الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام
مدخل
…
المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام
بسبق نبوته في سابق أزليته......
أنه لا يستفيد بالإضافة تعريفًا في قولك هذا رجل حسبك، "ونعم الوكيل" ونعم الموكول إليه هو، ذكره في الأنوار، وهذا اقتباس، وهو جائز عند المالكية والشافعية بإتفاق غير أنهم كرهوه في الشعر خاصة هكذا.
حكى اتفاق المذهبين الشيخ داود الشاذلي الباهلي وقد نص على جوازه القاضي عياض وابن عبد البر وابن رشيق والباقلاني وهم من أجلة المالكية، والنووي شيخ الشافعية، ورواه الخطيب البغدادي وغيره بالإسناد إلى الإمام مالك أنه كان يستعمله.
قال السيوطي: هذه أكبر حجة على من يزعم أن مذهب مالك تحريمه، وقد نفى الخلاف في مذهبه الشيخ داود وهو أعرف بمذهبه، وأما مذهبنا فأنا أعرف أن أئمته مجمعون على جوازه والأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم، فمن نسب إلى مذهبنا تحريمه فقد فسر وأبان عن أنه أجهل الجاهلين، انتهى. وهذا منه يقضي بغلطه فيما أورده في عقود الجمعان.
المقصد الأول:
اعلم: أن في أسماء الكتب وألفاظ التراجم احتمالات أقربها أن المراد بها الألفاظ والمعروف أنها ظروف وقوالب للمعاني، فإذا عكس كما هنا فهو بتقدير مضاف، أي:"في" بيان "تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام"، وبيان بمعنى مبين، أي: ما من شأنه أن يبين به، ولا شك أن ما ذكره بعض ما يمكن به البيان، فهو من ظرفية الكل لجزئه ويجوز أنه استعارة أو تشبيه للمعاني بالظروف، بجامع أن الألفاظ لا تزيد المظروف على ظرفه المشتمل عليه، أو -في- بمعنى على والتقدير هذه ألفاظ مخصوصة دالة على تشريف، أو بمعنى اللام والمراد بكونه فيه: أنه مقصود منه فلا ينافي ذكر غيره بطريق التبع، "بسبق" تقدم "نبوته" وذلك السبق موجود "في سابق أزليته" أي: ما هو قبل خلق الأشياء، فلا يقال السبق لا يكون مظروفًا في السبق، أو جعل الأزلية ظرفًا يستدعي عدم مسبوق تقدم نبوته بالأولية، فيلزم أن لا أول لتقدم نبوته، كما أنه لا أولى للأزلي، كذا قال شيخنا قال في المجمل: الأزل: القدم، يقال: هو أزلي، والكلمة ليست بمشهورة في كلام العرب، وأحسب أنهم قالوا في القديم: لم يزل ثم نسب إليه، فلم يستقم إلا باختصار، فقالوا: يزلي ثم أبدلوا الياء ألفًا، وقيل: الأزل اسم لما يضيق القلب عن
ونشره منشور رسالته في مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته في حظائر قدس كرامته.
وطهارة نسبه. وبراهين أعلام آيات حمله وولادته. ورضاعه وحضانته. ودقائق حقائق بعثته. وهجرته. ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه. وسيرته.
مرتبًا على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته.
اعلم يا ذا العقل.........................
بدايته من الزل وهو الضيق فهمزته أصلية.
"ونشره" إظهاره وإذاعته "منشور رسالته في مجلس مؤانسته" أي الله سبحانه أو النبي صلى الله عليه وسلم "وكتبه" إثباته "توقيع" تعلق "عنايته في حظائر قدس كرامته" أي: في المواضع التي تظهر فيها كرامته المنزهة عن النقائص، ككتبها على كل موضع في الجنة وعلى نحو العين، وساق العرش كما يجيء، "وطهارة نسبه" نزاهته عن دنس الجاهلية وسفاف الأمور تعاطيه الهمم العلية "وبراهين" جمع برهان وهو الدليل القوي الذي يحصل به اليقين لا المنطقي ليماوانيا، وإن شمله "أعلام آيات" إضافة بيانية، أي: براهين الأعلام التي هي آيات دالة على "حمله" وإضافة براهين إلى أعلام حقيقة، أي: البراهين الدالة على أن ما أدركته أمة من الآيات، هي أمارات على الحمل حقيقة "وولادته ورضاعه وحضانته ودقائق حقائق بعثته"، أراد بها ما لا يفهم أنه من آثار الرسالة إلا بعد النظر الدقيق كرؤية الملك في ابتداء الوحي، فإنه إنما يدل على ذلك بعد التأمل وإمعان النظر فيه.
"وهجرته" هي في اللغة: الترك، ثم خصت بترك مكان لا آخر، وغالب الأنبياء وقع لهم الهجرة لعداوة الناس لهم، "ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته" هيئته وحالته وطريقته، لا ما غلب في لسان الفقهاء من أنها المغازي لكونه قدمها "مرتبًا على السنين" غالبًا، "من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته".
"اعلم" أمر من العلم يصدر به ما يعتني به من الكلام تقوية وتأكيدًا وحثًا على إلقاء البال لما بعده، تنبيهًا على أنه مما ينبغي أن يعلم ولا يترك، وقد ورد في القرآن وكلام العرب. كقوله:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]، اعلموا {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [محمد: 36] ولذا التزم بعده في الغالب أن المؤكدة؛ كقوله:
فاعلم فعلم المرء ينفعه
…
أن سوف يأتي كل ما قدرا
"يا ذا العقل"، مشتق من العقل مبعنى المنع، ومنه العقال لمنعه الإنسان عما لا يليق، ولذا تطرف في التلميح لأصله القائل:
السليم، والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم وفقني الله وإياك بالهداية إلى الصراط المستقيم.................................
قد عقلنا والعقل أي وثاق
…
وصبرنا والصبر مر المذاق
"السليم" من شوائب الكدورات، وإنما خص ذوي العقول بالنداء، لأن شرف الإنسان إنما هو بالعقل، وبه يميز الحسن من القبيح، قال أبو الطيب:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم
…
أدنى إلى شرف من الإنسان
وفي حقيقته ومحله كلام ألم المصنف فيما يأتي بشيء منه، "والمتصف" بالنصب؛ لأن تابع المناوي المعرب منصوب لا غير، سواء كان التابع معرفة أم نكرة، محلى باللام أم لا، وأجاز الأخفش رفعه "بأوصاف الكمال" لنفسه، "والتتميم" لغيره وغاير تفننا ورعاية للسجع وإلا فهما بمعنى، كما في الصحاح والقاموس وغيرهما.
وقال الزركشي: تفسير الكمال بالتمام خطأ؛ لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3]، وقد فرق بينهما الشيخ عبد القاهر: بأن الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، وأيضًا التمام يشعر بحصو نقص قبل ذلك والكمال لا يشعر به.
وتعقب بأن الإكمال في الآية للدين، والإتمام للنعمة التي من جعلتها ذلك الإكمال والنصر العام على كل معاند؛ فلم يتعاورا على شيء واحد، ووظيفة اللغوي بيان أصل اللغة، وأهل التفسير والمعاني النظر إلى كل مقام يحسبه ولو معنى مجازيًا، وقد جزم ابن أبي الأصبع بأنه قد يطلق كل منهما على الآخر، ومنه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ} الآية.
"وفقني الله وإياك" جملة دعائية والتوفيق الهداية إلى وفق الشيء وقدره وما يوافقه، قاله أبو البقاء، وفيه تفاسير معلومة "بالهداية" الثبات عليها أو زيادتها أو حصول المراتب المرتبة عليها، إذ المسلم مهتد، والمراد خلق الاهتداء لا الدلالة هنا، والباء للتصوير والتحقيق، أي: وفقنا بهدايتنا أو السببية، أي: رزقنا مباشرة الطاعات بسبب هدايته لنا "إلى الصراط المستقيم" المستوى، يعني: طريق الخير أو دين الإسلام، قال صاحب الأنوار: والهداية دلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير، وقوله تعالى:{فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23] ، وأراد على التهكم ومنه الهدية، وهو أدى الوحش مقدماتها والفعل منه هدى، وهداية الله تعالى تتنوع أنواعًا لا يحصيها عد لكنها تنحصر في أجناس مترتبة:
الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه؛ كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.
أنه لما تعلقت إرادة الحق بإيجاد خلقه، وتقدير رزقه..................................
والثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار، حيث قال:{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، وقال: فهديناه فاستحبوا العمى على الهدى.
والثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياه عنى بقوله:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} ، وقوله:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] .
والرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي، بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء، وإياه عنى بقوله:{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90]، وقوله:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِيَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المترتبة عليه، فإذا قاله العارف الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، وتميط به غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك، انتهى.
وفي الأساس يقال: هداه للسبيل وإلى السبيل هداية وهدى، وظاهره عدم الفرق بين المتعدى بنفسه والمتعدى بالحرف، قال ابن كمال: ومنهم من فرق بينهما بأن هداه لكذا أو إلى كذا، إنما يقال إذا لم يكن في ذلك فيصل بالهداية إليه، وهداه كذا لمن يكون فيه فيزداد ويثبت، ولمن لا يكون فيصل.
والقول بأن ما تعدى بنفسه معناه الإيصال إلى المطلوب ولا يكون إلا فعل الله تعالى فلا يسند إلا إليه؛ كقوله: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ} [العنكبوت: 69] ، وما تعدى بالحرف، معناه الدلالة على ما توصل إليه، فيسند تارة إلى القرآن؛ كقوله تعالى:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] ، وتارة للنبي، كقوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [الشورى: 52]، ليس بتام لمجيء المتعدى بنفسه في القرآن كثيرًا مستندًا إلى غير الله تعالى؛ كقوله:{يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 38]، وقوله تعالى:{وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29] ، انتهى.
وفي البيضاوي: وأصله أن يعدى باللام أو إلى فعومل في اهدنا الصراط، معاملة اختار في قوله:{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] ، انتهى. والخلاف في أنها الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، وإن لم يصل، وهو مذهب أهل السنة أو الموصلة عند المعتزلة مشهور كأدلتهم، "أنه لما تعلقت إرادة الحق" الثابت الوجود على وجه لا يقبل الزوال ولا العدم، ولم يقل: لما أراد؛ لأن الإرادة أزلية والحادث إنما هو التعلق، "بإيجاد خلقه" أي: مخلوقه؛ لأنه الذي يتعلق به الإيجاد نحو: هذا خلق الله، أي: مخلوقه "وتقدير رزقه" أي: الله أو الخلق، فالمصدر مضاف
أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية، في الحضرة الأحدية، ثم سلخ منها العوالم كلها، علوها وسفلها، على صورة حكمه، كما سبق في سابق إرادته وعلمه، ثم أعلمه بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن إلا -كما قال- بين الروح والجسد، ثم انبجست منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح............................
للفاعل أو المفعول، قال السمين: والرزق لغة العطاء وهو مصدر، قال تعالى:{وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا} [النحل: 75]، وقيل: يجوز أنه فعل بمعنى مفعول كذبح بمعنى مذبوح، وقيل: الرزق بالفتح مصدر وبالكسر اسم للمرزوق، واقتصر على الثاني في المختار والمصباح.
"أبرز الحقيقة المحمدية" هي الذات مع النعت الأول، كما في التوقيف؛ وفي لطائف الكاشي يشيرون بالحقيقة المحمدية إلى الحقيقة المسماة بحقيقة الحقائق الشاملة لها، أي: للحقائق والسارية بكليتها في كلها سريان الكلي في جزئياته، قال: وإنما كانت الحقيقة المحمدية هي صورة لحقيقة الحقائق؛ لأجل ثبوت الحقيقة المحمدية في خلق الوسيطة والبرزخية والعدالة، بحيث لم يغلب عليه صلى الله عليه وسلم حكم اسمه أو وصفه أصلا، فكانت هذه البرزخية الوسطية هي عين النور الأحمدي المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام:"أول ما خلق الله نوري"، أي: قدر على أصل الوضع اللغوي، وبهذا الاعتبار سمي المصطفى بنور الأنوار، وبأبي الأرواح ثم إنه آخر كل كامل إذ لا يخلق الله بعده مثله، انتهى.
"من الأنوار الصمدية" المنسوبة للصمد والإضافة للتشريف، كما في حديث جابر عند عبد الرزاق مرفوعًا: يا جابر إن الله قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، "في الحضرة الأحدية" هي أول تعينات الذات وأول رتبها، الذي لا اعتبار فيه لغير الذات، كما هو المشار إليه بقوله عليه الصلاة والسلام:"كان الله ولا شيء معه"، ذكره الكاشي "ثم سلخ" أخرج "منها العوالم كلها" بكسر اللام جمع عالم، بفتحها سماعًا وقياسًا "علوها" بضم العين وكسرها وسكون اللام، "وسفلها" بضم السين وكسرها وسكون الفاء، أي: عاليها وسافلها، يشير إلى العالم العلوي والسفلي، فهو مجاز من إطلاق اسم الكل وإرادة اسم الجزء "على صورة حكمه" أي: التي تعلق بها خطابه الأزلي لا صورة نفس الحكم؛ لأنه قديم.
وفي نسخ حكمته، أي: على الصورة التي اقتضتها حكمته وإرادته والأولى أنسب بالسجعة في قوله: "كما سبق في سابق إرادته وعلمه" على ما سيجيء بيانه في حديث عبد الرزاق "ثم أعلمه بنبوته وبشره برسالته هذا وآدم" الواو للحال "لم يكن إلا كما قال" صلى الله عليه وسلم، "بين الروح والجسد ثم انبجست" تفجرت "منه صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح" أي: خالصها، كأرواح الأنبياء والمراد بالعيون الكمالات المفرغة من نوره على أرواح الأنبياء، عبر عنها بالعيون مجازًا لمشابهتها بعيون
فظهر بالملأ الأعلى، وهو بالنظر الأجلى، وكان له المورد الأحلى، فهو صلى الله عليه وسلم الجنس العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس.
ولما انتهى الزمان بالاسم الباطن في حقه صلى الله عليه وسلم إلى وجود جسمه، وارتباط الروح به، انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر، فظهر محمد صلى الله عليه وسلم بكليته جسمًا وروحًا..........................
الإنسان للكمال، فلا يرد تأخر الأعلام والبشارة عن سلخ العوالم منه، "فظهر" عليه السلام، أي: حقيقته "بالملأ" أي: الخلق "الأعلى" وصفهم به إشارة إلى أن المراد المقربون "وهو بالمنظر الأجلى" بالجيم، أي: الأتم في الظهور "وكان له المورد" وزن مسجد تشبيه بليغ، أي: كالمورد الذي يرده الناس ليرتووا منه "الأحلى" بالحاء، الأعذب.
"فهو صلى الله عليه وسلم الجنس" أي: كالجنس "العالي" المرتفع "على جميع الأجناس" لتقدمه خلقًا على غيره، "والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس" من حيث أن الجميع خلقوا من نوره، على ما يأتي في حديث عبد الرزاق، وأما ما ذكر أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرفت وذلقت، فخلق الله من كل نقطة نبيًا، وأن القبضة كانت هي النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان كوكبًا دريًا، وأن العالم كله خلق منه، وأنه كان موجودًا قبل أن يخلق أبواه، وأنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه جبريل وأمثال هذه الأمور، فقال الحافظ أبو العباس أحمد بن تيمية في فتاويه، ونقله الحافظ ابن كثير في تاريخه وأقره: كل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بحديثه، والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي صلى الله عليه وسلم، بل خلق كل واحد من أبوابه، انتهى.
"ولما انتهى" أي: بلغ النهاية، "الزمان" الحال التي كان عليها قبل خلق السماوات والأرض، "بالاسم" متعلق بانتهى، "الباطن، أي: عالم الملكوت المشار إليه بقوله: إبراز الحقيقة
…
إلخ، "في حقه صلى الله عليه وسلم" متعلق بباطن "إلى وجود جسمه وارتباط الروح به" متعلق بانتهى أيضًا. "انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر" يعني: عالم الملك وهو الموجود في العناصر، والباطن والظاهر وصفان للمصطفى، ويجوز -وهو المناسب هنا- أنهما وصفان لله، أي: الظاهر وجوده لكثرة دلائله، أو الغالب على كل شيء من ظهر إذا غلب.
والباطن حقيقة ذاته فلا يعرف أصلا؛ كما قال الصديق: غاية معرفته القصور عن وصفه أو العالم بالخفيات، والمعنى: أنه تعالى تصرف فيه بمقتضى علمه الخفي على جميع الكائنات الذي هو صفة الباطن إلى تعلق الإرادة بظهوره إلى عالم العناصر فربط روحه الشريفة بجسمه، فأظهره "فظهر محمد صلى الله عليه وسلم بكليته" أي: بجملته "جسمًا وروحًا" تمييز أو حال، قال شيخنا: ولو
فهو صلى الله عليه وسلم وإن تأخرت طينته، فقد عرفت قيمته، فهو خزانة السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه.
ألا بأبي من كان ملكًا وسيدا
…
وآدم بين الماء والطين واقف
فذاك الرسول الأبطحي......
قال بكله كان أوضح، فإن الكل هو الذات المجتمعة من الأجزاء، والكلية إمكان الاشتراك وهي صفة الكلي، وهو ما لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه، ويمكن توجيهه بأنه من نسبة الفرد إلى كله من جهة تحقق الكل، من حيث هو كل في الواحد للشخص من حيث تشخصه فيساوي التعبير به التعبير بالكل.
"فهو صلى الله عليه وسلم وإن تأخرت طينته" أي: خلقته "فقد عرفت قيمته" أي: اعتداله وحسن قوامه وطوله حسًا ومعنى في الجميع، ففي الفاموس القيمة الشطاط، وفيه أيضا الشطاط كسحاب وكتاب الطول وحسن القوام أو اعتداله، "فهو خزانة" بكسر الخاء "السر" أي: محل لأسراره تعالى وكمالاته، حيث أفاض الله عليه ما لا يوجد في غيره من الخلق "وموضع نفوذ الأمر" أي: الموضع الذي يظهر منه الكمالات التي تفاض على خاصة خلقه، "فلا ينفذ أمر" شيء، جمعه أمور "إلا منه، ولا ينقل خير" مفرد خيور وخيار، أو هو بموحدة مفرد أخبر "إلا عنه" إذ هو واسطة العقد، وأنشد المؤلف لغيره "ألا" بفتح الهمزة والتخفيف حرف استفتاح يؤتى به للتنبيه والدلالة على تحقق ما بعده:"بأبي" بكسر الباءين بينهما همزة مفتوحة.
قال ابن الأنباري: معناها بأبي هو فحذف هو لكثرة الاستعمال، وأصله أفدية بأبي، "من كان ملكًا" بفتح الميم وسكون اللام تخفيفًا؛ لأن البيت لا يتزن إلا به. في المصباح: ملك على الناس أمرهم، إذا تولى السلطنة فهو ملك بكسر اللام وتخفف بالسكون، انتهى وكذا كل ما كان على وزن فعل، وتوهم إنها لغة قرئ بها غلط؛ لأن ذاك في مصدر مالك:{قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} [طه: 87] ، قرئ بتثليث الميم، وهو في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء، "وسيدًا وآدم بين الماء والطين" أي: بين العلم والجسم، كذا في أنوار المشكاة.
"واقف" ولما لم يستقم للناظم لفظ الوارد بتمامه عدل إلى معناه الذي اشتهر، فإن معناهما واحد؛ كما جزم به صاحب النسيم. فلا يقال: لو قال بين الروح والجسم طابقه، "فذاك الرسول" فعول بمعنى مفعل وهو المرسل، أي: المبعوث إلى غيره وقد يأتي بمعنى الرسالة؛ كقوله:
ألا أبلغ أبا عمرو رسولا
…
فدى لك من أخي ثقة إزاري
"الأبطحي" المنسوب إلى بطحاء مكة على ما يفيده الجوهري، أو إلى أبطح مكة، وهو مسيل واد بها وهو ما بين مكة ومنى ومبتدؤه المحصب، كما صرح به غيره، وهو القياس.
.............. محمد
…
له في العلاء مجد تليد وطارف
أتى بزمان السعد في آخر المدى
…
وكان له في كل عصر مواقف
أتى لانكسار الدهر يجبر صدعه
…
فأثنت عليه ألسن وعوارف
إذا رام أمرًا لا يكون خلافه
…
وليس لذاك الأمر في الكون صارف
أسبقية نبوته صلى الله عليه وسلم:
أخرج مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي............
"محمد له في العلا" الارتفاع "مجد" عز وشرف "تليد" قديم "وطارف" حادث، "أتى بزمان السعد" الباء للآلة، "في آخر المدى" بفتحتين، يعني: الزمان الأخير من أزمنة الأنبياء، وهو زمن عيسى وبعثة المصطفى في آخر زمان عيسى، فالإضافة حقيقية فلا يشكل إضافة آخر المدى مع أن الغاية أو مطلق الزمان، مجازًا من تسمية الكل باسم الجزء، "وكان له في كل عصر مواقف" أحوال لتقدم خلقه، "أتى لانكسار الدهر" وفي نسخة: الدين من إضافة الصفة للموصوف، أي: الدين أو الدهر المنكسر بعبادة غير الله، "يجبر صدعه" شقه، أي: يصلحه ويزيل فساده، "فأثنت عليه ألسن" جمع لسان مذكر وهو الأكثر لغة وبه جاء القرآن، قاله أبو حاتم.
"وعوارف" جمع عارفة، ومعناه: أن الأمور المعروفة في الشرع أثنت عليه لإظهاره لها وذبه عن معارضتها، وهو استعارة مكنية، شبه أمور الشرع في دلالتها على صدقه وكاله بنفوس ناطقة، وأثبت لها ما هو من لوازم النفوس الناطقة إذا فعل معهم الجميل وهو الثناء تخييلا "إذا رام أمرًا لا يكون" يوجد "خلافه وليس لذاك الأمر في الكون" أراد الوجود وله تعاريف معلومة "صارف" مانع، ثم شرع في المقصود وحسن معه تصديره بحديث صحيح، فقال:"خرج مسلم" بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأعلام مناقبه شهيرة، أخذ عن البخاري وشاركه في كثير من شيوخه، وأحمد وخلق وروى عنه كثيرون، وروى له الترمذي حديثًا واحدًا، مات سنة إحدى وستين ومائتين في رجب، "في صحيحه" الذي صنفه من ثلاثمائة ألف حديث كما نقلوه عنه وهو يلي صحيح البخاري، وتفضيله عليه مردود؛ وفي ألفية السيوطي:
ومن يفضل مسلمًا فإنما
…
ترتيبه وصنعه قد أحكما
"من حديث" أحد العبادلة "عبد الله بن عمرو بن العاصي" بن وائل السهمي الصحابي ابن الصحابي أبي محمد عند الأكثر، أو أبي عبد الرحمن الزاهد العابد أحد المكثرين الفقهاء، أسلم قبل أبيه، قيل: بين مولدهما اثنتا عشرة سنة، ويقال: عشرون سنة.
روى ابن سبع والعسكري عنه، أنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل. ومن ثم
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله عز وجل كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة................
ذكر العسكري في كتاب الأمثال ألف مثل عن المصطفى، وحسبك أن أحفظ الصحابة أبا هريرة شهد له بأنه أكثر حديثًا منه؛ لأنه كان يكتب وأبا هريرة لا يكتب، ولا يشكل أن المروي عنه دون المروي عن أبي هريرة بكثير، لأنه سكن مصر والواردون إليها قليل، وأبو هريرة سكن المدينة والمسلمون يقصدونها من كل وجهة، وفي أنه مات بالشام أو مكة أو الطائف أو بمصر أقوال، وهل عام خمس وستين أو ثمان وستين أو تسع وستين أو ثنتين وسبعين أو تسع وسبعين خلاف بسطه في الإصابة.
وقال في تقريبه: مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح، والعاصي بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية وهو قول الجمهور كما قال النووي وغيره. وفي تبصير المنتبه، قال النحاس: سمعت الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء لا يجوز حذفها وقد لهجت العامة بحذفها.
قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة، يعني: أنه من الأسماء المنقوصة فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، والمبرد لم يخالف النحويين في هذا وإنما زعم أنه سمي العاصي لأنه أعيص بالسيف، أي: أقام السيف مقام العصا، وليس هو من العصيان؛ كذا حكاه الآمدي، عنه قلت: وهذا إن مشي في العاصي بن وائل لكنه لا يطرد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم العاصي بن الأسود والد عبد الله فسماه مطيعًا، فهذا يدل على أنه من العصيان، وقال جماعة: لم يسلم من عصاة قريش غيره، فهذا يدل لذلك أيضًا، انتهى.
"عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل كتب مقادير الخلق"" ، قال البيضاوي في شرح المصابيح، أي: أجرى القلم على اللوح المحفوظ، وأثبت فيه مقادير الخلائق ما كان وما يكون وما هو كائن إلى الأبد، وعلى وفق ما تعلقت به إرادته أزلا، وقال الأبي: المقادير بمعنى القدر وهو عبارة عن تعلق علم الله وإرادته أزلا بالكائنات قبل وجودها، وهو سبحانه وتعالى بجميع صفاته أزلي لا يتقيد وجوده بزمان، "قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" قال القاضي عياض: حد لكتب ذلك في اللوح المحفوظ، أو فيما شاء الله لا للمقادير فإن ذلك أزلي لا أول له وهي كناية عن الكثرة؛ كقوله:{وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]، قال: ويحتمل أنها حقيقة، ورده القرطبي وتبعه الأبي بأنه لا يتقرر كونها حقيقة بوجه؛ لأن السنين يقدر بها الزمان، والزمان تابع لخلق السماوات لأنه عبارة عن حركات الأفلاك وسير الشمس فيها، فقيل: خلق الزمان لا سماوات، فالخمسون ألف سنة تقديرية، أي:
وكان عرشه على الماء.
بمدة في علم الله لو كانت السماوات موجودة فيها لعدت بذلك العدد، انتهى.
وهو متعقب بقول البيضاوي وغيره في شرح المصابيح، معناه: أن طول الأمد وتمادي الأزمان بين التقدير والخلق من المدة خمسون ألف سنة مما تعدون، فإن قيل: كيف يحمل على الزمان وهو مقدار حركة الفلك الذي لم يخلق حينئذ؟ أجيب بأنه إن سلم أن الزمان ذلك، فإن مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش موجود حينئذ، بدليل قوله:{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7]، أي: ما كان تحته قبل خلق السماوات والأرض إلا الماء، والماء على متن الريح، كما روي عن ابن عباس، وهو يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض، انتهى.
وفي حديث أبي رزين الآتي: أن الماء قبل خلق العرش، وروى أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجه عن أبي رزين العقيلي، أنه قال: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال:""كان" في ماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء". وحكى في الفهم أن أول ما خلق الله ياقوتة حمراء ونظر إليها بالهيبة فصارت ماء، فوضع عرشه على الماء، وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعد الطائي، قال:"العرش ياقوتة حمراء".
وأخرج أبو الشيخ عن حامد، قال:"خلق الله العرش من زمردة خضراء، وخلق له أربع قوائم من ياقوتة حمراء، وخلق له ألف لسان وخلق في الأرض ألف أمة، كل أمة تسبح بلسان من ألسن العرش"، وذكر الحافظ محمد بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، عن بعض السلف: أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء، بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، واتساعه خمسون ألف سنة، وبعد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وذهبت طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه الفلك التاسع والفك الأطلس.
قال ابن كثير: وليس بجيد؛ لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل، وأيضًا فالعرش في اللغة سرير الملك وليس هو فلكًا، والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير، وقوائم تحمله الملائكة كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات، انتهى. والصحيح كما قال النعماني: أنه غير الكرسي، وما روي عن الحسن أنه عينه فضعيف، بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره، انتهى.
كيف! وقد روى ابن جرير، وابن مردويه، وأبو الشيخ، عن أبي ذر قال: قال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا
ومن جملة ما كتب في الذكر أن محمدًا خاتم النبيين.
ذر، ما السماوات السبع في الكرسي، إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة".
"ومن جملة ما كتب في الذكر" وبينه بقوله: وهو {أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39، آل عمران: 7] ، أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ، إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه وفي أنه حقيقي أو تمثيل، والمراد علم الله، قولان، الأكثر أنه حقيقي وهو الأسعد بصريح الأحاديث والآثار، فقد أخرج الطبراني بطريقين رجال إحداهما ثقات والحاكم والحكيم الترمذي عن ابن عباس، عنه صلى الله عليه وسلم:"أن الله خلق لوحًا محفوظا من درة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور". وفي الطبراني أيضًا: أن عرشه ما بين السماء والأرض. وفي كنز الأسرار: أن طوله كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ بسند جيد عن ابن عباس، قال: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، وأخرج أبو الشيخ عن أنس رفعه:"أن لله لوحًا أحد وجهيه ياقوتة، والوجه الثاني من زمردة خضراء". وأخرج أيضًا عن ابن عباس رفعه: "خلق الله لوحًا من ندرة بيضاء وقفاه من زبرجدة خضراء كتابه نور، يلحظ إليه في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة يحيي ويميت ويخلق ويرزق ويفعل ما يشاء".
