المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ عودة إلى محمد علي باشا - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ٥

[بسام العسلي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌الوجيز في مسيرة الأحداث التي كان لهادورها في ثورة السبعين

- ‌ثورة (الأخوان الرحمانيين) في سطور

- ‌الفصل الأولالوضع السياسي العام

- ‌ الموقف على جبهة المشرق

- ‌ عودة إلى محمد علي باشا

- ‌ اللعب بورقة الأمير عبد القادر

- ‌الفصل الثانيالوضع الخاص في الجزائر

- ‌السياسات الاستعمارية

- ‌آ - الهجرة والاستيطان:

- ‌ب - القضاء على مقومات الأمة العربية الإسلامية:

- ‌ج - المسألة اليهودية وقانون كريميو:

- ‌د - التحريض الخارجي (البروسي - العثماني)

- ‌ التحريض البروسي:

- ‌ التحريض الوطني الجزائري (محيي الدين بن عبد القادر):

- ‌ التحريض العثماني

- ‌هـ - الكوارث الطبيعية:

- ‌و - الثورات التمهيدية:

- ‌الفصل الثالثثورة 1871

- ‌ ثورة محمد المقرني (مجانة)

- ‌ ثورة الشيخ الحداد (صدوق)(أو ثورة الإخوان الرحمانيين)

- ‌ ثورة أحمد بو مزراق(سور الغزلان وونوغة)

- ‌ في أفق الثورة

- ‌قراءات

- ‌ 1 -نص القرار الخاص بمصادرةأملاك المقراني

- ‌ 2 -نص قرار مصادرة أملاكعائلة الشيخ الحداد

- ‌ 3 -مصادرة أملاك المقراني والحدادوأفراد عائلتيهما

- ‌آ - مصادرة أملاك المقراني وأفراد عائلته:

- ‌ب - مصادرة أملاك الشيخ الحداد وأفراد عائلته

- ‌ 4 -الحرب الصليبية في الجزائر

- ‌المراجع

- ‌الفهرس

الفصل: ‌ عودة إلى محمد علي باشا

2 -

‌ عودة إلى محمد علي باشا

أوضح سفير متربيخ (فون أوستن) موقف بلاده من أحداث المشرق في 16 حزيران - يونيو - 1833 بالتالي: (لم يعد هناك مفر من إقامة إمبراطورية عربية تحت لواء محمد على في القريب العاجل) وقد يظهر هذا المشروع غريبا، لكن شتى الدوافع قد أجمعت على تحقيقه فعلا. فمن جهة سيندفع باشا مصر بطموحه وتهوره إلى العمل على تخفيفه، ومن جهة أخرى تسهل ظروف الموقف السياسي والعسكري الجديد نفسها خلق مثل هذه الإمبراطورية. وإني أرى إلى جانب إمكانيات الباب العالي المعدومة، وهيبته المتداعية يوما عن يوم، جيشا عربيا مدربا أحسن تدريب، مزهوا بالنصر، وأسطولا جبارا، وموارد كافية لزيادة حجم هذا الأسطول وذلك الجيش إلى ثلاثة أضعافهما، وإدارة في غنى تام تقريبا عن الأتراك، وانبعاث الروح القومية عند العرب. وميلا واضحا لدى أوروبيين كثيرين إلى حكومة محمد علي، وأخيرا تقديرا متعاظما وواسعا يتمتع به هذا الأخير على امتداد البلاد الناطقة بالعربية) (1).

(1) أوروبا ومصير الشرق العربي. حجار - ص 84 و 80 و 86.

ص: 22

لقد كان هذا الخط السياسي مرتبطا باتفاق أباطرة روسيا والنمسا وبروسيا بعد اجتماعهم في ميونيخ من 9 - 19 أيلول - ستمبر - 1833 واتفاقهم على وضع أسس (الحلف المقدس)(1) المعقود سنة 1815 موضع التنفيذ.

