الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ثمانمائة ألف فرنك لعائلة (لافي) اليهودية سدادا لديونها المزعومة على المقراني، كما دفعت للبنوك والمصارف ما ادعته من ديون لها على المقراني. في حين رفضت دفع الديون المماثلة للجزائريين، ومنهم الحاج (حمود بو تليس) الذي اضطر أن يكتب إلى الحاكم العام (الكونت دوقيدون) مطالبا بمبلغ (ألفي وثمانمائة وأربعة وخمسين فرنكا وخمسة وتسعين سنتيما) كانت له على محمد المقراني. وحاول الحاج حمود ألا يصدق ما كان الناس يشيعونه قائلا إلى الحاكم العام:(بأنه لم يخطر ببالي ما يذكره الناس من أن ما بذمة الباشآغا للمسلمين لا يؤدونه لهم، ويرضون النصارى واليهود ما يخصهم من الديون).
ب - مصادرة أملاك الشيخ الحداد وأفراد عائلته
تعرضت عائلة الشيخ الحداد لما تعرضت له عائلة المقراني. وطبق الإفرنسيون ضدها نفس الأسلوب في المصادرة الجماعية لكل أملاكها العقارية وغير العقارية، على الرغم من أنها لم تكن في مستوى عائلة المقراني من حيث الغنى ووفرة الممتلكات، ويكاد يكون مصدر ثرائها وغناها الوحيد هو هدايا الإخوان الرحمانيين، والأوقاف التي كان الأغنياء يحسبونها لزواياها ومشايخها. ومن هنا فقداعتبرت عائلة الحداد فقيرة لا تختلف كثيرا عن وضع بقية الأهالي. ومع ذلك استعملت السلطات الإفرنسية ضدها القسوة المتناهية. وصادرت كل أملاكها وأملاك أتباعها في محاولة لتدمير (سلطتها الروحية الخطيرة على الإفرنسيين). وإذا كان المقراني قد تعرض للمصادرة بعد عشرة أيام فقط من إعلانه الثورة. فإن عائلة الحداد لم تتعرض لذلك إلا بعد عدة شهور. وبالضبط في اليوم الأول من شهر آب - أغسطس - 1871. حيث أصدر حاكم قسنطينة العسكري (دولاكروا) قراره رقم
(208)
والذي صادق عليه (الكونت دوقيدون) يوم 6 أيلوله سبتمبر - ووقعه شارل تاسان المدير العام للشؤون المدنية والمالية يوم 18 أيلول - سبتمبر - 1871 ومما جاء فيه بعد الحيثيات: (لقد وضعنا الحراسة - الثقاف - بصورة مؤقتة على جميع الأملاك المنقولة وغير المنقولة، المنسوبة للشيخ الحداد مقدم طريقة سيدي محمد بن عبد الرحمن القاطن بدشرة (صدوق) في عرش (بني عيدل) من دائرة بجاية، وكذلك المنسوبة لولديه سي عزيز بن الشيخ الحداد، قائد عموشة سابقا، وسي محمد بن الشيخ الحداد قاضي بني عيدل وريغة سابقا).
كان هذا القرار هو بداية العمل لإحصاء كل أملاك هذه العائلة، والذي استمر بعد ذلك حتى أواخر العام التالي (1872) حيث صدر قرار رقم (397) بتارخ 16 تشرين الثاني - نوفمبر - 1872، وهو يضم تفاصيل الأملاك التي تم إحصاؤها ومصادرتها. ووقعه مدير مصطحة البلدية. وصادق عليه (دوقيدون) يوم 2 كانون الأول - ديسمبر - من العام ذاته.
بلغ مجموع مساحة الأراضي التي صودرت من عائلة الشيخ الحداد (05 ، 52 ، 502) هكتارا تضم (62) قرية - ضيعة - لزراعة الحبوب والتين والزيتون والغلال البعلية، وستة بساتين مروية - مسقية - للخضار والأشجار المثمرة وسبعة منازل و (15) داكانا ومخزنا للتجارة، وثلاثة اصطبلات وثلاث طواحين لطحن الحبوب، ومعصرة زيتون ومسجد، وبلغ مجموع الأشجار المثمرة التي تم حصرها (14528) شجرة أغلبها من الزيتون، والباقي من التين والبرتقال والتفاح والإجاص والرمان وغيرها
…
ومرة أخرى، يظهر من الغريب حقا سلوك السلطة الاستعمارية
الإفرنسية تجاه الشيخ محمد عبد الرحمن وابنيه سي عزيز وسي محمد. فقد كان الهدف الواضح من (المصادرات) هو القضاء على النفوذ الديني، في حين كان هدف مصادرة أموال (محمد المقراني وعائلته) هو القضاء على ما أطلق عليه اسم (الأرستقراطية العربية). وبكلمة أكثر وضوحا، تدمير القيادات السياسية والدينية للوطنيين الجزائريين. بينما كانت السلطة الإفرنسية الاستعمارية ذاتها تعتمد في سياستها على إقامة الإقطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، وتفسح المجال الواسع أمام (رأس المال) لاستغلال موارد الوطن الجزائري واستثماره. ومن المعروف تاريخيا أن هذه الطبقة الغريبة - الطفيلية. قد أسهمت منذ فجر استعمار الجزائر وحتى نهايته بخلق المتاعب أمام الإدارات الإفرنسية المتتالية - من مدنية وعسكرية -. وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت هذه الإدارات الإفرنسية تكافئها بالمزيد من الامتيازات. أما نصيب الوطنيين الجزائريين من ذلك، وكما هو واضح، فهو دفع القيادات الدينية والسياسية للثورة، وخلق المثيرات المختلفة من أجل إشعال نار الثورة، ثم العمل على قمعها بقسوة ووحشية، وتوظيف نتائجها لمصلحة الاستعمار الاستيطاني.