المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الأول: الصلب: - دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية

[سعود بن عبد العزيز الخلف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌مقدمة

- ‌المقدمة

- ‌مدخل إلى دراسة الأديان

- ‌أولاً: تعريف الدين

- ‌ثانياً: تقسيم الأديان

- ‌ثالثاً: علم الأديان في القرآن الكريم وكتابة المسلمين فيه:

- ‌رابعاً: باعث التدين:

- ‌خامساً: بيان أن التوحيد سبق الشرك:

-

- ‌الباب الأول: اليهودية

- ‌الفصل الأول: التعريف باليهودية

- ‌المبحث الأول: تعريف كلمة يهود

- ‌المبحث الثاني: مجمل تاريخ اليهود

-

- ‌الفصل الثاني: مصادر اليهود

- ‌المبحث الأول: التوراة والكتب الملحقة بها

- ‌المطلب الأول: تعريف التوراة

- ‌المطلب الثاني: تاريخ التوراة

- ‌المطلب الثالث: تحريف التوراة

- ‌المطلب الرابع: صفات الله عز وجل في التوراة المحرفة:

- ‌المطلب الخامس: وصف اليهود للأنبياء عليهم السلام في التوراة المحرفة

- ‌المطلب السادس: اليوم الآخر لدى اليهود

- ‌المبحث الثاني: التلمود

- ‌المبحث الثالث: بروتوكولات حكماء صهيون

- ‌الفصل الثالث: بعض عبادات وشعائر اليهود

- ‌الفصل الرابع: فرق اليهود

- ‌الفصل الخامس: أخلاق اليهود من خلال القرآن الكريم

-

- ‌الباب الثاني: النصرانية

- ‌الفصل الأول: التعريف بالنصرانية

- ‌المبحث الأول: تعريف كلمة النصرانية

- ‌المبحث الثاني: التعريف بالمسيح عليه السلام إجمالاً من خلال القرآن الكريم وما يتفق معه مما ورد في أناجيل النصارى

- ‌المبحث الثالث: تاريخ النصرانية إجمالاً

-

- ‌الفصل الثاني: مصادر النصرانية

-

- ‌المبحث الأول: الكتاب المقدس:

- ‌المطلب الأول: إسناد وتاريخ الأناجيل الأربعة

- ‌المطلب الثاني: الأناجيل الأربعة متناً

- ‌المطلب الثالث: إنجيل برنابا

- ‌المبحث الثاني: المجامع النصرانية

-

- ‌الفصل الثالث: عقيدة النصارى

- ‌المبحث الأول: التثليث

- ‌المطلب الأول: تعريفه ومرادهم به:

- ‌المطلب الثاني: استدلالات النصارى على التثليث

- ‌المطلب الثالث: إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث

- ‌المطلب الرابع: أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:

- ‌المطلب الخامس: الأقانيم الثلاثة تعريفها وأدلتهم عليها وبيان بطلان تلك الأدلة

- ‌المطلب السادس: الإتحاد: (التجسد)

-

- ‌المبحث الثاني: الصلب والفداء

- ‌المطلب الأول: الصلب:

- ‌المطلب الثاني: الفداء

- ‌المطلب الثالث: بيان بطلان دعوى النصارى في الصلب والفداء إضافة لما سبق

- ‌المبحث الثالث: محاسبة المسيح الناس

- ‌المبحث الرابع: قول النصارى في البعث والجنة والنار

- ‌الفصل الرابع: بعض العبادات والشعائر عند النصارى

- ‌الفصل الخامس: العوامل التي أدت إلى تحريف رسالة المسيح عليه السلام

- ‌الفصل السادس: أهم الفرق النصرانية المعاصرة

- ‌الفصل السابع: التنصير

- ‌الفصل الثامن: البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌المطلب الأول: الصلب:

‌المطلب الأول: الصلب:

أ- قصة الصلب إجمالا كما وردت في الأناجيل:

يعتقد النصارى كما سبق بيانه أن المسيح مات مصلوباً. وقصة الصلب كما وردت في الأناجيل باختصار هي: أن المسيح عليه السلام طلبه اليهود ليقتلوه لأنه في زعمهم كفر بالله، فدلهم على مكانه أحد أتباعه وهو يهوذا الإسخريوطي بعد أن أغروه بالمال، فقبضوا عليه ليلة الجمعة بعد أن كان قد فرغ من صلاة طويلة تضرع وتوسل فيها إلى الله عز وجل أن لا يذيقه هذه الكأس، ثم ساقوه إلى دار رئيس كهنة اليهود الذي تحقق من أنه مستحق للقتل، ثم حمل إلى دار الوالي الروماني الذي حكم عليه بالصلب بناءا على رغبة اليهود، فصلب الساعة الثالثة صباحاً من يوم الجمعة ومات على الصليب الساعة التاسعة مساءا أي وقت العصر بعد أن صاح "إلهي إلهي لماذا تركتني".

