعام لا يؤكل وأن الجدار لا يقام تحته وذلك تفصيل لما علم بالعقل إجمالا وهو وجوب اجتناب المضار وما نحن فيه كذلك للقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم: بعث لتحصيل المصالح ودفع المضار وخبر الواحد تفصيل له فإذا أفاد الظن وجب العمل به مطلقا انتهى ولكن شارك أبا الحسين في مدعاه أدلة أخرى معروفة وقد أجاب من لم يقل بالدليل العقلي على خبر الآحاد وادعى بأنه ليس عليه دليل إلا من السمع عن هذا الدليل بما هو معروف في الأصول.

"والمراسيل عند المخالف" وهو القائل بأنها لا تقوم بها حجة "لا تثمر الظن الراجح على الإطلاق وإن أثمر بعضها" الظن الراجح "فهو مقبول بالاتفاق كما سيأتي وإنما وقع الخلاف" بين الفريقين "فيما لا يثمر" ظنا راجحا "وما لا يرتقي إلى مرتبة أخبار الآحاد التي قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه" أي في إفادة الظن وكأنه يريد فيما يثمر ظنا راجحا كما قلناه لا أنه يثمر ظنا ويقولون إنه يعمل به ولا يقول هذا أحد فإن العمل لا يكون إلا بعلم أو ظن ولا يجوز العمل تخمينا إلا أن ينص الشارع إلى وجوب العمل به وجب وإن لم يحصل ظنا كالحكم بالعدلين إذا شهدا فإنه يجب عليه الحكم حصل له ظن أول ولعل قابل الآحاد يقول إنه يجب العمل بها وإن لم تثمر ظنا فيتم ما قاله.

واعلم أن حقيقة الظن الاعتقاد الراجح بأحد المجوزين فالراجحية لازمة لحصول الظن فإن استواء الظرفين شك كما عرف في الأصول وبها يختلف قوة وضعفا فإذا عرفت هذا فالخبر المرسل إن أفاد الظن عمل به عند الفريقين وإن لم يثمره عمل به عند أحدهما فعرفت أن تقسيم المصنف للمرسل إلى ما يثمر ظنا راجحا وإلى ما يثمر ظنا غير راجح أو إلى مالا يثمر ظنا أصلا غير صحيح إلا أن يحمل راحجا على أن المراد قويا وغيره على ظن غير قوي أو يحمل قول راجح على أنه وصف كاشف ويراد بالآخر أنه لا يثمر ظنا أصلا وفي قوله وما يرتقي إلى آخره تأمل إلا أن يكون من عطف الخاص على العام.

"وأما الوجه الثالث" من وجوه قابل المرسل "وهي" الأولى وهو كأنه أنته لكونه في معنى الحجة "حمل الراوي" الأحسن المرسل "وعلى السلامة والقول بأن عدم القبول" لما أرسله "تهمة له بقبيح" هو الكذب ونحوه "فهذا" الوجه "مبني على أصلين" لا يتم إلا بصحتها وسيعلم أنه لا صحة لهما فإن "أحدهما قد انكشف خلافه وثانيهما متنازع

ص: 271

فيه فأما الأول فهو أن المحدثين قالوا إن الحمل على السلامة يزول متى انكشف خلافه" إذ الحمل على السلامة مجرد إحسان ظن فإذا ما يطل الظن دل على عدم صحة أمارته "قالوا ونحن قد جربنا وساء لنا الثقات" على ثلاثة أوجه:

الأول: قوله: "فمنهم من أسند الرواية" التي أرسلها "إلى ما لا يرضاه المرسل هو بنفسه ولا غيره" من ذلك قول أبي حنيفة ما رأيت أكذب من جابر الجعفي وحديثه عنه موجود وقول الشعبي حدثني الحارث الأعور وكان كذابا وحديثه عنه موجود.

والثاني: قوله: "ومنهم من أسند الرواية إلى من يقبله" هو "وغيره لا يقبله فقد وقع الاختلاف في الجرح والتعديل كثيرا" فقد أسند الشافعي عن ابن أبي يحيى وأسند مالك عن عبد الملك بن أبي المخارق وأحمد بن حنبل عن عامر بن صالح والكل متكلم فيه كما يأتي آخر هذا البحث.

والثالث: قوله: "ومنهم من أسند الرواية إلى ثقة مقبول" كما تقدم في حديث البراء وأبي هريرة.

إن قيل: ما الحامل لمن كان لا يرسل إلا عن ثقة إلى الإرسال قلت: قال الحافظ ابن حجر إن له أسبابا منها أن يكون سمع الحديث عن جماعة ثقات وصح عنده فيرسل اعتمادا على صحته عن شيوخه كما صح عن ابراهيم النخعي أنه قال ما حدثتكم عن ابن مسعود فقد سمعته عن غير واحد وما حدثتكم به وسميت فهو عمن سميت ومنها أن يكون نسى من حدثه وعرف المتن فذكره مرسلا لأن أصل طريقته أن لا يحمل إلا عن ثقة ومنها أن لا يقصد التحديث بل يذكره على وجه المذاكرة أو على جهة الفتوى فيذكر المتن لأنه المقصود في تلك الحالة دون السند ولا سيما إذا كان السامع عارفا بمن روى فتركه لشهرته وغير ذلك من الأسباب.

"قالوا" أي أئمة الحديث "فلأجل اختلاف أحوال الثقات" ممن يطوون ذكره عند الإرسال "لم نأمن أن يكون المرسل ممن يرسل عن الضعفاء بمرة فاحترزنا وتركنا الجميع" سيما وقد حصل لهم من التتبع أن المرسل عن الثقات المتفق عليهم قسما واحدا فصار معلوم بين القسمين الآخرين ومجهولا أيضا.

"وأما الأصل الثاني" من الأصلين الذين بنى عليهما الأصل الثالث "وهو قول أصحابنا إن عدم القبول تهمة للمرسل بقبيح" وهو الكذب ونحوه والتهمة لا يجوز العمل عليها "فهو أيضا يشتمل على نقض لجواب المحدثين المقدم" وهو قولهم ونحن

ص: 272

قد جربنا وساء لنا الثقات إلى آخره "فلنقدم تحريره" أي تحرير كلام الأصحاب "ثم نورد عذر المحدثين فيه أما النقض الوارد عليهم" أي المحدثين "فلأصحابنا أن يقولوا قولكم إن في العدول" أي الثقات كما هي عبارتهم آنفا "من بحث" مبنى للمجهول أي عن سند ما أرسله وتفصيل ما أجمله وكشف ما ستره وأهمله "فأسند إلى من لا يقبل" عنده وعند غيره وهو القسم الأول من الثلاثة "غير مسلم" عدالة من فعل ذلك "فإنا ننازع في عدالة من فعل هذا" لأنه خيانة للمسلمين وحمل على العمل والرواية عمن لا يجوز العمل بروايته ولا الرواية بما رواه.