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الشعب، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله لوحًا من زبرجدة خضراء تحت العرش، يكتب فيه إني أنا الله لا إله إلا أنا أرحم وأترحم، جعلت بضعة عشر وثلاثمائة خلق من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة". وقد جمع بين هذا الاختلاف في لونه بجواز أنه يتلون والبياض لونه الأصلي.
"أن محمدًا خاتم النبيين" في الوجود، فإن قيل: الحديث يفيد، سبق العرش على التقدير، وعلى كتابة محمد خاتم النبيين فيشكل بأن نوره صلى الله عليه وسلم خلق قبل العرش وغيره. أجاب شيخنا بجواز أن نوره خلق قبل العرش وكتابته لذلك، وإظهاره كان وقت التقدير وهو بعد خلق العرش وقبل خلق السماوات، انتهى.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الماء والعرش مبتدأ العالم لكونهما خلقا قبل كل شيء وعند أحمد وابن حبان والحاكم وصححاه، عن أبي هريرة: قلت: يا رسول الله! إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، أنبئني عن أصل كل شيء، قال:"كل شيء خلق من الماء". وهذا يدل على أن الماء أصل لجميع المخلوقات ومادتها، وأنها كلها خلقت منه، وقال الله تعالى:{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] قال في اللطائف: والقول بأن المراد النطفة التي
وعن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إني عند الله لخاتم النبيين" وإن آدم لمنجدل في طينته". رواه أحمد..........................
بخلق منها الحيوانات بعيدة؛ لأن النطفة لا تسمى ماء مطلقًا بل مقيدًا نحو: من ماء دافق، وقوله:{أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات: 20] ، وأيضًا من الحيوانات ما يتولد من غير نطفة كدود الخل والفاكهة، فليس كل حيوان مخلوقًا من نطفة. فدل القرآن على أن كل ما يدب وكل ما فيه حياة من الماء، ولا ينافي هذا قوله تعالى:{وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27]، وقوله صلى الله عليه وسلم:"وخلقت الملائكة من نور" لأن أصل النور والنار الماء" ولا يستنكر خلق النار من الماء، فقد جمع الله بقدرته بين الماء والنار في الشجر الأخضر.
وذكر الطبائعيون أن الماء بانحداره يصير بخارًا والبخار ينقلب هواء، والهواء ينقلب نارًا. وزعم مقاتل: أن الماء خلق من النور، وهو مردود بحديث أبي هريرة المتقدم وبغيره، انتهى. ملخصًا، وذكر نحوه المؤلف في الإرشاد.
"وعن العرباض" بكسر العين وسكون الراء بعدها موحدة فألف فمعجمة "ابن سارية" السلمي، قديم الإسلام جدًا من البكائين ومن أهل الصفة، ونزل حمص، وروى عنه خالد بن معدان وأبو أمامة الباهلي وخلق، مات سنة خمس وسبعين، وقيل قبلها زمن فتنة ابن الزبير رضي الله عنهم.
"عن النبي صلى الله عليه وسلم" أنه "قال: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم" قال الطيبي: الواو وما بعدها في محل نصب على الحال من المكتوب، والمراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبًا في أم الكتاب في ذلك الحال، قبل نفخ الروح في آدم لا أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين، انتهى. وبه اندفع ما يرد أن هذا ينافي رواية مسلم بخمسين ألف سنة المفيد سبق نبوته على جميع الموجودات. "لمنجدل" بضم الميم وسكون النون مطاوع جدله مخففًا، نائبًا عن جدله مشددًا، أي: ألقاه على الجدالة وهي الأرض الصلبة لا مطاوع جدل مخففًا لفساد المعنى، إذ معناه أخذه من الجدالة وليس بمراد هنا، أشار له الطيبي قائلا: "في طينته" خبر ثان؛ لأن لا متعلق بمنجدل، والألزم أن دم مظروف في طينته مع أنه ظرف له وهو حاصل فيه، "رواه" الإمام "أحمد" بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الله المروزي، ثم البغداي أحد كبار الأئمة الحفاظ الطوافين الصابر على البلوي، الذي من الله به على الأمة، ولولاه لكفر الناس في المحنة ذو المناقب الشهيرة. وحسبك قول الشافعي شيخه: خرجت من بغداد فأخلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه.
وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته. ولد سنة أربع وستين ومائة ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين.
والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وقوله عليه الصلاة والسلام لمنجدل، يعني: طريحًا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه.
وعن ميسرة الضبي...................................
قال ابن خلكان: وحزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستون ألفًا، وأسلم يوم موته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس، انتهى. وفي تهذيب النووي: أمر المتوكل أن يقاس الموضع الذي وقف الناس للصلاة فيه على أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة، ووقع المأتم في أربعة أصناف من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس.
"والبيهقي" نسبة إلى بيهق قرية بناحية نيسابور، أحمد بن الحسين الإمام الحافظ المشهور بالفصاحة والبراعة سمع الحاكم وغيره، وتصانيفه نحو ألف.
قال الذهبي: ودائرته في الحديث ليست كبيرة بل بورك له في مروياته وحسن تصرفه فيها، لحذفه وخبرته بالأبواب والرجال، وأفتى بجميع نصوص الشافعي، وخرج أحاديثها، حتى قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي فله على الشافعي منة. ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
"والحاكم" الإمام الحافظ الكبير محمد بن عبد الله الضبي، أبو عبد الله النيسابوري الثقة الثبت المجمع على صدقه، ومعرفته بالحديث حق معرفته، أكثر الرحلة والسماع حتى سمع بنيسابور من نحو ألف شيخ وفي غيرها أكثر، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومات بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وتصانيفه نحو خمسمائة، قال الذهبي، أو ألف قاله عبد الغافر الفارسي، وقال غيرهما ألف وخسمائة، وعنه شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف.
"وقال" الحاكم فيه "صحيح الإسناد" ورواه ابن حبان في صحيحه أيضًا، "وقوله صلى الله عليه وسلم:"لمنجدل" يعني طريحًا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه" لا مأخوذ من الأرض كما قد بادر من بقاء منجدل على أصله، كما مر. "وعن ميسرة" بفتح الميم وسكون التحتية، "الضبي" كذا في النسخ، والذي في العيون والإصابة والسبل كالنور، والمقاصد عن مسند أحمد ميسرة الفجر بفتح الفاء وسكون الجيم، جزم به في السبل، وقاله في النور كذا ضبط في نسخة صحيحة من الاستيعاب بالقلم، لكن بهامشه بخط ابن الأمين الفجر بفتح الجيم، قيده البخاري في التاريخ وهو العطاء، وفي الصحاح الفجر بالفتح: الكرم.
قال الذهبي: صحابي من أعراب البصرة، وزعم ابن الفرض أن ميسرة لقبه واسمه عبد الله بن أبي الجدعاء، والذي أفاده صنيع الحسيني أنه غيره وهو الظاهر، انتهى. فيحتمل أنه
قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيًا؟ قال:"وآدم بين الروح والجسد". هذا لفظ رواية الإمام أحمد. ورواه البخاري في تاريخه وأبو نعيم في الحلية، وصححه الحاكم.
ضبي ويلقب بالفجر فعدل المصنف عما في المسند لبيان نسبته.
وقول الشارح ينافيه قول الإصابة أنه تميمي، وما ذكر في اللب: أن ضبة في تميم فيه أنه لم يذكر أن ميسرة تميمي إنما قاله في ابن أبي الجدعاء، وذكر في ميسرة ما يفيد أنهما اثنان؛ لأنه ترجم به ثم قال: وقيل إنه ابن أبي الجدعاء الماضي فحكاه مقابلا أو أنه ضبي خلفًا، ونحو ذلك.
"قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيًا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" فإن ورد أن حقيقة آدم هذا الهيكل المخلوق من طين المنفوخ فيه الروح، فمجموعهما هو آدم فما معنى البينية؟ أجيب بأنه مجاز عما قبل تمام خلقه قريبًا منه، كما يقال: فلان بين الصحة والمرض، أي: في حالة تقرب منهما، وقال في النسيم: الظاهر أنه ظرف زمان بمعنى أن نبوته محكوم بها ظاهرة بين خلق روح آدم وخلق جسده حيث نبأه في عالم الأرواح، وأطلعها على ذلك، وأمرها بمعرفة نبوته والإقرار بها، وهذا المعنى يفيده قوله بين الماء والطين، أي: بعد خلق عناصره غير مركبة ولا منفوخ فيها الروح، فهو بمعنى الحديث الذي صححوه فتكون رواية بالمعنى إذا لم يثبت بهذا اللفظ، وهذا مما لم يحم أحد حول حماه، انتهى.
"هذا لفظ رواية الإمام أحمد" في المسند من طريق بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر وأخرجه من وجه آخر بلفظ متى جعلت، "ورواه البخاري" إمام الفن محمد بن إسماعيل الجعفي مناقبه كالشمس، "في تاريخه" الكبير صنفه وعمره ثمان عشرة سنة عند قبره صلى الله عليه وسلم، قال ابن عقدة: لو كتب الرجل ثلاثين ألفًا ما استغنى عن تاريخ البخاري. وال السبكي: تاريخه لم يسبق إليه ومن ألف بعده في التاريخ أو الأسماء أو الكنى، فعيال عليه.
"وأبو نعيم" بالتصغير أحمد بن عبد الله الأصفهاني الحافظ المكثر، أخذ عن الطبراني وغيره وعنه الخطيب وغيره، مات بأصفهان سنة ثلاثين وأربعمائة عن أربع وتسعين سنة، ذكره الذهبي "في الحلية" أي: في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، قالوا: لما صنفه بيع في حياته بأربعمائة دينار، ورواه البغوي وابن السكن وغيرهم كلهم من هذا الوجه.
"وصححه الحاكم" وفي الإصابة سنده قوي، لكن اختلف فيه على بديل بن ميسرة، فرواه منصور بن سعد عنه هكذا، وخالفه حماد بن زيد فرواه عن بديل عن عبد الله بن شقيق، قال: قيل: يا رسول الله! ولم يذكر ميسرة، وكذا رواه حماد عن والده وعن خالد الحذاء كلاهما عن
وأما ما اشتهر على الألسنة بلفظ: كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين. فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير السخاوي في كتابه "المقاصد الحسنة": لم نقف عليه بهذا اللفظ. انتهى.
وقال العلامة الحافظ ابن رجب، في اللطائف: وبعضهم يرويه: متى كتبت نبيًا................
عبد الله بن شقيق، أخرجه البغوي، وكذا رواه حماد بن سلمة عن خالد عن عبد الله بن شفيق، عن رجل، قال: قلت: يا رسول الله! وأخرجه من هذا الوجه أحمد وسنده صحيح، انتهى. قلت: هذا اختلاف لا يقدح في الحديث؛ لأن راويه حماد بن زيد وموافقيه المرسلة غير قادحة في رواية من وصله لصحة الإسناد، وقد تابع منصورًا على وصله عن بديل إبراهيم بن طهمان أخرجه ابن نجيد، وهي متابعة تامة، وتابعه أيضا في شيخه خالد الحذاء عند أحمد، ورواية ابن سلمة غاية ما فيها إبهام الصحابي، ولا ضير فيه لعدالة جميعهم، واستظهر البرهان في النور أنه ميسرة، قائلا: لم يذكره الحسيني في مبهمات المسند.
"وأما ما اشتهر على الألسنة" ألسنة من لا خبرة له بالحديث من أنه مروي "بلفظ: "كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين" فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير" محمد بن عبد الرحمن "السخاوي" نسبة إلى سخا قرية من أعمال مصر على غير قياس، "في كتابه المقاصد الحسنة" في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة "لم نقف عليه بهذا اللفظ، انتهى" ما نقله من كلام شيخه وبقيته فضلا عن زيادة: "وكنت نبيًا ولا آدم ولا ماء ولا طين". وقد قال شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- في بعض الأجوبة عن الزيادة أنها ضعيفة والذي قبلها قوي، انتهى. ولعله أراد بالمعنى، وإلا فقد صرح السيوطي في الدرر بأنه لا أصل لهما، والثاني من زيادة العوام وسبقه لذلك الحافظ ابن تيمية فأفتى ببطلان اللفظين وأنهما كذب وأقره في النور.
والسخاوي نفسه في فتاويه أجاب باعتماد كلام ابن تيمية في وضع اللفظين، قائلا: ونهايك به اطلاعًا وحظًا، أقر له بذلك المخالف والموافق، قال: وكيف لا يعتمد كلامه في مثل هذا وقد قال فيه الحافظ الذهبي: ما رأيت أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه، وكانت السنة بين عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة وعين مفتوحة، انتهى.
"وقال العلامة الحافظ" زين الدين عبد الرحمن بن أحمد، "بن رجب" الحنبلي الواعظ المحدث الفقيه البغدادي ثم الدمشقي، أكثر الاشتغال حتى مهر وشرح الترمذي والعلل له وقطعة من البخاري وله طبقات الحنابلة، مات في رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
"في اللطائف وبعضهم يرويه" أي: حديث ميسرة "متى كتبت نبيًا؟ " أي: متى كتبت
من الكتابة، انتهى.
قلت: وكذا رويناه في جزء من حديث أبي عمرو، إسماعيل بن نجيد، ولفظه: متى كتبت نبيًا؟ قال: "كتبت نبيًا وآدم بين الروح والجسد".
فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض على وجوب نبوته وثبوتها، فإن الكتابة تستعمل فيما هو واجب، قال تعالى:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] و {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ} [المجادلة: 21] .
وعن أبي هريرة..............................................
نبوتك؟ أي: ثبتت وحصلت "من الكتابة" لا من الكون، "انتهى. قلت: وكذا رويناه في جزء من حديث أبي عمرو" بفتح العين وزيادة واو كما في النور، "وإسماعيل بن نجيد" بضم النون وفتح الجيم فتحتية ساكنة فدال مهملة، ابن أحمد بن يوسف النيسابوري السلمي أحد الأئمة، الفصيح البارع الصوفي الشافعي، حدث عن محمد بن أيوب الرازي وأبي مسلم الكجي والإمام أحمد وغيرهم، وصحب من أئمة الحقائق الجنيد والخيري، حدث عنه خلق منهم سبطه أبو عبد الرحمن السلمي والحاكم والقشيري، ومات سنة ست وستين وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين سنة، "ولفظه" يعني بإسناده إلى ميسرة، وهو: حدثنا محمد بن أيوب الرازي، أنبأنا أبو محمد بن سنان العوقي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله! "متى كنت نبيًا؟ قال: "كتبت نبيًا وآدم بين الروح والجسد". كذا ساقه على أنه من الكتابة، والمذكور في العيون عنه: متى كنت، قال:"كنت من الكون كالأول لا الكتابة".
وهو الذي وقع لنا في جزء ابن نجيد، وهو ستة وخمسون حديثًا بخط جرامرد التركي الناصري الحنفي تلميذ السيوطي وعليه خط السيوطي ولكن مثل هذا لا يرد على المصنف؛ لأن روايته هو وقعت، كما قال: ألم تر قوله رويناه، "فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض على وجوب نبوته وثبوتها" عطف تفسير وعلل الحمل بقوله:"فإن الكتابة تسعمل فيما هو واجب" أما شرعًا؛ كما "قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 182]، وإما تقديرًا؛ كقوله:{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ} [المجادلة: 21] أي: قدر.
"وعن أبي هريرة" تصغير هرة، قيل كناه بها المصطفى لأنه رآه وفي كمه هرة، وقيل المكنى له غيره، قال ابن عبد البر: لم يختلف في اسم في الجاهلية والاسم مثل ما اختلف في اسمه على عشرين قولا، وسرد ابن الجوزي في التلقيح منها ثمانية عشر، وقال النووي: تبلغ أكثر
أنهم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة قال:"وآدم بين الروح والجسد". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
ورويناه في جزء من أمالي أبي سهل القطان عن سهل بن صالح الهمداني، قال: سألت أبا جعفر، محمد بن علي، كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق من بني آدم من.................
من ثلاثين، قال الحافظ في الفتح: وقد جمعتها في تهذيب التهذيب فلم تبلغ ذلك، فيحمل كلامه على الخلاف في اسمه واسم أبيه معًا، انتهى.
واختلف في أرجحها فذهب جمع إلى أنه عمرو بن عامر، وذهب كثيرون وصححه النووي إلى أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أسلم عام خيبر وشهد بعضها مع المصطفى ثم لزمه وواظبه حتى كان أحفظ أصحابه وأكثر المكثرين. ذكر بقي بن مخلد أنه روى عنه صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا، وتوفي بالمدينة سنة تسع أو ثمان أو سبع وخمسين، وأمه اسمها ميمونة، قال الطبراني، وقال أبو موسى المديني: أميمة، وقال ابن قتيبة في المعارف: أميمة بنت صفيح بن الحارث بن دوس أسلمت، فدعا لها المصطفى، وحديث إسلامها مشهور.
"إنهم قالوا: يا رسول الله! متى وجبت لك النبوة؟ " أي: حصلت وثبتت "قال: "وآدم بين الروح والجسد". أي: وجبت في هذه الحالة فعامل الحال وصاحبها محذوفان، قال الطيبي "رواه الترمذي" بكسر التاء والميم وضمهما وبفتح التاء وكسر الميم، أبو عيسى محمد بن عيسى أحد أوعية العلم والحفاظ الكبار، كان يضرب به المثل في الحفظ، أخذ عن البخاري وشاركه في شيوخه، بل قال ابن عساكر: كتب عنه البخاري وحسبه بذلك فخرا، مات سنة تسع وثمانين ومائتين. "وقال: حديث حسن وروينا في جزء من أمالي أبي سهل القطان عن سهل بن صالح الهمداني"، بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة، نسبة إلى همدان شعب بن قحطان، قال في التبصير: منها الصحابة والتابعون وتابعوهم.
"قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي" بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بالباقر، قال النووي: لأنه بقر العلم، أي: شقه. فعرف أصله وخفيه، ولد سنة ست وخمسين، وروى عنه خلق كالزهري وعمرو بن دينار، وكان سيد بني هاشم في زمانه علمًا وفضلا وسؤددًا ونبلا، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث مات سنة ثمان عشرة ومائة. "كيف صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث، قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق" في عالم الذر "من بني آدم من
ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من قال: بلى، ولذلك صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء، وهو آخر من بعث.
فإن قلت: إن النبوة وصف ولا بد أن يكون الموصوف به موجودًا، وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة.................................
ظهورهم" بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار "ذرياتهم" بأن أخرج بعضهم من صلب بعض من صلب آدم نسلا بعد نسل؛ كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان بفتح النون يوم عرفة، ونصب لهم دلائل على ربوبيته، وركب فيهم عقلا، والأخبار والآثار شاهد بهذا فتعسف من جعل الآية للتمثيل: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، قالوا: بلى "كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من قال: بلى" أنت ربنا "ولذلك صار محمد صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث".
وأورد على قوله وآدم بين الروح والجسد، فالمراد بالوصف الأثر، وهو في الأصل مصدر يقوم بالمحل وهو كونه موحى إليه بأمر يعمل به، فالمراد بالوصف الأثر، وهو في الأصل مصدر، "ولا بد أن يكون الموصوف به موجودًا وإنما يكون" الوصف بالنبوة "بعد بلوغ" الموصوف بها "أربعين سنة" إذ هو سن الكمال ولها تبعث الرسل، ومفاد هذا الحصر الشامل لجميع الأنبياء حتى يحيى وعسى هو الصحيح، ففي زاد المعاد ما يذكر أن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة لا يعرف به أثر متصل يجب المصير إليه. قال الشامي: وهو كما قال فإن ذلك إنما يروى عن النصارى، والمصرح به في الأحاديث النبوية أنه إنما رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة.
أخرج الطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات، عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم، قال في مرضه الذي توفي فيه لفاطمة:"إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني بالقرآن العام مرتين وأخبرني أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف الذي قبله، وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبًا على رأس الستين". انتهى ملخصًا.
وروى أبو يعلى عن فاطمة مرفوعًا، أن عيسى ابن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة، فهذا مما يؤيد ذاك ولا يرد عليه قوله تعالى في حق عيسى:{وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30] ، لأن معناه جعلني مباركًا، نفاعًا للخير، والتعبير بلفظ الماضي باعتبار ما سبق في قضائه، أو لجعل المحقق وقوعه كالواقع. ولا قوله في يحيى:{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12] ، لأن معناه الحكمة وفهم التوراة، ومن فسره بالنبوية فهو مجاز لأنه لظهور آثارها كأنه أوتيها، ولا ما في تهذيب النووي وعرائس الثعلبي أن صالحًا بعثه الله إلى قومه وهو شاب، وأقام فيهم عشرين سنة، وتوفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، لجواز أنه على التقريب بإسقاط عامي الولادة والموت، فلا ينافي أنه أرسل على رأس الأربعين، وكونه في ذلك السن، لا ينافي إطلاق الشاب عليه، كما
مهمة أيضًا، فكيف يوصف به قبل وجوده وإرساله؟
أطلق أنس لفظ الشاب على المصطفى في حديث الهجرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وقد روى ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رفعه:"ما بعث الله نبيًا إلا شابًا".
مهمة:
وقع للحافظ الجلال السيوطي في تكملة تفسير المحلى، وشرح النقابة وغيرهما من كتبه الجزم، بأن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، ويمكث بعد نزوله سبع سنين، وما زلت أتعجب منه مع مزيد حفظه وإتقانه وجمعه للمعقول والمنقول، حتى رأيته في مرقاة الصعود رجع عن ذلك.
فقال في شرح حديث: فيمكث في الأرض أربعين سنة، قال ابن كثير يشكل عليه ما في مسلم أنه يمكث سبع سنين إلا أن يحمل على إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مكثه قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره حينئذ ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور. قلت: وقد أقمت سنين أجمع بذلك، ثم رأيت البيهقي قال في كتاب البعث والنشور، هكذا في هذا الحديث: أن عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة.
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في قصة الدجال: فيبعث الله عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، قال البيهقي: ويحتمل أن قوله: ثم يلبث الناس بعده، أي: بعد موته، فلا يمكن مخالفًا للأول، انتهى. فترجح عندي هذا التأويل لوجوه أحدها. إن حديث مسلم ليس نصًا في الإخبار عن مدة لبث عيسى وذلك نص فيها، والثاني: أن ثم تؤيد هذا التأويل لأنها للتراخي. والثالث: قوله يلبث الناس بعده فيتجه أن الضمير فيه لعيسى؛ لأنه أقرب مذكور، والرابع: أنه لم يرد في ذلك سوى هذا الحديث المحتمل، ولا ثاني له. وورد مكث عيسى أربعين سنة في عدة أحاديث من طرق مختلفة منها هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وهو صحيح.
ومنها ما أخرجه الطبران عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة"، ومنها ما أخرجه أحمد في الزهد عن أبي هريرة، قال:"يلبث عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة لو يقول للبطحاء سيلي عسلا لسالت"، ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة مرفوعًا في حديث الدجال:"فينزل عيسى ابن مريم فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلا وحكمًا مقسطًا". ورد أيضًا من حديث ابن مسعود عند الطبراني، فهذه الأحاديث الصريحة أولى من ذلك الحديث الواحد المحتمل، انتهى.
"أيضًا" أي: كما أنه لا بد للنبوة من محل تقوم به والمتعاطفات هنا اتفقا في الاشتراط فصح لفظ أيضًا، "فكيف يوصف به"، أي: بوصف النبوة "قبل وجوده" صلى الله عليه وسلم في الخارج "وإرساله؟ " في
أجاب العلامة الغزالي رحمه الله في كتابه "النفخ والتسوية" عن هذا، وعن قوله: كنت أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا: بأن المراد بـ"الخلق" هنا: التقدير دون الإيجاد..............
ذكره مع أن فرض السؤال في النبوة إشعار بأنهما متقاربان وهو الصحيح، وقيل: نبوته سابقة على إرساله.
"أجاب": كذا في نسخ بلا فاء، وفي أخرى بها، والأولى أولى إذ الفعل هنا ماض متصرف، وليس مما تدخل عليه الفاء، فإنها تدخل في سبعة مواضع جمعها القائل:
اسمية طلبية وبجامد
…
وبما وقد وبلن وبالتنفيس
وقد اشتهر أن ذا البيت للفقيه العلامة الأجهوري، وله عزاه شيخنا لكنه قال لنا في قراءة المعنى أنه رآه لأقدم منه، وهو كما قال فقد ذكره الشيخ عمر بن نجيم الحنفي في شرح الكنز في باب تعليق الطلاق، فقال: جواب الشرط يجب اقترانه بالفاء، حيث لم يصلح جعله شرطًا، وذلك في مواضع جمعت في قوله طلبية واسمية
…
إلخ. فلعله من توافق الخاطر "العلامة" أبو حامد حجة الإسلام محمد بن محمد "الغزالي" بفتح الغين المعجمة وشدة الزاي على المشهور، كما قال ابن الأثير وفي التبيان عن الغزالي أنه أنكر التشديد، وقال: إنما أنا بالتخفيف، نسبة إلى غزالة من قرى طوس.
وفي المصباح عن بعض ذريته أخطأ الناس في تشديد جدنا، لكن قال ابن الأثير أنه خلاف المشهور، قال: وأظن أنه نسبة إلى الغزالي على عادة أهل جرجان وخوارزم كالعصاري إلى العصار. قال: وحكى لي بعض من ينسب إليه من أهل طوس، أنه منسوب إلى غزالة بنت كعب الأحبار، انتهى. وفي طبقات السبكي كان والده يغزل الصوف ويبيعه بدكان بطوس. "رحمه الله" ذكر له الأسنوي في المهمات ترجمة حسنة منها هو قطب الوجود والبركة الشاملة لكل موجود، وروح خلاصة أهل الإيمان والطريق الموصل إلى رضا الرحمن يتقرب به إلى الله تعالى كل صديق ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق. قد انفرد في ذلك العصر الزمان، كما انفرد في هذا الباب فلا يترجم معه فيه لإنسان، انتهى. وله كتب نافعة مفيدة خصوصًا الإحياء فلا يستغنى عنه طالب الآخرة، مات بطوس سنة خمس وخمسمائة. "في كتابه النفخ والتسوية عن هذا"، المتقدم وهو وقوله: كنت نبيًا وآدم
…
إلخ.
"وعن قوله" صلى الله عليه وسلم " "كنت أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا"" ، رواه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو إسحاق الجوذقاني، في تاريخه عن أبي هريرة، رفعه بلفظ، كنت، وما يقع في نسخ بلفظ أنا فتحريف أو رواية بالمعنى، "بأن المراد بالخلق هنا التقدير دون الإيجاد" إذ هو
فإن قيل إن ولدته أمه لم يكن موجودًا مخلوقًا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود".
قال: وهو معنى قولهم: "أول الفكرة آخر العمل، أول الفكرة" وبيانه: أن المهندس المقدر للدار، أول ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دار كاملة، وآخرة ما يوجد من أعماله هي الدار الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقه تقديرًا، وآخرها وجودًا، لأن ما قبلها من ضرب اللبنات وبناء الحيطان، وتركيب الجذوع، وسيلة إلى غاية وكمال وهي الدار الكاملة، فالغاية هي الدار ولأجلها تقوم الآلات والأعمال.
ثم قال: وأما قوله عليه الصلاة والسلام: كنت نبيًا فإشارة إلى ما...................