ثم أُنِزْل من الصليب في تلك الليلة، وأُدِخْل قبرا بقي فيه تلك الليلة ثم نهار السبت ثم ليلة الأحد، ولما جاؤا إليه صباح الأحد وجدوا القبر خاليا وقيل لهم إنه قام من قبره ثم إنه ظهر لهم في الجليل وكلمهم وبقي معهم أربعين يوماً ثم ارتفع إلى السماء. وهم ينظرون إليه، هذا ما ورد في الأناجيل عن قصة الصلب اجمالاً1.

1 انظر في إنجيل متى الإصحاح 26-28 - مرقص الإصحاح 14-16 - لوقا 22-24 - يوحنا 18-21 - وانظر أعمال الرسل (1/3) .

ص: 306

ب- اختلاف المعلومات الواردة في الأناجيل عن الصلب:

إذا نظرنا إلى قصة الصلب في الأناجيل نجدها مختلفة في أكثر نقاطها، وإليك بيان الإختلافات الموجودة في رواية هذه القصة.

1) ذكر لوقا: أن ملكاً من الملائكة تراءى للمسيح يقوي عزيمته في آخر صلاة صلاها. ولم يذكر ذلك الأخرون.

2) ذكر لوقا: أن المسيح صلى مرة واحدة، ولم يوقظ تلاميذه إلا مرة واحدة، أما متى ومرقص، فذكرا أن ذلك تكرر ثلاث مرات، ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئاً.

3) أن الأناجيل الثلاثة متى ومرقص ولوقا ورد فيها: أن العلامة بين يهوذا الذي دل اليهود على مكان المسيح واليهود الذين جاؤا للقبض على المسيح هي أن من يقبله فهو المسيح، ويوحنا ذكر أن المسيح خرج إليهم وسألهم عمن يطلبون فقالوا: يسوع فقال لهم: أنا هو.

4) أن يوحنا ذكر: أن اليهود لما قبضوا على المسيح ساقوه إلى حنان الذي كان حماً لرئيس الكهنة قيافا، أما الأناجيل الأخرى فلم تذكر ذلك، بل ذكرت أنهم ذهبوا به مباشرة إلى قيافا رئيس كهنة اليهود.

5) ذكر يوحنا: أن بطرس وتلميذاً آخر تبعا المسيح إلى رئيس الكهنه بعد أن قبض عليه، أما الآخرون فلم يذكروا سوى بطرس الذي خرج بعد ذلك ولم يشاهد المحاكمة.

6) سؤال رئيس الكهنة للمسيح وقت المحاكمة حسب مرقص "أأنت المسيح ابن المبارك فقال يسوع أنا هو وسوف تبصرون ابن الإنسان

ص: 307

جالسا عن يمين القوة وأتياً في سحاب السماء ".

وفي متى "أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله. قال له يسوع أنت قلت. وأيضا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة وأتياً على سحاب السماء".

وفي لوقا أن الجماعة سألوه "إن كنت أنت المسيح فقل لنا، فقال لهم إن قلت لكم لا تؤمنون وأن سألتكم لا تجيبوني ولا تطلقوني. ولكن من الآن يكون ابن البشر جالسا عن يمين قدرة الله. فقال الجميع. أفأنت ابن الله. فقال لهم أنتم تقولون إني أنا هو ".

وفي يوحنا أن رئيس الكهنة سأل المسيح عن تلاميذه وعن تعليمه، فأجابه وليس في شيء منها قوله السابق عن نفسه.

7) الأناجيل الثلاثة ذكرت: أن المسيح لما ذهب به اليهود إلى بيلاطس الوالي الروماني فسأله عما يتهمونه به من أنه ملك اليهود، لم يجبه المسيح بشيء حتى تعجب منه بيلاطس.

أما إنجيل يوحنا فيذكر كلاماً بين المسيح وبيلاطس.