كان مهندس السياسة الأوروبية (مترنيخ) قد استدعى سفيره في القاهرة يوم 15 أيلول - سبتمبر - للاطلاع منه على مهمته المكلف بها وهي: (تقديم مذكرة عن القوات العسكرية المصرية الراهنة ومقارنتها بقوات الباب العالي). وقد خولته معلوماته المستقاة من مصادر موثوقة، وخبرته المباشرة، أن يمثل دورا مهما في تلك الظروف، خاصة وأن مترنيخ كان يرتاح إلى استلهام أرائه، الأمر الذي جعله يتبوأ مركزا قويا واضحا حتى في نظر الإمبراطور. وقد استمع يوما، وهو على مائدة الغداء، إلى المبعوث الروسي وهو يتحدث عن نهاية الإمبراطورية العثمانية الوشيكة، وهو رأي كان سائدا آنذاك في وسط البلاط الروسي. هذا وكرر له الإمبراطور بعد ذلك - في حديث خاص - الآراء نفسها، عن الإمبراطورية المحتضرة.

أما ما كان يشغل الإمبراطور الروسيا بشكل خاص (نقولا الأول) فهو محمد علي الذي كان يعتبره الإمبراطور رجلا موهوبا جدا، لكنه طموح ولا يحلم إلا بتقويض الأسرة الملكية العثمانية الحاكمة واحتلال مركزها. غير أن السفير النمساوي في القاهرة أوضح للإمبراطور أن محمد علي لا يطمح مطلقا في الاستيلاء على آسيا الصغرى، وأنه لن يتخطى جبال طوروس إذا ما أعطي وعد شرف بأن تضمن له فتوحاته الحالية. وبدا أن نقولا الأول، أخذ بهذا التحليل الجديد للوضع).

(1)

الحلف المقدس: (LA SAINTE ALLIANCE).

ص: 23

ويظهر من خلال ذلك أن دول الحلف المقدس، كانت تعمل لإقامة الدولة العربية، ولكن مع إبقاء حدود هذه الدولة فيما وراء جبال طوروس، لا سيما وأن روسيا أفادت من الخلاف المصري - العثماني أكثر من سواها لتعزيز مكانتها ودعم نفوذها لدى الباب العالي. وأمام هذا الموقف اتخذت إنكلترا أسباب الحذر، ذلك لأنها لم تكن ترضى مطلقا بهيمنة روسيا على القسطنطينية. فقامت بمناورة ديبلوماسية، أشارت فيها:(إلى أن دخول محمد علي إلى العاصمة العثمانية، وتقويض حكم السلطان ببضع ساعات، سيساعده على إغلاق البوسفور فعلا في وجه القوات الروسية).

على هذا الأساس أخذت إنكلترا في تطوير علاقتها مع محمد علي باشا، بهدف تصديع عرى العلاقات الروسية - العثمانية. وكان محمد علي بدوره يصبو في الوقت ذاته لإقامة تحالف مع إنكلترا، وسعى إليه بشتى الوسائل من إيماء وتنازلات وإقناع، وقد كتب السفير الإنكليزي في القاهرة لحكومته رسالة يوم 27 تشرين الأول عام 1833 - جاء فيها: (هناك فائدة أخرى قد نجنيها من احتلال محمد علي لمودكا واليمن بالنسبة لأي اتصال نود أن نقيمه في المستقبل مع الهند عبر البحر الأحمر. إن محمد علي بامتلاكه لمصر، يسيطر تقريبا على شاطىء البحر الأحمر الغربي كله، وبامتلاكه للحجاز وللجزيرة العربية يسيطر على الشاطىء الشرقي ما عدا المنطقة الصغيرة التي تحيط بموقة. فاحتلال هذه المنطقة يضع بالضرورة شاطىء البحر الأحمر تحت حكم واحد، ويسهل مواصلاتنا مع الهند، خاصة متى كان هذا الحكم حسن الطوية نحو بريطانيا كما هي حال محمد

علي

).

