المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ النقل عن الحنفية: - أبحاث هيئة كبار العلماء - جـ ٦

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌ نبذ من عقيدته وعقيدة أتباعه:

- ‌ حكم الشريعة فيمن يعتقد هذه العقيدة:

- ‌حكم ورد التجانية

- ‌حكم الصلاة خلف الأئمة المبتدعين - كالتجانية

- ‌ من أحكام القرآن الكريم

- ‌ ما جاء في النهي عن مس المصحف لغير من كان طاهرا

- ‌ النقول من المحدثين:

- ‌ النقول من الفقهاء

- ‌ ما جاء في النهي عن قراءة الجنب والحائض القرآن:

- ‌ النقول عن المحدثين:

- ‌ النقول عن الفقهاء:

- ‌ حكم تعليم الكافر القرآن:

- ‌ النقول من المفسرين:

- ‌ النقل من البخاري وابن حجر:

- ‌ النقول من الفقهاء:

- ‌ حكم الأسورة المغناطيسية

- ‌ قاعدة سد الذرائع

- ‌ الأسباب المادية والأسباب الروحية:

- ‌ نصوص وآثار جزئية في موضوع البحث ونقول عن العلماء في ذلك:

- ‌ حكم استعمال المياه النجسة

- ‌ التمهيد:

- ‌ استحالة المياه المتنجسة بسبب اختلاف أسبابها:

- ‌ استحالة المياه المتنجسة بصب ماء طهور عليها أو نزح بعضه أو زوال التغير بنفسه:

- ‌ طريقة الحنفية:

- ‌ طريقة المالكية:

- ‌ طريقة الشافعية:

- ‌ طريقة الحنابلة:

- ‌ الاستحالة برمي تراب ونحوه فيها:

- ‌ الاستحالة بسقي النباتات بها وشرب الحيوانات إياها:

- ‌ حكم استعمال مياه المجاري بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة منها:

- ‌ جباية الزكاة

- ‌ حق ولي الأمر في تولي جباية الزكاة من الأموال الباطنة:

- ‌ النقول من كتب الحنفية:

- ‌ النقول من كتب المالكية:

- ‌ النقول من كتب الشافعية

- ‌ النقول من كتب الحنابلة

- ‌ النظر في زكاة عروض التجارة:

- ‌ النقل عن الحنفية:

- ‌ النقل عن المالكية:

- ‌ النقل عن الشافعية:

- ‌ النقل عن الحنابلة:

- ‌ الديون التي للإنسان على غيره هل تجب فيها الزكاة

- ‌ النقل عن الحنفية:

- ‌ النقل عن المالكية:

- ‌ النقل عن الشافعية

- ‌ النقل عن الحنابلة

- ‌ الديون التي على الإنسان هل تمنع وجوب الزكاة

- ‌ النقل عن الحنفية:

- ‌ النقل عن المالكية:

- ‌ النقل عن الشافعية:

- ‌ النقل عن الحنابلة:

- ‌ التعزير بالمال:

- ‌ النقل عن المالكية:

- ‌ النقل عن الشافعية:

- ‌ النقل عن الحنابلة:

- ‌الخلاصة:

- ‌ملاحظة بعض التجارعلى جباية الزكاة

- ‌ حق ولي الأمر في الجباية:

- ‌ مناقشة ما لاحظه التجار على ضوئه

- ‌ ملاحظات بعض التجار على تحصيل تأمينات اجتماعية من غير السعوديين الذين يعملون في المملكة

الفصل: ‌ النقل عن الحنفية:

المذهب. وقال القاضي: لا يرجع عليه، إن قلنا: لا يلزم ربها زكاتها. قال في [الرعاية] : لوجوبها على الملتقط إذن (1) .

(1)[الإنصاف] ، (3 \ 18) وما بعدها.

ص: 354

رابعا:‌

‌ الديون التي على الإنسان هل تمنع وجوب الزكاة

؟

الديون التي على الإنسان قد تكون لآدمي، وقد تكون لله تعالى، وقد يكون الدين حالا أو مؤجلا.