8) الأناجيل الثلاثة ذكرت أن الصليب الذي صلب عليه المسيح سخر له رجل اسمه "سمعان القيرواني" لحمله.

أما إنجيل يوحنا فيذكر أن المسيح هو الذي حمل صليبه.

9) ذكر لوقا: أن المسيح التفت إلى الجموع وهو في طريقه إلى الصليب وحذرهم مما سيقع لهم في الأيام القريبة من الأمور الخطيرة العظيمة. ولم يذكر ذلك أي من الأناجيل الأخرى.

ص: 308

10) إن علة صلب المسيح حسب لوقا مكتوبة على الصليب هكذا "هذا هو ملك اليهود" باليونانية واللاتينية، والعبرانية.

وفي مرقص "ملك اليهود" ولم يذكر اللغات التي كتب بها.

وفي متى "هذا هو يسوع ملك اليهود" ولم يذكر اللغات.

وفي يوحنا "يسوع النصارى ملك اليهود" باليونانية واللاتينية والعبرانية.

11) أن مرقص ومتى ذكرا: أن اللصين الذين صلبا مع المسيح كانا يعيرانه مع الناس.

أما لوقا فقد ذكر: أن أحدهما عيَّره، أما الآخر فرد عليه ودافع عن المسيح ولم يذكر يوحنا ذلك.

12) ذكر يوحنا: أنه كان يقف عند الصليب أم المسيح وأخت أمه ومريم المجدلية مع التلميذ الذي يحبه المسيح، ويعني نفسه.

وأما لوقا ومرقص ومتى فقد ذكروا: أن نساءاً من بعيد كن ينظرن إليه، من بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويسى وسالومه وأخر كثيرات، ولم يذكروا حضور أي تلميذ من تلاميذه الصلب.

13) في متى ومرقص: أن المسيح صرخ في الساعة التاسعة وقال "ألوى ألوى لما شبقتني، الذي تفسيره"إلهي إلهي لماذا تركتني".

وفي لوقا قال "ونادى يسوع بصوت عظيم قائلا يا أبت في يديك أستودع روحي".

ص: 309

وفي يوحنا أنه لم يصرخ وإنما قال " قد أكمل، ونكس رأسه، وأسلم الروح".

14) الاختلاف في الأحداث بعد الصلب حيث قال متى "انشق حجاب الهيكل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبر بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين".

وفي مرقص "إنشق حجاب الهيكل إلى اثنين".

وفي لوقا "أظلمت الشمس1 وانشق حجاب الهيكل ".

ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئا.

15) الاختلاف في عدد ووقت الذين جاؤا صباح الأحد لمشاهدة القبر الذي فيه المسيح ووجدوه خاليا - وقد سبق ذكر ذلك2.

فهذه الإختلافات العديدة بينهم في رواية أعظم حادث في حياة المسيح حسب معتقد النصارى وهو: الصلب، إن دل على شيء فإنما يدل على أنه ليس لديهم علم مؤكد ومحقق في هذا الأمر، وأن ذلك كله من باب الظن

1 "أظلمت الشمس" مرادهم به أن كسوفاً حصل في الشمس وهذا وفق اعتقاد الناس في الجاهلية كما ورد في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: كسفت الشمس على عهد رسول الله (يوم مات إبراهيم فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:" إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا الله" أخرجه خ. صلاة الكسوف الصحيح مع الفتح (2/526، 546) .

2 انظر ص 206.

ص: 310

والخرص الذي لا يغني من الحق شيئا، ولو كان عندهم فيه شيء مدون، أو رواة ثقات عاينوا وشاهدوا الأحداث لما اختلفوا فيه. وإن من دلالة صدق الرواة لحدث من الحوادث إتفاقهم على رواية الخبر وتفاصيل وقائعه، وان من دلالة كذب الرواة أو عدم علمهم به اختلافهم في رواية الخبر وتباين كلامهم عنه. وهذا حقيقة حال النصارى في هذا الحادث الذي قامت النصرانية المحرفة كلها عليه كما سبق بيانه، فإنهم ليس عندهم علم به مؤكد إن يظنون إلا ظنا. وانظر واستمع إلى دقة كلام الله عز وجل في تعبيره عن الواقعة وعن رواتها حيث قال عز وجل {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا ًبَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} النساء آية (157) .