خلاف الواقع، "فإن قيل: إن ولدته أمه لم يكن موجودًا مخلوقًا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير، لاحقة في الوجود. قال: وهو معنى قولهم" أي: المتقدمين، "أول الفكرة آخر العمل أول الفكرة"، كذا في النسخ الفكرة بالهاء في الموضعين، والمذكور في كتاب الغزالي المزبور بدون هاء فيهما، ونظمه القائل:
نعم ما قال زمرة الدول
…
أول الفكر آخر العمل
"وبيانه" أي: إيضاح قولهم المذكور، "أن المهندس" قال الجوهري: المهندز الذي يقدر مجاري القنا والأبنية، والعرب صيروا زايه سينا، فقالوا مهندس في كلام العرب زاي قبلها دال، وفي القاموس: هندوس الأمر بالضم العالم به، جمعه هنادسة، والمهندس مقدر مجاري القنا حين تحفر، والاسم الهندسة مشتق من الهنداز معرب اندازه، فأبدلت الزاي لأنهم ليس لهم دال بعده زاي، انتهى. "المقدر للدار أول ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دارًا كاملة وآخرة" وزان قصبة كما في المصباح وغيره، وحكى في القاموس ضم أوله، أي: آخر "ما يوجد في أعماله هي الدار الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقه تقديرا وآخرها وجودًا؛ لأن ما قبلها من ضرب اللبنات" بكسر الموحدة جمع لبنة بالكسر وتسكن للتخفيف ما يعمل من الطين ويبنى به، "وبناء الحيطان" جمع حائط الجدار، قال القاموس: والقياس حوطان، "وتركيب الجذوع" جمع جذع، وهو ساق النخلة "وسيلة إلى غاية" أي: نهاية، "وكمال" عطف تفسير، "وهي الدار الكاملة فالغاية هي الدار، ولأجلها تقوم" بضم الفوقية وفتح القاف والواو المشددة، أي: توجد "الآلات والأعمال ثم قال" الغزالي بعد كلام وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد""فإشارة" أي: فهو إشارة "إلى ما
ذكرناه، وأنه كان نبيًا في التقدير قبل تمام خلقه آدم عليه الصلاة والسلام، لأنه لم ينشأ خلق آدم إلا لينتزع من ذريته محمد صلى الله عليه وسلم ويستصفى تدريجًا إلى أن يبلغ كمال الصفات".
"قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودًا في ذهن المهندس ودماغه، والوجود الثاني أنه ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن في الأعيان، والوجود الذهني سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة. كذلك فاعلم أن الله تعالى يقدر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيًا"، انتهى.
ذكرنا، وأنه كان نبيًا في التقدير قبل تمام خلقه" بكسر فسكون "آدم عليه الصلاة والسلام، لأنه" أي: الحال والشأن "لم ينشأ خلق آدم إلا لينتزع من ذريته محمد صلى الله عليه وسلم" وقد قال الله تعالى لآدم: لولاه ما خلقتك، "ويستصفى" أي: يستخلص من الكدورات كإخراج العلقة وشق الصدر، "تدريجًا" أي: شيئًا فشيئًا، "إلى أن يبلغ كمال الصفات" من إضافة الصفة للموصوف، أي: الصفات الكاملة أو بمعنى الكامل من الصفات وهو أعلاها، وهذا على ما في النسخ الصفات بالتاء والذي في كتاب الغزالي المذكور الصفا بلا تاء.
"قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودًا" بالنصب بدل مفصل من مجمل "في ذهن المهندس ودماغه" عطف تفسير لبيان محله عند الحكماء إذ الذهن القوي المدركة الباطنة، وهي حاصلة في مقدم الدماغ، وذكره لبيان تصويره في حد ذاته، فلا ينافي أن الغزالي كغيره من أهل السنة لا يقول به.
"والوجود الثاني: أنه" أي: المهندس "ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن في الأعيان والوجود الذهني سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة" بفتح الميم، أي: لا بد كما في المختار "كذلك" مبتدأ حذف خبره، أي: كهذين الوجودين فعل الله وتصرفه في خلقه؛ كما أشار إليه بقوله "فاعلم" وهذا جواب شرط مقدر نشأ من قوله وكذلك، أي وإذا أردت معرفة ذلك في حقه تعالى وفيه إشارة إلى استحالة الوجود الذهني في حقه تعالى وأن الشبيه إنما هو من حيث سبق التقدم ثم الإيجاد فقط، "إن الله تعالى يقدر" الأشباء قبل إيجادها، "ثم يوجد" ذلك الذي قدره "على وفق التقدير ثانيًا، انتهى".
واقتصر على هذين الوجودين؛ لأنهما الصالحان في مادة جوابه، وإلا فللشيء من حيث هو وجودان آخران: وجود في الكتابة ووجود في العبارة. صرح به الجعبري مقدمًا العيني على الذهني، نظرًا إلى الإخبار بالشيء بعد تحصيله وتعقله عند المخبر بالكسر، والغزالي قدم الذهني
وهو متعقب بقول الشيخ تقي الدين السبكي: "إنه قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: كنت نبيًا إلى روحه الشريفة، أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون من حين خلق آدم..................
نظرًا إلى صورة تحصيل الشيء في نفسه، وللقرافي في شرح تنقيحه قال الغزالي المختار: عندي أن للشيء في الوجود أربع مراتب حقيقية في نفسه، وثبوت مثاله في الذهن. ويعبر عنه بالعلم التصوري، الثالثة تأليف أصوات بحروف تدل عليه، الرابعة تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ، وهي الكتابة؛ فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه، واللفظ تبع للعلم، والعلم تبع للمعلوم، فهذه الأربعة متطابقة متوازنة إلا أن الأولين وجودان حقيقيان لا يختلفان في الأعصار والأمم واللفظ والكتابة، مختلفان فيهما لوضعهما بالاختيار.
"وهو" أي: ما قاله الغزالي، "متعقب" أي: مردود "بقول الشيخ" الإمام العلامة أبي الحسن علي بن عبد الكافي الملقب "تقي الدين السبكي" الفقيه الحافظ المفسر الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الجدلي الخلافي، النظار شيخ الإسلام، بقية المجتهدين. ولد بسبك من أعمال المنوفية في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وبرع في العلوم، وانتهت إليه الرئاسة بمصر، وصنف تصانيف عديدة، وتوفي بجزيرة الفيل على شاطئ النيل يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة "إنه جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد" وإذا كان كذلك "فقد تكون الإشارة بقوله" صلى الله عليه وسلم:"كنت نبيًا لى روحه الشريفة أو إلى حقيقة من الحقائق" فيكون لنبوته محل قامت به.
وهذا جواب قول السائل لا بد للوصف من محل يقوم به، وترك جواب أنها إنما تكون بعد الأربعين. وأجاب شيخنا بجواز أن محله في النبوة المتعلقة بالجسد بعد ارتباط الروح به، فلا ينافي أن إفاضة النبوة على الروح ووصفها به حقيقة لعدم اشتراط المحل الذي تقوم به النبوة خارجًا عن هذا.
قال: وقد يؤخذ ذلك من إقصاره على إفاضة النبوة على روحه، إذ من لازم حصولها على الروح عدم اشتراط وجود الجسد في الأعيان، فضلا عن بلوغ أربعين، ولما استشعر سؤال: ما تلك الحقائق؟ قال مجيبًا: "والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي" يدرك ما يخفي من لم يمده، "ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون من حين خلق آدم"، أي: من وقت
آتاها الله ذلك الوصف، بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، وأفاضه عليها من ذلك الوقت، فصار نبيًا، وكتب اسمه على العرش، وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده.
فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، وإنما يتأخر البعث والتبليغ.... ...................
ابتدائه وقبل تمامه، "آتاها الله" بالمد أعطاها "ذلك الوصف" وصور الإعطاء بقوله:"بأن يكون خلقها متهيئة لذلك" أي: لقبول النبوة، "وأفاضه" أي: ذلك الوصف "عليها من ذلك الوقت" فحقيقته سابقة على خلق آدم وحصول النبوة عند خلقه، وفي اللطائف والسبل: وهذه، أي: الصفة التي هي النبوة الثابتة، مرتبة ثالثة وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العيني الخارجي.
قال شيخنا: فأفاد أن نبوته مقدره في العلم أولا، ثم تعلق بها الكتابة، ثم تعلق بها الإبراز والإيجاد للملائكة في الوجود العيني، وقضية ما مر من إبراز حقيقته قبل سائر الموجودات، أن المراتب أربع تعلق العلم بأنه يصير نبيًا، ثم خلق نوره، ثم كتب في أم الكتاب، ثم إظهاره الملائكة، وقد يشعر بهذا قوله: وهي انتقاله
…
إلخ.
"فصار" عليه السلام، أي: حقيقته أو روحه "نبيًا وكتب" الله تعالى "اسمه" عليه السلام، "على العرش وأخبر" الله "عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم" من العالم الموجود حينئذ، أو الذي سيوجد من بني آدم "كرامته عنده، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت، وإن تأخر جسده الشريف" أي: إيجاده "المتصف بها" وقوله: "واتصاف حقيقته" مبتدأ "بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه" صفتان للأوصاف، "من الحضرة الإلهية" متعلقة بمفاضة بلا ريب وجعله خبر اتصاف يمجه السمع ويأباه الطبع، فليس القصد الإخبار بأن اتصافه كائن من الحضرة، بل حصوله من ذلك الوقت وإنما سقط خبر المبتدأ من قلم المصنف سهوًا.
وهو ثابت في كلام السبكي الناقل عنه لمصنف، ولفظه واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، حاصل من ذلك الوقت؛ "وإنما يتأخر البعث والتبليغ" فلا حاجة أيضًا لجعل اتصاف عطفًا على جسده، أي: تأخر اتصافه بالأوصاف في الوجود العيني لجسده وأنه أقرب، بل هو تعسف أيضًا يأباه قوله بعد وإنما المتأخر تكونه وتنقله ويبعده الحصر في قوله: إنما يتأخر
…
إلخ. يصير معناه عسرًا، ولكن قد علمت أن منشأ هذا التحمل سقوط الخير، وأنه موجود في كلام من عزا إليه، فلا معدل عنه وبه استقام الكلام، بلا تعسف.
وكل ما له من جهة الله ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخر فيه، وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم.
وقد علم من هذا: أن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له السلام خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأمته ليعرفوا قدره عند الله تعالى.
"وكل ما له من جهة الله، ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته، معجل لا تأخر فيه" جملة خبرية كالمفسرة لما قبلها؛ كقوله: "وكذلك استنباؤه"، أي: جعله نبيًا، فالسين للتوكيد لا للطلب. "وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة" متقدم على ذاته، "وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم، وقد علم من هذا" الخبر الذي هو أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، "أن من فسره" أي: الكون نبيًا وآدم بين الروح والجسد، كالغزالي.
"بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى؛ لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة في ذلك الوقت، ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم" أي: علم الله، "بما سيصير في المستقبل".
"لم يكن له" عليه "السلام خصوصية" بضم الخاء وفتحها، وهو أفصح، كذا في المختار كأصله الصحاح، وفي المصباح والفتح: لغة، وكذا أفاده القاموس بقوله: وتفتح "بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد؛ لأن جميع الأنبياء، يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية" أمر ثابت "للنبي صلى الله عليه وسلم" دون غيره؛ "لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأمته، ليعرفوا قدره عند الله تعالى".
إلى هنا كلام السبكي بتقديم وتأخير حسبما ذكره في رسالة لطيفة سماها التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه، وفهمه المصنف ردًا على الغزالي بقوله وهو متعقب، وفيه أنه إنما عبر بالتقدير وهو مرتبة غير العلم، فيجوز أنه أمر اختص به قبل خلق آدم، دون بقية الأنبياء فلا يتم رده به، ويحتمل أن مراد السبكي الرد على غير الغزالي، وهو ظاهر قوله. ومن فسر دون من
وعن الشعبي قال رجل: يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال:"وآدم بين الروح والجسد، حين أخذ مني الميثاق". رواه ابن سعد من رواية جابر الجعفي فيما ذكره ابن رجب.
فهذا يدل على أنه من حين صور آدم طينًا استخرج منه محمد صلى الله عليه وسلم.........
قدر، وفي نسيم الرياض قد يقال من فسره بالعلم مراده علم أظهره الله لغيره من الملائكة والأرواح، تشريفًا له وتعظيمًا، وكونه إشارة إلى حقيقته إن أراد به روحه، رجع إلى ما قبله وإن أراد غيره، فلا يعقل عند من خلع ربقة التقليد من جيده، انتهى.
"وعن الشعبي" بفتح المعجمة وسكون المهملة، فموحدة، نسبة إلى شعب بطن من همدان بسكون الميم كما في الكواكب، وصدر به في اللب، وقال ابن الأثير: بطن من حمير عامر بن شراحيل الكوفي، أبي عمرو التابعي الوسط، ولد لست مضين من خلافة عمر على المشهور، وروي عن علي والسبطين وسعد وسعيد وابني عباس وعمر وغيرهم، وقال: أدركت خمسمائة صحابي، وما كتبت سوداء في بيضاء قط، ولا حدثني أحد بحديث إلا حفظته. مر به ابن عمر وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدت القوم فلهو أحفظ لها وأعلم بها مني قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وابن عيينة كان أكبر الناس في زمانه، مات بالكوفة سنة ثلاث ومائة أو أربع أو سبع أو عشر ومائة.
"قال رجل" يحتمل أنه عمر: "يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق" "، وعند أبي نعيم عن الصنابحي عن عمر بن الخطاب، أنه قال: يا رسول الله، متى جعلت نبيًا؟ قال:"وآدم بين الروح والجسد"، "رواه" أبو عبد الله محمد "بن سعد" بن منيع الهاشمي، مولاهم البصري كاتب الواقدي روى عنه كثيرًا، وعن هشيم وابن عيينة وابن علية وطبقتهم، وكتب الفقه والحديث والغريب والعربية، وصنف الطبقات الكبير والصغير والتاريخ.
قال أبو حاتم وغيره: صدوق مات في جمادى الآخرة سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائتين عن اثنتين وستين سنة، "من رواية جابر" بن يزيد بن الحارث "الجعفي" بضم الجيم وسكون العين، أي عبد الله الكوفي، عن الشعبي وأبي الطفيل، وعنه شعبة والسفيانان ضعيف شيعي تركه الحفاظ ووثقه شعبة، فشذ، قال أبو داود: ليس له في كتابي حديث سوى السهو، مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
"فيما ذكره ابن رجب" الحافظ عبد الرحمن، "فهذا" أي: مرسل الشعبي على ضعفه المعتضد بحديث عمر السابق، "يدل على أنه من حين صور آدم طينًا، استخرج منه محمد صلى الله عليه وسلم
ونبئ وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه فهو أولهم خلقًا.
لا يقال: يلزم خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ مواتًا لا روح فيه، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان حيًا حين استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق، فهو أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا.
فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث، والذي تقرر هنا: أنه استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم عليه الصلاة والسلام.
أجاب بعضهم: بأنه صلى الله عليه وسلم خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم هو المقصود من خلق النوع الإنساني، وهو عينه وخلاصته وواسطة
ونبئ، وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه، فهو أولهم خلقًا لا يقال يلزم" على ما تقدم "خلق آدم قبله" لأنه استخرج من طينته فينا في خبر كنت أول الأنبياء خلقًا، "لأن آدم" تعليل لنفي القول لا للقول المنفي، فهو نفس الجواب.
"كان حينئذ"، أي: حين نبئ النبي وأخذ منه الميثاق، "مواتًا" بفتح الميم" "لا روح فيه" صفة كاشفة، ففي الصحاح: الموات بالضم الموت، وبالفتح ما لا روح فيه. "ومحمد صلى الله عليه وسلم كان حيًا حين استخرج" من طينة آدم "ونبئ وأخذ منه ميثاقه، فهو أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا" كما قال:"فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه؛ كما دل عليه أكثر الأحاديث" وأقلها أنه استخراج قبل نفخ الروح. روي عن سلمان وغيره، قال في اللطائف: ويدل له ظاهر قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11] ، الآية على ما فسر به مجاهد وغيره، أن المراد إخراج ذرية آدم من ظهره، قبل أمر الملائكة بالسجود له، ويحتمل أن يدل له أيضًا قول آدم بين الروح والجسد جوابًا لمتى استنبئت.
"والذي تقرر هنا أنه استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم عليه الصلاة والسلام"، هذه خصوصية للمصطفى؟ أم مبني على خلاف ما دل عليه أكثر الأحاديث؟ "أجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو المقصود من خلق النوع الإنساني"، إذ لولاه ما خلق. "وهو عينه وخلاصته
عقده. والأحاديث السابقة صريحة في ذلك، والله أعلم.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لم يبعث الله تعالى نبيًا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث، وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه.
وهو مروي عن ابن عباس أيضًا، كما ذكره العماد بن كثير في تفسيره.
وواسطة عقده" بكسر العين، أي: الجوهر الذي في وسط القلادة، وهو أجودها، "والأحاديث السابقة صريحة في ذلك" الذي قلنا: إنه خصوصية له، "والله أعلم".
قال العلامة الشهاب القرافي: لفظ والله أعلم لا ينبغي أن توضع هي ونحوها إلا وينوي بها ذكر الله، فإن استعمال ألفاظ الأذكار لا على وجه الذكر والتعظيم، قلة أدب مع الله تعالى ينهى عنه، بل ينوي بها معناها الذي وضعت له لغة وشرعًا، انتهى.
"وروي" عند ابني جرير وكثير، "عن علي بن أبي طالب" أمير المؤمنين، زوج البتول الزهراء، تربية من خص بالنظر ليلة الإسراء القائل في حقه:"من كنت مولاه فعلي مولاه". رواه الترمذي والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة.
وعند مسلم وأحمد: "ولا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق"، مناقبه شهيرة كثيرة جدًا، حتى قال أحمد والنسائي وإسماعيل القاضي ولم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في حق علي رضي الله عنه، "أنه قال" في تفسير قوله تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} [آل عمران: 81] الآية، "لم يبعث الله نبيًا من آدم فمن بعده" إلى عيسى، إن قلنا بالمشهور من أنه ليس بينه وبين المصطفى نبي أو إلى من بعده أيضًا؛ كخالد بن سنان، "إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه" المبعوث فيهم الرواية بنصب يأخذ عن عياض؛ كما أفاده الشمني والمصنف في حواشيهما للشفاء، قائلين عطفًا على يؤمنن نون التوكيد الخفيفة ورد بأنه حينئذ يكون من جزاء الشرط فيلزم أن الأخذ من الأمة بعد بعثه المصطفى وليس المراد؛ فالعطف على جملة: لئن بعث
…
إلخ، على أنها في موضع مفرد، والوجه أو التقدير وأمر أن يأخذ نحو علفتها تبنًا، "وهو مروي عن ابن عباس أيضًا" موقوف عليها لفظًا، مرفوع حكمًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، "كما ذكره العماد" الحافظ ذو الفضائل إسماعيل بن عمر "ابن كثير" القيسي المفتي المحدث البارع المتقن كثير الاستحضار، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، مات سنة أربع وسبعين وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة. "في تفسيره" الذي لم يؤلف على نمطه مثله، ورواه ابن عساكر والبغوي
وقيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فغشيهم من نوره ما أنطقهم الله به وقالوا: يا ربنا، من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبد الله، إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته فقال الله تعالى: أشهد عليكم؟ قالوا: نعم. فذلك قوله تعالى:............
بنحوه، ووقع للزركشي وابن كثير والحافظ في الفتح عزوه لصحيح البخاري. قال الشامي: ولم أظفر به فيه، انتهى.
وقال البغوي: اختلف في معنى الآية، فقيل: أخذ الميثاق من النبيين أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته وأن يصدق بعضهم بعضًا، وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده وينصره إن أدركه، وأن يأمر قومه بنصره فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد، وقيل: إنما أخذ الميثاق عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم، واختلف على هذا فقيل: الأخذ على النبيين وأممهم كلهم، واكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد على المتبوع عهد على التابع وهو معنى قول علي وابن عباس.
وقال مجاهد والربيع: أخذ الميثاق إنما هو على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيون، ألا ترى قوله:{ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} [آل عمران: 81]
…
إلخ، وإنما كان مبعوثًا لأهل الكتاب دون النبيين، يدل عليه قراءة ابن مسعود وأبي:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [آل عمران: 187] ، وأما القراءة المعروفة، فالمراد منها أن الله أخذ عهد النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم بذلك، انتهى ملخصًا.
"وقيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم" أي: أكمل خلقه بإفاضة الكمالات والنبوة على نوره "أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" لا خلق نفس النور فلا يرد اقتضاؤه خلق نور الأنبياء قبل نوره؛ لأن تعليق الحكم على شيء يستدعي وجوده قبله، أو المراد لما خلق نوره أخرج منه أنوار بقية الأنبياء، ثم أمرهم بذلك، ولو قبل إفاضة النبوة على ذلك النور، لكن الأول أوفق بقولهم: آمنا به وبنبوته، إذ المتبادر إفاضة النبوة عليه بالفعل.
"فغشيهم من نوره ما" أي: الذي "أنطقهم الله به، وقالوا: يا ربنا من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبد الله إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته، فقال الله تعالى" لهم: "أشهد عليكم" بحذف همزة الاستفهام المقدرة، "قالوا: نعم" أشهد علينا، "فذلك قوله تعالى" واذكر "{وَإِذْ} " حين "{أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} " [آل عمران: 81] ، عهدهم.
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} إلى قوله: {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] .
قال الشيخ تقي الدين السبكي: في هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه مع ذلك: أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق، من آدم إلى يوم القيامة، ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله:"وبعثت إلى الناس كافة". لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا.
"لما" بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وكسرها متعلق بأخذ، وما موصولة على الوجهين، أي: للذي "ءاتيتكم" إياه وقرئ: "آتَيْنَاكُمْ "من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم""[آل عمران: 81] ، من الكتاب والحكمة، وهو محمد صلى الله عليه وسلم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] ، جواب القسم وأممهم تبع لهم في ذلك، إلى قوله:{وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] عليكم وعلى أممكم.
"قال الشيخ تقي الدين السبكي" في رسالة صغيرة له سماها التعظيم والمنة، في {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] ،"في هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه" كأنه ذكر على معنى نظم الآية، وإلا فقياس سابقه وفيها:"مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من آدم إلى يوم القيامة" بهذا التقدير، "ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته" مع بقاء الأنبياء على نبوتهم، "ويكون قوله" صلى الله عليه وسلم في أثناء حديث رواه الشيخان وغيرهما:""وبعثت إلى الناس كافة"" قومي وغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر.
وفي رواية لمسلم: "إلى الخلق كافة"، وهو يتناول الجن إجماعًا والملائكة في أحد القولين، ورجحه ابن حزم والبارزي والسبكي وغيرهم، ويأتي بسطه إن شاء الله في الخصائص، "لا يختص به الناس" الكائنون "من زمنه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا" ونحوه للبارزي في توثيق عرا الإيمان، وادعى بعضهم أن ما ذكره السبكي غريب لا يوافقه عليه من يعتد به، فالجمهور على أن المراد بالكافة ناس زمنه فمن بعدهم إلى يوم القيامة، ودفعه شيخنا لما ذكرته له بأنه لا ينافي كلام الجمهور إلا إذا أريد التبليغ بالفعل. أما إذا أريد
ويتبين بذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد".
ثم قال: فإذا عرف هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء، ولهذا ظهر في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم. ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته. وبذلك أخذ الله عليهم الميثاق. انتهى وسيأتي إن شاء الله تعالى لذلك في المقصد السادس.
بالبعث اتصافه صلى الله عليه وسلم بكونهم مأمورين في الأزل بتبعيته إذا وجد؛ كما هو صريح كلامه، فلا يخالفه واحد فضلا عن الجمهور.
"ويتبين بذلك" وفي نسخة بهذا، أي: المذكور من أنه نبي وأخذ الميثاق عليهم باتباعه وأن الأرواح قبل الأجساد، "معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد"" فقد يكون إشارة إلى روحه أو حقيقة من الحقائق إلى آخر ما مر، ومعناه: أن حقيقته ظهرت بالنبوة قبل خلق آدم وحلول الروح في جسده. "ثم قال" بعد نحو ورقة من جملتها ما قدمه عنه قريبًا، "فإذا عرف هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم نبي الأنبياء" أي: مرسل إلى الجميع مع بقائهم على نبوتهم، "ولهذا" أي: كونه نبي الأنبياء "ظهر في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه" كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أنس عند أحمد: "وبيدي لواء الحمد آدم فمن دونه تحت لوائي"، وهو معنوي. وهو انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته به على رءوس الخلائق؛ كما جزم به الطيبي والسيوطي أو حقيقي مسمى بذلك وعند الله علم حقيقته ودونه تنتهي جميع المقامات، ولما كان المصطفى أحمد الخلق في الدارين أعطيه ليأوي إليه الأولون والآخرون، ولذا قال آدم فمن دونه
…
إلخ؛ كما قاله التوربشتي والطبري.
وأما ما رواه ابن منيع والطبري وغيرهما في صفته، فقال الطبري: موضوع بين الوضع. "وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم" إمامًا "ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح" سمي به لنوحه على ذنوب أمته، واسمه عبد الجبار؛ كما في حياة الحيوان، أو عبد الغفار؛ كما في الأنس الجليل، أو يشكر أو لكثرة بكائه على نفسه من قوله في كلب ما أوحشه فأوحى إليه: أخلق أنت أحسن منه، فكان يبكي اعتذارًا من تلك المقالة، فأوحى الله إليه: يا نوح إلى كم تنوح، فسماه بذلك الله؛ كما في تفسير القشيري.
وفي ربيع الأبرار بكى نوح ثلاثمائة سنة على قوله: إن ابني من أهلي. "وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ الله عليهم الميثاق، انتهى، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في المقصد السادس".
وذكر العارف الرباني عبد الله بن أبي جمرة في كتابه "بهجة النفوس" ومن قبله ابن سبع في "شفاء الصدور" عن كعب الأحبار..................................
وهو نقل رسالة السبكي برمتها، ومن جملتها أن الأنبياء نواب له بشرائعهم، وأنه شرعه لأولئك القوم، وقد عاب عليه وشنع صاحب نسيم الرياض، بأن النصوص العقلية والنقلية ناطقان بخلافه؛ كقوله:{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] ، وما في معناها من الآيات، والأنبياء مع تعظيمهم له ومحبتهم غير مكلفين بأحكام شرعه، وإلا لم يكونوا أصحاب شرع، فما تبجح به السبكي واستحسنه هو ومن بعده لا وجه له عند من له أدنى بصيرة، وكيف يتأتى قوله مع قوله تعالى:{أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123] ، فإنه عكسه، وقد طلب موسى أن يكون من أمته فأجابه الله بقوله: استقدمت واستأخر ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال، انتهى. وتعسفه لا يخفى فإن قوله ذلك من جملة مدخول لو في قوله: لو اتفق مجيئه
…
إلخ؛ كما هو صريح رسالته فسقط جميع ما قاله. ومن أقوى تعسفه قوله: غير مكلفين بأحكام شرعه، فإنه لم يدع تكليفهم به، بل إن شرائعهم على تقدير وجوده في أزمانهم شرع له فيهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
"وذكر" الإمام "العارف الرباني" بشد الموحدة، فألف فنون ينسب هذه النسبة من يوصف بسعة العلم والديانة، قاله في التبصير "عبد الله بن أبي جمرة" المقري المالك العالم البارع الناسك، قال ابن كثير: كان قوالا بالحق، أمارًا بالمعروف، مات بمصر في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وستمائة. وفي التبصير في تعداد من هو بجيم وراء ما لفظه والشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة المغربي نزيل مصر، كان عالمًا عابدًا خيرًا شهير الذكر، شرح منتخبًا له من البخاري، نفع الله ببركته، وهو من بيت كبير بالمغرب شهير الذكر، انتهى.
"في كتابه بهجة النفوس" وتحليها بمعرفة ما لها وعليها، وهو اسم شرحه على ما انتخبه من البخاري، "ومن قبله" الإمام أبو الربيع "بن سبع" بإسكان الموحدة وقد تضم؛ كما في التبصير. "في شفاء الصدور" ورواه أبو سعد في شرف المصطفى وابن الجوزي في الوفاء، "عن كعب الأحبار" جمع حبر بفتح الحاء وكسرها، وإليه يضاف؛ كالأول لكثرة كتابته بالحبر، حكاه أبو عبيد والأزهري عن الفراء.
وقال ابن قتيبة وغيره: كعب الأحبار العلماء واحدهم حبر، كما في مشارق القاضي وتهذيب النووي ومثلثات ابن السيد والنور وغيرهم، وأغرب صاحب القاموس في قوله كعب الحبر ولا تقل الأحبار، فإنها دعوى نفي غير مسموعة مع مزيد عدالة المثبتين، بل إضافته إلى الجمع سواء قلنا أنه المداد، أو العلماء، أي: ملجؤهم أقوى في المدح، وهو كعب بن مانع
قال: لما أراد الله تعالى أن يخلق محمدًا، أمر جبريل أن يأتيه بالطينه التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، قال: فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع الأعلى، فقبض قبضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منير، فعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي، وفي.......................
بالفوقية أبو إسحاق الحميري التابعي المخضرم، أدرك المصطفى وما رآه؛ المتفق على علمه وتوثيقه، سمع عمر وجماعة، وعنه العبادلة الأربعة، وأبو هريرة وأنس ومعاوية، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر وكان يهوديًا يسكن اليمن، وأسلم زمن الصديق، وقيل عمر، وشهر، وقيل: زمن المصطفى على يد علي، حكاه المصنف. وسكن الشام وتوفي فيما ذكره ابن الجوزي والحافظ سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان، وقد جاوز المائة، وما وقع في الكشاف وغيره من أدرك زمن معاوية فلا عبرة به، روى له الستة إلا البخاري، فإنما له فيه حكاية لمعاوية عنه.