قلت: لا يعزب عنك أن هذا النقض لا يتم إلا بعد تقرر أن من نقض قائل إنه لا يقبل إلا مرسل من أرسل عن ثقة عنده أو ثقة مجمع عليه والذي تقدم أن الزيدية يقولون بقبول المرسل مطلقا كالحنفية وفي شرح الغاية وغيرها أن قبول المرسل مطلقا رأي أئمتنا أي أئمة الزيدية وقال المصنف في الروض الباسم في بحث كفار التأويل ما لفظه فالزيدية إن لم يقبلوا كفار التأويل وفساقه قبلوا مرسل من يقبلهم وإن لم يقبلوا المجهول قبلوا مرسل من يقبله ولا يفرق بينهم من يحترز عن هذا البتة وهذا يدل على أن حديثهم أي الزيدية في مرتبة لا يقبلها إلا من يجمع بين قبول المراسيل بل المقاطيع وقبول المجاهيل وقبول كفار التأويل والفساق من أهل التأويل انتهى بلفظه فكيف يتم لهم هنا هذا الجواب القاضي بأن مراسيلهم لا تكون إلا عمن يرسل عن الثقات وقال أيضا قد بينا أن الزيدية أحوج الناس إلى قبول المبتدعة وأن مدار حديثهم على من يخالفهم وأن كثيرا من أئمتهم نصوا على قبول كفار التأويل وادعوا الإجماع على ذلك وأن أئمة الزيدية يقبلون مراسيل أولئك كالمنصور والمؤيد والإمام يحيى والقاضي زيد القاضي عبد الله بن زيد وغيرهم انتهى بلفظه.

قلت: ومراده بالمؤيد أحمد بن الحسين الهاروني ولكن الذي رأيته في خطبة التجريد له ما لفظه وعندنا لا يحل لأحد أن يروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا سمعه من فم المحدث العدل فحفظه ثم يحدث كما سمعه فإن كان إماما تلقاه بالقبول وإن كان غير إمام فكذلك ثم رواه غير مرسل وصح عنده فإن المراسيل عندنا وعند عامة الفقهاء لا تقبل ولقد أدركت أقواما ممن لا يتهم يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحفظون السند فما قبلت أخبارهم ول نقبلها عنهم لعدم حفظهم للأسانيد انتهى بلفظه.

ص: 273

"وجواب المحدثين على هذا" النقض أنهم "لا يسلمون إطلاق اسم القبيح على مثل هذا" فلا يتم قولهم إن عدم القبول تهمة للمرسل بقبيح "لأن هذه المسألة" أي الإرسال عمن ليس بعدل "ظنية مختلف فيها فالمرسل أن يعتقد أن المرسل" غير مقبول فيرسل عنه "و" يعتقد "أن على من سمعه البحث" لكن لا يخفى أن هذا الصنيع توعير لمسلك الشريعة السمحة السهلة.

"فإن جاء" المرسل "بلفظ التمريض" كروى ونحوه "والبلوغ" بلغنا كذا "فظاهر" أنه لم يجزم وعدم الجزم باعث على البحث عن الراوي "فإنه يصدق فيه" أنه بلغه سواء كان صحيحا أو ضعيفا.

"وإن كان الراوي له مجروحا" بل لا ينبغي أن يأتي بتلك الألفاظ إلا مع القدح في الراوي "والعنعنة" يأتي تحقيقها اشتقاقا وحكما قريبا "قريب من ذلك في الاحتمال" فإن لها احتمالات "على أني لم أجد لأحد من أهل المذهب نصا أن هذا يسمى مرسلا" قال المصنف في العواصم لا أعلم أحدا ذكر البلوغ أو الرواية بلفظ ما لم يسم فاعله في المراسيل ولا فيما يجب قبوله من أخباره الثقات.

"وإن جاء بلفظ الجزم" عطف على قوله فإن جاء بلفظ البلوغ إلى آخره "فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا" أي الذي أتى فيه الراوي بصيغة الجزم "هو الذي نص الأصحاب على تسميته مرسلا فالمحدثون اعتذروا عنه بأمرين أحدهما ما ذكره قاضي القضاة وهو أنا لا نسلم أن هذه الصيغة الجازمة تدل على ثقة المرسل بصحة ما أرسله" وأنه لم يجزم بإرساله إلا لثقة من أرسل عنه "فأن يجوز لمن ظن صحة الحديث" ولو كان عن مجروح "أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى ذكره عنه" أي عن قاضي القضاة والقياس عنهم لأنه للمحدثين "أبو الحسين في المعتمد عند الكلام على الترجيح وعلى هذا لو ظن ذلك من خبر مجروح العدالة جاز له أن يقول ذلك وإن لم يجز له العمل" لأنه لا يجوز العمل إلا بخير العدل لأنه الذي تعبدنا بالعمل بخيره وهذا مبني على أن الرواية ليست بعمل وإلا فالأقوال داخلة تحت الأعمال كما قررناه في حواشي شرح العمدة في الكلام على حديث: "إنما الأعمال بالنيات".

"كما قد يجوز العمل حيث لا تجوز الرواية عند بعض العلماء كما يأتي في باب الوجادة وهي العمل بالخط وذلك أن للعمل شرطا وللرواية شرطا فشرط العمل الظن الصادر عن أمارة لم يرد الشرع بالمنع من العمل بها ولا عارضها أرجح منها ولا مثلها

ص: 274

على خلاف في" الأمارة "المماثلة لها" دليله أنه صلى الله عليه وسلم لما أمر الصحابة أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة وخشوا خروج الوقت قبل دخولها أي بني قريظة صلى جماعة عملا بظنهم أن الأمر مقيد بعدم خروج الوقت وعمل آخرون بخلافه ظنا أنه أمر مطلق فهذا عمل عن أمارة لم يرد المنع من الشرع بالعمل بها وقد تعارضت الأمارتان الإطلاق والتقييد إذ الكل قد ورد في الشرع فعملت كل طائفة بأمارة وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك وإنما اختلف في الأمارة المماثلة لما عارضها لأنه يكون العمل بإحداهما دون الأخرى تحكما ومن خالف قال هو مخير بين الأمارتين لتماثلهما.