فأكد الله جل وعلا عدم صلبه وأنه رفعه إليه، وبيَّن أن الأمر قد شُبِّه على اليهود الذين زعموا أنهم صلبوه، كما أن الذين اختلفوا فيه وهم النصارى الضالون علمهم فيه غير مؤكد، إذ هم متبعون للظن في قولهم وزعمهم، ويؤكد ذلك ويبينه أن الأناجيل الثلاثة متى، ومرقس، ولوقا قد ذُكر فيها: أن التلاميذ حال القبض على المسيح تركوه وفروا جميعاً، فهم لم يعاينوا القبض عليه، ولا محاكمته، ولا رفعه على الصليب، ولا موته، ولا دفنه، ولا قيامته من القبر، وأن الذي شاهد الصلب مجموعه من النساء كن ينظرن إليه من بعيد.

أما رواية إنجيل يوحنا بأن التلميذ الذي يحبه المسيح كان حاضراً وقت المحاكمة وعند الصلب، وكذلك أم المسيح كانت موجودة وقت الصلب،

ص: 311

فهي رواية غير صحيحة لاشك لمخالفتها لرواية الأناجيل الثلاثة الأخرى. كما أن إنجيل يوحنا هو أقل الأناجيل نصيباً من الصحة - كما سبق بيانه في فصل المصادر1-.

جـ - حقيقة نهاية المسيح عليه السلام على الأرض ومجيئة مرة أخرى

الحق بالنسبة للمسيح عليه السلام أن الله عز وجل أنجاه من أعدائه اليهود، وهذا الذي يتناسب مع سؤال المسيح وتضرعه إلى الله أن يعبر عنه هذه الكأس2 فقد استجاب الله له ورفعه إليه، قال الله تعالى:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} آل عمران الآيات (52-55) وقوله {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} المراد به من الاستيفاء وهو القبض، أو النوم، على معنى قول الله عز وجل {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} أو أن فيها تقديما وتأخيراً، تقديره رافعك إلي ومتوفيك3.

وقال عز وجل رادًا على اليهود إدعاءاتهم على المسيح وأمه مبيناً الحق

1 انظر ص 194.

2 انظر ابتهال المسيح إلى الله وشدة تضرعه إلى الله أن ينجيه من أعدائه في إنجيل متى (26/36-45) ، ومرقص (14/34-41) ، ولوقا (22/41-46) .

3 انظر تفسير القرطبي (3/99) تفسير ابن كثير (1/322) .

ص: 312

فيما يتعلق بنهاية المسيح عليه السلام {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} . النساء الآيات (156-158) .

وقد دلت السنة على أن المسيح عليه السلام سينزل أخر الزمان وفي هذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لايقبله أحد"1.

وقد أجمع المسلمون على هذه العقيده وهي أن المسيح عليه السلام سينزل آخر الزمان بناءاً على تواتر الأحاديث في ذلك، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع من العقلانيين في هذه الأزمان المتأخره2 ممن زعموا أن هذه عقيدة يهودية دخلت على المسلمين، وتابعهم على ذلك كثير من الكتاب الذين ليس لهم علم بهذه الأمور سوى التقليد. والحق أن هذه العقيدة ثبتت بالأدلة الصحيحة من السنة وأجمع علماء الاسلام عليها مما لاحاجة لنا معه إلى قول أحد من الناس وتخرصاته3.

1 أخرجه خ-كتاب البدع (4/414) مع الفتح، واخرجه م (1/135) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

2 انظر الفتاوى لمحمود شلتوت ص 59.

3 وللإستزاده ينظر في ذلك فتح الباري 6/490 - صحيح مسلم بشرح النووي 2/189، تفسير ابن كثير (2/515) الفتن الملاحم لابن كثير 1/117) إتحاف الجماعه فيما جاء في الفتنه واشراط الساعه للتويجرى (2/225) ، أشراط الساعه يوسف الوابل ص340

ص: 313

ومما يجدر ذكره هنا أن النصارى يعتقدون رجعة المسيح قبل يوم القيامه وأنه سيحاسب الناس ويضم أتباعه إليه1.

ومن النصوص الدالة على ذلك عندهم ماورد في سفر أعمال الرسل (1/15) بعد رفع المسيح إلى السماء قولهم " أيها الرجال الجليليون مابالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء".

وكذلك اليهود يؤمنون بأن مسيحاً سيأتي أخر الزمان وينتصر به اليهود على أعدائهم، واليهود منذ زال ملكهم وهم ينتظرون ذلك المسيح الذي يعيد إليهم ملكهم2.