"قال: لما أراد الله أن يخلق محمدًا صلى الله عليه وسلم أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها" هو الحسن؛ كما في القاموس. "ونورها، قال: فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع" بالراء والقاف: السماء السابعة كما أشار إليه بقوله: "الأعلى" لأنها العليا وذكر مع أن السماء مؤنثة لانتفاء علامة التأنيث في الرقيع فكأنه قال: الجرم أو المكان الأعلى، "فقبض قبضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منيرة فعجنت بماء التسنيم" وهو أرفع شراب الجنة، ويقال تسنيم: عين تجري من فوقهم تسنمهم في منازلهم، أي: تنزل عليهم من عال.
يقال: سنم الفحل الناقة إذا علاها، قال العزيزي بضم العين المهملة وزاءين معجمتين صاحب غريب القرآن، هكذا سار في الآفاق ومر الكلام فيه في الأسماء، قال في التبصير. وملخص الغريب المشهور، ضبطه الدارقطني وخلق بزاي مكررة، وتعقبهم ابن ناصر وخلق بأنه بزاي فراء مهملة، لكنهم لم يستندوا إلى ضبط بالحروف، وإنما عولوا على الخط وضبط القلم ولا يفيد القلم بأن آخره راء إذ الكاتب قد يذهل عن نقط الزاي فكيف يقطع بالوهم على الدارقطني مع أنه لقيه وأخذ عنه، ثم قال: وبالفتح، فذكر جماعة فلا يتوهم أحد أنه لم يتعرض لكونه مكبرًا أو مصغرًا، وإنما نشأ من عدم استيفاء الكلام. وفي القاموس: أن كونه بالراء تصحيف. "في معين أنهار الجنة حتى صارت كالدرة" بضم الدال المهملة: اللؤلؤة العظيمة، "البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش" وحول "الكرسي، وفي
السماوات والأرض والجبال والبحار، فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمدًا وفضله قبل أن تعرف آدم عليه الصلاة والسلام.
وقيل: لما خاطب الله تعالى السماوات والأرض بقوله: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] . أجاب موضع الكعبة الشريفة، ومن السماء ما يحاذيها. وقد قال ابن عباس: أصل طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرة الأرض بمكة. فقال بعض العلماء: هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، ومن موضع الكعبة دحيت الأرض فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل في التكوين...........................
السماوات والأرض والجبال والبحار" التي في الأرض وغيرها. "فعرفت الملائكة وجميع الخلق" عطف عام على خاص، "سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وفضله قبل أن تعرف آدم عليه الصلاة والسلام" قال بعض العلماء: وهذا لا يقال من قبل الرأي، انتهى. يعني: فهو إما عن الكتب القديمة لأنه حبرها، أو عن المصطفى بواسطة، فهو مرسل، وتضعيف بعض المتأخرين جدًا له باحتمال أنه من الكتب القديمة وقد بدلت غير مسموع، فإن التضعيف إنما هو من جهة السند لأنه المرقاة كما هو معلوم عند من له أدنى إلمام بالفن، وليس كل ما ينقل من الكتب القديمة مردودًا بمثل هذا الاحتمال.
"وقيل: لما خاطب الله تعالى السماوات والأرض بقوله: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} "[فصلت: 11]، إلى مرادي منكما " {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} " [فصلت: 11] ، بمن فينا "طائعين، أجاب" أي: كان المجيب من الأرض. "موضع الكعبة الشريفة ومن السماء ما يحاذيها" ووافقهما على الجواب البقية، فلا ينافي أتينا طائعين.
وقال السهيلي: لم يجبه إلا أرض الحرم، أي: من الأرض، وهو أعم مما هنا، ووجه ذكره لهذا قوله:"وقد قال ابن عباس" عبد الله الحبر البحر ترجمان القرآن. كان الفاروق يجله ويدخله مع أشياخ بدر، "أصل طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرة الأرض بمكة" وهذا حكمه الرفع إذ لا يقال رأيًا، "فقال بعض العلماء": هو السهروردي صاحب العوارف "هذا" الذي قاله ابن عباس مع ما قبله، "يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة" بضم الدال المهملة: اللؤلؤة العظيمة جمعها در ودرر ودرات؛ كما في القاموس عبر بها عن طينة "المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم" لنفاستها وقراءتها بذال معجمة تصحيف غير لائق بالمقام، فإنها النملة الصغيرة جدًا، وقد مر قريبًا قوله:"صارت كالدرة البيضاء"، ويجيء التعبير عنها بجوهرة. "ومن موضع الكعبة دحيت" مدت "الأرض، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل في التكوين"، أي: الإحداث. القاموس، كونه أحدثه والله الأشياء
والكائنات تبع له. وقيل: لذلك سمي أميًا لأن مكة أم القرى، ودرته أم الخليفة.
فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه عليه الصلاة والسلام بمكة، حيث كانت تربته منها.
فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف -أفاض الله علينا من عوارفه، وتعطف علينا بعواطفه- بأنه قيل: إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحي، فوقعت جوهرة النبي صلى الله عليه وسلم.............................
أوجدها، "والكائنات تبع له" حذف من كلام السهروردي ما لفظه: وإليه والإشارة بقوله: "كنت نبيًا وآدم بين
الماء والطين"، وفي رواية: "بين الروح والجسد"، قال: "وقيل لذلك" الذي قاله ابن عباس "سمي أميًا؛ لأن مكة أم القرى ودرته أم الخليفة" وإنما حذف ذلك من كلامه؛ لأنه قدم إنه لم يرو اللفظ الأول، "فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه عليه الصلاة والسلام بمكة حيث كانت تربته منها" فلا تقل ذلك وتذهل عن جوابه. "فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف" هو العلامة عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السهروردي، بضم السين المهملة وسكون الهاء وضم الراء وفتح الواو وسكون الراء الثانية فدال مهملة، نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان كما في التبصير وغيره، الفقيه الشافعي الزاهد الإمام الورع الصوفي أخذ عن الكيلاني وغيره، وسمع الحديث من جماعة، وقرأ الفقه والخلاف ثم انقطع ولازم الخلوة والصوم والذكر، ثم تكلم على الناس عند علو سنه ثم كف وأقعد، ومع ذلك ما أخل بذكر ولا حضور جمع، ولازم الحج لى أن دخل في عشر المائة ووصل إلى الله به خلق كثير، وتاب على يديه كثيرون من العصاة، وكانت محفته تحمل على أعناق الرجال من العراق إلى البيت الحرام، ورأى من الجاه عند الملوك ما لم يره أحد ولما حج آخر حجاته ورأى ازدحام الناس عليه في المطاف واقتداءهم بأقواله وأفعاله، قال في سره: يا ترى أنا عند الله كما يظن هؤلاء فيّ، فكاشفه ابن الفارض وخاطبه بقوله:
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد
…
ذكرت ثم على ما فيك من عوج
فصرخ وخلع ما عليه وألقاه، فخلع المشايخ والفقراء ما عليهم وألقوه وكان أربعمائة خلعة، ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي ببغداد مستهل محرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
"أفاض الله علينا من عوارفه" أي: الله أو السهروردي فهو من التوجيه، "وتعطف علينا بعواطفه بأنه قيل: إن الماء" الذي كان عليه العرش "لما تموج رمى الزبد إلى النواحي فوقعت جوهرة" واحدة جوهر معرب؛ كما في الصحاح. أي: طينة "النبي صلى الله عليه وسلم وفي القاموس الجوهر: كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، انتهى. وبه يعلم حسن تسميته الطينة الشريفة جوهرة، كما
إلى ما يحاذي تربته بالمدينة، فكان صلى الله عليه وسلم مكيًا مدنيًا، حنينه إلى مكة وتربته بالمدينة. انتهى.
وفي "المولد الشريف" لابن طغربك: ويرى أنه لما خلق الله تعالى آدم، ألهمه أن قال: يا رب، لم كنيتني أبا محمد، قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد في سرادق العرش..................
لا يخفى. "إلى ما يحاذي تربته بالمدينة" أي: وبقي منها بمكة ما أخذه جبريل حين أراد الله إبراز المصطفى، "فكان صلى الله عليه وسلم مكيًا" لأن طينته من مكة، "مدنيًا" لدفنه بالمدينة، كما أشار له بقوله:"حنينه" أي: شوقه، "إلى مكة وتربته بالمدينة، انتهى".
ووقع لبعض بعد نحو هذا، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس والرقيع الأعلى، فقبضها من محل قبره الشريف وأصلها من مكة موجها الطوفان إلى هناك، فعجنت بماء التسنيم، ويتعين أن المراد بالطوفان الماء الكثير الذي كان عليه العرش، فإنه يطلق لغة على المطر الغالب والماء الغالب يغشى كل شيء؛ كقوله تعالى في قوم موسى:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ} [الأعراف: 133] ، إلا الكائن في زمن نوح؛ لأن أمر جبريل كان قبل وجود آدم.
"وفي" كتاب "المولد الشريف" المسمى بالدر النظيم في مولد النبي الكريم "لابن طغربك" بطاء مهملة مضمومة وغين معجمة ساكنة وراء مضمومة وفتح الموحدة، وكأنه علم مركب من طغر وبك، لقب للإمام العلامة المحدث سيف الدين أبي جعفر عمر بن أيوب بن عمر الحميري التركماني الدمشقي الحنفي، لم أر له في ابن خلكان ترجمة، إنما فيه آخر من الأمراء بهذا الضبط وزيادة لام ساكنة بعد الراء.
"ويرى أنه لما خلق الله تعالى آدم ألهمه" قبل أن يناديه أحد من الملائكة به، فيكون ألهمه القول والكنية معًا أو بعد علمه بأنه كني بذلك بطريق آخر على ما يشعر به ألهمه، "أن قال" إذ معناه قول "يا رب لم كنيتني أبا محمد؟ " بالتشديد والتخفيف؛ كما في القاموس، واقتصر المختار على أن الكنية بالتشديد لا غير، وأن المخفف إنما هو فيمن تكلم بشيء مريدًا غيره، "قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك فرفع رأسه فرأى نور محمد"، أي: النور الذي هو صورته، فالإضافة بيانية، لما مر من جعل نوره صورة روحانية "في سرادق العرش" شبهه من حيث الدلالة على كمال العظمة بسرادق حول الخباء مثلا دلالة على عظمة صاحبه، فالمعنى، رأى نوره في العرش الذي هو كالسرادق فهو من إضافته المشبه به إلى المشبه، أو هي بيانية، أو المعنى رأى نوره حول العرش. وسمي ما حوله سرادقًا على التشبيه، فشبه المحيط به بمحيط بخباء، فسماه باسمه؛ كما قال القاضي في أحاط بهم سرادقها فسطاطها، شبه به ما يحيط بهم
فقال: يا رب، ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبي من ذريتك اسمه في السماء أحمد، وفي الأرض محمد، لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضًا.
ويشهد لهذا، ما رواه الحاكم في صحيحه أن آدم عليه الصلاة والسلام رأى اسم محمد مكتوبًا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم لولا محمد ما خلقتك.
ولله در من قال:
وكان لدى الفردوس في زمن الصبا
…
.................................
من النار، قال شيخنا: والأول أقرب.
"فقال: يا رب ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبي من ذريتك اسمه" المشهور به "في السماء" بين الملائكة "أحمدو" اسمه المشهور به "في الأرض" بين أهلها "محمد" فلا ينافي أن كتابه محمد على قوائم العرش واطلاع الملائكة عليها، كما يجيء صريح في تسميته في السماء بمحمد أيضًا، "لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضًا ويشهد لهذا" المروي المنقول من المولد من أوله في الجملة، أي: يقويه، "ما رواه الحاكم في صحيحه" المستدرك عن عمر رفعه، "أن آدم عليه الصلاة والسلام رأى اسم محمد مكتوبًا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم: لولا محمد ما خلقتك".
وروى أبو الشيخ في طبقات الأصفهانيين والحاكم عن ابن عباس: أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن. صححه الحاكم وأقره السبكي في شفاء السقام والبلقيني في فتاويه، ومثله لا يقال رأيًا فحكمه الرفع.
وقال الذهبي: في سنده عمرو بن أوس لا يدرى من هو، وعند الديلمي: عن ابن عباس رفعه: "أتاني جبريل" فقال: إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة وللاك ما خلقت النار"، وذكر ابن سبع والعزفي بمهملة وزاي مفتوحتين وفاء؛ عن علي: أن الله قال لنبيه: من أجلك أسطح البطحاء وأموج الموج وأرفع السماء وأجعل الثواب والعقاب، قيل وهذا ليس لغيره من نبي ولا ملك:
وما عجب إكرام ألف لواحد
…
لعين تفدى ألف عين وتكرم
"ولله در" أي: عمل مجازًا استعمل في المدح تعظيمًا، أي: أن اللبن الذي ربي به لا ينسب لغير الله، لخروج كمال الممدوح به عن العادة، "من قال" مضمنًا هذا الخبر وتوسل آدم بالمصطفى في قبول توبته، وهو صالح بن حسين الشاعر، قال بعض ما عمل مثلها في عصره.
"وكان" آدم "لدى الفردوس في زمن الصبا" أي: في أول أمره بعد ارتباط الروح بجسده
.........................
…
وأثواب شمل الأنس محكمة السدى
يشاهد في عدن ضياء مشعشعا
…
يزيد على الأنوار في الضوء والهدى
فقال إلهي ما الضياء الذي أرى
…
جنود السما تعشو إليه ترددا
فقال نبي خير من وطئ الثرى
…
وأفضل من في الخير راح أو اغتدى
تخيرته من قبل خلقك سيدا
…
وألبسته قبل النبيين سؤددا
لا المعنى اللغوي، وفي نسخ كالشامي الرضا، أي: زمن كونه في الجنة قبل هبوطه، "وأثواب شمل الأنس محكمة السدى" كناية عن قربه من الله، والسدى وزان الحصى من الثوب خلاف اللحمة، "يشاهد" آدم "في عدن" الجنة وعبر به، وفي سابقه بالفردوس إشارة لتعدد أسمائها، والجار والمجرور حال من فاعل يشاهد أو من ضياء بناء على أنه في الأصل نعت له، ونعت المنكرة إذا قدم عليها أعرب حالا، "ضياء" أي: نورًا قويًا، "مشعشعًا" أي: منتشرًا؛ كما في الشامي.
"يزيد على الأنوار" المتعارفة "في الضوء والهدى" أي: زيادة النور والاهتداء، فلا ينافي أن الضوء من جملة النور؛ كما في الأنوار. "فقال" آدم "إلهي ما" هذا "الضياء" بالنسبة لبقية الأضواء، "الذي أرى، جنود السما" بالقصر للوزن، "تعشو" بعين مهملة تقصده للاستضاءة به، "إليه ترددًا" مترددين إليه مرة بعد أخرى، "فقال" الله تعالى هو "نبي" أي: ضياؤه "خير من وطئ الثرى" بمثلثة التراب الندى، فإن لم يكن نديًا فتراب لكن المراد هنا الأرض مطلقًا، وسماها ثرى من إطلاق الجزء على الكل.
"وأفضل من في" طرق "الخير راح أو اغتدى" أي: أخذ فيه وحصله، أي وقت ليلا أو نهارًا لاستعمال العرب الغدو والرواح في السير مطلقًا على نقل الأزهري، أي مجازًا. "تخيرته من قبل خلقك" يا آدم، "سيدا" حال من المفعول في تخيرته، "وألبسته قبل النبيين سؤددًا" بالضم سيادة فذكره بعد سيدًا إطناب، إذا حيث ثبتت قبل آدم علم ثبوتها قبل الأنبياء، أو المراد اخترته بتقديم السيادة له قبل خلقك، ثم ألبستها له بالفعل قبل النبيين، فهو كما مر في أن إفاضة النبوة عليه بعد النقل من التقدير إلى الكتابة ثم إلى النبوة وبقي من القصيدة أبيات، وهي:
وأعددته يوم القيامة شافعًا
…
مطاعًا إذا ما الغير حاد وحيدا
فيشفع في إنقاذ كل موحد
…
ويدخله جنات عدن مخلدا
وإن له أسماء سميته بها
…
ولكنني أحببت منها محمدًا
فقال إلهي امنن علي بتوبة
…
تكون على غسل الخطيئة مسعدا
بحرمة هذا الاسم والزلفة التي
…
خصصت بها دون الخليفة أحمدا
فإن قلت: مذهب الأشاعرة: أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمد علة في خلق آدم عليه السلام؟
أجيب: بأن الظاهر من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح التي هي غايات ومنافع لأفعاله تعالى، لا بواعث على إقدامه، ولا علل مقتضية لفاعليته، لأن ذلك محال في حقه تعالى، لما فيه من استكمال بغيره. والنصوص شاهدة بذلك، كقوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، فالتعليل لفظي لا حقيقي،
أقلني عثاري يا إلهي فإن لي
…
عدوًا لعينًا جار في القصد واعتدى
فتاب عليه ربه وحماه من
…
جناية ما أخطاه لا متعمدًا
ذكرها بتمامها صاحب مصباح الظلام وغيره، ثم أورد على قوله: لولاه ما خلقتك، "فإن قلت: مذهب الأشاعرة" يعني أهل السنة القائلين بما عليه إمامهم أبو الحسن الأشعري، من ذرية أبي موسى نسبة إلى أشعر، وهو نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبالان، أمه ولدته والشعر على بدنه، "أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض فكيف تكون خلقة محمد" اسم مصدر، أي: وجود.
وفي نسخة: خلقه محمد، أي: إيجاده. "علة في خلق آدم صلى الله عليه وسلم" إذ لولا حرف امتناع لوجود، فتدل على امتناع جوابها لوجود شرطها، وجوابها هنا، وهو ما خلقتك نفي وامتناعه ثبوت، فكأنه قال: خلقتك لأجل خلق محمد، قلت:"أجيب: بأن الظاهر من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح التي هي غايات" أي: ثمرات، "ومنافع" عطف تفسير "لأفعاله تعالى" أي: تترتب عليها، فاللام بمعنى على والغاية بمعنى الترتب "لا بواعث على إقدامه" أي: أسباب حاملة على الفعل، "ولا علل مقتضية" مستلزمة "لفاعليته" بحيث يلزم من وجودها كونه فاعلا؛ "لأن ذلك محال في حقه تعالى" علة لقوله: لا بواعث
…
إلخ، وعلل الاستحالة بقوله:"لما فيه من استكماله" أي: الله، أي: التكمل بمعنى صيرورته كاملا أو طلب الكمال "بغيره" وهو محال، "والنصوص شاهدة بذلك" أي: بتعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح يعني على سبيل الظهور، فلا يخالف قوله: بأن الظاهر، وذكره توطئة لقوله:" {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} "[الذاريات: 56]، ولا ينافيه أن كثيرًا لا يعبدون؛ لأنها عام خص بمؤمنيهم؛ كما قيل أو لما ذكره بقوله:"أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي: خلقتهم وفرضت عليهم العبادة" ولا يلزم من الفرض قيامهم بها، "فالتعليل لفظي لا حقيقي" وحاصله تسليم كونها لا تعلل بالمعنى السابق،
لأن الله تعالى مستغن عن المنافع، فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل.
وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء. قال صلى الله عليه وسلم: "يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك................
وما وقع من صورة تعليل ليس المراد به ذلك؛ "لأن الله تعالى مستغن عن المنافع"علة لقوله: لا حقيقي، "فلا يكون فعله" تعالى" لمنفعة راجعة" أي: واصلة، "إليه ولا إلى غيره؛ لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل"، فلا يتوقف عليه وصول المنفعة.
وفي نسخة: فلا يكون فعله لمنفعته؛ لأن الله قادر بإسقاط راجعة إليه ولا إلى غيره، والظاهر أنه ضمير منفعته عائد للعبد المفهوم من {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ} [الذاريات: 56] ، كما يدل عليه؛ لأن الله قادر
…
إلخ.
"وروى عبد الرزاق" بن همام بن نافع الحميري مولاهم الحافظ أبو بكر الصنعاني، أحد الأعلام روى عن معمر وابن جريج ومالك والسفيانين والأوزاعي وخلق، وعنه أحمد وإسحاق وغيرهما، مات سنة إحدى عشرة ومائتين ببغداد عن خمس وثمانين سنة، "بسنده" إيضاح وإلا فهو مدلول.
روى "عن جابر بن عبد الله" بن عمرو بن حرام، بمهملة وراء، الأنصاري الخزرجي السلمي بفتحتين الصحابي ابن الصحابي غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن إحدى وتسعين سنة.
"قال: قلت: يا رسول الله" أفديك "ببي أنت وأمي" كلمة تستعملها العرب لتعظيم المفدى بهما، "أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال" صلى الله عليه وسلم: "يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك"، لم يقل نوري، وإن كان مقتضى الظاهر للتفخيم، ولا
_________
1 حديث جابر هذا المنسوب إلى عبد الرزاق موضوع لا أصل له، وقد عزاه غير واحد إلى عبد الرزاق خطأ فهو غير موجود في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره، ومن الذين نسبوه إلى عبد الرزاق ابن العربي الحاتمي في "تلقيح الأذهان" والديار بكري في كتاب "الخميس في تاريخ أنفس نفيس" والعجلوني في "كشف الخفاء" وفي "الأوائل العجلونية". وقال السيوطي في الحاوي في الفتاوى 1/ 325: أما حديث أولية النور المحمدي فلا يثبت. وقد حكم الشيخ عبد الله بن الصديق في رسالة "مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر" على هذا الحديث بالوضع وقد سبقه إلى ذلك أخوه أحمد بن الصديق فليتنبه إلى ذلك، فقد ساق المؤلف هنا عدة روايات بأسانيدها كلها لا تثبت والله سبحانه وتعالى أعلم.
من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم........................
يشكل بأن النور عرض لا يقوم بذاته؛ لأن هذا من خرق العوائد. "من نوره" إضافة تشريف وإشعار بأنه خلق عجيب، وأن له شأنًا له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية على حد قوله تعالى:{وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ} [السجدة: 9] ، وهي بيانية، أي: من نور هو ذاته، لا بمعنى إنها مادة خلق نوره منها، بل بمعنى تعلق الإرادة به بلا واسطة شيء في وجوده، وهذا أولى من احتمال أن المراد من سبق مخلوق له تعالى قبل خلق نور المصطفى، وأضافه إليه لتوليه خلقه وإيجاده لما يلزم عليه من سبق مخلوق على نور المصطفى، وهو خلاف المنصوص.
والمراد ومن تجويز أنه معنى عبر عنه بالنور مشابهة، أي: خلق نور المصطفى من معنى يشبه النور موجود أزلا؛ كوجود الصفات القديمة القائمة به تعالى فإنها لا أول لوجودها لما فيه من إثبات ما لم يرد والقلاقة بإيهامه تعد القدماء، وإن كان المراد التشبيه في مطلق الوجود.
"فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار" وإنما خلقوا بعد وخلقت الجنة قبل النار؛ كما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس موقوفًا، وحكمه الرفع "ولا ملك" بفتح اللام، "ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي" ولم يقل: ولم يكن في ذلك الوقت شيء وإن شمل المذكورات وغيرها، لئلا يتوهم اختصاصه ببعضها، فأدار النص على سبق وجوده على جميعها، ولأن الشيء يشمل صفاته تعالى وهي موجودة قائمة بذاته، لا أول لها "فلما أراد الله أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء" أي: زاد فيه؛ لا أنه قسم ذلك النور الذي هو نور المصطفى، إذ الظاهر أنه حيث صوره بصورة مماثلة لصورته التي سيصير عليها لا يقسمه إليه وإلى غيره.
"فخلق من الجزء الأول القلم" فهو من نور وبه صرح في غير ما حديث؛ كخبر ابن عباس: "قلمه نور" وعند أبي الشيخ عن مجاهد: أول ما خلق الله اليراع القصب، ثم خلق من ذلك اليراع القلم، فقال: اكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فإن صح فلعل تجسمه من نور على صفة اليراع، وإلا فما في المرفوع أولى بالقبول وطوله خمسمائة عام، رواه أبو الشيخ عن ابن عمر، وعنده أيضًا بسند رواه أن عرضه كذلك وسنه مشقوقة ينبع منه المداد ولا يعارضه ما في خبر مرسل أنه من لؤلؤ طوله سبعمائة عام؛ لأن الإخبار بالأقل لا ينفي الأكثر، وكونه من لؤلؤ لعله على التشبيه لشدة بياضه، إذ هو نور.
ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثانين نور قلوبهم -وهي المعرفة بالله- ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد، لا إله إلا الله محمد رسول الله
…
الحديث.
"ومن الثاني: اللوح، ومن الثالث: العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء" مقتضى ثم تأخر خلق العرش عن اللوح والقلم. وفي المشكاة: تقديمه، ثم الكرسي عليهما فلعلها بمعنى الواو، مردويه وابن خزيمة والحاكم وصححه وغيرهم، عن العباس موقوفًا. ورواه ابن المنذر وغيره من حسان بن عطية وهارون بن رياب بلفظ:"حملة العرش ثمانية"، وكذا رواه عبد بن حميد عن الربيع وهو معضل عن الثلاثة، وقد روى ابن جرير عن ابن زيد رفعه مرسلا:"يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية"، وأخرجه أبو الشيخ من طريقين عن وهب معضلا، وعند ابن جرير وغيره، عن ابن عباس في قوله تعالى:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة: 17]، قال: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله.
"ومن الثاني الكرسي" فيه حجة للقول الصحيح أنه غير العرش، "ومن الثالث باقي الملائكة" وهم أكثر المخلوقات. وحديث عبد الرزاق هذا مفسر لقوله صلى الله عليه وسلم في مسلم:"خلقت الملائكة من نور". وعند أبي الشيخ عن عكرمة، قال:"خلقت الملائكة من نور العزة" وعنده عن يزيد بن رومان أنه بلغه أن الملائكة خلقت من روح الله.
"ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات" السبع، "ومن الثاني الأرضين" السبع وهي سابقة على خلق السماوات؛ كما فصل في فصلت. وأما قوله:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]، فمعناه: بسطها؛ كما قال ابن عباس وغيره، وكانت مخلوقة قبلها من غير دحو "ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار" بمعنى بصائر "المؤمنين" أو الأعم منها ومن الحسية ولم يعتبر أبصار الكفار؛ لأنهم لما فقدوا نفعها كانت ضرورة عليهم لا منفعة لهم. "ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد" وبينه بقوله: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" الحديث. ولم يذكر الرابع من هذا الجزء فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة.
وقد اختلف: هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدي؟
فقال الحافظ أبو يعلى الهمداني: الأصح أن العرش قبل القلم، لما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة بن الصامت، مرفوعًا: أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال:...............
"وقد اختلف" في جواب قول السائل "هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدي؟ فقال الحافظ أبو يعلى الهمداني" بفتح الحاء وسكون الميم فمهملة العلامة شيخ الإسلام الحسن بن أحمد المتقن المتفنن في عدة علوم، البارع على حفاظ عصره، الذي لا يغشى السلاطين ولا يقبل منهم شيئًا ولا مدرسة ولا رباطًا ولا تأخذه في الله لومة لائم، توفي سنة تسع وستين وخمسمائة. "الأصح" وهو مذهب الجمهور "أن العرش" خلق "قبل القلم، لما ثبت في الصحيح" أي: صحيح مسلم، "عن عبد الله بن عمرو" بن العاصي، أنه "قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض" أي: شيئًا منهما فلا يرد صدقه بخلقه بين خلقهما، "بخمسين ألف سنة" كناية عن الكثرة أو حقيقة، كما مر.
"وكان عرشه على الماء فهذا صريح" في "أن التقدير وقع بعد خلق العرش والتقدير" للأشياء المذكورة في قوله: "قدر الله"، "وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة" بضم العين، "ابن الصامت" بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي الوليد المدني النقيب البدري كان طويلا جسيمًا جميلا فاضلا خيرًا، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. وفي الاستيعاب: وجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين وبها مات، وقيل: بالرملة سنة أربع وثلاثين ودفن ببيت المقدس، وقبره به معروف.