"وشرط الرواية عدم تعمد الكذب" فهذا شرط في الراوي أن لا يتعمد كذبا "لا سوى" لا غير ذلك من الشروط إلا أنه لا يخفى أن شرط الراوي العدالة وهي أخص من هذا الذي ذكر ولا يصح أن يريد تعمد الكذب مع العدالة فإن عدم تعمده داخل في مفهومها "وإليه الإشارة بحديث "من كذب علي متعمدا" 1" أو إلى أن شرط الرواية عنه صلى الله عليه وسلم عدم تعمد الكذب وهذا مشكل إذ يلزم منه قبول رواية من ليس بمسلم إلا أن يريد مع كونه مسلما ثم رأيت المصنف قد أورد هذا السؤال على نفسه في مسألة قبول كفار التأويل وأجاب عنه بما يأتي.

واعلم أن بين الرواية والعمل عموما وخصوصا من وجه فقد يعمل بالقياس وقد يروى المنسوخ فما كل عمل برواية ولا كل رواية يعمل بها ويجتمعان في رواية يعمل بها وحينئذ يتحد شرط الرواية وشرط العمل فالتفرقة بين شرط الرواية وشرط العمل ليس له كثير فائدة على تقدير ثبوته وكأنه يريد أن هذا شرط لرواية لا يعمل بها كالإسرائيلات ونحوها لكنه لا يساعد عليه قوله هل جاز العمل أو لم يجز ويريد سواء عمل بها أو لم يعمل واستعمال هل في هذا المعنى لا أعرفه في العربية ويحتمل أن النسخة غلطا إلا أنى قد قابلتها على نسخ من التنقيح.

"فقد يروي الثقة" التعبير بالثقة عود إلى شرط رواية العمل وكان الأولى فقد يروى من لم يتعمد الكذب "المنسوخ والمرجوح وعن الثقة والضعيف والمجروح" مما لا يعمل به "بل قد صح: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة2 أي لا إثم عليكم ولا تضييق في الحديث عنهم والمراد التحديث عن أحوالهم

1 سبق تخريجه.

2 أبو داود 3662. والترمذي 2669. وأحمد 2/159، 202.

ص: 275

وتصاريفها وتقلبهم في البلاد لا عما يخبرون به عن الله وعن كتبه مما ل يصدقه كتابنا ولا كلام رسولنا صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه تعالى قد حكى أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه وأن منهم أميون لا يعملون الكتاب إلا أماني ويحتمل أن المراد حدثوا عن المؤمنين من بني إسرائيل ما يحدثونكم به من أخبار كتبهم وأحكامها وذلك كقوله تعالى: {فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94] إلا أنه تعبد ول يتم به مراد المصنف وقد ورد في حديث آخر: "إذا حدثكم بنو إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم" 1 ومراد المصنف الاستدلال بأنه يؤاذن الشارع بالتحدث عن قوم ليسوا بمسلمين فضلا عن المجاريح.

"وقد يروى عن المجروح متقويا به وهو متعمد" في العمل "على عموم أو قياس أو" معتمد "على الأصل وهو" أحد الأمرين "الإباحة أو الحظر على حسب رأيه في ذلك" إذ العلماء مختلفون هل الأصل في الأشياء هو الإباحة أو الخطر كما هو معروف في الأصول "ولو لم يكن معه إلا الحديث الذي رواه لم يستجز العمل" وإن جاز أن يرويه فعمل الراوي بالحديث الضعيف لا يدل على أنه مستند إليه إلا أنه يشكل على هذا قولهم العمل على وفق الحديث الضعيف يدل على قوته أو على أن له أصلا.

"أقصى ما في الباب أن يجويز هذا ضعف عند الناظر فيه" إذ التجويزات تحمل جزم الثقات في الروايات على أنهم جزموا بالرواية عن الضعفاء والمجاريح تجويز مستبعد ضعيف "لكنا قد رأينا العلماء والثقات يذهبون إلى مذاهب ضعيفة ولأجل تجويز ذلك عليهم" على العلماء والثقات "امتنع جواز تقليد المجتهد لهم بعد اجتهاده" فيه أبحاث:

الأول: أن امتناع تقليد المجتهد ليس لأجل أن المجتهد والرواة قد يذهبون إلى مذاهب ضعيفة بل علة امتناع تقليده لغيره هو الإجماع كما نقله ابن الحاجب واستدل به وأقره العضد وغيره وتبعه الآخذون من كتابه كالفصول ومؤلف الغاية وشرحها وإنما الخلاف هل يجوز له أن يقلد قبل اجتهاده في الحادثة فالجمهور على أنه أيضا يحرم عليه التقليد لغيره لأنه مأمور باتباع ظن نفسه الحاصل عن الأدلة لا باتباع ظنون المجتهدين واستدلوا أيضا على تحريمه بأن جواز تقليده لغيره حكم شرعي لا بد من الدليل عليه ولا دليل وبأن التقاليد بدل عن الاجتهاد جوز ضرورة لمن لا يمكنه

1 أحمد 4/136، والحاكم 3/358.

ص: 276

الاجتهاد ولا يجوز الأخذ بالبدل مع التمكن من المبدل منه كالضوء واليتيم ولأن عمله يخالف ظنه جرأة منه محرم.

الثاني: قوله إنه جعل قبول خبر الثقات تقليد وقد تقدم له أن قبول خبر الثقات ليس بتقليد اعترض بذلك عبارة الحافظ ابن حجر في عدد أحاديث البخاري.

الثالث: قوله "وامتنع الاحتجاج بأقوالهم" إن أراد احتجاج المجتهد فهو الأول إذ الاحتجاج بها تقليد لهم وإن أراد احتجاج المقلد لهم فمشكل لأن أقوال المجتهدين حجة في حقه سواء كانت لهم مذاهب ضعيفة أولا فإنهم لم يشترطوا في الأصول أنه لا يقلد إلا مجتهدا ليس له قول ضعيف وإن أراد الاحتجاج بروايات المرسلين فمع عدم وضوح عبارته في هذا المراد فهو غير صحيح إذ هو محل للنزاع.