وإن في ذلك أمراً عجيباً له دلالات عجيبة غريبة نشير إلى مايبدو منها مما فيه تأييد للوحي والحق فأقول:

إن مما لاشك فيه ولا مريه أن المسيح عليه السلام قد رفعه الله إلى السماء كما ذكر الله عز وجل ذلك في القرآن3 وسوف ينزل آخر الزمان كما ثبت في السنه4 وهما المصدران اللذان لم تشُبهما شائبة التحريف ولم يطلهما تغيير ولاتبديل، وكما ارتفع المسيح عليه السلام بشراً سيعود بشراً ليس إلهاً ولا ابن إله كما زعم النصارى ونزوله عليه السلام من علامات الساعة الكبرى، أي

1 انظر الأمور المتيقنه عندنا - تأليف القس كارل وليمز ص171 وانظر: رؤيا معاصره حول مجيء المسيح الثاني ص 10.

2 انظر الكنز المرصود في قواعد التلمود ص 70.

3 سبق ذكر الأية في ذلك ص143.

4 انظر الحديث السابق ص274.

ص: 314

الإمارات الدالة على قرب قيام الساعه.

ومما لاشك فيه ولامرية أيضاً أن هناك رجل آخر سيسبق مجيء المسيح عيسى عليه السلام ألا وهو المسيح الدجال، وهو مسيح الضلالة والغواية والدعوة إلى الكفر ونصير الكفار فهما مسيحان سيأتيان في وقت متقارب جداً إذا ظهر أولهما لحقه الآخر، هذا مما ثبت لدينا نحن المسلمين بالأدلة القاطعه الثابته فإلى أيهم سينتمي الناس.

لاشك أن المسلمين الصادقين سينتمون إلى مسيح الهداية والخير عيسى ابن مريم عليه السلام، بل إن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام سينزل عليهم في جماعتهم عند إقامة الصلاة فقد ورد في حديث جابر رضي الله عنه أنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامه قال فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة "1.

أما اليهود والمنافقون والكفار فإنهم ينضمون إلى مسيح الضلالة المسيح الدجال.

أما انحياز اليهود إليه فلأنه يهودي منهم فقد ورد في حديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ابن صياد قال لأبي سعيد رضي الله عنه يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ألم يقل نبي الله صلى الله عليه وسلم "إنه يهودي"2 يعني الدجال.

وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يتبع

1 صحيح مسلم (1/137) .

2 صحيح مسلم (4/2242) .

ص: 315

الدجال من يهود أصبهان1 سبعون ألفاً عليهم الطيالسه2" كما أن قتله يكون بين اليهود في فلسطين بباب لد3.

فهذا فيه دلالة واضحة على أن المسيح الدجال هو الزعيم والملك الذي ينتظره اليهود بفارغ الصبر.

وإن من عجيب قدر الله جل وعلا أن اليهود كانوا قبل مجيء المسيح عيسى عليه السلام ينتظرون مسيحاً إلا أن أمالهم كانت متعلقه بشخصية محاربه يملكون بها الدنيا، ويعيدون لأنفسهم بها ماسلف من مجدهم وما اندثرمن عزهم بسبب كفرهم، ويرفعون عن أنفسهم تسلط الرومان، الذين كانوا متسلطين عليهم في ذلك الزمان، فلما جاءهم المسيح عيسى بن مريم عليه السلام نبياً كريماً ذا خصال حميدة وخلال كريمة يدعو إلى التوبة والإيمان والتقوى والإحسان والعفو عن الظالم والصبر على البلاء، نفروا منه نفوراً شديداً، وكرهوه وكرهو دعوته عليه الصلاة والسلام، فسعوا بناءاً على ذلك إلى قتله تخلصاً منه حيث خيب آمالهم في تملك الدنيا وإخراجهم من الذل الذي كانوا فيه، إلا أن الله سبحانه بكريم فضله وعظيم إنعامه انقذ عبده ورسوله منهم وأنجاه ورفعه إليه، وحاق بالذين حاولوا قتله البلاء العظيم، فبعده بمدة وجيزه حل باليهود عذاب أليم وبلاء شديد تشتتوا بسببه في أنحاء الارض شذر مذر4.

1 مدينة عظيمة من بلاد فارس ويقطن بها كثير من اليهود انظر معجم البلدان 1/206.

2 صحيح مسلم (4/2266) .

3 قرية قرب بيت المقدس في فلسطين. معجم البلدان (5/15) .

