المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثاني: تاريخ التوراة - دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية

[سعود بن عبد العزيز الخلف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌مقدمة

- ‌المقدمة

- ‌مدخل إلى دراسة الأديان

- ‌أولاً: تعريف الدين

- ‌ثانياً: تقسيم الأديان

- ‌ثالثاً: علم الأديان في القرآن الكريم وكتابة المسلمين فيه:

- ‌رابعاً: باعث التدين:

- ‌خامساً: بيان أن التوحيد سبق الشرك:

-

- ‌الباب الأول: اليهودية

- ‌الفصل الأول: التعريف باليهودية

- ‌المبحث الأول: تعريف كلمة يهود

- ‌المبحث الثاني: مجمل تاريخ اليهود

-

- ‌الفصل الثاني: مصادر اليهود

- ‌المبحث الأول: التوراة والكتب الملحقة بها

- ‌المطلب الأول: تعريف التوراة

- ‌المطلب الثاني: تاريخ التوراة

- ‌المطلب الثالث: تحريف التوراة

- ‌المطلب الرابع: صفات الله عز وجل في التوراة المحرفة:

- ‌المطلب الخامس: وصف اليهود للأنبياء عليهم السلام في التوراة المحرفة

- ‌المطلب السادس: اليوم الآخر لدى اليهود

- ‌المبحث الثاني: التلمود

- ‌المبحث الثالث: بروتوكولات حكماء صهيون

- ‌الفصل الثالث: بعض عبادات وشعائر اليهود

- ‌الفصل الرابع: فرق اليهود

- ‌الفصل الخامس: أخلاق اليهود من خلال القرآن الكريم

-

- ‌الباب الثاني: النصرانية

- ‌الفصل الأول: التعريف بالنصرانية

- ‌المبحث الأول: تعريف كلمة النصرانية

- ‌المبحث الثاني: التعريف بالمسيح عليه السلام إجمالاً من خلال القرآن الكريم وما يتفق معه مما ورد في أناجيل النصارى

- ‌المبحث الثالث: تاريخ النصرانية إجمالاً

-

- ‌الفصل الثاني: مصادر النصرانية

-

- ‌المبحث الأول: الكتاب المقدس:

- ‌المطلب الأول: إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة

- ‌المطلب الثاني: الأناجيل الأربعة متناً

- ‌المطلب الثالث: إنجيل برنابا

- ‌المبحث الثاني: المجامع النصرانية

-

- ‌الفصل الثالث: عقيدة النصارى

- ‌المبحث الأول: التثليث

- ‌المطلب الأول: تعريفه ومرادهم به:

- ‌المطلب الثاني: استدلالات النصارى على التثليث

- ‌المطلب الثالث: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث

- ‌المطلب الرابع: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:

- ‌المطلب الخامس: الأقانيم الثلاثة تعريفها وأدلتهم عليها وبيان بطلان تلك الأدلة

- ‌المطلب السادس: الإتحاد: (التجسد)

-

- ‌المبحث الثاني: الصلب والفداء

- ‌المطلب الأول: الصلب:

- ‌المطلب الثاني: الفداء

- ‌المطلب الثالث: بيان بطلان دعوى النصارى في الصلب والفداء إضافة لما سبق

- ‌المبحث الثالث: محاسبة المسيح الناس

- ‌المبحث الرابع: قول النصارى في البعث والجنة والنار

- ‌الفصل الرابع: بعض العبادات والشعائر عند النصارى

- ‌الفصل الخامس: العوامل التي أدت إلى تحريف رسالة المسيح عليه السلام

- ‌الفصل السادس: أهم الفرق النصرانية المعاصرة

- ‌الفصل السابع: التنصير

- ‌الفصل الثامن: البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌المطلب الثاني: تاريخ التوراة

‌المطلب الثاني: تاريخ التوراة

إن كل كتاب يستمد قيمته من قيمة صاحبه، ولابد أن يثبت صحة نسبته إلى صاحبه، وإلا فإنه يفقد قيمته، والكتب المنزلة المقدسة تستمد قدسيتها من نسبتها إلى من جاءت من عنده وهو الله عز وجل، ولابد لثبوت قدسيتها أن تثبت صحة نسبتها وسندها إلى الله عز وجل، وما لم يثبت ذلك فإنها لا تكون مقدسة، وغير واجبة القبول، إذ تكون عرضة للتحريف، والتبديل، والخطأ.

