الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس: حكم القول بحضوره في مجالس المحتفلين ورؤيته بالعين الباصرة
إن من يتأمل في كلام الصوفية فيما يتعلق بشأن غلوهم في حق النبي صلى الله عليه وسلم بما في ذلك التوسل والاستشفاع والاستغاثة وطلب تفريج الكروب ومغفرة الذنوب وغير ذلك مما تقدم الإشارة إليه يجد أن محور دعواهم يقوم على دعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده وروحه1 وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي، كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما في ببت الملائكة -مع كونهم أحياء بأجسادهم- فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك2.
والصوفية ليسوا على رأي واحد في هذا االأمر بل هم مختلفون مضطربون وفي حالهم هذا يتذكر المرء قول الله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} 3.
فهم مختلفون في حقيقة المرئي:
فقال بعضهم المرئي ذات المصطفى بجسمه وروحه كما تقدم في النقل السابق.
1 لا يقصد هؤلاء بالحياة هنا الحياة البرزخية وهذا يتضح من سياق العبارات التالية لهذه العبارة، فهم يرون أن النبي صلى اله عليه وسلم يخرج من قبره وله التصرف الملكوت العلوي والسفلي.
2 غاية الأماني في الرد على النبهاني (1/ 52) .
3 الآية (82) من سورة النساء.
وبعضهم يقول ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه، بل مثالا له، وصار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه.
وقالوا: والآلة تارة تكون حقيقة، وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه في الشكل ليس هو روح المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق.
وفصل بعضهم فقال: رؤية1 النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك له على الحقيقة. ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال2.
وقال بعضهم: ومنهم من يرى روحه في اليقظة متشكلة بصورته الشريفة.
ومنهم من يرى حقيقة ذاته الشريفة وكأنه معه في حياته صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء هم أهل المقام الأعلى في رؤيته صلى الله عليه وسلم3.
وأعجب من ذلك كله ما ذكر عن بعضهم من أنه رأى السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وزعم من زعم أن السؤال عن كيفية رؤية المتعددين له عليه الصلاة والسلام في زمن واحد في أقطار متباعدة ينحل به، ولا يحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم وقد سئل عن ذلك فأنشد
كالشمس في كبد السماء وضؤها
…
يغشى البلاد مشارقا ومغاربا4
1 لا يقصدون هنا الرؤيا المنامية وإنما يقصدون رؤية اليقظة فهم يقولون: إن رؤيته أكثر ما تقع بالقلب ثم يترقى الحال إلى أن يرى بالبصر على ما زعموا.
2 غاية الأماني (1/51) .
3 التيجانية (ص 127) .
4 غاية الأماني (1/52) .
فانظر إلى هذا الغلو عندهم، نعوذ بالله من حال أهل الزيغ والضلال.
ويحسن قبل الشروع في تفنيد هذا الباطل وكان فساده أن أشير إلى الوجه الآخر لهذه الدعوى.
فهذه الطائفة لم تكن لتدعى هذه الدعوى إلا لما فيها من المكاسب والأهداف والغايات التي يتحصلون عليها كل من وراء ذلك.
فمنهم من يستغل هذه الدعوى ليحصل على إجازة من الرسول صلى الله عليه وسلم للطريقة التي ابتدعها والأذكار والأوراد التي اخترعها لتصبح بعد ذلك شرعا لأتباعه.
ومنهم من يستغل ذلك لإيهام الناس بأن ذلك من كراماته ليحظى لديهم بالمنزلة والمكانة إلى غير ذلك من الغايات والمأرب.
هذا وإن لموضوع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم جوانب متعددة بخصنا منها ما يتعلق بعنوان المبحث وهو دعوى رؤيته يقظة بعيني الرأس.
فهذه الدعوى مخالفة للشرع والعقل.
أما من جهة الشرع فليس هناك دليل شرعي يثبت حصول ذلك وغاية ما دلت عليه النصوص إمكانية الرؤيا المنامية، فحملها أهل الباطل على الرؤية البصرية، ومما يؤكد فساد هذا التأويل للرؤيا واقع القرون المفضلة المشهود لهم بالخيرية من المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلم ينقل عن أحد من أهل هذه القرون الثلاثة أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة بعد موته.
مع أنه قد حدثت في أزمانهم حوادث كان الحاجة إلى ظهوره شديدة جدا لو كان ذلك ممكنا.
فالصحابة قد وقع بينهم اختلاف في عدد من المسائل الدينية والدنيوية وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ولم يبلغنا أنا أحدا منهم ادعى أنه رأى في
اليقظة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عنه ما أخذ، وكذا لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره.
"وقد قال ابن عبد البر لمن ظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد كلم بعض الناس بعد وفاته عند حجرته.
فقال له ابن عبد البر: ويحك هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأجابه؟
وقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم، وهذه بنته فاطمة تنازع في ميراثه فهلا سألته فأجابه؟ 1.