4 وذلك في تدمير القائد الروماني تيطس لهم عام 70م وكذلك القضاء النهائي عليهم وطردهم من فلسطين زمن الحاكم الروماني أدريانوس سنة 135م أنظر تاريخ بني إسرائيل محمد عزه دروزه ص 381.

ص: 316

ثم إن مما سيكون من عجيب القدر والتقدير أن الذي هو أمل اليهود في السيطرة على العالم وزعيمهم الذي سيخُضِع العالم لهم سيأتي ولاقبل لأحد من الناس به، إلا أن الله عز وجل ادخر له عيسى بن مريم عليه السلام الذي لم يقبله اليهود لأنه لم يحقق لهم أطماعهم ولم يستجب لأهوائهم حيث سيكون على يديه الكريمتين هلاك ملك اليهود ورجائهم في السيطرة والغلبة، فبعد ظهور المسيح الدجال واتباع اليهود وأهل الضلالة له ينزل عيسى بن مريم عليه السلام كما قال عليه الصلاة والسلام "فينزل - يعني عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين1 واضعاً كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه2. فيطلبه - أي المسيح عيسى عليه السلام يطلب ويلحق المسيح الدجال- حتى يدركه بباب لد في فلسطين فيقتله.. "3.

فيكون بذلك دمار اليهود النهائي ودمار ملكهم على يدى المسيح عيسى بن مريم عليه السلام أولاً، ثم سائر المؤمنين من بعده حيث ستكون مقتله عظيمه يقتل بها جميع اليهود في فلسطين4 والمسيح الدجال من أعظم البلايا والفتن على بني الإنسان فإنه مامن نبي إلا حذر أمته منه فقد روى عبد الله بن عمر أن

1 أي ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران.

2 وذلك معناه والله أعلم أن كل من حوله يكونون من المسلمين ومن لم يكن مسلماً إما أن يسلم أو يموت.

3 صحيح مسلم (4/2253) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه.

4 سبق ذكر الحديث الذي ينص على قتل المسلمين لليهود ص56.

ص: 317

رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال فقال "إني لأنذركموه مامن نبي إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، تعلموا أنه أعور وإن الله تبارك وتعالى ليس بأعور"1.

وللدجال طاقات ومقدرة وقوة يفتن بها الناس ويدعو الناس إلى عبادة نفسه حيث سيزعم أنه رب وإله فمن تابعه نال مما معه من لذة الدنيا ومتعها، ومن خالفه أصابه بلاء وعناء وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام في بيان سرعته في السير في الأرض وماأُعْطِىَ من قوة "قلنا: يارسول الله وما إسراعه في الأرض، قال:"كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ماكانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل "2.

فلهذه الفتن التي تكون معه يتبعه المنافقون وأهل الأهواء والكفار.

أما النصارى - فيبدو لي والله أعلم - أن أكثرهم سيكون من أتباع مسيح الضلالة المسيح الدجال وأنه سيكون فتنة عظيمة لهم. وذلك أن النصارى ينتظرون مسيحاً هو الرب والإله في زعمهم، فإذا جاء المسيح الدجال فإنه يدعي الربوبيه ومعه جنة ونار كما ورد في الحديث3 فمن آمن به أدخله جنته

1 صحيح مسلم (4/2245) .

2 أخرجه مسلم في صحيحه (4/2252) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه.

3 روى مسلم في صحيحه (4/2250) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "ألا أخبركم عن الدجال حديثاً ماحدثه نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار. فالتي يقول أنها الجنة هي النار".

ص: 318

ومن لم يؤمن به أدخله ناره، وماجنته إلا نار الآخرة وماناره إلا جنة الآخرة.

ثم إن النصارى يظنون أنه سيكون في هذه الدنيا حساب وإدانة للناس من قبل المسيح عيسى في زعمهم فهذه كلها دلائل تشير إلى أنهم سيفتنون به إلا من عصمه الله منهم واستبان له حقيقة ذلك الدجال بما جعل الله في خلقته من القبح والنقص1 وما سيكون لاشك في دعوته وديانته من الفساد والإنحراف والكفر. ولكن أنى للنصارى أن يتبينوا الفساد في الديانة وهم على ديانة غاية في الانحراف.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1 روى مسلم في صحيحه (4/2247) عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام ذكر الدجال بين ظهران الناس فقال "إن الله تعالى ليس بأعور ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافئة ".

ص: 319