الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{الاختصاص}
معنى الاختصاص عند النحويين: أن تأتي بـ (أيها) المختصة بالنداء من غير حرف نداء، تفيد تأكيد الاختصاص للمتكلم بما ذكر في الخبر.
والباعث عليه إما فخر "أو تواضع أو زيادة بيان. هذا أصله، وهو شبه النداء، كما قال الناظم:
الاختصاص كنداء دون يا
…
كأيها الفتى بإثر ارجونيا
أما كونه يشبه النداء فلأوجه:
أحدهما: إفادة الاختصاص بالمتكلم دون غيره، كما أن النداء أفاد اختصاص المخاطب دون غيره بالأمر والنهي والإخبار.
والثاني: أن كل واحد منهما لا يكون إلا بالنسبة إلى الحاضر، فالنداء للمخاطب، والاختصاص للمتكلم، وقد يكون للمخاطب قليلا، ولم يذكره الناظم لقلته، ولا يكون للغائب، [كما أن النداء لا يكون للغائب].
والثالث: أن الاختصاص واقع في معرض التأكيد للكلام المتقدم، والنداء يكون كذلك أيضا، لأنك قد تقول لمن كان مقبلا عليك، منصتا لكلامك، مستمعا له: كان الأمر كذا يا فلان، فأثبت بالنداء توكيدا، وبهذا شبه سيبويه.
ولما أشبه الاختصاص النداء من هذه الأوجه الثلاثة أتوا له بالأداة المختصة بالنداء وهي (أيها).
فمن هاهنا أخبر الناظم أن الاختصاص مثل النداء، نحو ما مثل به من قولهم: ارجوني أيها الفتى، وهو قوله:"كأيها الفتى بإثر ارجوا نوالي".
ومعناه: أيها ارجوني، أى أرجوا نوالي فإني فتى، أي كريم.
والفتوة: السخاء والكرم، يقال: فتى بين الفتوة، وقد فتى، وتفاتى، ووقع "أيها" على ضمير المتكلم في "ارجوني" أي ارجوني أيها الكريم.
وقوله: "دون ياء" لما أخبر أنه مثل النداء أو شبهه توهم أن قائلا يقول: فلابد إذا أن تدخل عليه أداة النداء، وهي (يا) أو غيرها، فأزال التوهم بقوله:"دون" يريد أن حرف النداء لا يدخل على (أيها) فلا يقال: ارجوني يا أيها الفتى.
ومن عادة الإمام إذا شبه شيئا بشيء، وقرب أوجه التشبيه أن يبين أوجه التفرقة، لئلا يتوهم متوهم أنه هو. فالناظم حذا هنا حذوه.
و"يا" في كلامه مثال عبر به عن حرف النداء مطلقا؛ إذ لا يريد أن "يا" وحدها هي الممنوعة الدخول على "أيها" دون غيرها كـ (أيا، وهيا) ونحوهما، وإنما قصده نفي الأداة مطلقا.
وأنما لم تدخل أداة النداء لأنك لا تريد أن تنبه غيرك ليستمع كلامك، لأن (أيها) واقعة على المتكلم، و (يا) لا تكون إلا تنبيها لمخاطب، وهذا تعليل الكتاب، وهو ظاهر.
ومن الأمثلة في هذا الفصل قولك: أما أنا فأفعل كذا أيها الرجل، ونحن نفعل كذا أيها القوم وقالوا: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة.
ولما أتى بـ هذا المثال المذكور ظهر أنه أحرز به أشياء:
أحدها: أن المختص واقع بعد ضمير المتكلم لقوله: "ارجونى" فلا يكون بعد ضمير غائب البتة، فلا يقال: زيدا ارجوه أيها الفتى، ولا بعد ظاهر نحو: أكرموا زيدا أيها الفتى، ولا ما كان نحو ذلك.
فإن قلت: فقد حكى سيبويه أو مثل بقولهم: على المضارب الوضيعة أيها البائع، فـ (أيها) اختصاص راجع إلى "المضارب" وهو ظاهر، ولم يأت به على أنه شاذ ولا ضرورة، وإنما أتى به على حسب التمثيل لمطلق الباب:
فالجواب: أن هذا المثال ليس على ظاهره، لأن سيبويه نص بعد ذلك على أن الاختصاص لا يكون للغائب.
