الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الألوان في كشف النقاب عن حقائق الجراثيم فإن منها ما لا يتضح للعين في المجهر إلا إذا ألقي عليه صبغ خاص يؤثر فيه لوناً فيصبغ به.
ولأمواج الشمس الضوئية سرعة معلومة تسير بها، فإذا انخفضت هذه السرعة عما هي عليه لم تعد العين قادرة على رؤيتها، لأنها تستحيل إلى مظهر آخر غير مظهر الضوء والحرارة، وليس ينكر ما للضوء والحرارة معاً من الأثر الحسن في تنقية المساكن مما يقطنها من الجراثيم القتالة والعفن المضني، ولذلك قيل: إن الدار التي تدخلها أشعة الشمس لا يدخلها الطبيب.
"
وصف القمر
"
القمر أجمل الكواكب صورة وأبينها منظراً وأسلها رصداً، وأكبرها في رأي العين بعد الشمس جرماً.
وهو سيار كري أصغر من الأرض بنحو تسع وأربعين مرة، انفصل منها زمن التكوين، وصار تابعاً لها، طائفاً حولها، مستمداً نوره من الشمس مثلها، دائراً حول الشمس معها، غير أن طواف الأرض بقمرها حولها يتم في سنة شمسية وطواف القمر حول الأرض يتم في شهر قمري: أي مدة تسع وعشرين ونصف يوم تقريباً، ومع أنه خاضع لنظام الأرض لا يقل بعده عنها عن واحد وعشرين ألفاً ومائتي ألف ميل.
والذي يسترعي أنظارنا كما استرعى أنظار من قبلنا اختلاف إشكاله وتعدد مطالعه، مما جعله مبعث تخيل القدماء ومثار تفكر الحكماء ومقصداً لعبادة الجهلاء! فتراه يلوح ليلة أول الشهر أثر غروب الشمس ضئيلاً مقوساً لا يلبث أن يغرب ويغيب في شفق الشمس، ثم يهل في الليلة الثالثة أبين صورة وأبقى زمناً لازدياد تأخره في الغروب عن الشمس، ولا يزال نوره في تزايد ومطالعه في تقدم نحو المشرق، حتى يطلع من المشرق في الليلة الرابعة عشرة عند غروب الشمس بدراً كاملاً بهي الطلعة باهر الأنوار، (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ
الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14] .
ولكن الكمال لله وحده، فإن منتهى الزيادة مبتدأ النقص، ففي الليلة الخامسة عشرة يتأخر طلوعه من المشرق، وينقص من حافة نوره التي كانت موضع هلاله الأول زيق لا يشعر به إلا في الليالي التالية، ولا تزال مطالعه في تقهقر ونوره في تناقص حتى قرب آخر الشهر، فيشرق قبيل الفجر هلالاً ضئيلاً يكاد يكون مقلوب الهلال الأول، وفي الليلة الأخيرة يكون عند الصباح في الأفق الشرقي مظلماً لا يرى منه شيء، وهي ليلة المحاق أو السرار، ويظل بعض النهار كذلك، ثم يتولد هلاله الجديد، ولكنه لا يظهر إلا بعد أن يغيب قرص الشمس، فيلوح هلاله ثم يختفي كما قدمنا.
وعلة ذلك أن نور القمر كنور الأرض مستفاد من الشمس، وهو لا يقابل الأرض إلا بوجه واحد لا يتغير، وهذا الوجه بالنسبة إلى حركته مع الأرض حول الشمس لا يقابل الشمس مقابلة تامة إلا في وضع واحد ومرة واحدة هي الليلة الرابعة عشرة، فيغشاه نورها، ويصير بدراً، أما بقية الليالي التي قبلها والتي بعدها فينحرف قليلاً أو كثيراً عنها، حتى يصير كله ظلاماً ليلة المحاق، فيطوى خبره، ويكون الوجه الآخر الذي لا يرى لنا بدراً كاملاً، ثم يتولد هلاله خلقاً جديداً.
وكذلك شأن الأرض في استمداد نورها أو ما نسميه نهاراً، فلو كان في القمر سكان لكانت في رأي أعينهم أكبر كوكب في السماء، ولشاهدوها أكبر من الجرم الذي نشاهد القمر عليه أضعافاً مضاعفة، لكانت عندهم أروع جمالاً وأبدع من قمرهم في نظرنا تشكلاً، فبدورانها على نفسها يرونها كلها جزءاً فجزءاً، وتظهر قارتها ومحيطاتها واضحة عليها في وقت الصحو ومظللاً بعضها بالغمام في وقت الدجن، وتبدو أهلتها وبدورها ضخمة باهرة ولكن لا يراها إلا سكان النصف المقابل لنا أو الذين يريدون التفرج برؤيتها من أهل النصف الثاني.
ولقرب القمر منا وخلو جوه من الهواء سهل رصده علينا، فنرى في صفحته عند الشروق ليلة التمام كثيراً من المحو، يجعل صورته أشبه بوجه إنسان ذي أنف وفم وحاجبين وعينين إحداهما مغضية، ولا يزال كذلك، حتى يتعدى خط زوال مكان الناظر، فإذا مال إلى المغرب انحرفت هذه الصورة حتى يصير عاليها سافلها، وليس هذا المحو إلا ظلام بطون الأودية والسهول البعيدة الغور وظلال الجبال والهضاب الشاهقة الطول شهوقاً يكاد يمنع استدارته أما قمم الجبال وسطوحها المقابلة للشمس فترى لامعة ساطعة فتبين سلاسل الجبال طرائق مضيئة وقممها نقطاً لامعة وفوهات جبال ناره الشديدة السعة البعيدة الغور التي تعد بعشرات الألوف كأنها حلقات وسطها نقط سود.
وقد ظن القدماء في علة المحو ظنوناً بعضها صادف الحقيقة وبعضها جانبها حتى ظهر غاليليو واخترع سنة 1606 م مرقباً يقرب الأشباح ثلاثين مسافة فأثبت وجود الجبال والأودية فيه، وزاد عليه غيره في تحسين المراقب المكبرة حتى أصبح القمر يرى كأنه على بعد أربعين ميلاً منا، على أن هذا القرب لا يجعلنا نرى الأشباح الصغيرة التي من نوع الحيوان لنتحقق أللقمر سكان كما للأرض أو لا، ولكن قد اصبح من المرجح إن لم يكن من المحقق أنه خال من الماء ومن السحاب والضباب الناشئين منه ومن البنات، إذ لو كان به شيء منها لتغير شكله من حال إلى حال، ويشك أن له هواء، وإن كان له فلعله لا يزيد على قمم جباله، ولا شك أن الماء والهواء هما ينبوعا الحياة وتجرده منهما وخمود جبال ناره ويبس جرمه يجعل برده شديداً جداً في الليل وحره عظيماً جداً في النهار، على فرط طولهما البالغ فيه خمسة عشر يوماً: مما يجعل الحياة فيه متعسرة بل مستحيلة، اللهم إلا أن تكون حياة غير حياتنا.