"مرفوعًا" لفظة استعملها المحدثون بدل قال صلى الله عليه وسلم، "أول ما" أي: شيء "خلق الله القلم" بالرفع كما أفاده كلام الحافظ وغيره على الخبرية والأولية نسبية، أي: أول ما خلق الله بعد العرش القلم، ويجوز نصبه مفعول خلق، فالخبر قوله:"قال له: اكتب" لكن قال السيوطي في حواشي الترمذي عن ابن السيد البطليوسي: الوجه الرفع، وما أعلم أحدًا رواه بالنصب وهو خطأ؛ لأن المراد أن القلم أول مخلوق لله، كما دلت عليه الأحاديث، فإن ثبت رواية صحيحة بنصبه خرجت على لغة نصب أن الجزأين، يعني في رواية: "إن أول، كما يجيء قريبًا على وجه أنه مفعول خلق لفساده في المعنى والإعراب، انتهى.
"قال": القلم بخلق الله له قوة النطق، كما خلقها في الأعضاء ومحبة أحد وبغض غير
رب، وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء رواه أحمد، والترمذي.
ورويا أيضًا من رواية أبي رزين العقيلي مرفوعًا: "إن الماء خلق قبل العرش".
وروى السدي...................................
وغير ذلك، فاحتمال غيره خروج عن المتبادر بلا دليل ولا طائل، يا "رب، وما أكتب؟ قال: "اكتب مقادير كل شيء" أسقط منه عند من عزاه لهما ما كان وما هو كائن إلى الأبد، أي: ما كان قبل القلم؛ لأن أوليته نسبية كما علم، فلا يرد تصريحه بأن أول مخلوق. والمراد: "بما هو كائن" انقضاء هذا العالم وما بعده مما يمكن تناهيه دون نعيم الآخرة وجحيمها، إذ لا نهاية له فلا يدخل تحت الكتابة، وبه صرح في أبي داود بلفظ: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة.
"رواه أحمد" بلفظه، "والترمذي" بلفظ:"إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، من مات على غير هذا فليس مني"، قال شيخنا: وفي الاستدلال به على أن التقدير وقع عند أول خلق القلم نظرًا لجواز أنه إنما قال له: اكتب مقادير الأشياء التي قد أبرزت تقديرها في الوجود الخارجي، وإن كانت مقدرة في علمه في الأزل.
"ورويا أيضًا" وفي نسخ: وروى أحمد والترمذي، وصححه أيضًا "من رواية أبي رزين" بفتح الراء وكسر الزاي وسكون التحتية وبنون لقيط بفتح اللام وكسر القاف بن عامر "العقيلي" بضم العين وفتح القاف نسبة إلى عقيل بن كعب صحابي مشهور غير لقيط بن صبرة عند الأكثر؛ كما في التقريب، وعزاه في الأصابة لابن المديني وخليفة وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والبغوي والدارمي والبارودي وابن قانع وغيرهم، وبه جزم المزي في الأطراف، وقيل: هو لقيط بن صبرة بن عامر فنسب لجده، قاله ابن معين وأحمد. ومال إليه البخاري، وجزم به ابن حبان وابن السكن، وعبد الغني وابن عبد البر ضعفًا كونه غيره، وجزم به المزي في التهذيب، ورجح في الإصابة الأول بأن ابن عامر معروف بكنيته وابن صبرة لا كنية له إلا ما شذ به ابن شاهين، فكناه أبا رزين أيضًا وبأن الرواة عن أبي رزين جماعة، وابن صبرة لا يعرف له راوٍ إلا ابنه.
"مرفوعًا: إن الماء خلق قبل العرش" فهذا صريح أن القلم ليس أول المخلوقات إذ الماء قبل العرش الذي هو قبل القلم، "وروى" إسماعيل بن عبد الرحمن "السدي" الكبير المفسر المشهور عن أنس وابن عباس وعنه شعبة والثوري وزائدة، ضعفه ابن معين، ووثقه أحمد، واحتج
بأسانيد متعددة: أن الله تعالى لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء. فيجمع بينه وبين ما قبله، بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا النور النبوي المحمدي والماء والعرش، انتهى. وقيل: الأولية في كل بالإضافة إلى جنسه، أي أول ما خلق الله من الأنوار نوري، وكذا في باقيها.
وفي أحكام ابن القطان، فيما ذكره ابن مرزوق.................
به مسلم وفي التقريب أنه صدوق يهم ويتشيع، مات سنة سبع وعشرين ومائة، روى له الجماعة إلا البخاري، وهو بضم السين وشد الدال المهملتين، قال الذهبي: تبعًا لعبد الغني في الكمال لقعوده في باب جامع الكوفة، وفي اللب كأصله لبيعه عند سدته، أي: بابه. وفي صحاح الجوهري، وسمي إسماعيل السدي لأنه كان يبيع الخمر والمقانع في سدة مسجد الكوفة، وهي ما يبقى من الطاق المسدودة، وتبعه القاموس مقتصرًا على المقانع فقعوده عند السدة كان للبيع. وأغرب الحافظ أبو الفتح اليعمري، فقال: كان يجلس بالمدينة في مكان يقال له السد، فنسب إليه.
"بأسانيد متعددة أن الله لم يخلق شيئًا مما خلق" أي: من جميع المخلوقات، "قبل الماء، فيجمع بينه وبين ما قبله" من حديثي جابر وأبي رزين، "بأن أولية" خلقه "القلم بالنسبة إلى ما عدا النور المحمدي والماء والعرش، انتهى. وقيل": في الجمع أيضًا "الأولية في كل" من المذكرات "بالإضافة إلى جنسه، أي: أول ما خلق الله من الأنوار نوري" الضمير له صلى الله عليه وسلم، "وكذا" يقال "في باقيها" أي: وأول ما خلق مما يكتب القلم الذي كتب المقادير، وأول ما خلق مما يصدق عليه العرش عرش الله إذ العرش يطلق على معان، كما في القاموس وغيره. وقيد البيضاوي الأولية بأولية الأجرام لا مطلقًا، قال في قوله:{رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] ، الذي هو أول الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتها.
"وفي أحكام ابن القطان" الحافظ الناقد أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الحميري الكناني الفاسي، سمع أبا ذر الخشني وطبقته، وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية في الرواية معروفًا بالحفظ والإتقان، صنف الوهم والإيهام على الأحكام الكبرى لعبد الحق، ومات سنة ثمان عشرة وستمائة.
"فيما ذكره" أي: نقله عنه العلامة محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر "بن مرزوق" التلمساني، عرف بالخطيب ولد عام عشرة وسبعمائة ومهر وبرع وشرح العمدة والشفاء والبردة والأحكام الصغرى لعبد الحق ومختصر ابن الحاجب الفرعي ومحلات من مختصر الشيخ خليل، ومات في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمصر، ودفن بين ابن القاسم وأشهب
عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام".
"عن علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب الملقب زين العابدين التابعي الوسط، قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه ولا أفقه. وقال ابن المسيب: ما رأيت أورع منه. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث عالمًا عابدًا، ولم يكن في أهل البيت مثله، وكان إذا توضأ يصفر لونه فإذا قام يصلي أرعد من الخوف، فقيل له في ذلك: فقال: أتدرون بين يدي من أقوم ولمن أناجي، وكان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، وكثير الصدقات سيما ليلا، وإذا خرج من منزله قال: اللهم إني أتصدق أو أهب عرضي اليوم لمن يغتابني، ولد سنة ثلاث وثلاثين، وتوفي أول سنة أربع وتسعين عند الجمهور، أو سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو تسع وتسعين، وأغرب المدائني، فقال سنة مائة ودفن في قبر عمه بالبقيع ابن عساكر، ومسجده بدمشق معروف، وهو الذي يقال له مشهد علي بجامع دمشق ابن تيمية كون قبره بمصر كذب، إنما مات بالمدينة.
"عن أبيه" الحسين السبط أشبه الناس بجده، كما قال أنس عند البخاري المقتول ظلمًا وعدوانًا يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء، ودفن جسده حيث قتل، وأما رأسه ففي المشهد الحسيني بالقاهرة عند بعض المصريين، ونفاه بعضهم، قال الحافظ فيما نقله السخاوي. وقال ابن تيمية: اتفق العلماء كلهم على أن المشهد الذي بقاهرة مصر المسمى مشهد الحسين باطل ليس فيه رأسه ولا شيء منه، وإنما حدث بمصر في دولة بني عبيد القداح ملوك مصر المدعين أنهم من ولد فاطمة، والعلماء يقولون: لا نسب لهم بها في أثناء المائة الخامسة بناه طلائع بن رزيك الرافضي، ونقل من عسقلان زعمًا أنه كان في مشهد بها وهو باطل، فإن بني أمية مع ما أظهروه من القتل والعداوة لا يتصور أن يبنوا على الرأس مشهدًا للزيارة، وحجة العلماء ما ذكره عالم النسب الزبير بن بكار أن الرأس حمل إلى المدينة ودفن بها، قال ابن دحية: لم يصح سواه، انتهى ملخصًا.
"عن جده" علي كرم الله وجهه، "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كنت نورًا بين يدي ربي"" أي؛ في غاية القرب المعنوي منه، فاستعار لهذا اليدين؛ لأن من قرب من إنسان وقابله يكون بين يديه، "قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام" لا ينافي ما مر أن نوره مخلوق قبل الأشياء، وأن الله قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ لأن نوره خلق قبل الأشياء وجعل يدور بالقدرة حيث شاء الله، ثم كتب في اللوح، ثم جسم صورته على شكل أخص من ذلك النور؛ ولأن التعبير بين اليدين إشارة لزيادة القرب، فالمقدر بهذه المدة مرتبة أظهرت له لم تكن
وفي الخبر: لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور في ظهره فكان يلمع في جبينه، فيغلب على سائر نوره، ثم رفعه الله تعالى على سرير مملكته وحمله على أكناف ملائكته وأمرهم فطافوا به في السماوات ليرى عجائب ملكوته.
قال جعفر بن محمد: مكث الروح في رأس أدم مائة عام، وفي...............
قبل، وروى محمد بن عمر العدني شيخ مسلم في مسنده عن ابن عباس أن قريشًا، أي: المسعدة بالإسلام كانت نورًا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألفي عام، يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، قال ابن القطان: يجتمع من هذا مع ما في حديث علي، يعني المذكور في المصنف أن النور النبوي جسم قبل خلقه باثني عشر ألف عام، وزيد فيه سائر قريش وأنطق بالتسبيح.
"وفي الخبر: لما خلق الله تعالى آدم جعل" أودع "ذلك النور" نور المصطفى "في ظهره فكان" لشدته "يلمع في جبينه فيغلب على سائر" باقي "نوره" أي: نور آدم الذي في بدنه أو يغلب على بقية النور الذي خلقه في غير آدم؛ كأنوار الأنبياء. "ثم "رفعه" أي آدم "الله تعالى على سرير مملكته" روى الحكيم الترمذي: لما أكمل الله خلق آدم رفعه على أكناف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل على سرير من ذهب أو ياقوت أحمر له تسعمائة قائمة، فقال: طوفوا به في سمواتي ليرى عجائبها، ثم أمرهم أن يحولوا وجوههم إلى العرش ليسجدوا قبالته ففعلوا، ولذلك يحمل جنازة أولاده أربعة، انتهى. وكان هذا السرير مسمى فيما بينهم سرير المملكة، فقول الشارح أنه من باب التمثيل، أي: رفعه إلى مكان عال وعظمه فجعل حالته تلك كحالة من مكن على سرير وطيف به في جهات غير ظاهرة، فالأصل الحقيقة.
"وحمله على أكناف ملائكته" بالنون، أي: أجنحتهم. وفي القاموس: الكنف من الطائر جناحه، ويحتمل أنه بالفوقية جمع كتف؛ لأن لهم قوة التشكل. "وأمرهم" أي: أمر الله ملائكته، "فطافوا به في السماوات ليرى" آدم "عجائب ملكوته" أي: ملكه العظيم، وتاؤه للمبالغة وسئل كعب: كم طاف الملائكة بآدم في السماوات مكرمًا؟ قال: ثلاث مرات، أولها على سرير الكرم، والثاني: على أكناف الملائكة، والثالث: على الفرس الميمون وهو مخلوق من المسك الأذفر وله جناحان من الدر والمرجان، وجبريل آخذ بلجامها وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، فطافوا به في السماوات كلها، وهو يسلم على الملائكة عن يمينه وشماله، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيردون عليه كذلك، فقيل: هذه تحيتك وتحية ذريتك إلى يوم القيامة.
"قال جعفر بن محمد: مكثت الروح في رأس آدم مائة عام" من أعوام الدنيا، "وفي صدره مائة عام، وفي ساقيه وقدميه مائة عام" لعل المراد بالرأس ما فوق الصدر وبه ما فوق
صدره مائة عام وفي ساقيه وقدميه مائة عام، ثم علمه الله تعالى أسماء جميع المخلوقات، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس، فطرده الله تعالى وأبعده وخزاه.
الساقين، أو المراد بالساقين ما تحت الصدر فيدخل البطن وما يتصل به في الصدر على الأول، وفي الساقين على الثاني. قال شيخنا: ولعل المراد بذا العد التكثير فلا ينافي أن المدة من ابتداء خلقه إلى نزوله إلى الدنيا ثلاث وثمانون سنة، انتهى.
قلت: هذا قول ابن جرير ونقص منه وأربعة أشهر، وقال غيره: إن المدة فوق ذلك بكثير، وقد تكلف الشيخ فيما يجيء للتوفيق بينه وبين ما هنا عن جعفر بأنه مبني على أن مدة كونه طينًا كانت قبل دخول الجنة، أو أنه إنما أخرج منها بعد اليوم الذي ابتدأ خلقه فيه، وأن خلقه لم يتم إلا بعد مدة طويلة، وفيه أنه قد لا يقول جعفر يقول ابن جرير ولا يرضاه، فقد قال ابن عباس، مكث في الجنة خمسمائة عام، وقيل: مكثت الملائكة في سجودهم كذلك، وقيل أكثر، فهي أقوال متباينة؛ فاللائق الترجيح لا تعسف الجمع بتجويز عقلي.
"ثم علمه الله تعالى" بإلهام أو بخلق علم ضروري فيه أو إلقاء في خاطره، أو على لسان ملك، قال القرطبي: وهو جبريل، "أسماء جميع المخلوقات" كلها روى وكيع في تفسيره عن ابن عباس، في قوله تعالى:{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، قال: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة والفسوة والفسية، "ثم أمر" الله "الملائكة بالسجود له" أي: كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص أو ملائكة الأرض أو إبليس ومن كان معه في محاربة الجن، فإن تعالى أسكنهم الأرض أولا فأفسدوا فيها فبعث لهم إبليس في جند من الملائكة فدمرهم في الجزائر والجبال، وظاهر إتيان المصنف بثم اختيار القول بتراخي الأمر بالسجود عن التعليم وإنبائهم بالأسماء وإظهار فضله عليهم وإيجاب خدمتهم له بسبب العلم، وظاهر نظم البقرة يدل عليه، وقيل: سجدوا لما نفخ فيه الروح لقوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] ، والفاء للتعقيب، والأظهر كما قال ابن عقيل وصاحب الخميس الأول: والفاء تكون للتعقيب مع التراخي؛ كقوله: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36] ، وذلك بعد مدة. والقول بأنهم سجدوا مرتين للآيتين رده النقاش بأنه لم يقل به أحد وإنما سجدوا مرة واحدة.
"فسجدوا إلا إبليس" أبي "فطرده الله تعالى" عن رحمته، "وأبعده" عن جنته "وخزاه" في الدارين بعدما كان من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن عند ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وعزاه القرطبي للجمهور، وصححه النووي بأنه لم ينقل أن غيرهم أمر بالسجود، والأصل أن
وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة، كسجود أخوة يوسف له، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وآدم كالقبلة.
وروي عن جعفر الصادق..........................
الاستثناء من الجنس ولكن ذهب الأكثرون؛ كما قال عياض: إلى أنه لم يكن منهم طرفة عين وهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس وإنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم صغيرًا، وذهب به إلى السماء؛ فالاستثناء منقطع عياض والاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب، قال تعالى:{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] ، ورجحه السيوطي بأنه الذي دلت عليه الآثار.
وقول النووي: لم ينقل أمر غيرهم مردود بحكاية ابن عقيل في تفسيره والخميس قولا بأن الملائكة وجميع العالم حينئذ أمروا وخصوا بالخطاب دون غيرهم لكونهم الأشرف حينئذ، وكان من عداهم تبعًا واختلف في كيفية السجود لآدم، فقال الجمهور: هو أمر للملائكة بوضع الجباه على الأرض؛ كسجود الصلاة، لأنه الظاهر من السجود شرعًا وعرفًا ويدل له آية فقعوا له ساجدين، وعن أبي وابن عباس هو الانحناء لا الخرور على الأرض، أي: كما يفعل في لقاء العظماء. وقال قوم: إنما هو اللغوي من التذلل والانقياد، فإن الله سخرهم لآدم وذريته في إنزال المطر وحفظ آثارهم وكتب أعمالهم والعروج بها إلى السماء.
"وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية" وإظهار الفضلة وطاعة لله "لا سجود عبادة" لأنه لا عبادة إلا لله تعالى، "كسجود أخوة يوسف له" فإنه ما كان سجود عبادة، "فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى" تفريع على المنفي "وآدم؛ كالقبلة" وهذا ظاهر في أن المراد الشرعي، ففيه إشارة لمذهب الجمهور، وقال قتادة: كان خدمة لله وحرمة لآدم كصلاة الجنازة عبادة لله ودعاء للميت، وقال الحسن: والأصح أنه كان تحية لآدم على الخصوص، ولو كان عبادة لله وآدم قبله لما تكبر إبليس، انتهى.
وفيه نظر، فقد حكى القرطبي الاتفاق على أنه لم يكن سجود عبادة واللازم ممنوع؛ لأن تكبره من حيث أنه لم يكن هو قبله لظنه فضله عليه وعلى غيره، قال الشعبي: ومعنى {اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34] ، إلى آدم، كما يقال: صلى للقبلة ورد بأنه يقال: صلى إلى القبلة لا لها ودفع بقوله في علي.
أليس أول من صلى لقبلتكم
…
وأعرف الناس بالقرآن والسنن
"وروي عن جعفر الصادق" لقب به لصدقه في مقاله ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، كان من سادات أهل البيت ولد سنة ثمانين أو ثلاث وثمانين،
أنه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون.
وعن أبي الحسن النقاش: أول من سجد إسرافيل، قال: ولذا جوزي بتولية اللوح المحفوظ.
وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، قال ابن خلكان وابن قتيبة في أدب الكاتب: وكتاب الجفر جلد كتبه جعفر الصادق كتب فيه لآل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة، قال الدميري ونسبه الجفر إلى علي وهم، والصواب لجعفر الصادق.
"أنه قال: كان أول" بالنصب خبر، "من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل" ملك الموت القباض لجميع أرواح الجن والإنس والبهائم والمخلوقات، خلافًا لقول المبتدعة إنما يقبض أرواح الجن والإنس صرح به الجزولي في شرح الرسالة، وكأنهم تمسكوا بما أخرجه أبو الشيخ والعقيلي في الضعفاء، والديلمي عن أنس مرفوعًا:"آجال البهائم وخشاش الأرض والقمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها والبقر وغير ذلك في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها وليس إلى ملك الموت منها شيء"، وهو حديث ضعيف جدًا، بل قال العقيلي: لا أصل له، وابن الجوزي موضوع ولا حجة فيه إذ لا حجة بضعيف، ولا سيما مع معارضته لعموم القاطع وهو الله يتوفى الأنفس حين موتها، ولذا لم يلتفت الإمام مالك إلى هذا الحديث بل احتج بالآية لما سأله رجل عن البراغيت: أملك الموت يقبض روحها؟ فأطرق طويلا، ثم قال: ألها نفس؟ قال: نعم، قال: فإن ملك الموت يقبض أرواحها، الله يتوفى الأنفس حين موتها، أخرجه الخطيب وأيد بما أخرجه الطبراني وابن منده وأبو نعيم أن عزرائيل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يأذن الله بقبضها.
"ثم الملائكة المقربون" أي: ثم بقة الملائكة ونحوه قول وهب بن منبه أول من سجد لآدم جبريل، فأكرمه الله بإنزال الوحي على النبيين خصوصًا على سيد المرسلين، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم سائر الملائكة. "و" روي "عن أبي الحسن النقاش أن أول من سجد إسرافيل" وهذا رواه ابن أبي حاتم عن ضمرة والسلفي عن عمر بن عبد العزيز، "قال: ولذا" أي: لكونه أول من سجد "جوزي" أي: جازاه الله، "بتولية اللوح المحفوظ" بأن جعل مطلعًا عليه ومتصرفًا فيه بنقل ما فيه مثلا إلى الملائكة، وقيل: رفع رأسه وقد ظهر القرآن كله مكتوبًا على جبهته كرامة له على سبقه فهذا يعارض ما روي عن جعفر، وجمع شيخنا بأن أول من سجد بالفعل إسرافيل، وأول من سجد بامتثال الأمر جبريل، قال: ولعل الحكمة في عدم سجودهم دفعة واحدة أن الساجد أولا فهم بالإشارة أنه المخاطب به أولا، وفي الجمع وقفة.
وعن ابن عباس: كان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر.
ثم خلق الله تعالى له حواء زوجته من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو نائم، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ ورآها سكن إليها....................
"وعن ابن عباس: كان" زمن "السجود" لآدم "يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر" لو فرض من أيام الدنيا فلا يشكل بخبر أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة المقدر بألف سنة، "ثم خلق الله تعالى له حواء" بفتح الحاء وشد الواو والمد "زوجته" كذا في نسخ بالهاء على لغة قليلة حكاها الفراء، وشاهدها قول عمار بن ياسر عند البخاري: والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة -يعني عائشة- وقول الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي
…
كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
أي: يطلب بولها، وقيل: يأخذ أولادها، والكثير وهو لغة القرآن زوج بلا هاء، حتى قال الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة. "من ضلع" بكسر المعجمة وفتح اللام وتسكن مذكر، وقيل: مؤنث، وقيل: يذكر ويؤنث. "من أضلاعه اليسرى" قال في الفتح: أي: أخرجت منه كما تخرج النخلة من النواة، وجعل مكانه لحم، وقال القرطبي: يحتمل أن معناه أنها خلقت من ضلع فهو كالضلع، أي: عوجاء، "وهو نائم" لم يشعر بذلك ولا تألم، والألم يعطف رجل على امرأته، قال القرطبي وغيره. "وسميت حواء؛ لأنها خلقت من حي" وفي القرطبي: أول من سماها آدم لما انتبه قيل: من هذه؟ قال: امرأة، قيل: وما اسمها؟ قال: حواء، قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرء أخذت، قيل: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي. وروي: أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه.
وفي الفتح: قيل سميت حواء بالمد لأنها أم كل شيء. "فلما استيقظ ورآها سكن" اطمأن ومال "إليها"، بإلهام الله تعالى، واختلف في أنها خلقت في الجنة، فقال ابن إسحاق خلقت قبل دخول آدم الجنة لقوله تعالى:{اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، روي عن ابن عباس وقطع به السيوطي في التوشيح: وقيل: بل خلقت في الجنة بعد دخول آدم؛ لأنه لما أسكن الجنة مشى فيها مستوحشًا، فلما نام خلقت من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها، فلما انتبه رآها، قال: من أنت؟ قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي وأسكن إليك، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهم من الصحابة، واقتصر عليه القرطبي والخازن.
قال ابن عقيل: ونسب لأكثر المفسرين، وعلى هذا قيل: قال الله: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، بعد خلقها وهما في الجنة، وقيل: قبل خلقها وتوجه الخطاب للمعدوم لوجوده في علم الله، انتهى.
ومد يده إليها فقالت الملائكة مه يا آدم، قال: ولم وقد خلقها الله لي؟ فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ تصلي على محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات.
وذكر ابن الجوزي في كتابه "سلوة الأحزان": أنه لما رام القرب منها طلبت منه المهر، فقال: يا رب، وماذا أعطيها، فقال: يا آدم صل على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل.
"ومد يده إليها" يريد جماعها أو التلذذ بلا جماع، "فقالت الملائكة: مه يا آدم، قال: ولم وقد خلقها الله لي؟ " وكأنه علم ذلك بإلهام أو علم ضروري أو من إخبارها بأنها خلقت له، "فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: تصلي على محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات".
والظاهر: أن علمهم بذلك بالوحي، "وذكر ابن الجوزي" العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الحافظ البكري الصديقي البغدادي الحنبلي الواعظ صاحب التصانيف السائرة في الفنون، قال في تاريخ الحافظ: ما علمت أحدًا صنف ما صنف، وحصل له من الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط، قيل: حضرة في بعض المجالس مائة ألف وحضرة ملوك ووزراء وخلفاء، وقال على المنبر كتبت بإصبعي ألف مجلد وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألفًا، مات يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وقيل له الجوزي لجوزة كانت في دراهم لم يكن بواسط سواها، انتهى.
وكأن من قال إلى الجوز ببيع أو غيره لم يحرره "في كتابه سلوة الأحزان أنه لما رام القرب منها طلبت منه المهر" لسماعها قول الملائكة أو ألهمت أو بعلم ضروري، "فقال: يا رب، وماذا أعطيها؟ قال" الله وحيًا أو شفاها، والظاهر الأول: "يا آدم صل على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة" وكأنه رام زيادة البيان من الله تعالى فسأله يعطيها ماذا، فلا ينافي إخبار الملائكة بما يعطيها أو فهم أنهم قالوه اجتهادا فطلب أمر الله والإخبار بالقليل لا ينفي الكثير، أو قول الملائكة بأمر منهم مقدمة لحصول الألفة، وقوله تعلى كان حين إرادة القرب، كما هو ظاهر قوله لما رام فجملة المهر الثلاثة والعشرون لكن الأخير على أن مد يده كان للتلذذ لا الجماع، وصح كون الصلاة مهرًا؛ لأنه لما قالها بقصده كان ثوابها لحواء لكونها في مقابلة آدم ما أمر به من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: قالت الملائكة: مه يا آدم، حتى تنكحها، فزوجه الله إياها وخطب، فقال: الحمد لله والعظمة إزاري والكبرياء ردائي والخلق كلهم عبيدي وإمائي، اشهدوا يا ملائكتي وحملة عشري وسكان سماواتي أني زوجت حواء أمتي عبدي آدم بديع
ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة، ونهاهما عن شجرة الحنطة، وقيل: شجرة العنب، وقيل: التين، فحسدهما إبليس، فهو أول من حسد وتكبر......................
قطرتي وصنيع يدي على صداق تقديسي وتسبيحي وتهليلي، يا آدم {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، الآية، كذا في الخميس، والعلم عند الله.
"ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة" فقال: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، قال القرطبي: وفيه تنبيه على الخروج؛ لأن السكنى لا تكون ملكًا بل مدة ثم تنقطع فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول ثواب، انتهى.
وقال ابن عطية في الحظر بقوله: {لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] ، دليل على أن سكناهما بها لا تدوم، فالمخلد لا يخطر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى. "ونهاهما عن شجرة الحنطة" في قول ابن عباس والحسن وعطية وقتادة والقرظي ومحارب ومقاتل، قال وهب: وهي التي جعلها الله رزق أولاده في الدنيا وكانت كل حبة ككلى البقر أحلى من العسل، وألين من الزبد. "وقيل" عن "شجرة العنب" وهو قول ابن مسعود وابن جبير والسدي وجعدة بن هبيرة، قالوا: ولذلك حرمت الخمر على بنيه ونسبه مكي لأكثر المفسرين.
"وقيل: التين" عند قتادة وابن جريج وحكاه عن بعض الصحابة. قال السهيلي: ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها لندم آدم على أكلها، وعن علي: هي الكافور والدينوري شجرة العلم وهي علم الخير والشر من أكلها علم الأشياء، وابن إسحاق: شجرة الحنظل، وأبي مالك، هي النخلة، وقيل: شجرة من أكل منها أحدث، وقيل غير ذلك مما يطول جلبه. وقد قال ابن عطية: ليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله نهى آدم عن شجرة فخالف وأكل منها، وقال أبو نصر القشيري: كان والدي يقول نعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة، وقال ابن جرير: الأولى أن لا تبين، فإن العلم بها علم لا ينفع وجهل لا يضر.
قال السيوطي: وقد يقال إن فيها نفعًا ما إذا قلنا إنها الكرم، فإن فيها إشارة إلى أن الخمر أم الخبائث أولا، فتجتنب لئلا يكون مانعًا من العود إليها في الآخرة، انتهى.
"فحسدهما إبليس" وزن إفعيل مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله فلم ينصرف؛ لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية، قاله أبو عبيدة وغيره، وقال الزجاج وغيره: هو أعجمي لا اشتقاق له، فلم يصرف للعجمة والتعريف. قال النووي: وهو الصحيح. وحكى الثعلبي عن ابن عباس، قال: كان اسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحرث، وفي الدميري: قال أكثر أهل اللغة والتفسير: إنما سمي إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله. "فهو أول من حسد وتكبر".