"ولذلك" أي ولأجل أن التجويز والاحتمال يمنع من الجزم بنسبة القول المحتمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان المختار الذي صححه المنصور بالله وأبو طالب والجمهور أن الصحابي إذا قال قولا في أمر الشريعة" من تلقاء نفسه ولم ينسبه إليه صلى الله عليه وسلم "لم يكن حكمه حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: متى كان يحتمل وجها في الاجتهاد صحيحا أو فاسدا فجعلوا احتمال الوجه الفاسد مانعا من الجزم بنسبة القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم" فكذلك إذا احتمل قول التابعي أو غيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عن ضعيف أو مجروح كان مانعا عن كون الصيغة الجازمة تدل على ثقة المرسل بصحة ما أرسله.

"فمتى قدرنا أن قول الثقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتمل أنه يستجيزه الثقة إذا سمعه من مجروح يظن صدقه فيستحل بروايته" التي رواها عن المجروح "الراوية دون العمل امتنع الجزم بصحته سواء كان هذا الاحتمال صحيحا في نظرنا نحن أو ضعيفا" كما أن قول الصحابي الذي احتمل وجها في الاجتهاد فاسدا ولا يحل معه نسبة ما قاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فمجرد الاحتمال مانع إلا أنه لا يخفى الفرق بين المسألتين فإن الصحابي لم ينسب قوله إليه صلى الله عليه وسلم بخلاف المرسل فإنه نسبه إليه صلى الله عليه وسلم ثم الاحتمال في كلام الصحابي واضح بل الأصل أنه حيث لم ينسبه ليس إلا قولا له بخلاف الثقة المرسل فقد نسب ما رواه إليه صلى الله عليه وسلم فالعلة هي ما يفيده مما يأتي قريبا ثم إن من في كلام المصنف ما يشعر بأنه إذا لم يحتمل كلام الصحابي وجها في الاجتهاد جاز

ص: 277

نسبة كلامه صلى الله عليه وسلم إليه وفيه بحث ظاهر وكن يغني عن قوله ولذلك كان المختار إلى آخره.

قوله: "قالوا وكيف لا يجوز هذا" أي يجعله جائزا عن الثقات "وقد جربناه في حق كثير من الثقات" قد قدمنا شطرا من أمثلة ذلك "والتجويز بعد التجوبة ضروري لا يمكن الإنفكاك عنه" وصف كاشف للضروري وهذا هو الدليل الناهض على رد المرسل ولما استشعر من هذا أنه يقال وكيف يجوز للثقة أن يروي عن المجروح ويجزم بنسبة ما يحدث به إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أجاب عنه بقوله "وإذا جاز هذا عليهم" أي الثقات "على جهة التأويل" منهم للإرسال عن المجاريح "لم يكن جرحا فيهم" في الثقات المرسلين لأنه بالتأويل ينتفي الجرح والتأويل هو ما تقدم وبيان أنه ليس بجرح بعد التأويل "لأن المسألة إن كانت ظنية فلا إثم عليهم وهي كذلك" أي ظنية "ولو كان خطؤهم قطعيا" من باب الفرض "فلا دليل على أنه فسق وذنب المتأول إذا لم يبلغ الفسق لم يقدح به إجماعا" فكذلك لم يكن إرسال الثقات عن المجاريح قادحا في الثقات فإذا بلغ ذنب المتأول الفسق كانت مسألة فساق التأويل وسنأتي.

"هكذا ذكره أصحابنا" كأنه يريد من قوله وذنب المتأول بدليل قوله "وذلك كخطأ المعتزلة عندنا في الإمامة" فإنهم يقولون الإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الترتيب الواقع بعد وفاته ويقولون بجوازها في غير أولاد علي رضي الله عنهم وفاطمة عليهم السلام والزيدية يقولون إن مسألة الإمامة قطعية ومخالفة القطعي عندهم فسق فليس التمثيل به كالممثل له "فثبت أنه يجوز على الثقة انه يستجيز إرسال الحديث عن المجروح وإنا لو عرفنا أنه" أي الإرسال عن المجروح "فعله مستحلا لم نقدح في عدالته" الذي سلف قريبا أنه لا يقدح في عدالته بذلك إن فعله متأولا وهذا ينافي ما سلف والذي تقدم هو الحق إذ من يستحل الرواية عن المجاريح والوضاعين والكذابين فقد استحل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحلاله كبيرة وقيل كفر.

"الأمر الثاني" من اعتذار المحدثين عن قبول مرسل الثقة الذي جزم بنسبته إليه صلى الله عليه وسلم أنه قال المحدثون "سلمنا أن الثقة لا يصح على كل تقدير أن يستجيز الرواية" أي الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلا حيث يجوز العمل وأن ذلك" أي استحلاله الرواية دون العمل "لو فرض صدوره عنه كان قدحا في عدالته"

ص: 278

لإغرائه غيره على العمل بما لا يحل عنده العمل به "لكن ما المانع من أن يثق بمن لا نستجيز" معشر المحدثين "الرواية عنه لو صرح" المرسل "به" بمن روى عنه "مثل تجويز أن يروى عن مجهول وحديثه عنده مقبول أو عن سيئ الحفظ مختلف فيه أو عن مجروح جهل هو جرحه وقد عرفنا نحن جرحه أو عن مغفل قد استوى حفظه وسهوه ومذهبه قبوله مطلقا أو قبوله مع الترجيح أو نحو ذلك مما اختلف فيه".

أما جهل المرسل لجرح من أرسل عنه فليس من مسائل الخلاف فإن إرساله عنه جاهلا لجرحه غير قادح في إرساله وإن كان قدحا في المرسل فما كان يحسن عده مما اختلف فيه كما لا يخفى "فيؤدي" أي قبول مرسل الثقة المجزوم به "إلى تقليد المجتهد" القابل للمرسل "لغيره" وهو المرسل "في مسائل الاجتهاد" كقبول المغفل ونحوه "وبنائه" أي المجتهد "لاجتهاده على تقليد" المرسل والمجتهد لا يجوز له التقليد فإن قلت: قد تقدم للمصنف غير مرة أن قبول خبر العدل ليس تقليدا له قلت: ذلك فيما إذا أخبر العدل عن غير إرسال إذ هو الذي قام الدليل على قبول خبره كما عرفته.