وفيما يلي نصوص فقهاء الإسلام تبين أقوالهم وأدلتهم مع المناقشة:

1 -

‌ النقل عن الحنفية:

أ- قال الكاساني: ومنها: أن لا يكون عليه دين مطالب به من جهة العباد عندنا، فإن كان فإنه يمنع وجوب الزكاة بقدره، حالا كان أو مؤجلا. وعند الشافعي: هذا ليس بشرط، والدين لا يمنع وجوب الزكاة كيفما كان، احتج الشافعي بعمومات الزكاة من غير فصل، ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب، وشرطه أن يكون معدا للتجارة أو للإسامة وقد وجد.

أما الملك فظاهر؛ لأن المديون مالك لماله؛ لأن دين الحر الصحيح يجب في ذمته ولا يتعلق بماله، ولهذا يملك التصرف فيه كيف شاء. وأما الإعداد للتجارة أو الإسامة؛ فلأن الدين لا ينافي ذلك، والدليل عليه أنه لا يمنع وجوب العشر.

(ولنا) : ما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه خطب في شهر رمضان وقال في خطبته: ألا إن شهر زكاتكم قد حضر، فمن كان له مال وعليه

ص: 354

دين فليحسب ماله بما عليه، ثم ليزك بقية ماله. وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان ذلك إجماعا منهم على أنه لا تجب الزكاة في القدر المشغول بالدين.

وبه تبين أن مال المديون خارج عن عمومات الزكاة، ولأنه محتاج إلى هذا المال حاجة أصلية؛ لأن قضاء الدين من الحوائج الأصلية، والمال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون مال الزكاة؛ لأنه لا يتحقق به الغنى، «ولا صدقة إلا عن ظهر غنى (1) » على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد خرج الجواب عن قوله: إنه وجد سبب الوجوب وشرطه؛ لأن صفة الغنى مع ذلك شرط ولا يتحقق مع الدين مع ما (2) أن ملكه في النصاب ناقص، بدليل أن لصاحب الدين إذا ظفر بجنس حقه أن يأخذه من غير قضاء ولا رضاء.

وعند الشافعي: له ذلك في الجنس وخلاف الجنس وذا آية عدم الملك، كما في الوديعة والمغصوب. فلأن يكون دليل نقصان الملك أولى.

وأما العشر: فقد روى ابن المبارك عن أبي حنيفة: أن الدين يمنع وجوب العشر فيمنع على هذا الرواية، وأما على ظاهر الرواية؛ فلأن العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج فلا يعتبر فيه غنى المالك، ولهذا لا يعتبر فيه أصل الملك عندنا حتى يجب في الأراضي الموقوفة وأرض المكاتب، بخلاف الزكاة، فإنه لا بد فيها من غنى المالك، والغنى لا

(1) صحيح البخاري النفقات (5355) ، سنن النسائي الزكاة (2534) ، سنن أبو داود الزكاة (1676) ، مسند أحمد بن حنبل (2/230) ، سنن الدارمي الزكاة (1651) .

(2)

كذا في الأصل. ولعل (ما) زائدة، أو تكون بعد أن.

ص: 355

يجامع الدين، وعلى هذا يخرج مهر المرأة، فإنه يمنع وجوب الزكاة عندنا معجلا كان أو مؤجلا؛ لأنها إذا طالبته يؤاخذ به.

وقال بعض مشايخنا: إن المؤجل لا يمنع؛ لأنه غير مطالب به عادة، فأما المعجل فيطالب به عادة فيمنع.

وقال بعضهم: إن كان الزوج على عزم من قضائه يمنع، وإن لم يكن على عزم القضاء لا يمنع؛ لأنه لا يعده دينا، وإنما يؤاخذ المرء بما عنده في الأحكام.

وذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري في الإجارة الطويلة التي تعارفها أهل بخارى أن الزكاة في الأجرة المعجلة تجب على الآجر؛ لأنه ملكه قبل الفسخ وإن كان يلحقه دين بعد الحول بالفسخ. وقال بعض مشايخنا: إنه يجب على المستأجر أيضا؛ لأنه يعد ذلك مالا موضوعا عند الآجر.

وقالوا في البيع الذي اعتاده أهل سمرقند وهو بيع الوفاء: إن الزكاة على البائع في ثمنه إن بقي حولا؛ لأنه ملكه.

وبعض مشايخنا قالوا: يجب أن يلزم المشتري أيضا؛ لأنه يعده مالا موضوعا عند البائع فيؤاخذ بما عنده.