ص: 24

ويظهر من خلال ذلك، أن إنكلترا، ومعها فرنسا، قد اتفقتا في الهدف مع دول الحلف المقدس (روسيا والنمسا وبروسيا) في دعم محمد علي باشا لإقامة دولة عربية قوية تستطيع منافسة الباب العالي، ولكنها لا تستطيع القضاء على الدولة العثمانية. وهذا ما أشار إليه تقرير القنصل البريطاني بتاريخ 29 أيار - مايو - 1834 وفيه: (إذا انتظمت الأقاليم التي يحكمها حاليا محمد علي في مملكة، فإن هذه المملكة، بحكم موقعها، ستحمل طابعا أوروبيا وآسيويا في آن واحد. وستتدخل كلما قويت داخليا في شؤون إحدى القارتين. فإذا لم توجه في وجه إحداهما، فلن تكون هناك أية فائدة سياسية من إقامتها. أن إقامة هذه المملكة - بحد ذاته - يعطي الباشا بغداد والبصرة، عبر شمال سورية، وتجعله يسيطر على سلسلة طوروس الشرقية، باسطا نفوذه، حتى حدود بلاد فارس، وستمتد سلطته المتزايدة إلى قلب آسيا، من شراز إلى مسقط وحتى البحر الأحمر، مرورا بالجزيرة

العربية).

لقد فتح الصراع بين محمد علي والباب العالي المجال الواسع أمام الدول الكبرى للحصول على المغانم، على حساب الطرفين المتصارعين، وبالتالي على حساب الأمة الإسلامية. وهذا ما أشار إليه القنصل الإنكليزي في مصر والذي كتب في 7 شباط - فبراير - 1838 ما يلي: (قبل تعييني، لم يكن يصل أي مركب أو أية بضاعة إلى مرفأ بيروت من إنكلترا مباشرة. ولم يكن في سوريا كلها أي مركز تجاري إنكليزي. وكانت موارد سوريا وإمكانياتها ومنتجاتها مجهولة في إنكلترا، ومنذ تعييني - سنة 1830 - بدأت تصل مباشرة من الوطن مراكب إنكليزية حمولة كل منها من 120 إلى 150 طنا، حاملة منتجات إنكليزية من إنكلترا أو مستعمراتها وقد تم افتتاح مراكز

ص: 25

تجارية إنكليزية جديدة في مدن البلاد الكبرى، وخاصة في دمشق وحلب وبغداد على أمل أن يتسع نفوذها ليشمل البلدان المجاورة).

خلال هذه الفترة، كانت هناك قناعة ثابتة تتشكل في البلاط البريطاني، وتتلخص هذه القناعة بأن التحالف مع السلطان هو وحده السبيل القادر على إنقاذ العثمانيين من وصاية روسيا. وقد أعطى بالمرستون تعليماته بهذا الشأن لسفيره لدى الباب العالي - وأضاف بالمرستون إلى تعليماته أن هذا التحالف على كل حال يثبت السلطة العثمانية، ويكبح المطامع المصرية. وإلى هذا كان يميل سفير فرنسا في القسطنطينية، والذي كان يعتقد بأنه يجب مساندة السلطان ضد مرؤوسه، لأن تشجيع هذا الأخير - يدفع من جديد بالباب العالي إلى أحضان روسيا، ويسبب ذلك حربا لا مفر منها.

لم تكن قصة (الحاجة إلى السلام) بالقصة الجديدة، فقد كان الباب العالي يستعد لشن الحرب ضد قوات إبراهيم باشا في سوريا. فقام سفراء الدول الغربية بإقناع السلطان بعدم شن الحرب (لأن المحافظة على السلام في الشرق أمر ضروري جدا لمصلحة أوروبا كلها)، وفي الوقت ذاته أعلن قادة البحر الإفرنسيين والإنكليز - الأميرالات - بأنهم تلقوا تعليمات من حكوماتهم (أن يتدخلوا بين الأسطولين العثماني - المصري إذا ما تطلب الأمر لمنع أي اشتباك بينهما (1).

ووجد محمد علي في ذلك تراجعا عن التزامات أوروبا - وخاصة فرنسا - تجاهه، فقرر الإمساك بالمبادأة، وقام يوم 3 أيلول سبتمبر -

(1) أوروبا ومصير الشرق العربي - حجار - ص 96.