إن قلت: هذا بعينه يجري في القدح المطلق والتعديل المطلق لاختلاف العلماء فيما يقدح به وفيما يشترط في العدالة فقابل القدح المطلق والتعديل المطلق ينبغي أن يكون مقلدا لا مجتهدا لأنه يبني اجتهاده على رأي غيره تجريحا وتعديلا.

قلت: لا محيص عن هذا ويأتي بسطه في محله.

"وهذا العذر الثاني" الذي ذكره المحدثون "أقرب من الأول والجواب عليه" من طرف قابل المرسل "أصعب وتلخيصه" أي هذا الجواب "أن تصحيح" العالم "الحديث أمر ظني نظري اجتهادي" زيادة في البيان وإلا فقد أغنى عنه نظري "ولا يجوز للمجتهد أن يقلد غيره في نحو ذلك" لا يخفى أن التقليد لا يجوز للمجتهد في شيء فليس للظرف مفهوم ويأتي توفيه الكلام فيما ذكره قريبا.

"ويرد على المحدثين هنا سؤالان: أحدهما أن يقول من عرف بالإرسال عن المجاريح" أي متأولا "كانت هذه علة مانعة من قبول حديثه" إن أريد حديثه الذي أرسله فهم قائلون بذلك فلذا لا يقبلون مرسله ولا مرسل غيره وإن أريد حديثه الذي أسنده فلا مانع عن جعله علة فيه أيضا "وإن لم يكن" إرساله عن المجاريح "قدحا مؤثرا في دينه" لما سلف من تأوله وأن ذنب المتأول لا يقدح به إجماعا ما لم يبلغ الفسق وذلك أنه يكون بإرساله عن المجاريح "كالصدوق المغفل بمرة" فإنه غير مقبول.

ص: 279

"لكن الظاهر من الثقات أنهم لا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير طريق صحيح" لا يخفى أن هذا الاستدراك هو محل السؤال ولكنه قد تقدم م يغني عنه مرارا أقربها قوله إنهم جربوا فوجدوا الثقات أرسلوا عن غير العدول وهو معني أرسلوا عن غير طريق صحيح فهذه التجربة عارضت الظاهر "ولهم" أي للمحدثين "أن يقولوا هنا ما تريدون بأن الظاهر أنهم لا يقولون ذلك من غير طريق صحيح هل صحيحة عندهم? فمسلم" على أحد التقادير وإلا فمن التقادير أنه قد يروى الثقة عن المجاريح اتكالا على بحث السامع عن سند الحديث كما تقدم في قوله فللمرسل أن يعتقد أن المرسل غير مقبول وأن على من سمعه البحث إلى آخره "ولا يضر تسليمه" على غير ذلك التقدير "أو" يريدون "صحيحة مجمع على صحتها" حتى يلزم قبول المرسل "فغير مسلم" لما عرفت أن إرسالهم من لا يرتضيه الأكثر "وهو جواب متجه".

وقد عرفت من سياق السؤال والجواب أن المراد إذا كانت هذه علة مانعة من قبول حديثه أي المرسل وهو أحد شقي الترديد الذي قدمناه وعلمت أنه مراد المحدثين فليس محلا للسؤال ولا الجواب.

"السؤال الثاني" مما يرد على المحدثين على تقريرهم رد المرسل "أن يقال" لأهل الحديث "أنتم قد أجزتم العمل بالحديث متى قال الحافظ الثقة إنه حديث صحيح وعلى هذا عمل المتأخرين وقد تقدم نصهم على جوازه" حيث قسموا الصحيح إلى سبعة أقسام منها ما حكم إمام بصحة الحديث بل تقدم عن ابن الصلاح أنه ليس لأحد أن يصحح في هذه الأزمنة بل عليه أن يرجع إلى ما صححه القدماء "مع أن يحتمل أن يصحح الثقة الحافظ حديث المجهول والصدوق المغفل إذا لم يتحقق أن خطأه أكثر من صوابه أو نحو ذلك مما اختلف فيه أهل العلم وجاز على الثقة الحافظ أن يذهب إليه فإذا جاز العمل به مع هذه الاحتمالات جاز العمل بحديث المرسل مع تلك الاحتمالات" من غير فرق.

"ولهم" أي المحدثين "أن يجيبوا" عن هذا السؤال "فيقولوا: أما قدماء الحفاظ فلم يعرف عنهم بالنص أنهم كانوا يجيزون ذلك" أي تصحيح أحاديث من ذكرتم "والصحيح أنه لا يكون العالم مجتهدا مع تقليده في تصحيح الحديث" لجواز أن من قلده في تصحيح الحديث بنى ذلك التصحيح على قواعد مخالفة فيها فيكون قد بنى

ص: 280

اجتهاده على تقليد غيره "وإنما يكون" من قلد غيره في تصحيح الحديث "مرجحا لا سوى".

اعلم أنه تقدم للمصنف كلامان متناقضان في هذه المسألة ولنوف البحث حقه فيها فإنه لا غناء للناظر من تحقيقها وقد كنت كتبت فيها رسالة جواب سؤال سميتها إرشاد النقاد إلى تيسر الاجتهاد اشتملت على فصول تتعلق بأطراف سؤال ورد في غير ذلك فنذكر هنا ما يتعلق بالبحث هذا كما وعدنا به فيما سلف فنقول:

قد عرفنا أنهم رسموا الصحيح بأنه الذي اتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط عن مثله مع السلامة من الشذوذ والعلة فإذا قال العالم الحافظ كالبخاري مثلا هذا حديث صحيح فمعناه أنه متصل الإسناد وأن رواته كلهم عدول تام ضبطهم لم يخالف فيه الثقة ما رواه الناس وليس فيه أسباب خفية طرأت عليه تقدح في صحته فقوله صحيح يتضمن الإخبار بالجمل الخمس وقد تقرر بالبرهان الصحيح قبول خبر العدل وتقرر به أيضا أن قبوله ليس من باب التقليد كما عرف ذلك في أصول الفقه وقدم المؤلف ذلك فأخبار العدل بأنه حديث صحيح إخبار بعدالة رواته وتمام حفظهم وعدم شذوذ ما رووه وعدم إعلاله ولا يخفى أن قبول خبره قد يفيد بأنه سواء دل على تعديله بالتضمن أو التزام أو المطابقة وقد جعل أئمة الأصول والحديث من طرق التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة وعمل العالم بروايته ورواية من لا يروي إلا عن عدل ومعلوم أن دلالة هذه الطرق على عدالة الشاهد والراوي إلزامية فقول الثقة حديث صحيح يتضمن إخباره بالأمور الخمسة التي ذكرناها بالتضمن بل قول المعدل فلان عدل عبارة عن أنه آت بالواجبات مجتنب للمقبحات فلفظ عدل دل بالتضمن على الأخبار بالعدالة فكما أنا حكمنا بأن قوله عدل أو ثقة خبر يجب قبوله وليس قبوله تقليدا كذلك قوله صحيح.