قال: ولا يجوز أن تقول: إنهم فعلوا أيتها العصابة، إنما يجوز هذا للمتكلم والمكلم المنادي.
وإذا كان كذلك عنده فقالوا: إنه من وضع الظاهر موضع المضمر، كأنه قال: على الوضيعة أيها البائع. وقيل: إن الرواية: وعلى صارت الوضيعة أيها البائع، أو أيها المضارب.
قال السيرافي: وهو أشبه بالصواب، فإذا لا اعتراض به على الوجهين.
فإن قيل: مفهوم هذا القيد المثالي يقتضي أن الاختصاص لا يكون مع ضمير المخاطب، فلا يقال: أنت تفعل كذا أيها الفاضل. وهذا غير مستقيم، لأن الاختصاص يقع مع ضمير المخاطب، وقد نص عليه الناس، وحملوا ما كان نحو قول امرئ القيس:
*الأعم صباحا أيها الطلل البالي*
على الاختصاص، وعلى النداء، وليس بينهم في جوازه للمخاطب خلاف أعلمه، فكيف يقيده بالمتكلم خاصة؟
فالجواب: أن تقييد المثال لا يقصر الحكم على المتكلم؛ إذ لنا أن نقول: لا مفهوم له، فيبقى مع ضمير المخاطب مسكوتا عنه، لأنه عنده قليل، ألا ترى إلى قوله في "التسهيل": "وقد يلي هذا الاختصاص ضمير مخاطب، فأتى بـ (قد) المفيدة للتقليل، فلم يعتبره في هذا المختصر.
أو يقال: إن المثال قد يشمل ضمير المخاطب؛ إذ لنا أن نعتبر في ضمير المتكلم الوصف الأعم وهو الحضور، كأنه يقول: كهذا المثال وما أشبهه مما فيه
ضمير حضور، ولا يسقط له شيء، ولا يضرنا في ذلك قلة أحد الحضورين، وهو حضور الخطاب، وكثرة الآخر، وهو خصوص المثال، فقد يقصد هذا المعنى.
والأمر الثاني:
وقوع ذي الاختصاص غير مبتدإ به الكلام.
وإلى هذا المعنى أشار بقوله: "بإثر ارجونيا" فقيد (أيها) بكونه آتيا بأثر (ارجوني) لا متقدما عليه.
وهذا قيد صحيح؛ إذ لا يجوز أن يقال: أيها الفتى ارجوني، لأنه واقع موقع التوكيد، ومحل التوكيد بعد تقرير المؤكد لا قبله.
والأمر الثالث: الإيتان له بـ (أي) كالنداء، وهو قوله:(كأيها الفتى) وقد تضمن هذا القيد ما تضمنته (أي) في باب النداء، من لزوم "ها" التنبيه معها، ولزوم وصفها بما فيه الألف واللام، وكونها مع المذكر المفرد أو المثنى أو المجموع على لفظ (أي) ومع المؤنث المفرد أو المثنى أو المجموع على لفظ (أية) وما أشبه ذلك.
وعلى ذلك قوله: "كنداء دون يا" فشبه الاختصاص بالنداء، فلابد أن تكون (أي) معه كما هي مع النداء، وهو ظاهر أيضا، لكنه لما أتى بـ (أي) في المثال خاف أن يتوهم لزومها للاختصاص، فأخذ يتحرز من هذا اللزوم المتوهم، فقال:
وقد يرى ذا دون أي تلو أل
…
كمثل نحن العرب أسخى من بذل
يعني أنه قد يوجد في كلام العرب هذا الاختصاص دون أن يؤتي فيه بـ (أي) المذكورة [وذلك قليل] ، ولذلك قيده بـ (قد) وقلته بالنسبة إلى كثرته بـ (أي).
وشرط ذلك أن يكون المختص تاليا لأل، يريد تابعا للألف واللام، أي ذا ألف ولام، نحو قوله: نحن العرب أسخى من بذل، فـ"العرب" منصوب على الاختصاص، والسخاء: ضد البخل، والبذل: العطاء، أي نحن أسخى من تسخى وبذل المال.
ومنه: نحن العلماء أحق الناس بالعمل، ونحن العرب أقرى الناس للضيف. وإنما اشترط أن يكون تلو (أل) لأن (أيا) إنما تدخل على ما فيه (أل) فإذا حذفت (أي) بقي ما دخلت عليه.