ص: 26

1834 بتسليم مذكرة سرية إلى قنصلي فرنسا وبريطانيا (طالبا مساعدة الحكومتين البريطانية والإفرنسية على إعلان استقلاله، وفي 12 تشرين الأول - أكتوبر - من السنة ذاتها، أبلغ بلاط فيينا نفس الطلب. وكانت الحكومة الروسية هي وحدها التي لم تعلم بالأمر. وأكد محمد علي في هذه المذكرة: (بأن حربه ضد الباب العالي إنما تهدف إلى إيقاظ طاقة الأمة الإسلامية الراكدة، وإلى إقامة الإمبراطورية العثمانية على أسس جديدة، وفي سبيل هذا يعلن محمد علي استقلاله قبل أن يقوم بحملة صليبية جديدة ضد الباب العالي وروسيا).

لقد ظن محمد علي باشا أنه يستطيع أن يلهب بورقة العداء ضد روسيا القيصرية ليمارس دوره في إقامة المملكة العربية التي كانت تدعمها الدولتان العظميان، وجهل أو تجاهل بأن الدول العظمى لا تريد من هذا المشروع إلا خلق تناقض داخل الإمبراطورية العثمانية - لا أكثر - وإنما تريده كل هذه الدول بقاء هذا التناقض لتفجيره في الوقت المناسب. وتجاهل محمد علي، أو جهل، حقيقتين أساسيتين وهما:

1 -

أن فرنسا التي كان يعتمد عليها في مشاريعه، لم تعد في حاجة إليه بعد أن احتلت الجزائر وجعلتها قاعدة لها، وأنها باتت في حاجة التعاون مع الباب العالي لحل مشكلات الاحتلال أكثر من حاجتها لمحمد علي الذي منحها كل شيء، ولم يبق لديه ما يمنحه.

2 -

أن التنافس بين الدول العظمى هو قبل كل شيء ضد العالم الإسلامي كله، وأن هذا الخط يشكل القاسم المشترك بين سياسات الدول الأجنبية كلها - وعلى هذا فإن روسيا تبقى أقرب إلى النمسا وحتى إنكلترا وفرنسا، منها إلى مصر محمد علي. وهذا ما عبر عنه البلاط القيصري الروسي في رسالة تحمل تاريخ 31 كانون الأول - ديسمبر -

ص: 27

1834 وجاء فيها: (لقد أوقع محمد علي نفسه في ورطة خطيرة من جراء جهله المطبق لعلاقات الثقة الحميمة التي تربط بلاطي فيينا وبيترسبورغ، فجاءت نتيجة مسعاه وبالا عليه: وأنه بمحاولته إثارة الخوف والحسد لدى الحكومات الأوروبية ضد روسيا، فإنه حكم على آماله كلها بالفشل الذريع) ويمكن من خلال الموقف المشترك للدول الأوروبية استخلاص نتيجتين: أولاهما، اتفاق الدول الكبرى مبدئيا على تجنب خطر اشتباك عام في الشرق، بالرغم من اختلاف وجهات النظر. وثانيها: رفض القوتين البحريتين، لفرنسا وإنكلترا، مشاريع باشا مصر بالاستقلال، على الرغم مما هما عليه من تنافس ضد روسيا. ولهذا فيجب على باشا مصر أن يتخلى نهائيا عن أية محاولة لإثارة بعض الدول الأوروبية ضد بعضها الآخر، وعلى كل حال، فنشاطه مراقب عن كثب بحيث أنه لا يستطيع أن يفلت من أنظار الدول ليحيك الدسائس ضد روسيا.

وهكذا اتفقت أوروبا كلها على تجميد الوضع، والإبقاء على (الحالة الراهنة). وظهر بوضوح:(أن فرنسا وإنكترا اللتين دللتا محمد علي طوال سنين كثيرة، وتعهدتا نوعا ما بتعزيز قوته، ولم تتراجعا أمام أي أمر في سبيل تأجج طموحه، تتركانه اليوم وحيدا، وتتلذذ إنكلترا خاصة بجرح عنفوانه وذلك بعدم اكتراثها به، هذا على أخف تعبير)(1) ومقابل ذلك، نصحت روسيا الباب العالي بما يل: (

أن النصيحة الوحيدة التي رأت حكومة الإمبراطور أن توجهها لكم في السابق، والتي ترى من واجب الصداقة أن تكررها لكم الآن هي الإفادة من عامل الزمن. إن حكومة الإمبراطور، وقد

(1) المرجع السابق - ص 106

.