فإن قلت: إخباره بأن الحديث صحيح إخبار بما ظهر له ويحتمل أنه في نفس الأمر باطل.

قلت: وكذلك إخباره بأن زيدا عدل إخبار عن ظنه بأن آت بالوجبات مجتنب للمقبحات بحسب ما رآه أو أخبر به مع جواز أنه في نفس الأمر غير مسلم وقد أمرنا بقبول خبر المعدل بأن فلانا عدل مثلا فهذه التجويزات لا نكلف بها على أن البخاري مثلا ليس معه في كون الرواة الذين لم يلقهم وهم شيوخ شيوخه عدولا إلا

ص: 281

إخبار العدول بأنهم ثقات حفاظ فقبولنا لخبره بأن الحديث قد عدلت نقلت: هـ كقبوله لأخبار الثقات بأن الرواة الذين رووا عنهم حفاظ ثقات فكما أنهم لا يجعلون البخاري مقلدا في التصحيح مع أن عدالة من صحح أحاديثهم متلقاة عن إخبار من قبله فكذلك نحن في قبولنا لأخباره بعدالة رواة الحديث الذي صححه.

وأنت إذا نظرت إلى أئمة النقاد كالحاكم أبي عبد الله وأبي الحسن الدارقطني وابن خزيمة ونحوهم كالحافظ المنذري وجدت تصحيحهم لأحاديث قوم وتضعيفهم لأحاديث آخرين دائرا على الاستناد إلى كلام الحفاظ فبلهم كيحيى بن معين وأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم من أئمة هذا الشأن وأنه ثبت لهم عنهم أو عن أحدهم الأخبار بأن فلانا حجة أو عدل أو ثبت أو نحوها من عبارات التعديل وكذلك التضعيف يدور على إخبار أولئك وأمثالهم بأن فلانا كذاب أو نحوه ثم حكموا بصحة الحديث أو ضعفه مستندين في الأمرين على إخبار من قبلهم ألا ترى أنه تجنب الرواية عن ابن اسحق جماعة من أئمة الصحيح لكلام مالك وقدحه فيه وتجنب الرواية عن الحارث الأعور من تجنبها لقدح الشعبي فيه مع أنهم لم يلاقوا الحارث ولا ابن اسحق وإنما قبلوا أخبار من لاقاهم فعرفت أن البخاري ومسلما مثلا لم يلقيا إلا شيوخهما وبين شيوخها إلى الصحابة وسائط كثيرون اعتمدوا في توثيقهم وعدمه على الرواية عن الأئمة من قبلهم.

فإذا كان الواقع من مثل البخاري من تصحيحه الأحاديث تقليدا لأنه بناه على إخبار غيره عن أحوال الرواة الذين صحح حديثهم كان كل قابل لخبر من أخبار الثقات مقلدا وإن كان الواقع من التصحيح من البخاري مثلا اجتهادا مع بنائه على قبوله لأخبار من قبله عن صفات الرواة فيكون أيضا قبولنا الخبر البخاري عن صحة الحديث المتفرع عن إخبار الثقات اجتهادا فإنه لا فرق بين الأخبار بأن هؤلاء الرواة ثقات حفاظ وبين الأخبار بأن الحديث صحيح وإلا بالإجمال والتفصيل وكأهم عدلوا عن التفصيل إلى الإجمال اختصارا أو تقريبا لأنهم عقبوا كل حديث بقولهم رواته عدول تاموا الضبط ورووه متصلا ولا شذوذ فيهولا علة لطالت مسافة الكلام وضاق نطاق الكتاب الذي يؤلفونه من الاستيفاء لأحاديث الأحكام فضلا عما سواها من الأحاديث على أن هذا التفصيل لو جاءوا به لا يخلو عن الإجمال إذ لم يذكر فيه كل راو على انفراده بصفاته بل التحقيق أن قولهم عدل مراد به آت بالواجبات مجتنب للمقبحات

ص: 282

محافظ عل المروءات فهو أيضا غير مفصل للمراد كما ذكرناه.

فإن قلت: من شرائط الصحة السلامة عن الشذوذ والعلة وليس مدار هذين الأمرين الأخبار بل التتبع لطرق الأسانيد والمتون.

قلت: أما أولا فالشذوذ والإعلال نادران والحكم للغالب لا للنادر ألا ترى أن الراجح العمل بالنص وإن جوز أنه منسوخ عملا بالأغلب وهو عدم النسخ وقد تقدم للمصنف أن ظاهر الحديث المعل السلامة عن العلة حتى تثبت العلة بطريق مقبولة.

وأما ثانيا فإن قول الثقة هذا حديث صحيح أي غير شاذ ولا معل إخبار منه أيضا بأنه لم يقع في رواته راو ثقة خالف الناس فيهولا وجدت فيه علة قادحة وهذا في الحقيقة خبر عن الراوي بصفة زائدة على مجرد عدالته وضبطه أو إخبار عن حال المتن بأن ألفاظه مصونة عن ذلك وليس هذا خبرا عن اجتهاد بل عن صفات الرواة والمتون وفي التحقيق هي أخبار عائدة إلى تمام ضبط الرواة وتتبع مروياتهم حتى أحافظ بألفاظها فالكل عائد إلى الأخبار عن الغير لا عن الاجتهاد الحاصل من دليل ينقدح للمجتهد به رأي وإذا كان خبرا فوجوب قبوله اجتهاد لا تقليد.

فإن قلت: قد أشار المصنف إلى وجه كون قبول تصحيح الغير تقليدا له في التصحيح بأنه قد اختلف العلماء في شرائط القبول للتصحيح وقد يبني تصحيحه على شرط يراه من تابعه على تصحيحه ليس شرطا أو العكس.