فلهذا لابد لنا أن نتعرف على حال التوراة المنسوبة إلى موسى عليه السلام وهي أهم جزء في العهد القديم الذي بين يدي اليهود والنصارى من ناحية إسنادها فنقول:

إن من نظر في التوراة والأسفار الملحقة بها يجد ذكراً محدوداً لأسفار موسى التي يسمونها الشريعة، أو سفر الرب، أو التوراة.

ومن خلال هذه المعلومات نجد أن اليهود ذكروا:

1-

أن موسى عليه السلام دوَّن جميع الأحكام، وكتبها، وهي أحكام أعطيها شفهياً وفي هذا قالوا في سفر الخروج 24/3 "فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام، فأجاب جميع الشعب بصوت واحد وقالوا كل الأقوال التي تكلم بها الرب نفعل فكتب موسى

ص: 78

جميع أقوال الرب

"

ثم قالوا "وأخذ1 كتاب العهد، وقرأ في مسامع الشعب فقالوا: كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له".

2-

أن موسى أُعطى شريعة مكتوبة بيد الله تعالى. وفي هذا قالوا في سفر الخروج 24/12 "وقال الرب لموسى إصعد إلى الجبل، وكن هناك فأعطيك لوحي الحجارة2، والشريعة، والوصية التي كتبتها لتعليمهم".

ثم ذكروا بعد هذا أن موسى عليه السلام مكث أربعين يوماً في الجبل وذكروا شرائع كثيرة أعطيها وتكلم الله بها معه، ثم في نهاية ذلك ذكروا إعطاءه الألواح. وفي هذا قالوا في سفر الخروج 31/18 "ثم أَعطى موسى عند فراغه من الكلام معه في جبل سيناء لوحي الشهادة، لوحي حجر مكتوبين بإصبع الله".

وفي أثناء غياب موسى عليه السلام عبد بنوا إسرائيل العجل، فلما عاد

1 أي موسى عليه السلام.

2 عند اليهود أن لوحي الحجارة متضمنة للوصايا العشر فقط، وهي الواردة في سفر الخروج (20/2-17) "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمامي لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض لا تسجد لهن ولا تعبدهن

لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً.... اذكر يوم السبت لتقدسه

أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض

لا تقتل، لاتزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته بيت قريبك، لا تشته إمرأة قريبك ولا عبده

ولا شيئاً مما لقريبك".

ص: 79

موسى عليه السلام ورأى قومه يرقصون حول العجل ألقى الألواح، فتكسرت1، ثم إن الله سبحانه وتعالى فيما يذكر اليهود كتب له لوحين آخرين بدلاً عنها2.

3-

ذكر اليهود أن موسى عليه السلام قبيل وفاته كتب التوراة، وأعطاها لحاملي التابوت، وفي هذا قالوا في سفر التثنية 31/9 "وكتب موسى هذه التوراة، وسلمها للكهنة من بني لاوى حاملي تابوت عهد الرب3، ولجميع شيوخ

1 ورد عن ابن عباس (قال: قال رسول الله ("ليس الخبر كالمعاينة إن الله عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت" أخرجه أحمد (1/271) والحاكم (2/321) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

