الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: التثليث
المطلب الأول: تعريفه ومرادهم به:
مراد النصارى بالتثليث كما يقول قاموس الكتاب المقدس هو: إله واحد، الأب، والابن، والروح القدس إله واحد، جوهر (ذات) واحد متساوين في القدرة والمجد1.
ويفسرون هذه العقيدة بقولهم إن تعليم الثالوث يتضمن:
1) وحدانية الله.
2) لاهوت الأب والابن والروح القدس.
3) إن الأب والابن والروح القدس أقانيم2 يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الآبد.
4) أنهم واحد في الجوهر متساوون في القدرة والمجد.
5) إن بين أقانيم الثالوث تمييزاً أيضا في الوظائف والعمل، لأن الكتاب يعلم أن الأب والابن والروح القدس واحد في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد.
6) إن بعض أعمال اللاهوت تنسب في الكتاب المقدس إلى الأب والابن والروح القدس مثل خلق العالم وحفظه، وبعض الأعمال تنسب على الخصوص إلى الأب مثل الإختيار والدعوة، وإن بعض الإعمال تنسب خصوصا إلى الابن مثل الفداء،
1 قاموس الكتاب المقدس ص 234.
2 الأقنوم: كلمة يونانية الأصل تدل على شخصية متميزة، ويوازيها في الإنجليزيه كلمة person أي: شخص. انظر. حقائق أساسيه في الايمان المسيحي ص52
وبعض الأعمال تنسب خصوصاً إلى الروح القدس مثل التجديد والتقديس1.
ويزيد "حبيب سعيد" في بيان عقيدة الثالوث عندهم فيقول "لا تعني عقيدة الثالوث أن لنا ثلاثة آلهة، بل إله واحد في ثلاثة أقانيم، وقد عبر عن هذه العقيدة أحسن تعبير قانون ماراثناسيوس "الإيمان الجامع هو أن نعبد إلهاً واحداً في ثالوث، وثالوثاً في وحدانية ألا نخلط الأقانيم ولانفصل الجوهر، فإن للأب أقنوماً على حدة، وللابن أقنوماً آخر، وللروح أقنوماً آخر، ولكن لاهوت الآب والابن والروح القدس كله واحد، والمجد2 متساوو الجلال أبدى معاً
…
الأب إله والابن إله والروح القدس إله، ولكن ليسوا ثلاثة آلهة بل إله واحد
…
الأب رب والابن رب والروح القدس رب، ولكن ليسوا ثلاثة أرباب بل رب واحد
…
الدين الجامع ينهانا عن أن نقول بوجود ثلاثة آلهة أو ثلاثة أرباب"3
هذه عقيدة التثليث وشرحها عند النصارى.
ويتضح منها أنهم يقولون: إن وحدانية الله وحدانية حقيقة، وكذلك تثليثه، فهو واحد حقيقي، وهو في الوقت نفسه ثلاثة حقيقية، حيث يتميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة بأعمال ومميزات ليست من مميزات الآخر، وهم في نفس الوقت واحد في جوهرهم أي أن لهم ذاتاً واحدة، وهم متساوون في قدرتهم، ومجدهم، ووجودهم، لم يسبق أحد منهم الآخر.
1 انظر: كتاب: "حقائق أساسية في الإيمان المسيحي" ص 53.
2 هكذا في المرجع ولعل صوابها (واحدوا المجد) حتى تستقيم مع (متساووالجلال)
3 أديان العالم ص280.
فهذا شيء محير جداً!!
والحق أنه من خلال الكلام السابق يتضح للناظر وجود ثلاثة أشخاص في عقيدة النصارى وضوحاً بيناً، وذلك لأنهم نصوا على تميز كل واحد بمميزات خاصة. أما الوحدانية فهي مجرد دعوى غير واضحة وهي الدعوى الغير معقولة في كلامهم، لأنهم زعموا أن الثلاثة واحد، وهذا ما لا يعقل.
ويصدق عليهم في كلامهم السابق أنهم يعبدون ثلاثة آلهة ويجعلونها ضمن مسمى واحد وهو (الله) وبناءً عليه يعتقدون أنهم موحدون.
وهذا منهم ذر للرماد في العيون، لأن ذلك لا يخرجهم من أن يكونوا مشركين يعبدون آلهة مع الله، وهذا ما يحذره النصارى ويحاولون أن يدفعوه عن أنفسهم بدعوى وحدانية الله، ولكن العاقل يستطيع أن يميز بين ما هو حقيقي وبين ما هو مجرد دعوى. وقد نهاهم الله عز وجل عن هذا القول، وبين ضلالهم فيه في قوله عز وجل {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} النساء آية (171) .
وقولهم في التثليث جمع بين الضدين لأن الوحدانية تنفي الشرك، والشرك ينفي الوحدانية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدانية والشرك في مكان واحد بل هما ضدان لا يجتمعان كالسواد والبياض.
والنصارى يعتقدون إجتماعهما مخالفين بذلك الحس والعقل والنقل، ويحاول النصارى أن يقربوا هذه العقيدة للناس بضرب الأمثلة لها.
فمرة يشبهونها بالإنسان المكون من دم وروح وجسد.
ومرة بالشمس المكونة من جرم وأنها تنير الأرض وتدفئها.
ومنهم من شبهها بالشجرة بأن لها أصل وهي الجذور والساق والورق1.