قلت: التحقيق أنه قد وقع الإجماع على أنه يشترط في الرواة الصدق والضبط لروايته وفي ديانته يشترط أن يغلب خيره على شره هذا أمر مجمع عليه ومنهم من زاد شروطا وهي السلامة من البدعة والمحافظة على المروءة وجعل العدالة اسما لما لا يكاد يتحقق إلا في معصوم وقد بينا في رسالة ثمرات النظر في علم الأثر الأدلة على ما قررناه هنا من أن الشرط هو الأمران وأنه محل وفاق وأنه من شرط تلك الشروط لم يتم له الوفاء بها بل قبل خبر المبتدع بقدرو إرجاء ونصب ورفض إذا كان صدوقا وقد بسطنا هنالك ما يجزم الناظر فيه بأنه الحق فمن قال إن فلانا عدل أفادنا خبره أنه صدوق وأن خيره غالب على شره وهو الذي يقبل عندنا والذي قام عليه الاتفاق وإن رمى ببدعة قدر ونحوها فإنها لا تقدح في رواية الصدوق.

وإذا عرفت هذا تحصل لك أن من قبل خبر الثقة في التصحيح فهو مجتهد في قبول خبره كما يقبل سائر الأخبار عن الثقات ولا يكون بقبولها مقلدا والحمد لله ولم

ص: 283

نعلم أنا سبقنا إلى هذا التقرير.

"وأما المتأخرون" عطف على قوله أما قدماء الحفاظ وهم الذي تقدم نصهم على جواز العمل بتصحيح الثقة "فلهم" في الاعتذار عن العمل بتصحيح الغير "أن يقولوا إنا لا نجوز العمل بتصحيح الثقة الحافظ إلا حيث قد عرفنا مذهبه في شرائط قبول الأخبار فعرفنا أنه لا يقبل المجهول ولا الصدوق السيئ الحفظ ولا غير ذلك من المواضع المختلف في قبولها" الظاهر أن هذا لا بد منه كما أنا لا بد أن نعرف مذهب من يخبر بعدالة المجهول.

"ولهذا" أي لأجل شرط معرفة مذهب الثقة الحافظ "فإنهم لا يكتفون بتصحيح الحاكم أبي عبد الله في المستدرك" لما عرف من تساهله ورأيه في جعل الحسن صحيحا "إلا من يذهب مذهبه في تصحيح الحسان بل في تصحيح بعض الأحاديث التي يجوز بل يجب قبولها على قواعد كثير من الفقهاء والأصوليين وهذا جواب صحيح لكنه يتضمن الإقرار بقبول بعض المراسيل فإن الثقة الحافظ على كلامهم متى قال هذا إسناد صحيح ولا علة له وجب قبوله وإن لم يرولنا ذلك الإسناد الذي حكم بصحته وأي فائدة لنا في مجرد سماع أسماء الرواة" التي سردها الثقة "إذا كان يجوز لنا العمل بالحديث والرواية له من غير بحث عن رجاله" لعدم الفائدة إذ البحث عنهم. لي إلا لنعرف صحة الحديث أو عدمها وإذ قد أخبر الثقة أنه صحيح فقد تضمن خبره أنهم ثقات فهو كما لو أخبرنا عن كل واحد أنه ثقة لم يبق لنا حاجة إلى البحث عنهم.

"فثبت بهذا أن المتأخرين من المحدثين قد وافقوا على قبول بعض المراسيل" قلت: بل المتقدمون قد قبلوا تزكية من تقدسهم من الرواة وبنوا على ذلك تصحيح الحديث وتضعيفه فقبول المتأخرين للثقة في قوله إن المرسل صحيح كقبول المتقدمين للثقة في تزكية الرواة وغاية الفرق أنه في المرسل تزكية ضمنية وفي المسند تزكية مطابقية كما قررناه فلا عذر عن قبول المرسل الذي صححه "وهو ما نص على صحته ثقة عارف بهذا الشأن" يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة إلا أن هذا شرط عزيز وإنما قال قد وافقوا على قبوله "لارتفاع العلل الموهنة للمراسيل عن هذا النوع منها كما وافقوا على قبول مراسيل الصحابة لمثل ذلك" ومراده بمراسيل الصحابة هو ما إذا صرح الصحابي بأنه لم يسمع الحديث منه صلى الله صلى الله عليه وسلم وإلا فقد عرفت من تعريف المرسل أنه لا

ص: 284

يدخل تحته رواية الصحابة إلا عن رأي غير المحدثين.

"وبهذا تعرف أن القصد حصول الثقة بصحة الحديث لا مجرد الإسناد" فإن الإسناد إنما يحتاج إليه لينظر في رجاله فيصحح الحديث أو يضعف "و" يعرف "أن المرسل حيث يكون كذلك" أي مصححا "مقبول مثل ما ذهب إليه الشافعي في المراسيل كما تقدم أو مثل ما اتفق عليه جماهير العلماء والمحدثين فيما علقه البخاري تعليقا مجزوما به" فإنهم قبلوه لاشتراطه الصحة كما سلف وقد حصل الشرط في المرسل الموصوف وفي العلق بل المعلق مرسل على رأي بعض أئمة الأصول وتقدم تحقيق الكلام في تعاليق البخاري فتذكر.

"ومثل ما ذكرنا من الاكتفاء بتصحيح أئمة الحديث فهذا" أي قبول مراسيل من صحح المرسل "إذن محل اجتهاد وكل واحد يعمل بظنه ولا حرج" هذا عود إلى أن العامل بتصحيح الأئمة للحديث مجتهد كما قررناه "ولله الحمد والمنة".

"وقد استحب المحدثون على الإسناد في هذه الأعصار وإن أمكن الاستغناء عنه" بما صححه الأئمة وإنما استحبوه "لوجوه" ثلاثة:

"أحدها: تمكين من لم يستجز الاكتفاء بتصحيح الثقة من النظر في الإسناد" بذكر رجاله "على رأي من ذهب إلى أن هذا ممكن" وهو غير ابن الصلاح ومن تبعه "كما تقدم" وتقدم ما فيه.

الوجه "الثاني: تمكين من استجاز ذلك" أي الاكتفاء بتصحيح الثقة "من مرتبة النظر في الأسانيد المقوية للظن وإن لم تكن واجبة" لأنه مع الاكتفاء بما ذكر حصل له ما يجب عليه العمل به "فهي مرتبة شريفة مستحبة بغير شك" إذ العلم التفصيلي وإن أغنى عنه العلم بالجملى فإنه مستحب قطعا.