2 سفر الخروج (34/1) وقد ذكر القرطبي في تفسيره (7/293) على قول الله عز وجل {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} الأعراف آية (154) عدة أقوال في هذا منها: أن موسى صام أربعين يوماً بعد أن تكسرت الألواح فردت إليه في لوحين، وقيل: إنها لما كسرت رفع ستة أسباعها وهو التفصيل وبقى السبع فقط وهو الهدى والرحمة وهو متضمن للأحكام والحدود، وقيل: إن المراد أن الألواح متضمنة للهدى والرحمة يعني أنه جمعها وفيها ما ذكر، وذكر ابن كثير في تفسيره (2/228) أن الألواح كانت مشتملة على التوراة، كما ذكر قولاً أخر وهو أن الألواح أعطيها موسى عليه السلام قبل التوراة، وقد جزم القرطبي في تفسيره (7/293) والشوكاني في فتح القدير (2/244) بأن الألواح هي التوراة، وهو الأرجح لأن الله عز وجل قد وصف ما كتب في الألواح بقوله {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ} الأعراف (145) وهذا الوصف لا ينطبق على ما أورده اليهود في كتابهم من أن الألواح كانت متضمنة للوصايا العشر فقط، والله أعلم.

3 التابوت من مقدسات بني إسرائيل وهو صندوق من الخشب يزعمون أن الله أمر موسى عليه السلام بصنعه على هيئة خاصة وكان بنوا إسرائيل يحملونه أمامهم في التيه ولما بنى سليمان عليه السلام بيت المقدس جعله فيما يسمونه (قدس الأقداس) وهي حجرة صغيرة يستقبلونها في الصلاة. وقد ذهبت جميع هذه المقدسات بعد تدمير الهيكل زمن غزو بختنصر. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص 209.

ص: 80

إسرائيل، وأمرهم موسى قائلاً: في نهاية السبع السنين في ميعاد سنة البراء1 في عيد المظال2 حينما يجئ جميع إسرائيل لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تقرأ هذه التوراة، أمام كل إسرائيل في مسامعهم".

ثم ذكر اليهود في خاتمة هذا السفر السبب الذي لأجله دوَّن موسى عليه السلام التوراة فقالوا في سفر التثنية 31/24 "فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها، أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلاً: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهداً عليكم، لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة. هوذا وأنا بعد حي معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحرى بعد موتى".

4-

ذكر اليهود في سفر يشوع أن يشوع " يوشع " كتب التوراة مرة أخرى على أحجار المذبح3 حسب وصية موسى عليه السلام4

1 المراد بها السنة السابعة من تاريخ دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة وهي سنة راحة عندهم فلا يزرعون فيها الأرض، والمحاصيل التي تكون من الأشجار تعطى للفقراء والعبيد والأجراء وغيرهم ويسمونها سنة السبت. انظر سفر اللاويين (25/2) قاموس الكتاب المقدس ص 490.

2 عيد المظال نسبة إلى المظال وهي الخيام، لأنهم كانوا ينصبون الخيام في كل مكان، ويقام

في الشهر السابع من كل سنة، ويذبحون فيه القرابين ويستمر ثمانية أيام. قاموس الكتاب

المقدس ص586.

3 المراد بالمذبح هو: مكان تقديم القرابين حيث تذبح قربة لله، وفي العادة يكون في كل مكان مرتفع. انظر قاموس الكتاب المقدس ص 385.

4 ورد في سفر التثنية (27/2)" فيوم تعبرون الأردن إلى الأرض التي يعطيك الرب الهك تقيم لنفسك حجارة كبيرة وتشيدها بالشيد وتكتب عليها جميع كلمات هذا الناموس".

ص: 81

وفي هذا قالوا " حينئذ بنى يشوع مذبحاً للرب إله إسرائيل في جبل عيبال1

وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل

وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة البركة واللعنة حسب كل ما كتب في سفر التوراة"2.

5-

انقطع بعد هذا ذكر التوراة وخبرها، فلا يذكر اليهود في كتابهم التوراة التي كتبها موسى، ولا ما كتبه يشوع على حجارة المذبح، وإنما ذكروا التابوت الذي وضع موسى عليه السلام فيه التوراة، وأن هذا التابوت إستولى عليه الأعداء في زمن النبي صموئيل في قولهم، ثم أعيد إليهم بعد سبعة أشهر، فجعلوه في قرية يسمونها يعاريم3. وبقى هناك فيما ذكروا عشرين عاماً إلى أن جاء داود عليه السلام فأصعده من هناك إلى أورشليم، وجعله في خيمة4، ثم نقله سليمان عليه السلام إلى الهيكل الذي بناه، وجعله في قدس الأقداس فيما يقولون، وكانوا يستقبلونه في الصلاة.

