المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[أيحب أحدكم] 9 - دخل الأب منزله مساء بعد عناء (1) يوم - سلسلة أهل الذكر

[شريفة سلامة أبو مريفة]

الفصل: ‌ ‌[أيحب أحدكم] 9 - دخل الأب منزله مساء بعد عناء (1) يوم

[أيحب أحدكم]

9 -

دخل الأب منزله مساء بعد عناء (1) يوم طويل من العمل الشاق، واتجه صوب حجرته حتى إذا مر بحجرة ولديه طارق وخالد تناهى إلى مسمعه صوت ضحكاتهما من الأعماق، ورغم شدة تعبه وحاجته الماسة إلى الراحة والاسترخاء إلا أن ضحكات ولديه أوقفته عن المسير ليدخل حجرتهما، وبعد أن ألقى عليهما تحية الإسلام رد طارق وخالد التحية لوالدهما بأحسن منها وهما يغالبان بقايا ابتسامة.

بادر الأب ولديه قائلا:

ما أسعدني يا أبنائي لسعادتكما، لقد شدني صوت ضحكاتكما ودفعني الفضول إلى معرفة سر هذه الضحكات الصادرة من الأعماق، رد طارق وقد عاودته ابتسامة:

لقد ذكر لي يا والدي أخي خالد أمرا جعلني أستغرق في الضحك على النحو الذي سمعته.

رد الأب وهو يجذب مقعدا للجلوس عليه:

ألا أستطيع يا أحبائي معرفة هذا الشيء حتى أشارككما

(1) تعب.

ص: 86

سعادتكما؟

رد خالد بحماس وقد تشوق لإخبار والده:

نعم نعم يا أبي بلا شك، ومضى قائلا:

لقد رأيت اليوم يا أبي منظرا أضحكني كثيرا، فبينما أنا خارج من باب المدرسة بعد انتهاء اليوم المدرسي رأيت رجلا ذا أنف كبير يكاد يأخذ مساحة وجهه كلها وقد نظرت إليه ولم أمنع نفسي من الضحك، وكلما تذكرته عاودني الضحك ثانية وكأنني أراه لأول مرة.

رد طارق:

نعم يا أبي، ورغم أنني لم أر هذا الرجل الذي يتحدث عنه أخي، ولكن لشدة ما صوره لي بأسلوب ساخر ضحكت وكأنني أراه أمامي. . وتوقف طارق قليلا عن الحديث ثم سأل بدهشة:

ما لي أراك يا والدي لا تشاركنا الضحك؟

سأل طارق والده هذا السؤال ولم يلحظ أن والده قد غالب امتعاضا بدا على قسمات (1) وجهه، ولكن لم يلحظه ولداه، لانشغالهما بالحديث عن ذلك الأنف وصاحبه، فكان جواب الأب على سؤال ابنه أن طلب منهما بصوت غاضب التزام الصمت والكف عن الحديث الذي تقززت نفسه منه.

(1) محاسن الوجه.

ص: 87

عجب خالد وطارق لردة فعل والدهما التي لم يتوقعاها في هذا الجو البهيج كما كانا يظنان.

واستمر الأب ينظر إليهما بحزم، ثم نظر إلى ابنه خالد وتوجه بحديثه إليه قائلا:

ألا تعرف يا بني أنك أخطأت بحديثك عن الرجل بتلك الطريقة؟ .

عجب خالد من قول والده وسأل والده:

ولماذا يا أبي؟ أنا لم أقل غير ما رأيته فيه من عيب، فهل كنت مخطئا فيما قلته؟

رد الأب قائلا:

نعم يا بني، حتى إن كان فيه ذلك العيب الذي تقول فلا يحق لك أن تتناول هذا العيب بالتعريض والسخرية أو حتى الحديث عنه.

سأل طارق والده وقد بدا عليه الجد والحزم:

ولماذا يا أبي؟ !

أجاب والده:

لأن ما ذكره خالد لك يا طارق يدخل تحت باب الغيبة التي نهانا الله عنها نهيا صريحا في محكم تنزيله، ولا شك أنكما تحفظان الآية الكريمة التي تنص على تحريم الغيبة.

فمن يذكرها لي؟

ص: 88

رد خالد: نعم يا أبي، إني أحفظها، ومضى يتلو بعد أن استعاذ بالله من الشيطان الرجيم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12](1) .

رد الأب وقد فارقه بعض غضبه:

أحسنت يا بني، ولكنك تحفظ قول الله تعالى ولا تعمل به، أنت تقيم حروفه وتنسى حدوده، فكيف ذلك يا خالد؟ ! .

أجاب خالد وقد خجل من نفسه حين سمع تأنيب (2) والده:

أعلم يا أبي أن الغيبة محرمة ولكني لم أكن أعلم أن ما ذكرته عن ذلك الرجل يدخل ضمن حدود الغيبة.

رد الأب قائلا موجها حديثه لولديه:

لعلكما لاحظتما يا أبنائي أن الآية الكريمة قد بدأت بالنداء الحبيب الذي يستجيش القلوب، وهو نداء من الله للذين آمنوا به بالغيب، واستجاشة لقلوبهم بالصفة التي تربطهم به، وأنهم في هذا الكوكب عبيده وجنوده، وأن يقفوا بين يدي الله موقف المنتظر لقضائه وتوجيهه في نفسه وفي غيره، يفعل ما يؤمر ويرضى بما يقسم له ويسلم ويستسلم، فهل أدركتما هذا النداء في أول الآية يا أبنائي؟

(1) سورة الحجرات، الآية:12.

(2)

الملامة بعنف.

ص: 89

رد طارق وقد جذبه حديث والده:

- نعم يا أبي، وبالإضافة إلى ذلك النداء الحبيب فإن الآية صورت الغيبة بصورة تشمئز منها النفوس وهي صورة الأخ يأكل لحم أخيه ميتا، ثم بينت الآية أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز.