الوجه "الثالث: بقاء سلسلة الإسناد المخصوص بهذه الأمة المكرمة" فإنها قد رويت آثار باختصاصها به.

"ويلحق بها" أي بمسألة المراسيل "فائدتان:

إحداهما: أن الإسناد إذا كان فيه عن رجل أو شيخ فهو منقطع لا مرسل في عرف المحدثين" هكذا ذكره ابن الصلاح "قاله الحاكم" ونقله زين الدين وزاد قوله: "وابن القطان في بيان الوهم والإيهام". وقال الحافظ ابن حجر: فيه أمران:

ص: 285

أحدهما: أنه لم ينقل كلام الحاكم على وجهه وذلك أن كلام الحاكم يشير إلى تفصيل فيه وهو أنه إن كان لا يروى إلا من طريق واحدة مبهمة فهو منقطعا وإن روي من طريق مبهمة وطريق مفسرة فلا يسمى منقطعا لمكان الطريق المفسرة وذلك أنه قال في نوع المنقطع وقد يروى الحديث وفي إسناده رجل ليس يسمى ولا يدخل في المنقطع مثاله رواية سفيان الثوري عن داود بن أبي هند قال حدثنا شيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان يخير الرجل فيه بين الفجور والعجز فمن أدرك ذلك الزمان فليختر العجز" 1 قال ورواه وهب بن خالد وعلي بن عاصم عن داود بن أبي هند قال حدثني رجل من جديلة يقال له أبو عمر عن أبي هريرة رضي الله عنه به قال الحاكم2: فهذا النوع الوقوف عليه متعذر إلا على الحفاظ المتبحرين.

قلت: فتبين بهذه الرواية المفسرة أنه لا انقطاع في رواية سفيان وأما إذا جاءت رواية واحدة مبهمة فلم يتردد الحاكم تسمية منقطعا وهي قضية صنيع أبي داود في المرسل وغيره.

الثاني: أنه لا يخفى أن صورة المسألة أن يقع ذلك من غير التابعي أما لو قال التابعي عن رجل فلا يخلو إما أن يصفه بالصحبة أولا إن لم يصفه بها فلا يكون ذلك متصلا لاحتمال أن يكون تابعيا آخر بل هو مرسل على بابه وإن وصفه بها فإن كان التابعي سالما عن التدليس حملت عنعنته على السماع انتهى.

"وأما الجويني فقال وقول الراوي أخبرني رجل أو عدل موثوق من المرسل أيضا قال" الجويني "وكذلك كتب النبي صلى الله عليه وسلم التي لم يسم حاملها ذكره في البرهان" قال فيه وإنما ألحق هذا القسم بالمرسلات من جهة الجهل بناقل الكتب ولو ذكر من يعزو الخبر إلى الكتاب ناقل الكتاب وحامله التحق الحديث بالمسندات. انتهى.

"قال زين الدين: وفي كلام غير واحد من أهل الحديث أنه متصل" إلا أنه يقال "في إسناده مجهول وحكاه الرشيد المطار في الغرر المجموعة عن الأكثر واختاره شيخنا الحافظ أبو سعيد" يريد العلائي "في كتاب جامع التحصيل انتهى" كلام زين الدين.

1 رواه الحاكم في: معرفة علوم الحديث ص 28.

2 معرفة علوم الحديث ص 28.

ص: 286

"قلت: وهو الصحيح لأن من قال عن شيخ أو رجل فقد أحال السامع إلى رواية مجهولة فلا يحل له العمل بالحديث بخلاف المرسل" اسم فاعل "الذي جزم برفع الحديث" وكان لا يرسل إلا عن عدل.

"الفائدة الثانية مراسيل الصحابة مقبولة عندنا وعند المحدثين وعند الأكثرين من طوائف العلماء" وهذا كما عرفت على اصطلاح غير المحدثين أو الأكثر منهم فإنهم ليس المرسل عندهم إلا ما سلف رسمه أنه قول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وقد تقدم دعوى ابن عبد البر الإجماع على ذلك" تقدم للمصنف الاستدلال بإجماع الصحابة على قبول مرسل الصحابي وعن ابن جرير الطبري نقل إجماع التابعين.

"قال زين الدين: وقد ادعى بعض الحنفية الإجماع عليه وهو غير جيد" قال: "فقد خالف فيه الإسناد أبو اسحق الإسفراييني" فلت لم ينفرد به الأستاذ بل قال القاضي أبو بكر الباقلاني وصرح في التقريب بعدم قبول المرسل مطلقا وتقدم التعليل بأنه ليس لأجل الشك في عدالة الصحابة بل لأنهم قد يروون عن التابعي مغلوبة كما يأتي.

"قال: وتعليل ابن الصلاح لذلك بأن روايتهم عن الصحابة" مقبولة لأن الصحابة لا يرسلون إلا عن صحابة مثلهم وقد تقرر عدالة فتقبل مراسيلهم تعليل "غير جيد" لما يفيده قوله "والصواب أن يقال: إن غالب روايتهم عن الصحابة" لا كلها "إذ قد سمع جماعة من الصحابة عن بعض التابعين وسيأتي في كلام ابن الصلاح في رواية الأكابر عن الأصاغر أن ابن عباس وبقية العبادلة" وهم ابن عمر وابن عمرو بن العاص وابن الزبير وليس منهم ابن مسعود وغلط الجوهري قاله في القاموس "رووا عن كعب الأحبار وهو من التابعين" بالحاء المهملة والموحدة في القاموس كعب الحبر ويكسر ولا يقال الأحبار وفي نسيم الرياض يقال كعب الأحبار وكعب حبر بكسر الحاء وفتحها وقوله في القاموس ولا يقال كعب الأحبار غير صحيح انتهى. "وروي أيضا كعب عن التابعين" فقد تأخذ عنه العبادلة ما رواه عن التابعين.

"وقد ذكر ابن حجر أن بعض الصحابة روى حديث بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم: ستة رواة وأن ذلك أكثر ما وجد من هذا القبيل" قد قدمنا لك أن هذا وإن وقع فإنه نادر مغلوب والحكم للغالب على أنه لا يتم إلا في روايات صغار الصحابة أما كبارهم فأخذهم عن التابعين مستبعد جدا.

ص: 287