وقد ذكروا أن سليمان عليه السلام حين فتح التابوت لم يكن فيه سوى لوحي الحجر اللذين وضعهما موسى عليه السلام5.

1 جبل عيبال قبالة جبل جرزيم ولا يفصل بينهما إلا واد ضيق وهما على الجانب الشمالي لمدينة نابلس. قاموس الكتاب المقدس ص 648.

2 سفر يشوع (8/30) .

3 انظر: خبر استيلاء أعداء اليهود على التابوت بما فيه، وأنه مكث عندهم سبعة أشهر ثم عاد إليهم سفر صموئيل الأول (4/3وما بعدها) .

4 انظر: ذلك في سفر صموئيل الثاني 6/1- وما بعدها.

5 انظر: سفر الملوك الأول (8/1- وما بعدها.

ص: 82

فأين ذهبت نسخة التوراة التي نسخها موسى عليه السلام ووضعها في التابوت؟ هذا مالا يجد اليهود ولا النصارى جواباً له.

6-

بعد سليمان عليه السلام انقسمت دولة بني إسرائيل إلى قسمين:

دولة إسرائيل في الشمال: وهي تحت حكم يربعام بن نباط، وعاصمتها نابلس.

ودولة يهوذا في الجنوب، وهي تحت حكم رحبعام بن سليمان، وعاصمتها أورشليم1.

وذكر اليهود حادثة في زمن رحبعام لها دلالتها المهمة: وهي أن رحبعام ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل، وذلك يعني إنحرافهم عن الدين فهاجمهم فرعون مصر في ذلك الزمن واستباح ديارهم، وفي هذا قالوا في سفر الملوك الأول (14/22)"وعمل يهوذا الشر في عيني الرب، وأغاروه أكثر من جميع ما عمل آباؤهم بخطاياهم التي أخطأوا بها، وبنوا لأنفسهم مرتفعات، وأنصاباً، وسواري على كل تل مرتفع، وتحت كل شجرة خضراء2 وكان أيضاً مأبونون في الأرض فعلوا حسب كل أرجاس الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل3. وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ جميع خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء، وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان".

1 انظر سفر الملوك الأول (12/1-27) .

2 ذلك يعني أنهم وقعوا في الشرك وعبادة الأصنام.

3 هذا يعني أنهم وقعوا في الانحرافات الأخلاقية والفجور الذي فعله من كان قبلهم.

ص: 83

وفي سفر أخبار الأيام الثاني (12/1) وصفوا شيشق، وما معه من قوة بما يلي "وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر على أورشليم، لأنهم خانوا الرب. بألف ومائتي مركبه، وستين ألف فارس، ولم يكن عدد للشعب الذين جاؤا معه من مصر، لوبيين وسكيين وكوشيين، وأخذ المدن الحصينة التي ليهوذا، وأتى إلى أورشليم

".

فهذا النص فيه دلالة واضحة على أن عاصمة اليهود الدينية استباحها فرعون مصر، واستولى على ما فيها. وهذا يدل على أن اليهود فقدوا التوراة في هذه الحادثة حيث لم يشر كتابهم المقدس إليها بعد هذا إلا في زمن الملك يوشيا، أي بعد ما يقارب ثلاثة قرون وزيادة، كما سيأتي بيانه في الفقرة التالية، كما أن التابوت ينتهي خبره بعد هذه الحادثة إلى زمن الملك يوشيا أيضاً، حيث طلب من اللآويين أن يجعلوا التابوت في البيت الذي بناه النبي سليمان عليه السلام1. ثم ينقطع بعد هذا خبره إلى يومنا هذا. ولعله كان مما دمره بختنصر في غزوه لبيت المقدس.

