المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌[والعافين عن الناس]

[والعافين عن الناس]

14 -

استيقظت الأم من نومها فزعة على صراخ ابنتها فاطمة وهو يتعالى بغضب، فهرعت إليها تستطلع ما الخبر، وإذا بها تجدها قد انهالت سبّا وشتما على الخادم (1) وقد همت بضربها، والخادم تقف مذعورة وهي ترتجف من الخوف، فما كان من والدتها إلا أن وقفت حائلا بين ابنتها والخادم ومنعتها من الإقدام على تلك الفعلة الشنيعة، والتفتت إلى الخادم وحدثتها بكلمات طيبة وهدأت من روعها وطلبت منها أن تتابع عملها، واتجهت الأم بابنتها حيث حجرة الجلوس وحين اتخذتا مكانهما سألت الأم ابنتها بغضب قائلة:

- ما الذي كنت تنوين الإقدام عليه يا فاطمة. . تريدين ضرب الخادم. . هل رأيتني يوما أفعل ذلك؟ !

أجابت فاطمة قائلة بغيظ شديد:

- لا يا أمي، لم أرك يوما تفعلين ذلك، ولكنك لا تعلمين ما الذي فعلته معي ولو علمته لعذرتني.

عاودت الأم السؤال بصوت حاولت أن يكون أكثر هدوءا قائلة:

(1) من يعمل لفلان ويقال للمؤنث أيضا خادم.

ص: 135

- وما الذي فعلته حتى تستحق منك كل هذا؟ !

أجابت فاطمة قائلة بصوت لم تفارقه نبرة الغيظ:

- لقد أمرتها بكي ثوبي الأزرق الذي سأحضر به عرس صديقتي خديجة فأحرقته بإهمالها واستخفافها بما تقوم به من عمل.

سألت الأم ابنتها قائلة وهي تعجب من أمرها:

- ألا تملكين ثوبا غيره يا فاطمة؟

أجابت فاطمة قائلة وهي تظهر الحزن على فساد ثوبها الأزرق:

- بلى يا أمي، تعلمين أنه لدي الكثير من الثياب الجميلة ولكني أحب هذا الثوب وأفضله على غيره من الثياب.

أجابت الأم قائلة وهي تظهر لابنتها عدم الرضا بما فعلته:

- حتى ولو لم يكن لديك غير ثوب واحد أحرقته الخادم فهذا لا يعطيك الحق في الإقدام على ما أقدمت عليه من عمل.

أجابت فاطمة وهي تصر على ما فعلت:

- ولكنها تستحق العقاب يا أماه.

ردت الأم قائلة بشيء من الضيق:

- لقد كان فعلك سيئا حين رفعت صوتك على هذه المسكينة، ثم إنك هممت بضربها لولا أن ساقتني عناية الله ومنعتك عنها.

ص: 136

أردفت فاطمة قائلة:

- آه يا أماه ليتك تركتني أفعل! ! .

حزنت الأم في قرارة نفسها لقسوة ابنتها، وأشارت إليها بيدها أن اهدئي وهي تقول:

- لا يا ابنتي، كان الأجدر بك العفو عنها والسماح عن زلتها (1) لتنالي بذلك الثواب من الله عز وجل، فالله تعالى يقول:{فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40](2) فتأملي يا ابنتي وفكري في قول الله.

أجابت فاطمة قائلة وقد استعادت شيئا من هدوئها:

- لم أستطع يا أماه أن أمسك بزمام نفسي وأمنعها من الغضب حين رأيت ثوبي وهو على تلك الحالة.

أجابت أمها قائلة:

- يا ابنتي، لقد تملكك الغضب وأفقدك السيطرة على نفسك ومنعك من تحكيم العقل، فأين أنت من قول الله تعالى حيث يقول في محكم تنزيله:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133 - 134](3)

(1) الزلة: الخطيئة.

(2)

سورة الشورى، الآية:40.

(3)

سورة آل عمران، الآيتان: 133، 134.

ص: 137

فانظري يا ابنتي بماذا وصف الله عباده العافين عن الناس، لقد وصفهم بالمتقين، وتابعت الأم حديثها قائلة:

- لقد وصفهم بالمتقين في الآية الأولى ثم ذكرتهم الآية الثانية وهم يتحلون بصفات أخرى غير العفو، وسأعيد عليك الآية الثانية حتى تذكري لي تلك الصفات. . وبعد أن قرأت الأم الآية ثانية أجابت فاطمة قائلة بحماس وقد نسيت غضبها:

- الآية تصفهم بأنهم ينفقون في السراء والضراء، وتوقفت قليلا ثم سألت قائلة:

ولكن ما معنى ينفقون في السراء والضراء؟

ردت الأم قائلة:

- إنه سؤال جيد يا فاطمة، وتابعت التوضيح لابنتها قائلة:

أي أنهم ثابتون على البذل لا تبطرهم السراء، أي المسرة ورغد العيش والرخاء، ولا تلهيهم عن الإنفاق، كما أن الضراء، وهي الشدة وضيق العيش، لا تنسيهم البذل والعطاء، إنما هم يملكون الشعور بالواجب في كل حال، ويتحررون من الشح والبخل والحرص على المال، وإن ما يدفع النفس يا ابنتي إلى الإنفاق في كل حال هو دافع أقوى من شهوة المال إنه دافع التقوى.