وهذه التشبيهات ليس منها واحد يمكن أن يكون مطابقا لدعوى النصارى في التثليث، لأن جميع هذه الأشياء، إما أن تكون ذاتا واحدة لها أجزاء وأبعاض مثل الإنسان والشجرة، أو صفات وآثار مثل الشمس، بخلاف دعواهم في التثليث فإنهم عندهم ثلاثة حقيقيون، ذوو أعمال مختلفة متباينة، وهم في نفس الوقت واحد حقيقي، وهذا بخلاف الإنسان المكون من دم، وروح، وجسد، فهذه مكونات الجسم ولا يستقل واحد منها بذاته، كما أن الدم ليس الروح، والروح ليس الجسد، والجسد ليس هو الروح والدم وذلك بخلاف دعوى التثليث الذي يزعمون فيه: أن كل واحد من الثلاثة هو الآخرين، لهذا صرح كثير منهم بعدم معقولية التثليث وأنها قضية لا يفهمها العقل ولا يقبلها فمن ذلك:
قول القس "توفيق جيد" في كتابه "سر الأزل""إن الثالوث سر يصعب فهمه وإدراكه، وإن من يحاول إدراك سر الثالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفه"2.
ويقول " باسليوس إسحاق " في كتابه "الحق ":"أجل إن هذا التعليم
1 انظر: حقائق أساسية في الإيمان المسيحي ص 52. أديان العالم ص283
2 هذا القسيس يحاول أن يخفف من العبارة الدالة على استحالة التثليث، واستحالة قبوله بجعله سراً ثم زعمه أنه لا يدرك تمام الإدراك، كأنه يوحي بأنه يمكن أن يدرك منه بعض المعاني وتخفي البعض، والواقع أنه لا يدرك منه شيء.
عن التثليث فوق إدراكنا ولكن عدم إدراكه لا يبطله"1.
فهذا ما صرحوا به وتوصلوا إليه في النهاية: أن التثليث أمر مرفوض عقلا وغير مقبول، ولكنهم مع ذلك يؤمنون به.
ويحاول بعضهم أن يشبه ذلك بقول المسلمين في صفات الله عز وجل "إن العقول لا تدرك كيفيتها"2 وهذا تلبيس وتدليس منهم. لأن إثبات صفات الله عز وجل أمر يقبله العقل بل يوجبه العقل ولا يرفضه، وعدم إدراك كيفيتها يتلاءم مع مستوى علم الإنسان بالله عز وجل، ومن هذا الباب كثير من الغيبيات التي يؤمن الإنسان بها وِفْقَ نصوص الشرع ويقبلها العقل، مثل ما ورد عن الجنة، والنار، وعذاب القبر وغيرها. وذلك يختلف تماماً عن التثليث الذي يزعمه النصارى وهو: أن الثلاثة الحقيقة هي الواحد الحقيقي، والواحد الحقيقي هو الثلاثة، فهذا ما لا يطيق العقل قبوله، وفهمه.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن التثليث لم يرد بهذا الاسم ولا مرة واحدة في جميع كتب العهد القديم أو الجديد وأن أول من نطق به هو "ثيوفيليوس" أسقف أنطاكية السادس والمعتقد أنه توفي بعد 180م.
قال القس حنا الخضري: "إن أول شخص استعمل كلمة ثالوث في تاريخ العقيدة المسيحية هو أسقف أنطاكية، ولقد استعمل هذا الاصطلاح في صيغه غريبة وهي (ثالوث الله) كما أنه يرى في الأيام الثلاثة السابقة لخلق الشمس إشارة إلى الثالوث"3.
1 انظر: هذه النقول وغيرها في كتاب "النصرانية من التوحيد إلى التثليث" ص 207.
2 حبيب سعيد في كتابه أديان العالم ص282.
3 تاريخ الفكر المسيحي 1/ 463.
وقالوا في قاموس الكتاب المقدس: " إنه يظن أن أول من استعمل هذه الكلمة وصاغها هو "ترتليان" في القرن الثاني ثم "إثناسيوس" الذي وضع أساس هذه العقيدة التي قبلها مجمع نيقيه عام 325 م. ولقد تبلور ذلك الأساس على يد "أغسطينوس" في القرن الخامس الميلادي وصار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا"1.
ففي هذا دلالة على أن النصارى ابتدعوا عقيدة التثليث في وقت متأخر جداً.
والواقع أنهم استوردوها من الأديان الوثنية التي كانت تحيط بهم، أو نقلوها من الأديان التي كانوا عليها قبل أن يدخلوا في النصرانية، فقد ذكر كثير من الكتاب أن التثليث كان منتشراً في كثير من المناطق قبل أن يدعيه النصارى.
فمن ذلك قول "برتشرد" في كتابه "خرافات المصريين الوثنيين": "لا تخلو كافة الأبحاث المأخوذة عن مصادر شرقيه من ذكر أحد أنواع التثليث أو التولد الثلاثي أي الأب والابن والروح القدوس".
وجاء في كتاب "سكان أوربا الأول"" كان الوثنيون القدماء يعتقدون بأن الإله واحد ذو ثلاثة أقانيم".
وقال "بونويك" في كتاب "إعتقاد المصريين""وأغرب عقيدة عم انتشارها في ديانة المصريين "الوثنيين القدماء" هي قولهم "بلاهوت الكلمة" وأن كل شيء صار بواسطتها وأنها "أي الكلمة" منبثقة من الله، وأنها الله "2.
1 قاموس الكتاب المقدس ص 232. وانظر تاريخ الفكر المسيحي (1/528) .
2 انظر هذه النقول وغيرها كثير في كتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانيةص 35،36،41.
فيتضح من هذا أن مصدر تلك العقيدة الباطلة من الوثنيين الضالين قبل النصارى، وهذا الذي حذر الله منه النصارى في قوله هـ عز وجل {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} المائدة (77) .
وما بينه الله تعالى لنا في قوله: {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} التوبة آية (130) .
وإن الإنسان ليعجب بعد هذا من زعم النصارى أن التثليث هو الدين الحق وأن الله لا يقبل من العباد طاعاتهم ما لم يأتوه مثلثين!!