7-

يزعم اليهود أن الملك يوشيا الذي تولى الملك في يهوذا بعد سليمان عليه السلام بما يقارب 340 عاماً، وقبيل غزو بختنصر لدولة يهوذا وتدميرها مرة أخرى وجد سفر الشريعة

وهذا نص كلامهم: "وفي السنة الثامنة عشرة للملك يوشيا، أرسل الملك شافان بن أصليا بن مشلام الكاتب إلى بيت الرب قائلاً:

إصعد إلى حلقيا الكاهن فيحسب الفضة المدخلة إلى بيت الرب التي

1 انظر: سفر الأخبار الثاني (35/3) قاموس الكتاب المقدس ص 210.

ص: 84

جمعها حارسوا الباب من الشعب فيدفعوها ليد عاملي الشغل الموكلين ببيت الرب

فقال حلقيا الكاهن العظيم لشافان الكاتب: قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب، وسلم حلقيا السفر لشافان فقرأه، وجاء شافان الكاتب إلى الملك ورد على الملك جواباً.... وأخبر شافان الملك قائلاً: قد أعطاني حلقيا الكاهن سفراً، وقرأه شافان أمام الملك، فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه، وأمر الملك حلقيا الكاهن، وأخيقام بن شافان.... قائلاً: اذهبوا اسألوا الرب لأجلي، ولأجل الشعب ولأجل كل يهوذا من جهة كلام هذا السفر الذي وجد، لأنه عظيم هو غضب الرب الذي اشتغل علينا من أجل أن آباءنا لم يسمعوا لكلام هذا السفر ليعملوا حسب كل ما هو مكتوب علينا 1 2

وأرسل الملك فجمعوا إليه كل شيوخ يهوذا وأورشليم وصعد الملك إلى بيت الرب، وجمع رجال يهوذا، وكل سكان أورشليم معه والكهنة والأنبياء وكل الشعب من الصغير إلى الكبير، وقرأ في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب "2.

فهذا الخبر الذي ذكره اليهود فيه دلالة واضحة على أنهم كانوا قد فقدوا التوراة، وأنهم أيضاً ضيعوا أحكامها، ونسوا الشيء الكثير منها، وما وجدوه في الواقع ليس فيه أي دليل على أنه التوراة،

إذ من المستبعد جداً أن يكون اليهود قد فقدوا التوراة كل هذه المدة الطويلة

1 سفر الملوك الثاني (22/8-13) .

2 سفر الملوك الثاني (23/102) .

ص: 85

أكثر من ثلاثة قرون وهي موجودة في الهيكل مع أنه معبد عام وقد تعاقب على رئاسته خلال تلك المدة الكثيرة من الكهنة وهم يبحثون عنها كل تلك المدة ولا يجدونها مع ما لها من القداسة في نفوسهم ثم يجدها الكاهن حلقيا؟.

هذا في الواقع مستبعد جداً، وليس بعيداً أن يكون الكاهن حلقيا كتبها من محفظاته ومعلوماته وزعم أنها سفر الشريعة ليرضي بذلك الملك يوشيا، الذي كان له تدين ورغبة في إستقامة الشعب. والله اعلم.

8-

بعد الملك يوشيا بخمس وعشرين سنة تقريباً وذلك سنة 586 ق. م هجم بختنصر الكلداني على دولة يهوذا ودمرها، ودمر الهيكل، وسبى بني إسرائيل، وفي هذا قالوا في كتابهم بعد ذكر مبررات التدمير من فساد بني إسرائيل وكفرهم:

"فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف في بيت مقدسهم، ولم يشفق على فتى، أو عذراء، ولا على شيخ أو أشيب بل دفع الجميع ليده، وجميع آنية بيت الله الكبيرة والصغيرة، وخزائن بيت الرب وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعا إلى بابل، وأحرقوا بيت الله، وهدموا سور أورشليم، وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة، وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيداً إلى أن ملكت مملكة فارس"1.

فيجمع الكتاب هنا على أن التوراة فقدت من بني إسرائيل مرة أخرى بسبب هذا التدمير الشامل.