وقالوا فيمن ضمن الدرك فاستحق المبيع: إنه إن كان في الحول يمنع؛ لأن المانع قارن الموجب فيمنع الوجوب، فأما إذا استحق بعد الحول لا يسقط الزكاة؛ لأنه دين حادث؛ لأن الوجوب مقتصر على حالة الاستحقاق وإن كان الضمان سببا حتى اعتبر من جميع المال، وإذا اقتصر وجوب الدين لم يمنع وجوب الزكاة قبله.

ص: 356

وأما نفقة الزوجات فما لم يصر دينا إما بفرض القاضي أو بالتراضي لا يمنع؛ لأنها تجب شيئا فشيئا؛ فتسقط إذا لم يوجد قضاء القاضي أو التراضي، وتمنع إذا فرضت بقضاء القاضي أو بالتراضي لصيرورته دينا.

وكذا نفقة المحارم تمنع إذا فرضها القاضي في مدة قصيرة نحو ما دون الشهر فتصير دينا، فأما إذا كانت المدة طويلة فلا تصير دينا، بل تسقط؛ لأنها صلة محضة، بخلاف نفقة الزوجات.

إلا أن القاضي يضطر إلى الفرض في الجملة في نفقة المحارم أيضا لكن الضرورة ترتفع بأدنى المدة.

وقال بعض مشايخنا: إن نفقة المحارم تصير دينا أيضا بالتراضي في المدة اليسيرة.

وقالوا: دين الخراج يمنع وجوب الزكاة؛ لأنه مطالب به. وكذا إذا صار العشر دينا في ذمته بأن أتلف الطعام العشري صاحبه.

فأما وجوب العشر فلا يمنع؛ لأنه متعلق بالطعام يبقى ببقائه ويهلك بهلاكه، والطعام ليس مال التجارة حتى يصير مستحقا بالدين.

وأما الزكاة الواجبة في النصاب أو دين الزكاة بأن أتلف مال الزكاة حتى انتقل من العين إلى الذمة - فكل ذلك يمنع وجوب الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد، سواء كان في الأموال الظاهرة أو الباطنة.

وقال زفر: لا يمنع كلاهما.

وقال أبو يوسف: وجوب الزكاة في النصاب يمنع، فأما دين الزكاة فلا يمنع.

هكذا ذكر الكرخي قول زفر ولم يفصل بين الأموال الظاهرة والباطنة.

ص: 357

وذكر القاضي في شرحه [مختصر الطحاوي] : أن هذا مذهبه في الأموال الباطنة من الذهب والفضة، وأموال التجارة.

ووجه هذا القول ظاهر؛ لأن الأموال الباطنة لا يطالب الإمام بزكاتها، فلم يكن لزكاتها مطالب من جهة العباد، سواء كانت في العين أو في الذمة، فلا يمنع وجوب الزكاة، كديون الله تعالى من الكفارات والنذور وغيرها، بخلاف الأموال الظاهرة؛ لأن الإمام يطالب بزكاتها.

وأما وجه قوله الآخر فهو: أن الزكاة قربة، فلا يمنع وجوب الزكاة، كدين النذور والكفارات.

ولأبي يوسف: الفرق بين وجوب الزكاة وبين دينها هو: أن دين الزكاة في الذمة لا يتعلق بالنصاب، فلا يمنع الوجوب؛ كدين الكفارات والنذور.

وأما وجوب الزكاة فمتعلق بالنصاب، إذ الواجب جزء من النصاب، واستحقاق جزء من النصاب يوجب النصاب؛ إذ المستحق كالمصروف. وحكي أنه قيل لأبي يوسف: ما حجتك على زفر؟ فقال: ما حجتي على من يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم؟ ! والأمر على ما قاله أبو يوسف؛ لأنه إذا كان له مائتا درهم فلم يؤد زكاتها سنين كثيرة، يؤدي إيجاب الزكاة في المال أكثر منه بأضعافه وأنه قبيح.

ولأبي حنيفة ومحمد: أن كل ذلك دين مطالب به من جهة العباد.

أما زكاة السوائم فلأنها يطالب بها من جهة السلطان عينا كان أو دينا؛ ولهذا يستحلف إذا أنكر الحول، أو أنكر كونه للتجارة أو ما أشبه ذلك،

ص: 358

فصار بمنزلة ديون العباد. وأما زكاة التجارة فمطالب بها أيضا تقديرا؛ لأن حق الأخذ للسلطان.