فأتى إلى باب الجنة فاحتال حتى دخل الجنة، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف وناح نياحة أحزنتهما، فهو أول من ناح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: عليكما، تموتان وتفقدان النعيم، ألا أدلكما على شجرة الخلد، فكلا منها، وحلف لهما أنه ناصح.........
قال القرطبي: وسبب تكبره أنه كان رئيس ملائكة سماء الدنيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفًا وعظمة، فذلك الذي دعاه إلى الكبر فعصى فمسخه الله شيطانًا رجيمًا، فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإن كانت في معصية فارجه، وقيل: إنه عبد الله ثمانين ألف سنة وأعطي الرئاسة والخزانة على الجنة استدراجًا كما أعطي المنافقون الشهادة على طرف لسانهم، وكما أعطي بلعام الاسم الأعظم على طرف لسانه، وكان في رئاسته والكبر متمكن في نفسه. قال ابن عباس: كان يرى لنفسه فضيلة على الملائكة، فلذا قال: أنا خير منه.
"فأتى إلى باب الجنة" فجلس في صورة شيخ يعبد ثلاثمائة سنة من الدنيا انتظارًا لأن يخرج منها أحد يأتيه بخبر آدم، فخرج الطاوس، فقال له: من أين؟ قال: من حديقة آدم وبستانه، قال: ما الخبر عنه؟ قال: هو في أحسن الحال وأطيب العيش هنأت له الجنان ونحن من خدامه، فقال: هل تستطيع أن تدخلني عليه؟ قال: من أنت؟ قال: من الكروبيين عندي له نصيحة، قال: اذهب إلى رضوان فإنه لا يمنع أحد من النصيحة، قال: أريد أن أخفيها عنهم، قال: المخفية لا تكون نصيحة، قال: نحن معاشر الكروبيين لا نقول الأسرار إن فعلت ما أقول أعلمك دعاء لن تشيب بعده أبدًا، فقال: ما أقدر ولكن أدلك على الحية، فخرجت إليه فقالت: كيف أدخلك ورضوان لا يمكنني، فقال: أنا أتحول ريحًا فاجعليني بين أنيابك، ففعلت وأطبقت فاها، فقال: اذهبي إلى شجرة البر فذهبت، هكذا في العرائس وغيرها وإياه عنى بقوله:"فاحتال حتى دخل" باب "الجنة، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف" عند شجرة البر وغنى بمزمار وهو في فم الحية، فجاء آدم وحواء يسمعان المزمار ظنًا أن الحية هي التي تغني، فقال لهما إبليس: تقدما فقالا: نهينا عن قرب هذه الشجرة، فبكى "وناح نياحة أحزنتهما" بها "فهو أول من ناح، فقالا" أي آدم وحواء، وفي رواية: فقال له آدم "ما يبكيك؟ قال: "أبكي "عليكما" لأنكما "تموتان وتفقدان" بكسر القاف هذا "النعيم" فقالا له: وما الموت؟ فقال: تذهب الروح والقوة وتعدم حركة الأعضاء ولا يبقى للعين رؤية ولا للأذن سماع، فوقع ذلك في أنفسهما واغتما، فقال لعنه الله:"ألا أدلكما على شجرة الخلد" وملك لا يبلى، "فكلا منها" فقالا: نهينا عنها، فقال:{مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا} [الأعراف: 20] ، الآية، "وحلف لهما أنه ناصح" أي: أقسم لهما على ذلك والمفاعلة في الآية للمبالغة، وقيل: أقسما عليه بالله أنه
فهو أول من حلف كاذبًا، وأول من غش.
فأكلت حواء منها، ثم زينت لآدم حتى أكل، وظنا أن أحدًا لا يتجاسر أن يحلف بالله كاذبًا، فقال الله تعالى: يا آدم، ألم يكن فيما أبحت لك من الجنة مندوحة
ناصح، فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة، "فهو أول من حلف كاذبًا وأول من غش" ولما قاسمهما الله، قال: أيكما بادر إلى الأكل فله الغلبة على صاحبه، "فأكلت حواء منها" حبة واحدة "ثم زينت لآدم حتى أكل" فأتت له بثلاث حبات، وقالت: أنا أكلت منها واحدة فكانت طيبة الطعم، وما أصابني منها مضرة، فمكث آدم مائة سنة بعد أكلها لم يأكل، ثم ناول وأخذ منها الحبات وجعل منها حبة في فيه، فقبل أن يصل طعمها إلى حلقة وجرمها إلى جوفه طار من رأسه تاجه المكلل بالدر والياقوت والجوهر ينادي: يا آدم طالت حسرتك وتزحزح السرير من تحتهما، وقال: أستحيي من الله أن أكون سريرًا لمن عصاه، وتساقط ما عليهما من سوار ودملج وخلخال ومنطقة مرصعة ونزع عنهما لباسهما، وكان على آدم سبعمائة حلة وكان من أمرهما ما كان. "و" إنما أكلا منها لأنهما "ظنا أن أحدًا لا يتجاسر" لا يجترئ على "أنه يحلف بالله كاذبًا" لعظمته سبحانه وتعالى في قلوبهما، بل لم يكن الكذب مطلقًا معروفًا، وظاهر سياق المصنف: أن اللعين شافههما بالإغواء، قال القرطبي: وهو قول ابن مسعود وابن عباس والجمهور، لقوله تعالى:{وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] ، والمقاسمة ظاهرها المشافهة، وقيل: بل وسوس لهما وأغواهما بشيطانه وسلطانه الذي أعطاه الله؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، انتهى.
واختلف في صفة توصله إلى إزلالهما بعدما قيل له: {اخرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34]، فقيل: منع دخول التكرمة لا الوسوسة ابتلاء، وروي أنه قصد الدخول فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية، وقيل: لم يدخلها بعد إخراجه منها، قال الحسن: رآهما ببابها وكان يخرجان، وقيل: كانا يدنوا من السماء فيكلمهما، وقيل: قام عند الباب فناداهما، وقيل: نادى من الأرض فسمعاه من الجنة، حكاه في التعليق الوجيز، وقال قبله: الصحيح أنه لم يدخلها بل وقف بالباب وردته الخزنة عن الدخول، لكن قال السيوطي الوارد عن ابن مسعود وابن عباس وأبي العالية ووهب بن منبه ومحمد بن قيس أنه دخل في فم الحية وقاولهما بذلك، كما أسنده عنهم ابن جرير ولم يسند شيئًا من الأقوال المذكورة عن أحد، انتهى. وفيه: أن كونه لم يسندها لا ينفي ورودها، والله أعلم.
"قال الله تعالى": ابتلاء وعتابًا، "يا آدم ألم يكن فيما أبحت لك من الجنة مندوحة".
عن هذه الشجرة؟! قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ظننت أن أحدًا لا يحلف بك كاذبًا، قال الله: وعزتي وجلالي، لأهبطنك إلى الأرض، لا تنال العيش إلا كدا، فأهبط من الجنة.
بفتح الميم سعة وفسحة، "عن هذه الشجرة، قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ظننت أن أحدًا لا يحلف بك كاذبًا" فهذا الذي حملني على الأكل منها، "قال الله: وعزتي وجلالي لأهبطنك إلى الأرض لا تنال العيش" الكسب "إلا كدًا" بفتح الكاف ودال مهملة مشددة، أي: تعبا فتضرع آدم واعتذر، فقال: لا يجاورني من عصاني اخرج، فسأله بحق محمد أن يغفر له، فقال: قد غفرت لك بحقه ولكن لا يجاورني من عصاني، فبكى وودع كل من في الجنة حتى بكت عليه أشجارها إلا العود، فقيل له: لم تبك؟ قال: أبكي على عاص، فنودي: كما عظمت أمرنا عظمناك، ولكن هيأناك للإحراق، فقال: ما هذا؟ فنودي: أنت عظمتنا فكذلك يعظمونك لكن لم يحترق قلبك على محبينا فلذلك يحرقونك، فلما انتهى لباب الجنة ووضع إحدى رجليه خارج الباب، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له جبريل: تكلمت بكلمة عظيمة، فقف ساعة فربما يظهر من الغيب لطف، فنودي: أن دعه يخرج، فقال: إلهي دعاك رحيمًا فارحمه، فقال: إن أرحمه لا ينقص من رحمتي شيء وإن يذهب لا يعاب عليه شيء، فخل عنه يذهب ثم يرجع في مائة ألوف من أولاده عصاة حتى يشاهد فضلنا على أولاده ويعلم سعة رحمتنا، هذا ملخص ما ساقه أصحاب القصص.
"فأهبط من الجنة" بسرنديب بسين وراء مهملتين فنون فدال مهملة فتحتية فموحدة من الهند بجبل نوذ بفتح النون وذال معجمة، ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فامتلأ ما هنالك طيبًا وأهبطت حواء بجدة، وقيل: بعرفة، وقيل: بالمزدلفة، وإبليس بالأبلة بضم الهمزة والموحدة وشد اللام، بلد بقرب البصرة، وقيل: أهبط بجدة والحية ببيسان، وقيل: بسجستان، وقيل: بأصفهان، وقيل غير ذلك. واختلف في قدر مكثه في الجنة. فعن ابن عباس مكث فيها نصف يوم من الآخرة وهو خمسمائة عام، وهذا قول الكلبي.
وقال الضحاك: دخلها ضحوة وخرج بين الصلاتين، وقال الحسن البصري: لبث فيها ساعة من نهار وهي مائة وثلاثون سنة من سني الدنيا. وعن وهب وابن جرير: مكث ثلاثة وأربعين عامًا من أعوام الدنيا، وقيل: بعض يوم من أيامها. وروى أحمد ومسلم والنسائي في حديث أبي هريرة مرفوعًا، "وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة" قال ابن كثير: فإن كان يوم خلقه يوم إخراجه وقلنا الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا وفيه نظر، وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه، وقلنا: بأن كل يوم بألف سنة؛ كما قال ابن عباس
وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم، ما حملك على ما صنعت؟ قال: زينته لي حواء، قال: فإني أعقبها أن لا تحمل إلا كرهًا، ولا تضع إلا كرهًا، ولأدمينها في الشهر مرتين.
وقال وهب بن منبه:........................
ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدة طويلة، انتهى. وهذا الحديث تكلم فيه البخاري وشيخه ابن المديني وغيرهما من الحفاظ وجعلوه من قول كعب، وإنما سمعه أبو هريرة منه فاشتبه على بعض رواته فرفعه.
"وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم ما حملك على ما صنعت، قال: زينته لي حواء" وقد ورد النساء حبائل الشيطان، "قال فإني أعقبها" بضم الهمزة وسكون المهملة وكسر القاف أجازيها "أن لا تحمل إلا كرهًا ولا تضع إلا كرهًا" أي: بمشقة "ولأدمينها في الشهر مرتين" قال الشارح: لعل المراد أن يدميها بحصول ذلك لها في مرة أو بإمكانه لها واستحقاقها إياه وأن تخلف؛ كما في العفو عن المعاصي المستحقة للعقوبة، انتهى. ولا يتم إلا أن ثبت أنه لم يداومها كل شهر مرتين وأنى به، وقيل: إنما عوقبت به لكونها أدمت الشجرة وقيل: بكسرها قوائم الحية ويحتمل أنه لذلك كله.
وقد روى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة، وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة تتشوف للرجل فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وعنده عن عائشة نحوه، وظاهره: أن أول إرساله على نساء بني إسرائيل، قال البخاري: وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم"، أكثر بمثلثة أشمل وبموحدة أعظم.
وجمع الحافظ بأن المرسل على بنات إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء بوجوده. وقد روى الطبراني وغيره عن ابن عباس وغيره: أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود: 71] ، أي حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، انتهى. وثم أجوبة أخر لا يقال إن على بنات آدم مخرج لحواء؛ لأنها لما خلقت من ضلعه نزلت منزلة بناته مجازًا أو أنه ليس قصرًا حقيقيًا، بل اقتصر على بنات آدم لكونهن من الجنس المشارك للمخاطبة بهذا الحديث، وهي عائشة تسلية لها.
"وقال وهب بن منبه" بضم الميم وفتح النون وشد الموحدة المكسورة، ابن كامل الحافظ أبو عبد الله الصنعاني العلامة الأخباري الصدوق ذو التصانيف أخوهما، روى عن ابن
لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكي ثلاثمائة سنة لا يرقأ له دمع.
وقال المسعودي: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حين أخرجه الله من الجنة.
وقال مجاهد: بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء، وأنبت الله من دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب، وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأقاوى.
عباس وابن عمر وعنه آله، وسماك بن الفضل مات سنة أربع عشرة ومائة، "لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكي ثلاثمائة سنة لا يرقأ" بالهمز والقاف، أي: لا يسكن ولا يجف "له دمع" على ما أصابه، "وقال المسعودي" عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي الحافظ، قال ابن نمير: ثقة اختلط آخرًا، وقال ابن مسعر: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود منه، مات سنة ستين أو خمس وستين ومائة. "لو أن دموع أهل الأرض جمعت" وجمعت دموع آدم؛ "لكانت دموع آدم أكثر" من دموع أهل الأرض "حين أخرجه الله من الجنة" حزنًا على فراقها وفراق أهلها وعلى أكله من الشجرة وإن غفر له قبل الخروج؛ كما جزم به القرطبي وغيره لشدة الخشية وكمال عظمة الله في قلبه، وقول شيخنا: لعل المراد إلى وقت التوبة مبني على أنه لم يتب عليه إلا بعد خروجه بمدة.
"وقال مجاهد" بن جبير بفتح الجيم وسكون الموحدة، وقيل: جبير بالضم مصغرًا والأول أكثر المخزومي مولاهم المكي الثقة الحافظ الإمام في التفسير، وفي العلم أحد الأعلام المجتمع على إمامته. وذكر ابن حبان له في الضعفاء: مردود مات بمكة وهو ساجد سنة ثلاث ومائة، وقيل غير ذلك، خرج له في الستة. "بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه" حياء من ربه عز وجل، "إلى السماء" وبهذا القيد لا ينافي قول وهب فهذه المائة بعض الثلاثمائة وخصت بالذكر للقيد، "وأنبت الله من دموعه العود الرطب" لعل المراد الذي يتبخر به، قال شيخنا: وقد ذكروا أنه مما نزل معه من الجنة، فإن صح ما ترجاه، فيحتمل أنه ما نبت في الأرض إلا بدموعه، "والزنجبيل" عرق يسري في الأرض ونباته كالقصب والبردي، له قوة مخنة يسيرًا باهية مذكية وإن خلط برطوبة كبد المعز وجفف وسحق واكتحل به أزال الغشاوة وظلمة البصر، "والصندل" خشب معرف أجوده الأحمر أو الأبيض محلل للأورام نافع للخفقان والصداع ولضعف المعدة الحارة والحميات، قاله وما قبله القاموس. "وأنواع الطيب" عام على خاص أي: الذي له رائحة وإن استعمل لغيرها، "وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأقاوى" الطيب، وتطلق على
يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعله واحدة ثلثمائة سنة، فكيف بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار، كان آدم كلما رأى الملائكة تصعد وتهبط ازداد شوقًا إلى الأوطان، وتذكر العهد والجيران، يا أصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب: هذا فراق بيني وبينك، فياذا العقل السليم، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة........................................
توابل الطعام؛ كما في المصباح.
وفي القاموس: الأفواه التوابل الواحد فوه كسوق وجمع الجمع أفاويه، ونحوه في المصباح. فسقوط الهاء من المصنف تخفيف أو لغة قليلة ثم وشح المؤلف تلك القصة بمنزع صوفي على عادته، فقال:"يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعلة واحدة" بفتح الفاء اسم للمرة من الفعل، وفي نسخة على صغيرة واحدة ولا يناسب ترديده الآتي، كذا قيل وأنت خبير بأن الترديد إنما هو على لسان السائل مع الجزم بأنها صغيرة في الجواب، فكلتاهما مناسبة "ثلاثماة سنة" مع النسيان والتأويل، "فكيف بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة"؟ العمد "فاعتبروا" اتعظوا وقيسوا حالكم في استحقاق العقوبة بالذنب على حال أبيكم في إخراجه من الجنة بفعلة "يا أولي الأبصار" البصائر، "كان آدم" عليه السلام "كلما رأى الملائكة تصعد" بفتح العين مضارع صعد بكسرها، "وتهبط، ازداد شوقًا إلى الأوطان" جمع وطن، أي: أماكن الجنة سماها بذلك؛ لأنه أبيح له نعيمها بلا تخصيص محل منها دون آخر، وفيه إشعار بتكرر رؤيته للملائكة وأنها حقيقة وهل على صورهم الأصلية أو غيرها محل نظر، وقد ذكروا أن من خصائص المصطفى رؤية جبريل على صورته مرتين، "وتذكر العهد" الأمان الذي كان فيه قب هبوطه أو المنزل، فهو كالتفسير للأوطان أوائل عهدية، أي: تذكر عهد الله الذي نسيه فصار في هذه الحالة، "والجيران" جمع جار وهو المجاور في السكن والمراد الملائكة وغيرهم من الحيوان سماهم جيرانًا، لكونهم معه في الجنة، "يا أصحاب الذنوب، احذروا زلة يقول فيها الحبيب" لمحبه "هذا فراق بيني وبينك" تلميح بقصة موسى مع الخضر؛ لأن آدم لما أكل تباعد عنه أحبابه وما أواه أحد فكأنهم قالوا له ذلك، "فيا ذا العقل السليم، انظر" بعقلك "كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة" مر قول الحكيم أنه من ذهب أو ياقوت أحمر له سبعمائة قائمة، ونحوه في المشكاة وذلك يأبى ادعاء أنه تمثيل من حيث جعله سرير المملكة، وإن سلم فهو صورة جعلت لآدم اجلس عليها تكريمًا، وعبر عنها بذلك مجازًا، فإن الأصل الحقيقة وإثبات الصورة يمنع التمثيل وغاية الأمر أن التجوز في الإضافة للمملكة مع أنه مسمى بذلك عندهم؛ كما أفاده الخبر وما به ضرر، فليس أقوى من إضافة العرش والكرسي لله في التنزيل مع تنزهه
فمد يده إلى لقمة نهى عنها فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي فإنها من نزلت به نزلت به وحطته عن مرتبته.
فإن قلت: هذه الفعلة التي أهبط بها آدم من الجنة، إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة فلم جرى عليه بسببها ما جرى من نزع اللباس والإخراج من الجنة وغير ذلك؟
أجاب الزمخشري: بأنها ما كانت إلا صغيرة، مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأذكار الصالحة التي هي أجل الطاعات، وأعظم الأعمال، وإنما جرى عليه ما..................
سبحانه عن الحلول والجسم، "فمد يده إلى لقمة نهى عنها، فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي فإنها من نزلت به" أي: أصابته، "نزلت به" أي: خفضته، "وحطته عن مرتبته" عطف تفسير، "فإن قلت: هذه الفعلة" بفتح الفاء للمرة كما مر، وبكسرها اسمًا للهيئة، أي: ما هيئة هذه الفعلة؟ "التي أهبط بها آدم من الجنة" أبالغة في المخالفة، فتكون كبيرة أم لا؟ "إن كانت كبيرة، فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء" إجماعًا لا قبل النبوة ولا بعدها، "وإن كانت صغيرة" وقلتم بجوازها عليهم، فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر لآحاد الأمة فكيف بنبي ولد الأنبياء؟ "فلم جرى عليها بسببها ما جرى من نزع اللباس" بمجرد تعلق الإرادة لا بفعل فاعل لما مر أنه بمجرد وضع الحية في فيه طار عنه تاجه وتهافتت ثيابه، "والإخراج من الجنة، وغير ذلك" من المعاتبة بنحو قوله: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة والفضيحة يبدو السوأة وتهافت اللباس ووهن الجلد، بعدما كان الظفر والإخراج من الجنة مع النداء: لا يجاورني من عصاني، والفرقة بينه وبين حواء مدة والعداوة بعضكم لبعض عدو، والنداء بالنسيان: فنسي ولم نجد له عزمًا، وتسليط العدو على ولده وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وجعل الدنيا سجنًا له وولده والتعب والشقاء فلا يخرجنكما من الجنة فتشقا، فهذه خصال ابتلي بها آدم عليه السلام وبها ابتليت حواء مع خمس عشرة معها تطلب من التواريخ.
قلت: "أجاب الزمخشري" أبو القاسم محمود العلامة جار الله المعتزلي، قال ابن خلكان وغيره: كان يتظاهر به وإذا استأذن على صاحب له بالدخول يقول أبو القسم المعتزلي بالباب وأول ما صنف الكشاف، توفي ليلة عرفة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. "بأنها ما كانت إلا صغيرة مغمورة" بغين معجمة، مستورة "بأعمال قليلة من الإخلاص والأذكار الصالحة، التي هي أجل الطاعات وأعظم الأعمال" والصغيرة إذا غلبتها الطاعات لا يؤاخذ بها، "وإنما جرى عليه ما
جرى تعظيمًا للخطيئة، وتفظيعًا لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفًا له ولذريته في اجتناب الخطايا، واتقاء المآثم.
يا هذا، انظر كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجتهدين، واجتهاد العابدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين...................
جرى تعظيمًا للخطيئة وتفظيعًا" بفاء معجمة، إظهارًا "لشأنها" أي: قبحها، وفي القاموس: الشأن: الخطب والأمر، فلعل الإضافة بيانية ولم يقل لها قصد للمبالغة كما هو عادتهم، "وتهويلا" تخويفًا لمرتكب الخطيئة؛ "ليكون ذلك لطفًا" بضم اللام، رفقًا "له ولذريته في اجتناب الخطايا" لأن ذلك كان سببًا لما حصل له من الكمالات في الدنيا المفيدة لكثرة الثواب وعظم المنزلة في الآخرة، "واتقاء المآثم" جمع مأثم عطف تفسير، وصريح ذا الجواب جواز وقوع الصغيرة من الأنبياء.
قال القرطبي: وهو مذهب الأكثرين، والمراد نسيانًا إلا الدالة على خسة كسرقة لقمة، بل قال الطبري وغيره من الفقهاء المتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم خلافًا للرافضة، لكن قال جمهور الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها، انتهى.
والأخير رأي الإسفراييني وعياض والشهرستاني والتقي السبكي: لكرامتهم على الله أن يصدر منهم ذنب وقد استدل الأولون بظواهر من الكتاب والسنة إن التزموها أفضت بهم إلى الكفر وخرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلفت فيه وتقابلت الاحتمالات في معناه؛ كما بسطه عياض في الشفاء، ولذا قال شيخنا: الأولى، والجواب بأن محل عصمتهم من الصغائر إن لم يترتب عليها تشريع ونحوه، فجاز وقوع ما هو صورة صغيرة من آدم لما ترتب عليها من المنافع له ولذريته، فلا ينافي أنها لا تقع منهم لا عمدًا ولا سهوًا.
"يا هذا انظر كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى الأرض" الظاهر: أن الحكمة هنا الفائدة المترتبة على هبوطه، كما يشير إليه قوله:"لولا نزوله لما ظهر جهاد المجتهدين واجتهاد العابدين" وإن كانت الحكمة في الأصل تحقيق العلم وإتقان العمل، "وا صعدت" بكسر العين، "زفرات" بفتح الزاي والفاء وتسكن للشعر جمع زفرة، أي: أصوات "أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين" وفي تفسير القرطبي: لم يكن إخراج الله آدم من
يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإني قريب مجيب، أجيب دعوة الداعي، إن كان حصل لك من الإخراج كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، وإن كان فاتك في السماء زجل المسبحين فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار، "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم".
الجنة عقوبة له؛ لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته، وإنما أهبطه تأديبًا أو تغليظًا للمحنة، والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم، ويترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا داري تكليف، فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه ولله فعل ما شاء، وقد قال:{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ، وقال أرباب المعاني، في قوله تعالى:{وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة} [البقرة: 35، الأعراف: 19] ، إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة، وأن سكناه لا تدوم؛ لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى، والدليل عليه:{إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ، انتهى.
وفي الأحوذي: خروج منها سبب لوجود الذرية وهذا النسل العظيم، ووجود الأنبياء والمرسلين والصالحين ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها، انتهى. ولما تاب الله على آدم بين له بالوحي والإلهام ما اطمأنت به نفسه، وذهب به روعه، حتى كأنه قال له:"يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب" فلا تحزن "فإني قريب مجيب" فقربي لك في الجنة، كهو في الأرض "أجيب دعوة الداعي، إن كان حصل لك من الإخراج كسر" وهو الواقع "فأنا عند المنكسرة قلوبهم" اسم فاعل من انكسر مطاوع كسر من باب ضرب، ووصف القلب به تجوزا كأنه شبه ضعفه وذلته بتفرق أجزاء شيء منكسر، "من أجلي" وليس هذا بحديث قدسي، فغاية ما في المقاصد حديث أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، جرى في البداية للغزالي.
"وإن كان فاتك في السماء زجل" بفتح الزاي والجيم ولام: أصوات "المسبحين، فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين" ولا تقل فرق بينهما فـ"أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم" أي: المسبحين، وإذا أحب إلينا فأنت تحب ما نحب، "زجل المسبحين" من حيث هم لا مسبحي السماء، "ربما يشوبه الافتخار" فيفسده "وأنين المذنبين يزينه الانكسار" فبواسطته فاق الثلاثة ثم رشح هذا الوارد الصوفي المساق عن الحق جل جلاله على طريق الصوفية، بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ:"والذي نفسي بيده " لو لم
سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدًا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وكان عليه وبالا، لقن الله آدم حجته، وألقى عليه ما تقبل به توبته، وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته.........................
تذنبوا لذهب الله بكم" أي: لأماتكم بانقضاء آجالكم "ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون" الله تعالى "فيغفر لهم" ليكونوا مظهرًا للمغفرة التي وصف بها ذاته؛ كقوله: {فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيم} [النمل: 11] ، فالغفار يستدعي مغفورًا، والرحيم مرحومًا، أي: فلا تمنعكم ذنوبكم من التوبة والإنابة ليأسكم من روح الله فليس إذنا في الذنب ولا حثًا عليه، بل المقصود منه مجرد التنبيه على عظم الفضل وسعة المغفرة والحث على التوبة.
قال الطيبي: لم يرد به ونحوه قلة الاحتفال بمواقعة الذنوب، كما توهمه أهل الغرة، بل كما أنه أحب الإحسان إلى المحسن أحب التجاوز عن المسيء، فمراده لم يكن ليجعل العباد كالملائكة منزهين عن الذنوب بل خلق فيهم من يميل بطبعه إلى الهوى، ثم كلفه توقيه وعرفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفى فأجره على الله، وإن أخطأ فالتوبة بين يديه، وسر ذلك إظهار صفة الكرم والحلم والغفران، ولو لم يوجد لانثلم طرف من صفة الألوهية، والله يتجلى لعبده بصفات الجلال والإكرام في القهر واللطف، انتهى.
"سبحان من إذا لطف بعبده في المحن" بكسر ففتح جمع محنة، أي: البلايا "قلبها" صيرها أو أبدلها "منحا" بكسر ففتح: عطايا، "وإذا خذل عبدًا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وكان عليه" اجتهاد "وبالا" فقد "لقن الله آدم حجته" حيث قال: ما ظننت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا وقد قال قوم: إن آدم وحواء ما أكلا من الشجرة المنهي عنها، وإنما أكلا من جنسها تأولا أن المراد العين، وكان المراد الجنس، حكاه القرطبي.
"وألقى عليه ما تقبل به توبته" هو كما قال ابن عباس والحسن وابن جبير الضحاك وابن مجاهد: ربنا ظلمنا أنفسا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. وعن مجاهد أيضًا: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، وقيل: رأى مكتوبًا على سابق العرش محمد رسول الله، فتشفع به، وقيل: المراد البكاء والحياء والدعاء والندم والاستغفار، ذكره القرطبي.
"وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته" مر عن القرطبي أنه عبد الله ثمانين ألف سنة، وفي منتهى النقول: تسعة آلاف سنة، وفي الخميس: مائتين وأربعين ألف سنة، ولم يبق في السماوات والأرضين السبع موضع شبر إلا سجد فيه، فقال: إلهي هل بقي موضع لم أسجد فيه؟ فقال:
فصار عمله هباء منصورًا، قال: أخرج منها {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر: 34-35] إذا وضع عدله على عبد لم يبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم يبق له سيئة.
انظر......................................
اسجد لآدم، فقال: أتفضله عليّ؟ قال أفعل ما أشاء ولا أسأل عما أفعل، فأبى فطرد ولعن.