1 أخبار الأيام الثاني (36/17-20) .

ص: 86

9-

يزعم اليهود أن عزرا الكاتب قد هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء1.

وعزرا هذا كان زمن السبي البابلي، ولما عاد بنو إسرائيل إلى أورشليم في زمن ملك الفرس جمعهم لقراءة ما كتب من شريعة موسى، وفي هذا قالوا "إجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التي أمام باب الماء، وقالوا لعزرا الكاتب: أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب إسرائيل، فأتى عزرا الكاتب بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء، وكل فاهم ما يسمع في اليوم الأول من الشهر السابع، وقرأ منها أمام الساحة التي أمام باب الماء من الصباح إلى نصف النهار أمام الرجال والنساء والفاهمين وكانت آذان كل الشعب نحو سفر الشريعة"2.

فيظهر من هذا واضحاً أن عزرا قد كتب لهم التوراة، ولم يذكر اليهود من أين وصلت التوراة إليه وبينه وبين موسى عليه السلام أكثر من ثمانية قرون؟ وقد فقدت التوراة قبل زمن عزرا قطعاً كما مر ذكره.

فعلى هذا يتبين أن التوراة التي كان عزرا يقرأها على الناس إما أن تكون مفتراة مكذوبة دوَّنها عزرا من محفظاته وما وصل إليه من مدونات ومعلومات وليست توراة موسى، وبالتأكيد لا يوثق بحفظه ولا ما وصل إليه من أوراق وكتب، إذ أن ذلك يحتاج إلى إثبات السند المتصل منه إلى موسى عليه السلام، وهذا أبعد عليهم من السماء.

1 سفر عزرا (7/10) .

2 سفر نحميا (8/1-3) .

ص: 87

وإما أن تكون معلومات متوارثة في الأحكام الواجب على بني إسرائيل التزامها، دونها عزرا على أنها الفرائض التي أوجبها الله على بني إسرائيل، وزعم هو أو زعم كتاب الكلام السابق أنها سفر شريعة موسى، وبين الأمرين كما بين السماء والأرض، إذ أن توراة موسى منزلة من عند الله، وما جمعه عزرا ودونه لا يعدو أن يكون فهوماً واستنباطات بشرية يعتريها ما يعتري البشر من النقص والخلل، وهذا الاحتمال الأخير في رأيي أرجح من سابقه، وذلك لأن اليهود ذكروا في كتابهم عن عزرا قولهم:"لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء"1. فهذا يدل على أنه أخذ يجد في الجمع والتتبع والعمل والتعليم.

وهناك نص آخر يدل على أن بني إسرائيل قد أهملوا العمل بكثير من التعاليم من أيام يوشع بن نون وفي هذا قالوا عن أحد أعيادهم التي عملوها بدعوة من عزرا "وعمل كل الجماعة الراجعين من السبي مظال وسكنوا في المظال2، لأنه لم يعمل بنو إسرائيل هكذا من أيام يشوع بن نون إلى ذلك اليوم وكان فرح عظيم جدا"3.

فهذا ينص صراحة على الإهمال للتعاليم، وعدم أدائها من زمن بعيد فلا يمكن لرجل مهما أوتي من العلم جمع كل التعاليم الواجبة مع البعد الزمني

1 سفر عزرا (7/10) .

2 المراد بالمظال الخيام، وقد سبق ذكر النص الذي يأمرهم بذلك عند الكلام على كتابة موسى للتوراة ودفعها لحاملي تابوت الرب انظر ما سبق ص 64.

3 سفر نحميا (8/17) .

ص: 88

وكثرة التقلبات والانحرافات التي وقع فيها بنو إسرائيل، ومع ذلك فجمعه لا يعدو أن يكون عملاً بشرياً لا يصح بأي حال نسبته إلى الله عز وجل.