وكان يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى زمن عثمان رضي الله عنه. فلما كثرت الأموال في زمانه وعلم أن في تتبعها زيادة ضرر بأربابها رأى المصلحة في أن يفوض الأداء إلى أربابها بإجماع الصحابة، فصار أرباب الأموال كالوكلاء عن الإمام. ألا ترى أنه قال: من كان عليه دين فليؤده وليترك ما بقي من ماله.

فهذا توكيل لأرباب الأموال بإخراج الزكاة، فلا يبطل حق الإمام عن الأخذ؛ ولهذا قال أصحابنا: إن الإمام إذا علم من أهل بلدة أنهم يتركون أداء الزكاة من الأموال الباطنة فإنه يطالبهم بها، لكن إذا أراد الإمام أن يأخذها بنفسه من غير تهمة الترك من أربابها ليس له ذلك؛ لما فيه من مخالفة إجماع الصحابة رضي الله عنهم.

وبيان ذلك: أنه إذا كان لرجل مائتا درهم أو عشرون مثقال ذهب فلم يؤد زكاته سنتين يزكي السنة الأولى وليس عليه للسنة الثانية شيء عند أصحابنا الثلاثة.

وعند زفر: يؤدي زكاة سنتين، وكذا هذا في مال التجارة، وكذا في السوائم إذا كان له خمس من الإبل السائمة مضى عليها سنتان ولم يؤد زكاتها - أنه يؤدي زكاة السنة الأولى، وذلك شاة، ولا شيء عليه للسنة الثانية.

ولو كانت عشرا وحال عليها حولان، يجب للسنة الأولى شاتان، وللثانية شاة.

ص: 359

ولو كانت الإبل خمسا وعشرين يجب للسنة الأولى بنت مخاض، وللسنة الثانية أربع شياه، ولو كان له ثلاثون من البقر السوائم يجب للسنة الأولى تبيع أو تبيعة، ولا شيء للسنة الثانية.

وإن كانت أربعين يجب للسنة الأولى مسنة، وللثانية تبيع أو تبيعة وإن كان له أربعون من الغنم عليه للسنة الأولى شاة، ولا شيء للسنة الثانية. وإن كانت مائة وإحدى وعشرين عليه للسنة الأولى شاتان، وللسنة الثانية شاة.

ولو لحقه دين مطالب به من جهة العباد في خلال الحول، هل ينقطع حكم الحول؟ قال أبو يوسف: لا ينقطع، حتى إذا سقط بالقضاء أو بالإبراء قبل تمام الحول تلزمه الزكاة إذا تم الحول.

وقال زفر: ينقطع الحول بلحوق الدين. والمسألة مبنية على نقصان النصاب في خلال الحول؛ لأن بالدين ينعدم كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية؛ فتنعدم صفة الغنى في المالك، فكان نظير نقصان النصاب في أثناء الحول.

وعندنا نقصان النصاب في خلال الحول: لا يقطع الحول، وعند زفر: يقطع على ما نذكر، فهذا مثله. وأما الديون التي لا مطالب لها من جهة العبادات كالنذور والكفارات وصدقة الفطر ووجوب الحج ونحوها لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن أثرها في حق أحكام الآخرة وهو الثواب بالأداء والإثم بالترك فأما لا أثر له في أحكام الدنيا، ألا ترى أنه لا يجبر ولا يحبس فلا يظهر في حق حكم من أحكام الدنيا فكانت ملحقة بالعدم في حق أحكام الدنيا.

ص: 360

ثم إذا كان على الرجل دين وله مال الزكاة وغيره من عبيد الخدمة وثياب البذلة ودور السكنى فإن الدين يصرف إلى مال الزكاة عندنا سواء كان من جنس الدين أو لا، ولا يصرف إلى غير مال الزكاة وإن كان من جنس الدين.

وقال زفر: يصرف الدين إلى الجنس وإن لم يكن مال الزكاة، حتى إنه لو تزوج امرأة على خادم بغير عينه وله مائتا درهم وخادم فدين المهر يصرف إلى المائتين دون الخادم عندنا، وعنده يصرف إلى الخادم.

وجه قول زفر: أن قضاء الدين من الجنس أيسر؛ فكان الصرف إليه أولى.