وفي المشكاة: قال الحسن: عبد الله في السماء سبعمائة ألف وسبعين ألفًا وخمسة آلاف سنة، وعبد الله في الأرض فلم يترك موضع قدم إلا سجد فيه سجدة. "فصار عمله هباء منثورًا" هو ما يرى في الكوى التي عليها الشمس؛ كالغبار المفرق، أي: مثله في عدم النفع به لعدم شرطه.
"قال" تعالى: "اخرج" التلاوة فاخرج، وصرح الدماميني عن ابن السبكي بجواز حذف العاطف في الاستدلال بل والإتيان بواو وفاء؛ لأنه ليس المراد إلا ما بعده، وقد كتب صلى الله عليه وسلم لهرقل:"ويا أهل الكتاب""منها" أي: في الجنة لا السماء إذ لم يمنع منها إلا بعد البعثة، "فإنك رجيم" مطرود من الخير والكرامة، فإن من يطرد يرجم بالحجارة أو شيطان يرجم بالشهب، "وإن عليك اللعنة" هذا الطرد والإبعاد "إلى يوم الدين" يوم القيامة، وإنما غيابه لانتهاء التكليف الذي هو مظنة الفعل سبب التوبة، ومعلوم أنه حيث انتفى سبب التوبة تأبد الطرد، أو لكونه أبعد ما يتعارفه الناس فجرى على أسلوب كلامهم أو لأنه لشدة العذاب يوم القيامة يذهل عن كونه مطرودًا عن الرحمة بخلاف الدنيا، فإن بالعيان عالم بالطرد.
"وإذا وضع عدله على عبد" أي: إذا جازاه على فعله بمقتضى عدله، "لم يبق" بضم الياء أي الله وفتحها، "له حسنة" بالنصب والرفع؛ لأن العبد لا يخلو من أفعال مقتضية للمؤاخذة، قال تعالى:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر: 45]، أي: من يدب عليها بشؤم المعاصي، وقيل: المراد بالدابة الإنس فقط. "وإذا بسط فضله على عبد" أي: عامله بالرحمة والمغفرة، "لم يبق له سيئة" أي: لم يؤاخذه بذنوبه، والمراد: أن حسناته وسيئاته تمحيان من صحف الملائكة ليكون ذلك بالنسبة للحسنة أشد في إدخال الأسف والحزن عليه لتفريطه حتى ذهبت حسناته، وبالنسبة للسيئة أبلغ في الستر عليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:"إذا تاب العبد أنسى الله الحفظة ذنوبه وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله، وليس عليه شاهد من الله بذنب" رواه الأصبهاني في الترغيب، والحكيم الترمذي في النوادر، وابن عساكر. وعبر في الأول بوضع لمناسبته للوزن والمحاسبة. وفي الثاني: بالبسط؛ لأنه المناسب للعفو والستر.
"انظر" من النظر، بمعنى إعمال الفكر ومزيد التدبر والتأمل، قال الراغب: النظر إجالة الخاطر
لما ظهرت فضائل آدم عليه الصلاة والسلام على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، إنما هي دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد، وكأنك بالعيش الماضي وقد عاد على أكمل من ذلك المعتاد.
ولما أظهر إبليس -عليه اللعنة- الحسد، سعى في الأذى، حتى كان سببًا في إخراج السيد آدم من الجنة، وما فهم الأبله..................
نحو المرئي لإدراك البصيرة إياه، فللقلب عين، كما أن للبدن عينًا. "لما ظهرت فضائل آدم عليه الصلاة والسلام على الخلائق" من الملائكة وغيرهم "بالعلم" المشار إليه بقوله تعالى:{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، وبما آتاه الله من قوة العقل. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة، وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى أرجحهم. قال القرطبي: يحتمل أن يخص من عمومه المصطفى فإنه أوفر الناس حلمًا، ويحتمل من المعنى غير الأنبياء.
"وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، وإنما هي دار نعيم ومشاهدة" فيه إشارة إلى جنة المأوى، "قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد" إضافة بيانية، أي هي جهاد النفس "وصابر جنود الهوى" بالقصر، أي: هوى النفس، أي: ميلها إلى مشتهياتها "بالجد" بالكسر ضد الهزل، "والاجتهاد" بذل الوسع فهو مغاير للجد مفهومًا مقاربة ما صدق على مقتضى المختار والمصباح يقتضي تساويهما. "وكأنك بالعيش الماضي" أي: نعيم الجنة الذي فارقته، "وقد عاد" إليك بانتقالك للدار الآخرة والنعيم المقيم، وفيه إشارة إلى أن الدنيا وإن طالت لا تعد شيئًا بالنسبة لنعيم الآخرة؛ لبقائها وفناء الدنيا، والفاني كالعدم بالنسبة للباقي. "علي" حال "أكمل من ذلك" الحال "المعتاد" لك أولا في الجنة. "ولما أظهر" عطف على لما ظهرت "إبليس عليه اللعنة" كذا في كثير من النسخ بالواو، ووقع في نسخة شيخنا بدونها، فقال: ينبغي تقديرها "الحسد" لآدم "سعى في الأذى" له "حتى كان سببًا في إخراج السيد آدم من الجنة" في حديث رواه اليافعي في نفحات الأزهار عن علي رفعه: "هبط علي جبريل، فقال: إن لكل شيء سيدًا فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت" فإن صح ففي الفتح السيادة لا تقتضي الأفضلية، فقد قال عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، وقال ابن عمر: ما رأيت أسود من معاوية، مع أنه رأى العمرين.
"وما فهم الأبله" بفتح الهمزة، عديم المعرفة الأحمق الخالي من التمييز، ووصفه بذلك
أن آدم إذا خرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول.
قالوا: وفيه إشارة، كأنه تعالى يقول: لو غفرت في الجنة لما تبين كرمي، بأني أغفر لنفس واحدة، بل أؤخره إلى الدنيا، وآتي بألوف من العصاة حتى أغفر لهم وله ليتبين جودي وكرمي. وأيضًا: علم الله تعالى أن في صلبه الأولاد، والجنة ليست دار توالد.................
مشعر بأنه سلب العلم عند كفره، قال القرطبي: لا خلاف أنه كان عالمًا بالله قبل كفره، فمن قال: كفر جهلا، قال: سلب العلم عند كفره، ومن قال عنادًا، قال: كفر ومعه علمه. قال ابن عطية: والكفر مع بقاء العلم مستبعدًا؛ إلا أنه جائز عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء، قال: واختلف هل كان قبله كافر؟ فقيل: لا، وهو أول من كفر، وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض، وهل كفر جهلا أو عنادًا، قولان لأهل السنة.
"إن آدم إذا أخرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول" ولو فهم ذلك ما سعى فيه، قال القرطبي: لم يقصد إبليس إخراجه منها وإنما أراد إسقاطه عن مرتبته وإبعاده كما أبعده هو، فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده بل ازداد غبنًا وغيظ نفس وخيبة ظن، قال تعالى:{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [طه: 122] ، فتاب عليه وهدي فصار خليفة الله في أرضه بعد أن كان جاره في داره. ا. هـ.
"قالوا" أي الصوفية ونسبة للكل كأنه لظهوره صدر عن الجميع، فليس المراد التبرى، "وفيه" أي: إخراج آدم من الجنة، "إشارة" هي شيء يدل على النطق فهي مرادفة له؛ "كأنه تعالى يقول: لو غفرت في الجنة لما تبين كرمي بأني أغفر" الباء سببية علة للنفي، أي: لانتفى تبين كرمي؛ لأني إنما غفرت "لنفس واحدة" والغفر لها لا يستدعي سعة الكرم، وفي نسخة: بأن أغفر، أي: بسبب المغفرة، "ب أؤخره" بهمزتين أولاهما مضمومة "إلى الدنيا، وآتي بألوف من العصاة حتى أغفر لهم وله" يوم القيامة "ليتبين" له ولغيره، "جودي وكرمي" وكان هؤلاء الذين جعلوا هذا إشارة واستنبطوه لم يقفوا عليه منصوصًا، وفي الخميس: كغيره؛ كما مر قول الله تعالى لجبريل: إن رحمته لا ينقص من رحمتي شيء، وإن يذهب لا يعاب عليه شيء، فخل عنه حتى يذهب ثم يرجع غدًا في مائة ألوف من أولاده عصاة حتى يشاهد فضلنا على أولاده ويعلم سعة رحمتنا.
"وأيضًا علم الله تعالى أن في صلبه الأولاد والجنة ليست دار توالد" أي: تكثر فيه الأولاد، فلا ينافي ما حكاه ابن إسحاق عن بعض أهل الكتاب إن صح أن آدم كان يغشي حواء في الجنة قبل أن يأكل من الشجرة فحملت بقابيل وتوأمته فلم تجد عليهما وجعًا ولا طلقًا حين
وأيضًا: ليخرج من ظهره في الدنيا من لا نصيب له في الجنة.
يا هذا، الجنة إن شاء الله إقطاعنا. وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل عليه الصلاة والسلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] ، إنما يخرج الإقطاع عمن خرج عن الطاعة، نسأل الله التوفيق.
وقد اختلف في الجنة التي سكنها........................
ولدتهما ولم تر معهما دمًا. "وأيضًا ليخرج" الله "من ظهره في الدنيا من لا نصيب له في الجنة" وهم الكفار لما سبق منه سبحانه وتعالى: أن فريقًا في الجنة وفريقًا في السعير. وقال الأستاذ التاج في التنوير: فكأن مراد الحق من آدم الأكل من الشجرة لينزله إلى الأرض ويستخلفه فيها، فكان هبوطًا في الصورة رقيًا في المعنى، ولذا قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: والله ما أنزل الله آدم إلى الأرض لينقصه، إنما أنزله إلى الأرض ليكمله ثم قال: فما أنزل إلى الأرض إلا ليكمل له وجود التعريف ويقيمه بوظائف التكليف، فتكاملت في آدم العبد عبودية التعريف وعبودية التكليف، فعظمت منه الله عليه وتوافر إحسانه إليه. ا. هـ.
"يا هذا الجنة إن شاء الله إقطاعنا" أي: معطاة لنا لنرتفق بها ونتنعم فيها بأنواع النعم أطلق الإقطاع عليها استعارة أو تشبيهًا، والمعنى: أنها لنا كالإقطاع وهو ما يعطيه الإمام من أرض الخراج، "وقد وصل منشور الإقطع" أي: وصل خبرها إلينا، "مع جبريل عليه السلام إلى نبينا صلى الله عليه وسلم" والدليل على وصوله قوله تعالى:{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} ، صدقوا بالله " {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} " من الفروض والنوافل، "أن" أي: بأن "لهم جنات" حدائق ذات شجر ومساكن "تجري من تحتها" أي: تحت أشجارها وقصورها، "الأنهار" [البقرة: 25] أي: المياه فيها والنهر الموضع الذي يجري فيه الماء؛ لأن الماء ينهره، أي: يحفره وإسناد الجري إليه مجاز، "إنما يخرج الإقطاع" بتحتية نظرًا للفظ الإقطاع فإنه مذكر وفوقية نظرًا لمعناه، وهي الأرض إذ هي مؤنثة إن أرضي واسعة، "عمن خرج عن الطاعة نسأل الله التوفيق" وأتى بهذا تأكيدًا لاستحقاق المؤمنين نعيم الجنة بمقتضى الوعد وتنبيهًا على استحقاقهم لذلك مشروط ببقائهم على الطاعة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأنهم إذا خالفوا ذلك استحقوا العذاب بمقتضى الوعيد، وقرب ذلك بما هو مشاهد من معاملة السلطان لرعاياه فيما لو أنعم على بعضهم بسبب نصحه في الخدمة، فإنه إذا خرج عنها عاقبه ومنعه ما أولاه من أرض ونحوها.
"وقد اختلف في الجنة" بالفتح واحدة الجنات، قال القرطبي: وهي البساتين سميت جنات؛ لأنها تجن من فيها، أي: يستره شجرها، ومنه المجن والجنين والجنة،"التي سكنها
آدم.
فقيل: هي جنة الخلد.
وقيل: غيرها، جعلها الله دار ابتلاء، لأن جنة الخلد إنما يدخل إليها يوم القيامة، ولأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي، ودار سلامة لا دار ابتلاء وامتحان، ودار قرار لا دار انتقال.
واحتج القائلون بأنها جنة الخلد...............................
آدم" حين قيل له: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] ، "فقيل: هي جنة الخلد" وهو قول جمهور الأشاعرة، بل حكى ابن بطال عن بعض المشايخ إجمال أهل السنة عليه؛ لأن اللام للعهد ولا معهود غيرها، ولقوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} ، وذلك صفة جنة الخلد؛ ولقوله: اهبطوا منها، والهبوط يكون من علو إلى سفل ولا يستقيم ذلك في بستان مخلوق على الأرض، ولأن موسى لما لقى آدم عليهما السلام وقال له: أنت أتعبت ذريتك وأخرجتهم من الجنة لم ينكر ذلك آدم، وإنما قال: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق. الحديث الصحيح، ولو كانت غيرها لرد على موسى. "وقيل" هي "غيرها" حكاه منذر بن سعيد زاعمًا كثرة الأدلة عليه، وحكاه الماوردي والرازي وابن عقيل والقرطبي والرماني وغيرهم، واختلف القائلون به، فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني، وحكاه الثعلبي عن القدرية هي بستان بالأرض، أي: بأرض عدن؛ كما في القرطبي، أو بأرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان؛ كما في البيضاوي. قال الرازي وابن عقيل: ويحمل هؤلاء الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في: اهبطوا مصرا، وقيل: هي جنة أخرى كانت فوق السماء السابعة، وهو قول أبي هاشم، ورواية عن الجبائي. قال ابن عقيل: وهي دعوى بلا دليل فلم يثبت أن في السماء غير بساتين جنة الخلد. ا. هـ.
"جعلها الله دار ابتلاء" لآدم وواء؛ "لأن جنة الخلد إنما يدخل إليها يوم القيامة" وهذه قد دخلت قبله، "ولأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي" فلو كانت هي ما وجدوا فيها، "ودار سلامة" من الآفات وكل خوف وحزن، "لا دار ابتلاء وامتحان" وقد وجدا فيها "ودار قرار" لقوله تعالى:{وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] ، "لا دار انتقال" وقد انتقلوا منها، فدل ذلك كله على أنها غيرها. "واحتج القائلون بأنها جنة الخلد" قيل: هي واحدة لها أسماء، وقيل: سبع، ورجح جماعة أنها أربع؛ لما في سورة الرحمن وتحتها أفراد كثيرة لحديث الصحيح:"إنها جنان كثيرة" وعليهما فإطلاق المصنف مجاز من تسمية الكل باسم الجزء، أي:
بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم القيامة، وقد دخلها نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وبأن ما ذكره من أن الجنة لا يوجد فيها ما وجده آدم من الحزن والنصب فإنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها، والله أعلم.
وروي أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوبًا على ساق العرش وعلى كل موضع في الجنة............
أجابوا عن تلك الشبه التي احتج بها القائلون بأنها غيرها، وإلا فلم يظهر مما ذكره المصنف دليل على أنها جنة الخلد، فأجابوا عن الشبهة الأولى:"بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم القيامة و" دليل ذلك أنه "قد دخلها نبيًا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء" ثم خرج منها، وأخبر بما فيها وأنها جنة الخلد حقًا، "وبأن ما ذكره" القائلون بأنها غيرها، "من أن الجنة لا يوجد فيها ما وجده آدم من الحزن" بنحو تساقط اللباس "والنصب" التعب، بنحو طلب ورق الجنة يستر به سوأته، "فإنما" الأولى حذف الفاء لأنه خبر أن، أو هي تعليلية لمحذوف، أي: ما ذكروه من كذا لا يصح، فإنما "هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة؛ كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإن نفي ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها" يوم القيامة، وسكت عن جواب الأخير لعلمه من هذا وهو أن كونها دار قرار، إنما هو يوم القيامة، "والله أعلم. ا. هـ".
وظاهر المصنف بل صريحة تساوي القولين وليس كذلك، فقد قال القرطبي: هي جنة الخلد، ولا التفات إلى ما ذهب إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن فيها وإنما كان في جنة بعدن، وذكر أدلتهم وردها بما يطول، ورجح أبو القاسم الرماني في تفسيره أنها جنة الخلد أيضًا، وقال: هو قول الحسن وعمر ووصل، وعليه أهل التفسير.
"وروي أنه لما خرج آدم من الجنة" أي: لما أراد الخروج لما في الخميس إن الله لما قال له: اخرج لا يجاورني من عصاني رفع آدم طرفه إلى العرش فإذا هو مكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقال: يا رب بحق محمد اغفر لي، فقال: قد غفرت لك بحقه، ولكن لا يجاورني من عصاني، ويأتي للمصنف في المقصد الثاني ما يصرح بأن آدم رأى كتابة اسمه على العرش قبل تمام خلقه، ومر الخلاف في قدر مكثه في الجنة.
"رأى مكتوبًا على ساق العرش" وكانت الكتابة قبل خلق السماوات والأرض بألفي سنة، كما روي عن أنس. "وعلى كل موضع في الجنة" من قصر وغرفة ونحور حور عين، وورق شجرة طوبى وورق سدرة المنتهى وأطراف الحجب وبين أعين الملائكة، رواه ابن عساكر عن
اسم محمد صلى الله عليه وسلم مقرونًا باسم الله تعالى، فقال يا رب هذا محمد من هو؟ فقال تعالى: هذا ولدك الذي لولاه ما خلقتك. فقال: يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد، فنودي: يا آدم، لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت علي قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك
كعب الأحبار نقله المصنف في المقصد الثاني.
"اسم محمد" إضافة بيانية فلا يرد أن لفظ محمد، وضع له اسم دال عليه، فالمرئي ذلك الاسم لا لفظ محمد صلى الله عليه وسلم حال كونه "مقرونًا باسم الله تعالى" وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله، "فقال" آدم:"يا رب، هذا" الاسم الذي هو "محمد من هو؟ " من الذات المسماة به، "فقال الله تعالى: هذا ولدك والذي لولاه ما خلقتك، فقال" آدم:"يا رب، بحرمة هذا الولد، ارحم هذا الوالد، فنودي" على لسان ملك أمره الله بالنداء، "يا آدم" قد قبلنا دعاءك و"لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك" قبلنا شفاعتك "وعن عمر بن الخطاب" القرشي العدوي أمير المؤمنين ثاني الخلفاء ضجيع المصطفى مناقبه شهيرة كثيرة "رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما اقترف" بقاف وآخره فاء أتى وفعل "آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا ما غفرت لي" وفي نسخة لما بفتح اللام وشد الميم بمعنى إلا الاستثنائية؛ كقوله تعالى: {لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ، في قراءة شد الميم، "فقال الله تعالى: يا آدم وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه" أي: جسده فلا ينافي أنه خلق نوره قبل جميع الكائنات، وفيه إظهار فضيلة آدم حيث تنبه وسأل عن صاحب الاس بعد رؤيته مكتوبًا، "قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك" أي: من غير واسطة كأم وأب، "ونفخت" أجريت "في من روحك" فصيرتني حيًا، وإضافة الروح إلى الله تشريف لآدم.
"رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك" وهذا من وفور عقل آدم وبديع استنباطه،
فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، وإذا سألتني بحقه قد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك" رواه البيهقي من دلائله من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال تفرد به عبد الرحمن ورواه الحاكم وصححه، وذكره الطبراني وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك.
وفي حديث سلمان عند ابن عساكر قال: هبط جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن ربك يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا، فقد اتخذتك حبيبًا........
"فقال الله تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، وإذا سألتني" تعليلية، أي: ولسؤالك إياي "بحقه قد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك، رواه البيهقي" ونقلته "من دلائله"، أي: كتابه دلائل النبوة الذي قال فيه الحافظ الذهبي: عليك به فإنه كله هدى ونور، "من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" المدني عن أبيه وابن المنكدر، وعنه أصبغ وقتيبة وهشام ضعفوه له تفسير توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. "وقال" البيهقي:"تفرد به عبد الرحمن" أي: لم يتابعه عليه غيره فهو غريب مع ضعف روايه، "ورواه الحاكم وصححه وذكره" أي: رواه "الطبراني" الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشامي مسند الدنيا الحافظ المكثر صاحب التصانيف الكثيرة أخذ عن أكثر من ألف شيخ؛ كأبي زرعة الرازي وطبقته، وعنه أبو نعيم وغيره.
قال الذهبي: ثقة صدوق واسع الحفظ بصير بالعلل والرجال والأبواب إليه المنتهى في الحديث وعلومه، مات بمصر سنة ستين وثلاثمائة عن مائة سنة وعشرة أشهر. "وزاد فيه" أي: في آخره "وهو آخر الأنبياء من ذريتك. وفي حديث سلمان" الفارسي الذي تشتاق له الجنة شهد الخندق وما بعدها، وعاش دهرًا طويلا حتى قيل: إنه أدرك حواري عيسى، ويأتي إن شاء الله تحقيق ذلك في خدمه صلى الله عليه وسلم.
"عند ابن عساكر" الحافظ أبي القاسم علي بن الحسين بن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب تاريخ دمشق وغيره من المصنفات الثقة الثبت الحجة المتقن غزير العلم كثير الفضل دين خير، ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة ورحل إلى بغداد وغيرها وسمع من نحو ألف وثلاثمائة شيخ ونيف، وثمانين امرأة، وروى عنه من لا يحصى ثناء الناس عليه كثير مات سنة إحدى وسبعين وخمسمائة "قال: هبط جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم" أرسله سلمان فيحمل على أنه حمله على المصطفى أو عمن سمعه منه.
"فقال" له: "إن ربك يقول" لك "إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا" كما علمته تحقيقًا، "فـ" علم وتحقق إني "قد اتخذت حبيبًا" فأبشر وطب نفسًا، فإني بصورة الشك تطمينًا له أو
وما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا وما أحسن قول سيدي علي وفى في قصيدته الدالية التي أولها:
سكن الفؤاد فعش هنيئًا يا جسد
…
هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد
روح الوجود حياة من هو واجد
…
لولاه ما تم الوجود لمن وجد
عيسى وآدم والصدور جميعهم
…
............................
إن بمعنى إذ، فلا يرد أن استعمال إن إنما هو في المشكوك فيه، ولا شك هنا.
"وما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا وما أحسن قول" وفي نسخة: ولله در، "سيدي علي وفي" الشاذلي العارف الكبير أبي الحسن ابن العارف الكبير، ولد بالقاهرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وكان يقظًا حاد الذهن، ومالكي المذهب وله نظم كثير، وكان أبوه معجبًا به، وأذن له في الكلام على الناس وهو دون العشرين، مات في ذي الحجة سنة سبع وثمانمائة، كذا ترجمه الحافظ ابن حجر، وتبعه السخاوي والسيوطي، ولا يشكل بأن أباه مات وهو ابن سنة، وقيل: ابن ست سنين، كما ادعى النجم ابن فهد؛ لجواز أن أباه أذن له حال الطفولية في ذلك إذا بلغ هذا السن لما اطل عليه فيه من الأسرار الربانية "في قصيدته الدالية" نسبة إلى الدال؛ لوقوعها آخر كل بيت، كما هو اصطلاح العروضين "التي أولها":
"سكن الفؤاد فعش هنيئًا يا جسد
…
هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد"
وبعد هذا البيت:
أصبحت في كنف الحبيب ومن يكن
…
جار الكريم فعيشه العيش الرغد
عش في أمان الله تحت لوائه
…
لا خوف في هذا الجناب ولا نكد
لا تختشي فقرًا وعندك بيت من
…
كل المنى لك من أياديه مدد
رب الجمال ومرسل الجدوى ومن
…
هو في المحاسن كلها فرد أحد
قطب النهى غوث العالم كلها
…
أعلى على سار أحمد من حمد
ومقول قوله: ما أحسن قول هو قوله: "روح الوجود حياة من هو واجد" بالجيم، أي: هو صلى الله عليه وسلم سبب لحياة من وجدهم من الخلق، أي: علمهم موجودين منهم؛ لأنه "لولاه ما تم الوجود لمن وجد" فهو كالعلة لما قبله "عيسى وآدم" خصهما؛ لأن عيسى آخر الرسل قبله وآدم أولهم "والصدور جميعهم" أي: العظماء الذين يصدرون ويعظمون في المجالس من صدره في
.......................
…
هم أعين هو نورها لما ورد
لو أبصر الشيطان طلعة نوره
…
في وجه آدم كان أول من سجد
أو لو رأى النمرود نور جماله
…
عبد الجليل مع الخليل ولا عند
لكن جمال الله جل فلا يرى
…
إلا بتخصيص من الله الصمد
ولما خلق الله تعالى حواء لتسكن إلى آدم ويسكن إليها، فحين وصل إليها فاضت بركاته عليها، فولدت له في تلك الأعوام الحسناء...........................
المجلس فتصدر "هم أعين" و"هو" صلى الله عليه وسلم "نورها، لما ورد" أتى "لو أبصر الشيطان" نظر بعين البصيرة، لما روي عن ابن عباس أنه لما نفخ في آدم الروح صار نور محمد صلى الله عليه وسلم يلمع من جبهته؛ كالشمس المشرقة، ويحتمل الحقيقة بأن يكون حجب الله بصره مع شدة ظهوره عن أن يرى "طلعة نوره، في وجه آدم كان أول من سجد" له، لكنه لم يبصر ذلك لخذلان الله عز وجل له، "أو لو رأى النمرود" بضم النون آخره دال مهملة، كما في القاموس وبالمعجمة نقله ثعلب عن أهل البصرة وهو الموافق للضابط الذي نظمه الفارابي فرقًا بينهما في لغة الفرس، حيث قال:
احفظ الفرق بين دال وذال
…
فهو ركن في الفارسية معظم
كل ما قبله سكون بلا وا
…
ي فدال وما سواه فمعجم
واختصره القائل:
إن تلت الدال صحيحًا ساكنًا
…
أهملها الفرس وإلا أعجموا
"نور جماله" في وجه إبراهيم عليهما السلام، "عبد الجليل" بالجيم "مع الخليل" إبراهيم "ولا عند" بفتح العين والنون، أي: خالف ورد الحق مع معرفته به. وأما عند الطريق بمعنى عدل عنها فمثلث النون، كما في الراموز. "لكن جمال الله" كماله ونوره الحامل على الطاعة، "جل" عن الأبصار والبصائر "فلا يرى" بالبصائر "إلا بتخصيص" بإعطاء "من الله الصمد" لمن شاء فلذا لم يره إبليس، وبقي من القصيدة ثلاثة أبيات:
فأبشر بمن سكن الجوانح منك يا
…
أنا قد ملأت من المنى عينا وبد
عين الوفا معنى الصفا سر الندى
…
نور الهدى روح النهى جسد الرشد
هو للصلاة من السلام المرتضى
…
الجامع المخصوص ما دام الأبد
"ولما خلق الله تعالى حواء لتسكن إلى آدم ويسكن إليها، فحين وصل" وفي نسخة صار "إليها" أي: واقعًا وكان ذلك بعد هبوطهما بمائة سنة، وقيل: مائة وعشرين حكاهما الخميس، "فاضت بركاته عليها فولدت له في تلك الأعوام الحسناء" قد بينا لك عدة الأعوام فإنه عاش ألف سنة، فأسقط منها مقدار مكثه في الجنة الذي تقدم الخلاف فيه، وهذه المائة أو
أربعين ولدا في عشرين بطنًا، ووضعت شيثا وحده، كرامة لمن أطلع الله بالنبوة سعده.
ولما توفي آدم..................................
وعشرين بعد الهبوط تعرف عدة هذه الأعوام.
"أربعين ولدًا في عشرين بطنًا" كما اقتصر عليه البغوي، قائلا: وكان أولهم قابيل وتوأمته إقليميا، ونقل ابن إسحاق عن بعض أهل الكتاب أنهما ولدا في الجنة وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة الغيث. ا. هـ. وفي النسفي: أولهم الحارث "ووضعت شيثا" بكسر المعجمة فتحتية ساكنة فمثلثة مصروف، وفي سيرة مغلطاي ويقال: شاث، ومعناه هبة الله، ويقال: عطية الله، وقال السهيلي: وهو بالسريانية: شاث، وبالعبرانية: شيث، وقال ابن كثير وغيره: سماه هبة الله؛ لأنهما رزقاه بعد قتل هابيل بخمس سنين ووضعته على شكل هابين لا يغادر منه شيئًا، وقيل: ولد بعده بأربعين سنة، وقيل غير ذلك هذا ووقع في الشامية يقال: شاث، بإمالة الشين ورده شيخنا: بأن الشين مكسورة فلا تمال، وقيل: لا يصرف بناء على أن الثلاثي الأعجمي الساكن الوسط يجوز صرفه وعدمه، قال في الهمع وهو فساد إذ لم يحفظ. "وحده" ولا أخت معه على المشهور، وقيل: كان معه أخته؛ كما في الخميس.