أردف والده قائلا بتعجب:

أحسنت يا بني، ولكنك اشتركت مع أخيك في الإثم الذي وقع فيه حين استمعت إليه وشاطرته (1) الضحك.

رد طارق وقد أحس بالخجل الشديد:

لم أكن أعلم أن حديث أخي إثما وإلا لما كنت أصغيت إليه.

سأل خالد وقد علم مقدار ما اقترفه من ذنب:

ومتى يكون الكلام عن الناس يا أبي غيبة؟

رد الأب وقد أظهر استحسانه لسؤال فتاه:

يا بني، لقد سألت سؤالا جيدا، ولعل إجابته تبدأ بتعريف الغيبة انطلاقا من قول المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم فيما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن

(1) قاسمته.

ص: 90

فيه فقد بهته» (1) .

وتابع الأب قائلا:

فإذا يا بني ذكرك لهذا الرجل على تلك الصورة كان غيبة، بدليل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أجاب خالد: الله يا والدي ما أروع التصوير القرآني! وما أدق تعبيره في تلك الآية الكريمة! وما أشمل ما جاء به القرآن والسنة من آداب تحفظ كرامة الإنسان! .

وهنا سأل طارق والده:

وهل الحديث عن الناس بما فيهم في كل الأحوال يسمى غيبة؟

رد الأب وكأنه كان ينتظر من أبنائه هذا السؤال:

لا يا بني، فأحيانا تباح الغيبة لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها.

وسأل طارق والده ثانية: وكيف ذلك يا أبي؟

أجاب الأب وقد اعتدل في جلسته:

اعلموا يا أبنائي أن الغيبة تباح في حال التظلم، كأن يرفع مظلوم ظلامته إلى ولي الأمر أو القاضي ليستوفي له حقه؛ إذ لا

(1) رواه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة والآداب، الجزء الثاني ص 21.

ص: 91

يمكنه استيفاء حقه إلا بنسبته إلى الظلم.

أجاب خالد: ما أحلى سماحة الإسلام! وما أروع رفقه بالمظلومين! .

أجاب الأب متابعا ما بدأه: وليس هذا فقط يا أبنائي، بل إن الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب من الأحوال التي تباح فيها الغيبة أيضا.

سأل طارق:

وكيف يكون ذلك يا والدي.

أجاب الأب: كأن يقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره (1) عنه ونحو ذلك. . فيكون مقصوده في التوصل إلى إزالة المنكر، أي أنه لا يبغي بذلك سوى وجه الله تعالى.

وأردف خالد: وهل هناك أحوال أخرى يا أبي تباح فيها الغيبة؟

أجاب الأب: نعم يا بني، وكنت سأذكرها حتى ولو لم تسأل عنها، فهناك الاستفتاء كأن يقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي فكيف أحصل حقي منه ونحو ذلك. . ويمكنه ألا يصرح بالشخص الذي ظلمه بل يعرض به.

(1) الزجر: المنع والنهي.

ص: 92

سأل خالد: وما معنى يعرض به؟

أجاب الأب: التعريض كأن يقول ما تقول في رجل أو شخص كان من أمره كذا وكذا وكذا، فإذا لم يفد التعريض يلجأ إلى التصريح، وكلاهما جائز.

سأل طارق متلهفا إلى معرفة المزيد في هذا الموضوع:

وماذا بعد يا أبي؟

أجاب الأب: بقي ثلاثة أحوال أوجزها لكم يا أبنائي فيما يلي:

تحذير المسلم من الشر، كالمشاورة في مصاهرة للمستشير لا على قصد الوقيعة (1) أو التفريق بين الناس، أما الأمر الثاني الذي تباح فيه الغيبة فهو التعريف إذا كان الإنسان معروفا بلقب كالأعمى والأصم والأعرج جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاق هذا التعريف على وجه التنقيص من الشخص المعرف، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى، وتابع الأب حديثه: أيضا من الأمور التي لا تعتبر غيبة أن يكون الشخص مجاهرا بالفسق متظاهرا به ولا يكره أن يذكر به فلا غيبة له بما يتظاهر به. .

والآن يا أبنائي ما رأيكما فيما عملتما وفيما سمعتما؟

أجاب خالد:

(1) الإفساد بين الناس أو اغتيابهم.

ص: 93

بعد هذا الذي سمعته منك يا والدي لن أذكر إنسانا بسوء، ولن أتحدث عن أحد بعيب كان فيه، وغفر الله لي ما كان مني وإني عازم على التوبة.

أجاب الأب:

أحسنت يا خالد، أما أنت يا طارق فلو سمعت أحدا يغتاب أحدا فعليك بعدم مشاركته في الاستماع إلى حديثه وتنبيهه إلى الإثم الذي وقع فيه ونهيه عن المنكر.

رد طارق:

إن شاء الله يا أبي، وسآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

رد الأب وهو يتأهب (1) للذهاب وقد بدا عليه التعب:

والآن يا أبنائي استأذنكم في الراحة بعض الوقت، فلولا عظم ما سمعت من حديثكم ما استطعت التحامل (2) على نفسي والجلوس معكم.

رد خالد وطارق بصوت واحد:

تفضل يا والدي، وجزاك الله عنا خير الجزاء.

السلام عليكم.

(1) يستعد ويتهيأ.

(2)

تكلف الشيء على مشقة.

ص: 94

هكذا ودع الأب ولديه وهو مطمئن في قرارة نفسه إلى أن ولديه لن يعاودا هذا السلوك المشين ثانية، فقد كان التأثر باديا جليا (1) على وجهيهما البريئين.

(1) واضحا.

ص: 95