ص: 28

تملكتها هذه الحقيقة لا تستطيع إلا أن تكرر النصيحة التي غالبا ما وجهتها للباب العالي باتباع سياسة التريث بانتظام، وهي التي تبدو أكثر ملاءمة لمصالح تركيا الحقيقية، وللحفاظ على استقرار الشرق عامة).

لقد سمحت سياسة الاستقرار في الأزمة الشرقية للباب العالي وللدول الأوروبية أن تنفذ سياساتها الاستراتيجية بهدوء، فكانت الفترة ما بين 1834 و1838 فترة هدوء نسبي لم يعرف الشرق مثلها منذ أعوام طويلة. وأفاد محمد علي من ذلك لتدعيم قواته والقيام بجولات تنظيمية في مصر وحتى في جزيرة كريت التابعة لسلطته. وأفاد الإفرسيون من ذلك لتطوير عملية (فرنسة مصر) عن طريق توظيف أكبر عدد ممكن من مواطنيهم في خدمة الوالي، وفي شتى فروع الإدارة. مبعدين من هذه الميادين سائر الأجانب. وفرضت إنكلترا نفسها فأصبح جانبها مرهوبا في الإسكندرية كما في القسطنطينية. ووضعت النمسا تحت تصرف والي مصر هيئة من الخبراء في الجيولوجيا لتجوب لبنان ومصر بحثا عن الثروات المعدنية. في حين بقيت روسيا واقفة تراقب مسيرة الأحداث وهي سعيدة بانقسام الإمبراطورية العثمانية وضعفها. وكانت بروسيا تدخل مسرح الأحداث، فتضع تحت تصرف الباب العالي أول بعثة عسكرية مهمتها إعادة تنظيم الجيش العثماني.

ونتيجة لذلك، ظهرت حتمية تجدد الصراع بين الباب العالي والوالي محمد علي، وقد ظهر ذلك واضحا في رسالة القنصل الروسي في 23 أيار - مايو - 1836 وفيها: (

يظهر بوضوح أنه ستطرأ عما قليل تطورات خطيرة على الأوضاع في المشرق، فالبحث يجري في

ص: 29

أمور كثيرة، كالتقارب بين إنكلترا والباب العالي، ثم إرادة السلطان في حصر قوة محمد علي مهما بلغ الثمن في إطار ضيق هو إطار مرؤوس عادي، وذلك بإرغامه على تقليص قوة أسطوله وجيشه، وأخيرا الموافقة التي يلقاها هذا المشروع من جميع الدول الكبرى. والمفاوضات عاجزة بمفردها عن بلوغ هذه النتيجة. لذا سوف يلجأ إلى قوة السلاح وستنشب الحرب) (1).

كانت قوات محمد علي قد بسطت نفوذها على الجزيرة العربية، ووصلت إلى منطقة الخليج، ووجدت بريطانيا في ذلك مناسبة للتدخل، وفي 15 حزيران - يونيو - 1838 صرح وزير الخارجية البريطاني:(بأن وجود مصر في الخليح العربي لا يمكن احتماله. وهذا ما جعل الاشتباك بين القوتين أمرا يصعب تجنبه، إذ أن النفوذ المصري سيمتد بسرعة من البصرة الى بغداد). واجتمع محمد علي بالسفير الروسي، وشكا إليه صغف بريطانيا، ونقل السفير ذلك برسالة في 6 أيلول - سبتمبر - 1838 جاء فيها ما يلي:(ذكر محمد علي التحذير الذي تلقاه مؤخرا، والذي جاء فيه من أن بريطانيا تعتبر أي اعتداء تقوم به القوات المصرية على عدن يعتبر بمثابة إعلان للحرب، ويذكر أن الحكومة البريطانية اشترت عدن مؤخرا من أمير محلي بمبلغ (1500)

جنيه. واحتج بشدة ضد هذه الادعاءات بقوله: علي هذه المرة أيضا أن أخضع لقانون الأقوياء كما هي الحال في قضيتنا. إن الدول الكبرى تصدر إلي الأوامر لأنها أقوى مني

ولا بد لي وأنا أنهي تقريري من أن استرعي انتباه فخامتكم جديا إلى أمر يبدو تافها في الظاهر، ولكنه قد يتسبب في المستقبل بنتائج خطيرة: لقد قامت شركة الهند الشرقية

(1) المرجع السابق 105 و112 و113.