ولنا: أن عين مال الزكاة مستحق كسائر الحوائج، ومال الزكاة فاضل عنها، فكان الصرف إليه أيسر وأنظر بأرباب الأموال، لهذا لا يصرف إلى ثياب بدنه وقوته وقوت عياله، وإن كان من جنس الدين لما قلنا.

وذكر محمد في الأصل: أرأيت لو تصدق عليه لم يكن موضعا للصدقة.

ومعنى هذا الكلام: أن مال الزكاة مشغول بحاجة الدين؛ فكان ملحقا بالعدم، وملك الدار والخادم لا يحرم عليه أخذ الصدقة، فكان فقيرا، ولا زكاة على الفقير.

ولو كان في يده من أموال الزكاة أنواع مختلفة من الدراهم والدنانير وأموال التجارة والسوائم، فإنه يصرف الدين إلى الدراهم والدنانير وأموال التجارة دون السوائم؛ لأن زكاة هذه الجملة يؤديها أرباب الأموال، وزكاة السوائم يأخذها الإمام، وربما يقصرون في الصرف إلى الفقراء ظنا بما

ص: 361

لهم، فكان صرف الدين إلى الأموال الباطنة ليأخذ السلطان زكاة السوائم نظرا للفقراء، وهذا أيضا عندنا.

وعلى قول زفر: يصرف الدين إلى الجنس وإن كان من السوائم، حتى إن من تزوج امرأة على خمس من الإبل السائمة بغير أعيانها وله أموال التجارة وإبل سائمة - فإن عنده يصرف المهر إلى الإبل، وعندنا يصرف إلى مال التجارة لما مر.

وذكر الشيخ الإمام السرخسي: أن هذا إذا حضر المصدق، فإن لم يحضر فالخيار لصاحب المال، إن شاء صرف الدين إلى السائمة وأدى الزكاة من الدراهم، وإن شاء صرف الدين إلى الدراهم وأدى الزكاة من السائمة؛ لأن في حق صاحب المال هما سواء لا يختلف، وإنما الاختلاف في حق المصدق، فإن له ولاية أخذ الزكاة من السائمة دون الدراهم؛ فلهذا إذا حضر صرف الدين إلى الدراهم وأخذ الزكاة من السائمة.

فأما إذا لم يكن له مال الزكاة سوى السوائم فإن الدين يصرف إليها ولا يصرف إلى أموال البذلة لما ذكرنا.

ثم ينظر إن كان له أنواع مختلفة من السوائم، فإن الدين يصرف إلى أقلها زكاة حتى يجب الأكثر نظرا للفقراء، بأن كان له خمس من الإبل وثلاثون من البقر وأربعون شاة، فإن الدين يصرف إلى الإبل أو الغنم دون البقر حتى يجب التبيع؛ لأنه أكثر قيمة من الشاة. وهذا إذا صرف الدين إلى الإبل والغنم بحيث لا يفضل شيء منه، فأما إذا استغرق أحدهما وفضل منه شيء وإن صرف إلى البقر لا يفضل منه شيء - فإنه

ص: 362

يصرف إلى البقر؛ لأنه إذا فضل شيء منه يصرف إلى الغنم فانتقص النصاب بسبب الدين فامتنع وجوب شاتين.

ولو صرف إلى البقر وامتنع وجوب التبيع تجب الشاتان؛ لأنه لو صرف الدين إلى الغنم يبقى نصاب الإبل السائمة كاملا، والتبيع أقل قيمة من شاتين، ولو لم يكن له إلا الإبل والغنم.

ذكر في [الجامع] : أن لصاحب المال أن يصرف الدين إلى أيهما شاء، لاستوائهما في قدر الواجب، وهو الشاة.

وذكر في نوادر الزكاة أن للمصدق أن يأخذ الزكاة من الإبل دون الغنم؛ لأن الشاة الواجبة في الإبل ليست من نفس النصاب؛ فلا ينتقص النصاب بأخذها. ولو صرف الدين إلى الإبل يأخذ الشاة من الأربعين فينتقص النصاب فكان هذا أنفع للفقراء.

ولو كان له خمس وعشرون من الإبل وثلاثون بقرا وأربعون شاة، فإن كان الدين لا يفضل عن الغنم يصرف إلى الشاة؛ لأنه أقل زكاة، فإن فضل منه ينظر إن كان بنت مخاض وسط أقل قيمة من الشاة وتبيع وسط يصرف إلى الإبل، وإن كان أكثر قيمة منها يصرف إلى الغنم والبقر؛ لأن هذا أنفع للفقراء، فالمدار على هذا الحرف.