ص: 138

أردفت فاطمة قائلة:

- إذا الإنفاق في السراء والضراء هو أول صفات هؤلاء المتقين؟

أجابت الأم وهي سعيدة بقول ابنتها:

- نعم يا ابنتي، أما الصفة الثانية التي لها علاقة وطيدة بحادثة اليوم فهي صفة العفو والحلم وكظم الغيظ، والتي كنت أود لو أنك تحليت بهما.

سألت فاطمة والدتها قائلة باهتمام واضح:

- فما معنى الكاظمين الغيظ يا أماه؟

أجابت الأم قائلة:

- الكاظمين مأخوذة من الكظم أي الحبس، أما الغيظ فهو الغضب أو شدة الغضب، وقيل سورته وأوله فيكون بذلك معنى الآية أي الحابسين غضبهم المتحكمين في سورته، فكان الأجدر بك كظم غيظك والعفو عن هذه المسكينة.

سألت فاطمة أمها وقد استبدت بها الحيرة قائلة:

- ولكن يا أماه ألا يكفي أن أكظم غيظي وأحبسه عنها ولا أعفو عنها في قرارة نفسي؟

أجابت الأم قائلة:

- لا يا ابنتي، فالغيظ انفعال بشري تصاحبه فورة الدم، وكظم

ص: 139

الغيظ هو المرحلة الأولى وهذه المرحلة وحدها لا تكفي.

تساءلت فاطمة قائلة:

ما معنى قولك يا أماه إن كظم الغيظ هو المرحلة الأولى وهي وحدها لا تكفي؟

أجابت الأم وقد كانت تود توضيح ذلك لابنتها لولا أن شغف ابنتها بالمعرفة جعلها تسبق بالسؤال:

- قد يكظم الإنسان يا ابنتي غيظه فقط ولا يعفو فيتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين، والغيظ الفائر إلى حقد غائر وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن.

سألت فاطمة والدتها قائلة:

- ولماذا لا بد من العفو ألا يكفي أن يكظم المرء غضبه؟

ردت الأم بهدوء قائلة:

- يبدو يا فاطمة أنك لم تفهمي بعض ما قلته، إن الغضب يا ابنتي نار على النفس إذا كظمته ولهيب يلفح القلب، أما حين تصفح النفس ويعفو القلب فهو الانطلاق من تلك النار وبرد وسلام في القلب والضمير.

أجابت فاطمة قائلة:

- ولكن أود أن أسألك يا أماه لماذا قال الله تعالى في نهاية الآية الخاصة بذكر صفات المتقين {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] ؟

ص: 140

أجابت الأم قائلة:

- إن معنى ذلك يا فاطمة أن من يجودون بالمال في السراء والضراء محسنون، والذين يجودون بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون، والله يحب المحسنين، ومن حب الله للإحسان والمحسنين ينطلق حب الإحسان في قلوب أحبائه وتنبثق الرغبة الدانقة في هذه القلوب، والجماعة التي يحبها الله وتحب الله والتي تشيع فيها السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان هي جماعة متضامنة، جماعة متآخية، جماعة قوية.

أجابت فاطمة قائلة وقد أظهرت الندم لسوء فعلها:

- الله يا أماه، ما أجمل حديثك! وما أبشع ما فعلته اليوم! ! .

ردت الأم قائلة:

- لا عليك يا ابنتي وسأزيدك فائدة حين أذكرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا في كل أمر من أمور حياتنا، تروي عائشة رضي الله عنها قالت:«ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بيده ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى» (1) .

أجابت فاطمة قائلة:

- لقد أحسست بحجم خطئي يا أماه، وإني ذاهبة إلى الخادم

(1) رواه مسلم في صحيحه: الجزء السابع ص 80.

ص: 141

أحادثها وأهدئ من روعها، ولن تلقى مني بعد اليوم غير المعاملة الحسنة إن شاء الله.

أجابت الأم قائلة:

- بارك الله فيك يا ابنتي، فهذا ما أرجو منك. . والآن اذهبي إليها فلعلها الآن في حالة ذعر وحزن.

ص: 142