10-

ذكر المؤرخون أن الحاكم اليوناني (بطليموس الثاني) الذي كان في الفترة من (282-247-ق. م) طلب من اليعازار رئيس الكهان أن يرسل إليه اثنين وسبعين عالماً من علماء التوراة لترجمة أسفار موسى الخمسة1 إلى اليونانية فنفذ الطلب، وكان اليعازار على رأس أولئك، وتمت المهمة خلال إثنين وسبعين يوماً فكانت الترجمة المعروفة بـ (السبعينية) في اللغة اليونانية للأسفار الخمسة. وعن اليونانية ترجم العهد القديم إلى اللاتينية.

فهذه الترجمة للأسفار تمت بعد فترة طويلة جداً من وفاة موسى عليه السلام إذ تقارب العشرة قرون2، وكذلك بعد فترة طويلة من نسخة عزرا التي سبق ذكرها، إذ بين هذه الترجمة وتلك النسخة قرابة قرنين من الزمان، مما يجعل الكتاب الذي ترجم عنه إلى اليونانية لا سند له فيكون المترجَم بالتالي لا قيمة له.

كما أن هذه المعلومة لم يذكرها إلا رجل يوناني يسمى " أرستاى" في رسالة له لهذا ردها كثيرٌ من متأخري اليهود والنصارى وإن كان المتقدمون قد قبلوها. كما ذكر ذلك الدبس في تاريخ سورية.

فهي معلومة لم يتوفر لها الإثباتات اللازمة، إضافة إلى غرابتها حيث زعم قائلها أن اليعازار أرسل اثنين وسبعين رجلاً من علماء اليهود ستة من كل سبط من أسباطهم الاثني عشر، وأنهم جعلوا في أماكن منفرد بعضهم عن بعض

1 مختصر الدول لابن العبري ص59. الأسفار المقدسة ص295.

2 يؤرخ بعضهم زمن موسى عليه السلام بأنه في حدود نهاية القرن الخامس عشر قبل الميلاد وبعضهم يجعله في القرن الثالث عشر قبل الميلاد انظر قاموس الكتاب المقدس ص 933.

ص: 89

فكانت ترجماتهم متطابقة تماماً.

فهذا الخبر لا يمكن قبوله وتصديقه وذلك لأن مما هو متفق عليه عند اليهود أن عشرة أسباط من بني إسرائيل وهم الذين كانوا شعب دولة إسرائيل شمال دولة يهوذا قد سبوا من أيام الاشوريين في سنة 722 ق. م وانقرضوا حيث يوصفون بالأسباط العشرة الضائعة وحسب الخبر المذكور هنا فإن اليعازار قد أحضر ستين عالماً منهم وهذا مستبعد جداً.

11-

أن اليهود فقدوا المقدرة على فهم اللغة العبرية المدونة القديمة بعد إختلاطهم بالأمم، وذلك أن اللغة العبرية في أصلها بدون نقط ولا حركات وهذا يسبب أخطاءً كثيرة في القراءة، فاهتدوا إلى وسيلة لإزالة هذا اللبس بإدخال النقط والحركات، والفواصل، واستمر هذا العمل من القرن السابع الميلادي إلى القرن العاشر الميلادي، فأخرجوا نسخة من التوراة باللغة العبرية على هذا النمط تسمى النسخة الماسورية، إنتهوا منها في القرن العاشر الميلادي، وعن هذه النسخة أي العبرية المعدلة نسخت جميع النسخ العبرية والمترجمة عنها1.

والسؤال المطروح هنا: أين النسخ الأصلية التي نقلت عنها النسخة الماسورية؟

الجواب عن ذلك: أنه لا يوجد بأيدي اليهود أو النصارى شيء من النسخ الأصلية سوى مخطوطات وادي قمران عند البحر الميت، والتي عثر عليها في الفترة من عام 1947-1956م وهي مجموعات متكاملة للعهد القديم

1 انظر: قاموس الكتاب المقدس ص 763، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم. د. محمد البار ص172.