وأما من جهة العقل فلما يترتب على هذه الدعوى من اللوازم الباطلة فليزم منها:
1-
أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى في قبره منه شيء فيكون من يزوره في ذلك الوقت يزور مجرد القبر ويسلم على الغائب.
2-
أن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه.
3-
أن يكون الشخص الذي رأه يقظة له حكم الصحابة رضوان الله عليهم.
4-
أن يكون الكلام الذي تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم تشريعًا جديدًا لهذه الأمة وهذا لاشك فيه، طعن في كمال هذا الدين وكونه عرضة للتبديل والتغيير.
وهذه الجهالات لا يلتزم بها من كان له أدنى مسكة عقل.
ومن ظن أن جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم المودع في المدينة خرج من القبر وحضر في المكان الذي رآه فيه فهذا جهل لا جهل يشبهه.
1مجموع الفتاوى (10/ 407) .
فقد يراه في وقت واحد ألف شخص في ألف مكان على صور مختلفة. فكيف يتصور هذا في شخص واحد؟ " 1.
هذا وأن الذي يعتقده علماء السلف هو أن الأنبياء أحياء في قبورهم حياة برزخية الله أعلم بكيفيتها، وقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأن هذه الأجساد لا تخرج من القبور حتى يبعث الله الخلائق كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم "فإن الناس يصعقون فأكون أول من تنشق عنه الأرض"2.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر" الحديث3.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس. بل هو منعم في قبره وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
1 صيد الخاطر (ص 429) .
2 أخرجه بهذا اللفظ البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي. انظر: فتح الباري (5/70) .
3 تقدم تخريجه (ص 457) .
الخاتمة
جريا على عادة الباحثين في ذكر النتائج التي توصلوا إليها في نهاية أبحاثهم ونظرا لأهمية ذلك في الرسائل العلمية فإني ألخص أهم النتائج التي توصلت إليها في بحثي بما يلي:
1-
هذه الحقوق المذكورة في ثنايا هذه الرسالة تشكل بمجموعها أحد أصلي الدين، وهي معني "شهادة أن محمدا رسول الله".
2-
هذه الحقوق لا يدخل فيها ما هو حق خالص لله عز وجل من أمور الألوهية أو الربوية.
فما كان حقا لله عز وجل فلا يجوز صرفه لغير الله لا للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لغيره، وهذا ما أكدته نصوص القرآن والسنة.
3-
أن أمور هذا الدين لا تقوم على التحلي والتمني والدعاوى الزائفة وإنما تقوم على الاعتقاد الصحيح الذي يصدقه قول اللسان وعمل الجوارج.
4-
أن النصوص من آيات وأحاديث وآثار قد وضحت ما يجب على هذه الأمة في هذا الجانب فقد أرشدت ودلت وبينت وفصلت وهذا هو الشأن في جميع جوانب هذا الدين، فقد أكمل الله عز وجل لنا هذا الدين، وقد بلغ رسوله صلى الله عليه وسلم ما أوحي إليه من رب العالمين البلاغ المبين.
فلسنا في حاجة بعد ذلك إلى من يزيد على هذه الحقوق أو ينقص منها، وإنما علينا أن نتبع ونقتدي ولا نبتدع.
5-
أن على الأمة أن تعرف ما أوصى الله عليها من حقوق تجاه نبيها صلى الله عليه وسلم فذلك عقد من عقود الإيمان لا يتم إيمان العبد إلا به.
وعلى المسلم بذل الوسع في تعلم هذه الحقوق وتعليمها ونشرها بين الناس.
6-
وجوب الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، كما لا تحصل نجاة ولا سعادة بدون الإيمان به، لأنه هو الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ولذلك كان أول أركان الإسلام "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله".
7-
أن برهان الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم ومحبته وتعظيمه يرتكز على محور الاتباع والتأسي، ولذلك كان السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم أشد الناس حرصا على ذلك.
8-
خص الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بحقوق مما يزيد على لوازم الرسالة تفضلا من الله عز وجل وتكريما فعلينا حفظ تلك الحقوق والقيام بها.
9-
على الأمة أن تحفظ حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في خاصة نفسه وفي آله وأزواجه أمهات المؤمنين وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وفي كل ما له صلة بأمر هذا الدين.
10-
على المسلم أن يحذر أشد الحذر من مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من الهلاك والخسران في الدنيا والآخرة.
11-
الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم لا يزيد إلا بعدا عن شرع المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا يحقق لصاحبه محبة ولا تعظيمًا.
وفي الختام أسأل الله عز وجل أن يرزقنا حسن التأسي والاقتداء والثبات على الحق، وأن يحشرنا في زمرة نبيه صلى الله عليه وسلم إنه جواد كريم وعلى كل شيء قدير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.