وأيضا: فإن الموضع لا يعتبر فيه صلاحيته للنداء، فيجوز دخول الألف واللام على المختص.
وهذا الموضع فيه إشكال من وجهين:
أحدهما: أنه اشترط شرطا لم يشترطه النحويون، ولا هو ممن يساعد عليه كلام العرب، وهو: تلو المختص لأل، وذلك أن العرب تنصب على الاختصاص أحد ثلاثة أشياء:
الأول: ما فيه الألف واللام، وهو الذي مثل به، وقيد المختص به.
والثاني: ما كان مضافا إلى ما هما فيه، كقولك: إنا معشر العرب نفعل كذا. وفي الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث". وقالوا: إنا أصحاب
الشاء لا يبقى لنا مال، ولا تصبر أموالنا على السنة. ثبت هذا في النسخة الشرقية. وقالوا:(إنا معشر الصعاليك لا قوة بنا على المروءة).
والثالث: العلم، والمضاف إلى العلم، نحو ما أنشده سيبويه من قول عمرو ابن الأهتم:
إنا بني منقر قوم ذوو حسب
…
فينا سراة بني سعد وناديها
وأنشد أيضا للفرزدق:
ألم تر أنا بني دارم
…
زرارة منا أبو معبد
وأنشد أيضا لرؤبة:
*بنا تميما يكشف الضباب*
وقال الآخر:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
…
الموت أحلى عندنا من العسل
هذه كلها أمثلة تدل على خلاف تقييده، فيكون غير صحيح.
والوجه الثاني: أنه ترك النص على شرط معتبر، وهو أن يكون المختص المفسر ضمير متكلم أو مخاطب على ما تقدم في (أي) فإنه قد يشكل الأمر في غير (أي) والحكم واحد، فالذي يشترط مع (أي) يشترط هنا.
فإن قلنا: باختصاصه بالمتكلم فذاك، وإن قلنا: بدخول المخاطب، فيكون كما تقدم.
ومنه قول بعضهم: بك الله نرجو الفضل، وسبحانك الله العظيم، ونحو ذلك.
وقد شرطوا أيضا في المنصوب أن يكون غير نكرة ولا مبهم، فلا يقال: أنا هذا أفعل كذا وكذا، ولا أنا رجلا أقرى الضيف، وإنما يؤتى بالأسماء الظاهرة، والألفاظ الواضحة المعروفة، لأن الأسماء إنما تذكرها توكيدًا وتوضيحا للضمير المتقدم، فإذا أبهم فقد سيق ما هو أشكل من المضمر، وذلك خلاف المقصود، ونقض الغرض، وكذلك النكرة بهذه المنزلة.
ولكن هذا الشرط قد تقيد باشتراطه في المنصوب (أل) فيبقى اقتصاره على ذلك، وتركه ما هو محتاج إليه.
والجواب عن الأول: أن القسمين الأخيرين عند المؤلف قليلة الاستعمال، والأمر العام ما ذكر، فكأنه لم يعتن بالبناء عليه.
وأيضا فما أضيف إلى الألف واللام بمنزلته، ألا ترى أنه كذلك في الحكم في "باب اسم الفاعل، والصفة المشبهة" حين جاز: مررت بالضارب صاحب الغلام، ومررت بالحسن وجه الأخ، كما جاز: مررت بالضارب الغلام، والحسن الأخ، وإذا كان بمنزلته في الحكم، فقد يكون مقصود الدخول في "تلو أل" والله أعلم.
وعن الثاني: أن ما تقدم اشتراطه مستصحب هنا حتى يظهر نسخه، ولاسيما وقد مثل بما يقتضيه وما قبل هنالك.
فإن قيل: باشتراط كون المنصوب غير نكرة ولا مبهم، هل يجري فيما تقدم أولا؟
فالجواب: أنه غير محتاج إليه لأنه لازم؛ إذ لابد من وصف (أي) ولا توصف بمبهم ولا نكرة، وإنما توصف بذي الألف واللام، وقد مر ذلك في بابه، فلا مزيد عليه.
واعلم أنه ذكر هنا النصب، ولم يذكر وجهه، وقد يفهم من تسميته اختصاصا أنه على تقدير: أخص، أو أعنى، وهذا التقدير ظاهر في المنصوب، وجار في (أيها) لأن موضعه نصب، وإن كان لفظ المرفوع كالنداء بغير فرق.