ص: 30

باحتلال مدينة عدن الصغيرة ومرفأها في شبه الجزيرة العربية احتلالا عسكريا، حيث أنزلت فيه 30 عسكريا وكلهم مسلحون، بقيادة ملازم إنكليزي يساعده ضابط هندي).

لم تقف إنكلترا عند حدود العدوان السافر لغرض سيطرتها على عدن، ومن ثم على منطقة الخليج، بل إنها مضت لتحريض الدروز على الثورة، وحذت حذوها بقية الدول العظمى، فأخذت روسيا في تسليح الأرثوذكس، في حين اعتمدت فرنسا على الموارنة والكاثوليك، ونشط القناصل الأجانب نشاطا مثيرا، ودفع ذلك إبراهيم باشا إلى اتخاذ إجراءات بالغة العنف تجاه القناصل الأجانب في سوريا، وخاصة قناصل بيروت وحلب ودمشق. وقد صرح إبراهيم باشا للقنصل النمساوي في الإسكندرية بما يلي:(هؤلاء القوم مصدر عذاب لي، إذ يعرقلون في كل لحظة سير شؤون حكومتي. وليس السلطان والباب العالي بشيء إذا ما قورنا بحضرات القناصل. فمع السلطان والباب العالي نستطيع تدبير أمورنا، ونلزم جانب الحذر، أما القناصل فهم مصدر عذابي، ولا أستطيع عمل أي شيء حيالهم، إنهم كارثة على البلاد).

وأوضح القصنل الروسي الموقف بقوله: (يتمادى القناصل في سوريا بأكثر مما يفعلونه في سائر المشرق. ولقد استطاعوا أن يخرجوا أكثر من نصف سكان المدن عن طاعة السلطة المحلية بحمايتهم تحت اسم (ترجمان - وقواص - وخازن - وخادم الخ

). ويكفي للبرهان على دور القناصل في التحريض على الثورة، والإمداد بالأسلحة، إن إبراهيم باشا جمع (21) ألف بارودة، عقب نجاحه في قمع ثورة الدروز. وأن القنصل الروسي كتب إلى وزيره في بيترسبورغ بعد

ص: 31

ذلك بسنة - أي في سنة 1836 - (بأنه نزع من أهالي سوريا 128 ألف بارودة ما عدا المسدسات والسلاح الأبيض منذ القضاء على الثورة في السنة الماضية).

وخلال تلك الفترة، عكفت مراكز البحوث في الدول الكبرى على إجراء دراسات مستفيضة عن وضع الأقليات لاستخدامها في الترويج للقضية القومية - المناهضة بالضرورة للإسلام - ومن ذلك (مجلة ألمانية)(1)(اعتبرت من أفضل المجلات الدينية في تلك الآونة وخصت الموارنة والدروز والإسماعيليين والعلويين بدراسات وافية تناولت وضعهم الديني والسياسي والاجتماعي في أدق تفاصيله، فانعكست الأحداث المعاصرة على لوحة خلفية تضم مختلف هذه الجماعات).

قد يكون من غير المهم بعد ذلك الدخول في تفاصيل مسيرة الأحداث. فقد وقعت معركة نصيبين يوم 24 حزيران - يونيو - 1839 وانتصر فيها إبراهيم باشا على العثمانيين انتصارا حاسما خلال ساعتين فقط. وتدخلت الدول الأوروبية المتحالفة بعد ذلك، فأرغمت محمد علي باشا على الانسحاب من سوريا، وجرت مفاوضات انتهت بتوقيع معاهدة 15 تموز - يوليو - 1841، وعادت مصر محمد علي إلى حجمها الطبيعي. وعاد محمد علي تابعا للسلطان، ولكن بعد أن حققت الدول العظمى، وخاصة بريطانيا وفرنسا والنمسا كل أهدافها في العالم الإسلامي.

(1) ARCHIV FUR ALTE AND NEUE KIRCHENGES 'CHICHTE عن أوروبا ومصير الشرق العربي - حجار - ص 123.

ص: 32