ص: 90

كتبت قبل الميلاد بثلاثة قرون، وأقربها عهداً ما كتب قبل الميلاد بقرن واحد، إلا أن هذه المخطوطات التي استولى على الجزء الأكبر منها كل من أمريكا، وبريطانيا، واليهود في فلسطين لم تكشف ولم تعلن حتى الآن، مما يجعل في الأذهان استفهامات عديدة حولها، وأنها تتضمن أمورا خطيرة، جعلت اليهود والنصارى يتفقون على عدم كشفها على غير عادتهم في الآثار التاريخية1.

ومن خلال هذا العرض التاريخي الموثق للتوراة يتبين ما يلي:

1-

أن التوراة التي أعطيها موسى عليه السلام مكتوبة، والتي دونها، وكذلك التي دونها يوشع بن نون بعد موسى عليه السلام فقدت، إما قبل عهد سليمان عليه السلام، أو بعده مباشرة.

2-

أن اليهود زعموا أنهم عثروا على التوراة زمن الملك يوشيا، وهو إدعاء يحتاج إلى العديد من الإثباتات لإعتقاد صحته.

3-

أن اليهود فقدوا ما ادعوا أنهم وجدوه زمن الملك يوشيا، وذلك بسبب تدمير بيت المقدس وما أعقب ذلك من سبي اليهود وتهجيرهم.

4-

أن عزرا أعاد لهم التوراة وكتبها فيما زعم اليهود، وإذا قبلنا كلام اليهود هذا فإن ذلك لا يعدوا أن يكون عملاً بشرياً، وإذا كان عزرا نسبه إلى الله عز وجل فهو كاذب في ذلك، لأن التوراة لم يدع أحد لا من اليهود، ولا من النصارى، ولا من المسلمين أنها أنزلت مرتين مرة على موسى، ومرة على عزرا.

1 انظر: التوراة بين الوثنية والتوحيد ص 83-87. المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم ص264.

ص: 91

وقد يكون الذي ادعى أن تلك هي التوراة ألهمها عزرا هم الكتبة فيما بعد، فهم في هذا كاذبون، لأن عزرا لم يقل ذلك فيما نقلوا عنه.

وأدلة بطلان ذلك ظاهرة من ناحية بعد الزمان، وانقطاع السند، وفساد بني إسرائيل.

5-

أن نسخة عزرا وما دوَّنه عزرا لا يعلم على التحقيق مصيرها، وإنما بعد ذلك بما يقارب قرنين من الزمان كتبت النسخة السبعينية ولم يذكر من أي نسخة ترجمت، وادعاء أنها من حفظ الكهنة بعيد جداً إذ أن اليهود لا يحفظون كتابهم عن ظهر قلب، وليس فيهم من يدعي ذلك.

6-

أن النسخة العبرية والتي تنتمي إلى النص الماسوري لا تختلف عن الكتاب المترجم من ناحية أنها أخذت طريقة في الكتابة مغايرة للغة الأصلية التي كتب بها العهد القديم، مما يجعل ثبوت صحتها منوطاً بوجود النصوص الأصلية التي تتفق مع اللغة القديمة، حتى يمكن المقابلة عليها، وإلا تعتبر لا أصل لها يشهد لصحتها، فتكون بذلك مثلها مثل النسخة اليونانية.

7-

أن النص اليوناني والنص العبري للتوراة والعهد القديم لم يؤخذا من مصدر واحد بل من مصدرين مختلفين يدل على هذا اختلافهما في عدد الأسفار، حيث أن اليونانية ستة وأربعون سفراً، وأما العبرية الماسورية فهي تسعة وثلاثون سفراً، كما أن بينهما اختلافات كثيرة وعديدة مما يدل على أنهما من مصدرين مختلفين.

ومن خلال هذا يتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن العهد القديم كتاب ليس له أي سند تاريخي يثبت تسلسل نقله، وأنه تعرض لفترات عديدة من الضياع،

ص: 92

وأن أصله العبري لا وجود له بأيدي اليهود مما يجعل المجال واسعاً للتحريف والتبديل، وهو ما سنبينه إن شاء الله من واقع ما بأيدي اليهود والنصارى من النصوص.

ص: 93