فأما إذا لم يكن له مال للزكاة فإنه يصرف الدين إلى عروض البذلة والمهنة أولا ثم إلى العقار؛ لأن الملك مما يستحدث في العروض ساعة فساعة، فأما العقار فمما لا يستحدث فيه الملك غالبا؛ فكان فيه مراعاة

ص: 363

النظر لهما جميعا. والله أعلم (1) .

ب- قال الزيلعي: وأما كونه فارغا عن الدين وعن حاجته الأصلية؛ كدور السكنى وثياب البذلة وأثاث المنازل وآلات المحترفين وكتب الفسقة لأهلها، فلأن المشغول بالحاجة الأصلية كالمعدوم؛ ولهذا يجوز التيمم مع الماء المستحق بالعطش.

وقال الشافعي في الجديد: الدين لا يمنع وجوب الزكاة للعمومات، والحجة عليه ما رويناه، وهو قول عثمان بن عفان وابن عباس وابن عمر، وكفى بهم قدوة، وكان عثمان رضي الله عنه يقول:(هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تخلص أمواله فيؤدي منها الزكاة) بمحضر من الصحابة من غير نكير، فكان إجماعا، ولأن الزكاة تجب على الغني لإغناء الفقير، ولا يتحقق الغنى بالمال المستقرض ما لم يقضه، ولأن ملكه ناقص حيث كان للغريم أن يأخذه إذا ظفر بجنس حقه، فصار كمال المكاتب، ولا يلزم على هذا الموهوب له حيث تجب عليه الزكاة وإن كان للواهب أن يرجع فيه؛ لأنه ليس له أن يأخذه إلا بقضاء القاضي أو برضا الموهوب له، فلا يصح رجوعه بدونهما.

وفيما قال الشافعي: يلزم تزكية مال واحد في سنة واحدة مرارا بأن كان لرجل عبد يساوي ألفا فباعه من آخر بدين ثم باعه الآخر كذلك حتى تداولته عشرة أنفس مثلا فحال عليه الحول، يجب على كل واحد منهم زكاة ألف، والمال في الحقيقة واحد حتى لو فسخت البياعات بعيب

(1)[بدائع الصنائع](2 \ 6) وما بعدها.

ص: 364

رجع إلى الأول فلم يبق لهم شيء. ولا فرق في الدين بين المؤجل والحال.

والمراد بالدين: دين له مطالب من جهة العباد حتى لا يمنع دين النذر والكفارة، ودين الزكاة مانع حال بقاء النصاب؛ لأنه ينتقص به النصاب، وكذا بعد الاستهلاك، خلافا لزفر رحمه الله فيهما، ولأبي يوسف في الثاني؛ لأنه مطالب به من جهة الإمام في الأموال الظاهرة، ومن جهة نوابه في الباطنة؛ لأن الملاك نوابه، فإن الإمام كان يأخذها إلى زمن عثمان رضي الله عنه، وهو فوضها إلى أربابها في الأموال الباطنة، قطعا لطمع الظلمة فيها، فكان ذلك توكيلا منه لأربابها.

وقيل لأبي يوسف: ما حجتك على زفر؛ فقال: ما حجتي على رجل يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم؟ ! ومراده إذا كان لرجل مائتا درهم وحال عليها ثمانون حولا.

ولو طرأ الدين في خلال الحول يمنع وجوب الزكاة عند محمد، كهلاك النصاب كله، وعند أبي يوسف لا يمنع، كنقصان النصاب في أثناء الحول، ثم لا فرق بين أن يكون الدين بطريق الكفالة والأصالة حتى لا تجب عليهما الزكاة، بخلاف الغاصب وغاصب الغاصب، حيث تجب على الغاصب في ماله دون غاصب الغاصب، والفرق أن الأصيل والكفيل كل واحد منهما مطالب به؛ أما الغاصبان فكل واحد منهما غير مطالب به، بل أحدهما.

وإن كان ماله أكثر من الدين زكى الفاضل إذا بلغ نصابا بالفراغة عن الدين، وإن كان له نصب يصرف الدين إلى أيسرها قضاء.

ص: 365