وفي بحر النسفي: أول ولد آدم الحارث ولا أخت معه، ثم قابيل وأخته، ثم هابيل وأخته، ثم أسوت وأخته، ثم شيث وحده، ثم أثنى بعده في بطن فزوجها منه، ثم كذا وكذا إلى تمام الأربعين بطنًا عند ابن إسحاق. وقال وهب بن منبه: مائة وعشرين بطنًا، وقيل: خمسمائة بطن لتمام ألف ولد. ا. هـ.
"كرامة لمن أطلع الله بالنبوة سعده" وهو المصطفى فكان في وجه شيث نور نبينا صلى الله عليه وسلم وجاءت الملائكة مبشرة لآدم به، "ولما توفي آدم" عليه الصلاة والسلام وسنه ألف سنة؛ كما في حديث أبي هريرة وابن عباس مرفوعًا، وقيل: إلا سبعين، وقيل: إلا ستين، وقيل: إلا أربعين بمكة يوم الجمعة، وصلى عليه جبريل، واقتدى به الملائكة وبنو آدم. وفي رواية صلى عليه شيث بأمر جبريل ودفن بمكة في قبر بغار أبي قبيس، ذكرهما الثعلبي وغيره. وعن ابن عباس: لما فرغ آدم من الحج رجع إلى الهند، فمات.
وعن ثابت البناني حفروا لآدم ودفنوه بسرنديب في الموضع الذي أهبط فيه وصححه الحافظ ابن كثير، وقيل: دفن بين بيت المقدس ومسجد إبراهيم، رأسه عند الصخرة ورجلاه عند مسجد الخليل، وقيل: دفن عند مسجد الخيف.
وقال ابن إسحاق وغيره: دفنته الملائكة وشيث وأخوته في مشارق الفردوس عند قرية هي
كان شيث عليه الصلاة والسلام وصيًا لآدم على ولده، ثم أوصى شيث ولده بوصية آدم: أن لا يضع هذا النور إلا في المطهرات من النساء، ولم تزل هذه الوصية جارية، تنتقل من قرن إلى قرن.......................
أول قرية كانت في الأرض وكسفت الشمس والقمر عليه أسبوعًا وعاشت حواء بعده سنة، وقيل: ثلاثة أيام ودفنت بجنبه. "كان شيث عليه الصلاة والسلام وصيًا لآدم على ولده" أي: أولاده ومر أن يكون واحدًا وجمعًا، وأطاعه أولاد أبيه، وروي عن ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ أولاده وأحفاده أربعين ألفًا الصلبية منهم أربعون.
وفي مسند الفردوس عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن آدم عليه الصلاة والسلام قام خطيبًا في أربعين ألفًا من ولده وولد ولده، وقال: إن ربي عهد إلي، فقال: يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري، وكان شيث أجمل أولاده وأشبههم به وأحبهم إليه وأفضلهم، وعلمه الله الساعات والعبادة في كل ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وزوجه الله أخته التي ولدت بعده وكانت جميلة كأمها حواء، وخطب جبريل وشهدت الملائكة، وكان آدم وليها ورزقه الله أولادًا في حياة أبيه وعمر تسعمائة واثنتي عشرة سنة، وقيل: عشرين ومات لمضي ألف واثنتين وأربعين سنة من هبوط آدم، ودفن في غار أبي قيس"، "ثم" بعد ما أوحى الله إلى شيث أن اتخذ ابنك أنوش صفيًا وصيًا علم أنه نعيت إليه نفسه، "أوصى شيث" واستخلف "ولده" هو أنوش بفتح الهمزة فنون مضمومة آخره شين معجمة، ويقال: يانش بتحتية فنون مفتوحة فمعجمة، وقيل: أنش.
قال السهيلي: ومعنى أنوش الصادق وهو بالعربية أنش. وقال مغلطاي: يانش ومعناه الصادق، ذكره النور وانتقلت إليه رئاسة الخلق بعد أبيه وقام مقامه، وكان على طوله وبياضه وجماله وعاش تسعمائة وخمسين أو عشرين أو خمسًا وستين سنة.
"بوصية آدم" وهي "أن لا يضع هذا النور" الذي كان في وجه آدم كالشمس "إلا في المطهرات من النساء، ولم تزل هذه الوصية جارية تنتقل من قرن إلى قرن" أي: من طائفة إلى أخرى، فإن النور إذا كان في شيث مثلا كان موجودًا في مجموع من عاصره، فإذا مات وانتقل لولده انتقل النور من مجموع تلك الطائفة إلى مجموع طائفة ابنه وهكذا، أو المراد من واحد إلى واحد وسماه قرنًا تجوزًا، قال الحافظ: والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال: ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، قال: ويطلق القرن على مدة من الزمان اختلف في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين، لكن لم أر من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرة وما عدا ذلك فقد قال به
إلى أن أدى الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد الله، فطهر الله تعالى هذا النسب الشريف من سفاح الجاهلية، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المرضية.
قال ابن عباس -فيما رواه البيهقي في سننه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، ما ولدني
قائل. وفي حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور، وفي المحكم: هو القدر المتوسط من أعمال أهل كل زمن وهذا أعدل الأقوال، وبه صرح ابن الأعرابي، وقال: إنه مأخوذ من الأقران، ويمكن حمل المختلف عليه من الأقوال ممن قال: القرن أربعون فصاعدًا. أما من قال: إنه دون ذلك، فلا يلتئم على هذا القول. ا. هـ.
"إلى أن أدى" أوصل "الله النور إلى عبد المطلب وولده عبد الله" أي: ثم وعبر بالواو لظهوره إذ الاشتراك في وقت واحد لم يقع، أي: ثم أسعد الله آمنة بذلك النور ولم يوص عبد المطلب ولده بذلك لتعاطيه تزويجه من آمنة مع علمه بمكانها من النسب، وإن نكاحه لها لا أثر فيه من الجاهلية فكفاه ذلك عن الوصية هذا، وزعم أن هذا ظاهر فيمن ظهر فيه النور، أما من لم يظهر فيه فمن أين وصلت إليه الوصية؟ فيه نظر، ففي الخميس كغيره: وذلك النور كان ينتقل من جبهة إلى جبهة، وكان يؤخذ في كل مرتبة عهد وميثاق، أنه لا يوضع إلا في المطهرات، فأول من أخذه آدم من شيث وهو من ابنه وهكذا. ا. هـ. فلو لم يظهر في الجميع لما قالوا: كان ينتقل من جبهة إلى جبهة، ويفرض تسليمه فقد أجاب عنه شيخنا: بأن ذلك إما بعلم ضروري أودعه الله في الموصي أو بأن عدم ظهوره فيمن كان من أصوله ليس نفيًا للنور من أصله بل يجوز تفاوته فيهم في ذاته، فمنهم من يظهر فيه تامًا بحيث يدركه من رآه بلا مزيد تأمل، ومنهم من يوجد فيه أصل النور فلا يدرك إلا بمزيد تأمل. "فطهر الله تعالى هذا النسب الشريف من سفاح الجاهلية" هي ما قبل البعثة سموا بذلك لكثرة جهالاتهم، ويقال: هي ما قبل الفتح وهو الظاهر، فقد خطب صلى الله عليه وسلم بهدم أمر الجاهلية، وما كانت عليه في الفتح. وقد قال ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقًا، وابن عباس ولد في الشعب بعد المبعث، قاله في النور.
"كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المرضية" عند العلماء وهي الصحيحة والحسنة، كالضعيفة المعتضدة، وفيه إشعار بوجه اقتصاره على ما ذكر من الأحاديث والإعراض عن غيرها مع كثرته، فكأنه قال: اقتصرت عليها لثبوتها على غيرها.
"قال ابن عباس فيما رواه البيهقي في سننه" قال السبكي: لم يصنف أحد مثله تهذيبًا وجوده، "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما ولدني"" أي: مسني، "من سفاح الجاهلية، شيء ما ولدني
إلا نكاح الإسلام".
والسفاح -بكسر السين المهملة- الزنا، والمراد به هنا: أن المرأة تسافح رجلا مدة، ثم يتزوجها بعد ذلك.
وروى ابن سعد وابن عساكر، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه محمد قال: كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم........................
إلا نكاح الإسلام" أي: نكاح كنكاحه في كونه بعقد صحيح يبيح الوطء، وإن لم يجمع شرائط الإسلام الآن فلا يرد أن نكاح الأخت كما وقع لشيث ليس من نكاح الإسلام الآن إذ المقصود نفي الفجور، فشمل الزواج وغيره، ودخل فيه أم إسماعيل، فإنها كانت ملكًا لإبراهيم بإتفاق المؤرخين وهبتها لها سارة، "والسفاح، بكسر السين المهملة" والفاء فألف فحاء مهملة، "الزنا" من سفحت الماء إذا صببته، فكأنه أراق ماءه وأضاعه وسواء كان جهرًا أو سرًا، كما هو ظاهر إطلاقه؛ كالقاموس والنور والمصباح. وفي الأنوار تفسيره بالمجاهرات.
"والمراد به هنا" في الحديث: "أن المرأة تسافح رجلا مدة، ثم" إذا أعجبته وأعجبها "يتزوجها بعد ذلك" والأولى كما قال شيخنا: أن يراد به ما هو أعم من الزنا، فإن جملة الأحاديث دلت على نفي جميع نكاح الجاهلية عن نسبه من نكاح زوجة الأب لأكبر بنيه، والجمع بين الأختين، ونكاح البغايا وهو أن يطأ البغي جماعة متفرقون فإذا ولدت ألحق بمن غلب عليه شبهه منهم. ونكاح الاستبضاع وهو أن المرأة إذا طهرت من الحيض قال لها زوجها: أرسلي لفلان استبضعي منه ويعتزلها زوجها حتى يبين حملها منه، فإن بان أصابها زوجها إن أحب. ومن نكاح الجمع وهو أن يجتمع رجال دون عشرة ويدخلوا على بغي ذات راية كلهم يطؤها، فإذا وضعت ومر لها ليال بعده أرسلت لهم فلا يتخلف رجل منهم، فتقول: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت فيلحق به لا يستطيع نفيه وإن لم يشبهه. ا. هـ. ملخصًا.
"وروى ابن سعد وابن عساكر، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي" أبي المنذر المتوفى سنة أربع وثمانين ومائة؛ كما قال المسعودي. قال الدارقطني: هشام رافضي ليس بثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. "عن أبيه محمد" بن السائب بن بشر الكلبي، أبي النضر الكوفي المفسر النسابة الأخباري، روى عن الشعبي وعنه ابنه وأبو معاوية متروك متهم بالكذب، مات سنة ست وأربعين ومائة، "قال: كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم" استشكل بأن أمهاته لا تبلغ هذا العدد، فقال الشامي: يريد الجدات وجدات الجدات من قبل أبيه وأمه. ا. هـ. وفي نسيم الرياض ما محصله: إذا تأملت قولهم لم يكن قبيلة من العرب إلا ولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولادة أو قرابة
فما وجدت فيهن سفاحًا ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من نكاح أهل الجاهلية شيء". رواه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم وابن عساكر.
وروى أبو نعيم، عن ابن عباس، مرفوعًا: "لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة، مصفى مهذبًا، لا تتشعب شعبتان
عرفت المراد، فإنك إذا نظرت لقبيلة، فجميع ذكورهم آباء له، وجميع نسائهم جدات أو عمات أو خالات، فعمد قرابتهم ولادة له، والمراد أن نسبه بحواشيه وأطرافه جميل لم يمسه دنس.
"فما وجدت فيهن سفاحًا" زنا، "ولا شيئًا مما كان في أمر الجاهلية" عطف خاص على عام لا عكسه، كما زعم فإنهم كانت لهم أنكحه لا يعونها سفاحًا فحرمها الشارع؛ كنكاح المصافحة ونكاح المقت هو نكاح زوجة الأب، وانتقد بأن النضر خلف على زوج أبيه ورد بأن هذا على تسليمه لم يكن محرمًا في شرع من قبلنا، كما سيأتي إيضاحه في النسب الشريف.
"و" ورد "عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح" " وذلك "من لدن آدم" أي: من عند أول وَلَد وُلِد له هو في أصوله عليه السلام، واستمر ذلك ممتدًا "إلى أن ولدني أبي وأمي" فهو متعلق بمحذوف، "لم يصبني من نكاح أهل الجاهلية" أي: ما كانوا عليه من زنا وغيره "شيء"، رواه الطبراني.
قال الهيثمي الحافظ: بسند رجاله ثقات إلا محمد بن جعفر تكلم فيه وصحح له الحاكم "في" معجمه "الأوسط" الذي ألفه في غرائب شيوخه، يقل: ضمنه ثلاثين ألف حديث، وفي تاريخ ابن عساكر وغيره: أن الطبراني كان يقول: هذا الكتاب روحي؛ لأنه تعب عليه. "وابن عساكر" وكذا ابن عدي. "وروى أبو نعيم" أحمد بن عبد الله الحافظ "عن ابن عباس مرفوعًا" له صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لم يلتق أبواي قط على سفاح"" أي: أحد من آبائي مع واحدة من أمهاتي، لا خصوص أبيه وأمه الدال عليهما لفظ التثنية، بدليل أنه رتب على ذلك قوله: "لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة" حال كونه "مصفى مهذبًا" صفة لازمة لتقارب التصفية والتهذيب.
ففي القاموس: هذبه يهذبه هذبًا، قطعه ونقاه وأصلحه وأخلصه؛ كهذبه والهذب محركة الصفاء والخلوص. وفي نسخة: مصطفى مهذبًا بزيادة طاء من الاصطفاء، "لا تتشعب شعبتان"،
إلا كنت في خيرهما".
وعنه، في قوله تعالى:{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 129] . من نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيًا. رواه البزار.
وعنه أيضًا في الآية قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه. رواه أبو نعيم.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه، في قوله تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خرجت من نكاح غير سفاح".
وعن أنس قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} -بفتح الفاء- وقال: "أنا أنفسكم نسبًا وصهرًا".
أي: لا تتفرع، أي: لا يولد من أصل طائفتان، "إلا كنت في خيرهما" ورد "عنه" أي: عن ابن عباس "في" تفسير "قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ} تفعل، أي: انتقالك {فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 129] أن المراد بهم "من" صلب "نبي إلى نبي" ولو مع الوسائط وفعلت ذلك معك، "حتى أخرجتك نبيًا" فلا يرد أن المطابق للآية حتى أخرجك، وهذا أحد تفاسير في الآية يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في ذكر الأبوين حيث تعرض المصنف لذلك.
"رواه البزار" الحافظ العلامة الشهير أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير المعلل، مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وكذا رواه ابن سعد وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح، والطبراني ورجاله ثقات. "و" ورد "عنه" أي: عن اب عباس "أيضًا في" تفسير "الآية، قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يتقلب" ينتقل "في أصلاب الأنبياء حتى" إلى أن "ولدته أمه" آمنة "رواه أبو نعيم،" ورد "عن جعفر" الصادق "بن محمد عن أبيه" محمد الباقر "في" تفسير قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128]، "قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، قال" محمد "وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"خرجت من نكاح غير سفاح" " وهذا مرسل؛ لأن محمدًا تابعي.
"و" ورد "عن أنس" بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي الصحابي الشهير خادم المصطفى مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وتسعين، "قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم" قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 128] ، بفتح الفاء، وقال: "أنا أنفسكم نسبًا" " مصدر مطلق الوصلة بالقرابة، "وصهرًا" أي من جهة الآباء والأمهات قال ابن السكيت: كل من كان من قبل
وحسبا -بفتحتين- ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح". رواه ابن مردويه.
وفي الدلائل لأبي نعيم، عن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم عن جبريل قال:........
الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه فهو أحماء، ومن قبل المرأة ويجمع الصنفين الأصهار، وفي الأنوار في قوله تعالى:{فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان: 54]، أي: قسمه قسمين ذوي نسب، أي: ذكورًا ينسب إليه وذوات صهر، أي: إناثًا يصاهر بهن؛ كقوله: وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. "وحسبا -بفتحتين" أي: شرفًا ثابتًا لي ولآبائي؛ كما قال الأزهري.
وقال ابن السكيت: الحسب يكون في الإنسان وإن لم يكن في آبائه. ا. هـ. والواقع هنا أنه فيه وفي آبائه، وفي الصحاح: الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آباه، أي: أنا أنفسكم آباء وأمهات ومفاخر آباء" "ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا" أي: أنا وآبائي "نكاح"، إسناده إليهم بتأويل، أي: ذوو نكاح، أو على التجوز في الإسناد كأنهم تجسموا من النكاح؛ كقوله:
فإنما هي إقبال وإدبار
وفي رواية: كلها نكاح بالتأنيث باعتبار الجماعة، أي: كل جماعة آبائي نكاح فلا يرد أنهم عقلاء، فكان يقال كلهم، أو الضمير للوطآت، وقضية ذا الحديث أنه: لا سفاح في آبائه مطلقًا، واستظهر محقق أن المراد طهارة سلسلته فقط، واستشهد بالخبر المار:"لم يلتق أبواي قط على سفاح" وعندي أن الصواب: خلاف هذا التحقيق العقلي؛ لظهور إطلاق نفي السفاح عنهم في هذا الحديث، ويؤيده استقراء الكلبي المحمول على الحواشي؛ كما مر، فإذا انتفى عن حواشيه فكيف يحتمل وقوعه في نفس الآباء والأمهات في غير السلسلة الشريفة، وأما الاستشهاد بالخبر فضعيف، كما لا يخفى.
"رواه" أبو بكر الحافظ أحمد بن موسى "بن مردويه" الأصبهاني اللبيب العلامة، ولد سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وصنف التاريخ والتفسير المسند والمستخرج على البخاري، وكان فهمًا بهذا الشأن بصيرًا بالرجال طويل الباع مليح التصنيف، مات لست بقين من رمضان سنة عشر وأربعمائة، قال الحافظ ابن ناصر في مشتبه النسبة: مردويه بفتح الميم، وحكى ابن نقطة كسرها عن بعض الأصبهانيين، والراء ساكنة، والدال المهملة مضمومة، والواو ساكنة، والمثناة تحت مفتوحة تليها هاء. ا. هـ.
"وفي الدلائل لأبي نعيم" أحمد بن عبد الله الحافظ "عن عائشة" الصديقة بنت الصديق المكثرة ذات المناقب الجمة، يأتي ذكرها في الزوجات إن شاء الله تعالى. قال المصنف: وعائشة بالهمزة وعوام المحدثين يبدلونها ياء، "عنه صلى الله عليه وسلم، عن جبريل" بلفظ: "قال" لي جبريل
قلبت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أر رجلا أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم. وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط. قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن.
وفي البخاري عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم:"بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه".
وفي مسلم عن واثلة بن الأسقع............................
"قلبت مشارق الأرض ومغاربها"، أي: فتشتهم وبحثت عن أحوالهم، سماه تقليبًا تشبيهًا له بتحريك الشيء ظهر البطن وعكسه، وفي القاموس: قلب الشيء حوله ظهر البطن؛ كقلبه والتحريك يلزمه الإحاطة بالشيء ومعرفة أحواله عرفًا، فأطلق التقليب وأراد لازمه. "فلم أر رجلا أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم".
قال الحكيم الترمذي: إنما طاف الأرض ليطلب النفوس الطاهرة الصافية المتزكية بمحاسن الأخلاق، ولم ينظر للأعمال؛ لأنهم كانوا أهل جاهلية، إنما نظر إلى أخلاقهم فوجد الخير في هؤلاء، وجواهر النفوس متفاوتة بعيدة التفاوت. ا. هـ. "وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط" والإمام أحمد والبيهقي والديلمي وابن لال وغيرهم. "قال الحافظ" أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي "بن حجر" الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي، ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وعانى أولا الأدب وتعلم الشعر فبلغ الغاية، ثم طلب الحديث فسمع الكثير ورحل وبرع فيه وتقدم في جميع فنونه وانتهت إليه الرحلة والرئاسة في الحديث في الدنيا بأسرها، فلم يكن في عصرها حافظ سواه وألف كتبًا كثيرة، وأملى أكثر من ألف مجلس، وتوفي في ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، قال السيوطي: وختم به الفن "لوائح الصحة لائحة" ظاهرة "على صفحات هذا المتن" الحديث والصفحة لغة من كل شيء: جانبه، ففيه استعارة بالكناية شبه المتن بمكان له جوانب وأثبت له الصفحات تخييلا.
"وفي" صحيح "البخاري" في صفة النبي صلى الله عليه وسلم "عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا" ". حال تفصيل والفاء للترتيب في الوجود أو الفضل نحو الأكمل فالأكمل، ومنه:{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا} [الصافات: 1، 2]، "حتى كنت من القرن الذي كنت" أي: وجدت "منه". وفي مسلم عن واثلة" بمثلثة "ابن الأسقع" بالقاف ابن عبد العزى الكناني الليثي من أهل الصفة غزا تبوكًا، وعنه مكحول ويونس بن ميسرة عاش ثمانيًا
قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". رواه الترمذي.
وعن العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق الخلق، فجعلني في خير فرقهم، وخير الفريقين
وتسعين سنة، ومات سنة خمس وثمانين وأبوه صحابي أيضًا؛ كما في الإصابة.
"قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى" اختار "كنانة" عدة قبائل أبوهم كنانة ابن خزيمة "من ولد إسماعيل" وفي رواية الترمذي: "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة" فكان في رواية مسلم اختصارًا. "واصطفى قريشًا من كنانة" ورواية الترمذي:"واصطفى من بني كنانة قريشًا" وهو قريب وفيه إبطال للقول بأن جماع قريش مضر وللآخر أنه الياس، "واصطفى من قريش بني هاشم" غاير أسلوب ما قبله للتعظيم. "واصطفاني من بني هاشم" زاد ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار ابن عبد المطلب من بني هاشم، قال الحليمي: أراد تعريف منازل المذكورين ومراتبهم؛ كرجل يقول: كان أبي فقيهًا، لا يريد الفخر؛ بل تعريف حاله دون ما عداه، وقد يكون أراد به الإشارة بنعمة الله عليه في نفسه وآبائه على وجه الشكر، وليس ذلك من الاستطالة والفخر في شيء. ا. هـ. ونقله عنه البيهقي في الشعب وأقره، وقال الحافظ: ذكره لإفادة الكفاءة والقيام بشكر النعم والنهي عن التفاخر بالآباء، موضعه مفاخرة تفضي إلى تكبر أو احتقار مسلم.
"رواه" أي: حديث واثلة "الترمذي" أتم منه، كما علم، وقال: حديث حسن صحيح غريب. ا. هـ. وفيه فضل إسماعيل على جميع ولد إبراهيم حتى إسحاق، وفضل العرب على العجم. قال ابن تيمية: وليس فضل العرب فقريش فبني هاشم، بمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، أي: باعتبار الأخلاق الكرام والخصال الحميدة واللسان العربي، قال: وبذلك يثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه أفضل نفسًا ونسبًا، وإلا لزم الدور.
"و" روى الترمذي "عن العباس" بن عبد المطلب عم المصطفى وصنو أبيه، كان يجله ويعظمه ويأتي إن شاء الله تعالى في الأعمام، "قال" قلت يا رسول الله! إن قريشًا تذاكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة، أي: كناسة، فـ"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق الخلق"" أي: المخلوقات وأل للاستغراق فتدخل الملائكة فهو نص في أفضلية جنس البشر على جنس الملك، أو المراد الثقلان، أو المراد بنو آدم فرقًا، "فجعلني" صيرني "في خير فرقهم" جمع فرقة، أي: أشرفها.
وفي نسخة: فرقتهم، أي: فرقة منهم. "و" جعلني "خير الفريقين" فهو بالنصب عطف على
ثم تخير القبائل فجعلني في خير القبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتا أي أصلا".
وفي حديث رواه الطبراني عن ابن عمر قال: إن الله اختار خلقه...........
محل في خير، كذا أعربه الواعظ، فإن كان رواية وإلا فيجوز جره عطفًا على مجرور في عطف تفسير، واقتصر عليه شيخنا. والمراد بالفرق الذين هو خيرهم العرب. "ثم تخير القبائل" من العرب، أي: اختار خيارهم فضلا، "فجعلني في خير القبيلة" منهم وهي قريش، أي: قدر إيجادي في خير قبيلة، "ثم تخير البيوت" أي: اختارهم شرفًا، "فجعلني في خير بيوتهم" أي: أشرفها وهم بنو هاشم وإذا كان كذلك، "فأنا خيرهم نفسًا" أي: روحًا وذاتًا، "وخيرهم بيتًا" وفسره بقوله:"أي أصلا". إذ جئت من طيب إلى طيب إلى صلب أبي بفضل الله علي ولطفه في سابق علمه، ولم يقل: ولا فخر، كما في خبر:"أنا سيد ولد آدم"؛ لأن هذا بحسب حال المخاطبين في صفاء قلوبهم بما يعلمه من حالهم أو هذا بعد ذاك.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل، فقسم الناس قسمين، فقسم العرب قسمًا، وقسم مضر قسمًا، وقريشًا قسمًا، وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خير من أنا منهم"، رواه الطبراني وحسن العراقي إسناده، وهو شاهد الخبر المصنف وكالشرح له الجنة قال بعض العلماء: والتفاضل في الأنساب والقبائل والبيوت باعتبار حسن خلقه الذات، والتفاضل فيما قام بها من الصفات حتى في الأقوات والله فضل بعضكم على بعض في الرزق، وهذا جار في سائر المخلوقات فضل الله يؤتيه من يشاء، فلا اتجاه لما عساه يقال: الإنسان كله نوع، فما معنى التفاضل في الأنساب. ا. هـ.
"و" قال صلى الله عليه وسلم "في حديث رواه الطبراني" في الأوسط، "عن" عبد الله "بن عمر" الخطاب أبي عبد الرحمن العالم المجتهد العابد:"لزوم السنة الفرور من البدعة الناصح للأمة"، روى ابن وهب عن مالك: بلغ ابن عمر ستًا وثمانين سنة وأفتى ستين سنة، وقال نافع: ما مات حتى أعتق أكثر من ألف وشهد الخندق وما بعدها، قال الحافظ ولد في السنة الثانية أو الثالثة من المبعث؛ لأنه ثبت أن كان يوم بدر ابن ثلاث عشرة سنة، وهي بعد المبعث بخمس عشرة، ومات في أوائل سنة ثلاث وسبعين.
"قال" أي: المصطفى كما علم لا ابن عمر؛ لأنه مرفوع عند الطبراني لا موقوف. "إن الله اختار" أي: اصطفى "خلقه" مميزًا لهم على غيرهم ممن لو تعلقت بهم الإرادة ووجدوا
فاختار منهم بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب، ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا من خيار، ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم.
ثم أعلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت، لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه، ليكون مختصًا بنسب جعله الله تعالى للنبوة غاية................
كانوا دونهم في الفضل لكونهم لم يختاروا، فلا يرد أن الاختيار إنما يكون فيما يختار من شيء، ولا يقال اختار شيئًا، إذ لا بد من مختار ومختار منه، ومحصل الجواب اختيارهم ممن يقدر وجودهم، "فاختار منهم بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب" كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي أخرى:"ثم اختار بني آدم، فاختار منهم العرب"، والمراد: نظر إليهم فاختار
…
إلخ. فلا يقال لا حاجة له بل لا يصح؛ لأنه عين ما قبله. "ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا من خيار، ألا من أحب العرب، فبحبي" أي: فبسبب حبه لي "أحبهم، ومن أبغض العرب" أظهر للتعليم "فببغضي" بسبب بغضه لي "أبغضهم" وقد روى الترمذي، وقال: حسن غريب عن سلمان رفعه: "يا سلمان لا تبغضني، فتفارق دينك"، قلت: يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله؟ قال: "تبغض العرب فتبغضني"، وروى الطبراني عن علي رفعه:"لا يبغض العرب إلا منافق".
"ثم اعلم أنه عليه الصلاة والسلام لم يشركه" بفتح الياء والراء بينهما شين ساكنة، "في ولادته من أبويه أخ ولا أخت" المراد أنهما لم يلدا غيره؛ كما قال الواقدي: أنه المعروف عند العلماء. قال سبط ابن الجوزي: لم يتزوج عبد الله قط غير آمنة ولم تتزوج آمنة غيره. قال: وأجمع العلماء على أن آمنة لم تحمل بغيره صلى الله عليه وسلم، قال: وقولها: لم أحمل حملا أخف منه، المفيد حملها بغيره خرج على وجه المبالغة.
وقال الحافظ ابن حجر: جازف سبط ابن الجوزي كعادته في نقل الإجماع ولا يمتنع أن تكون أسقطت من عبد الله سقطًا، فأشارت بقولها المذكور إليه. ا. هـ. وما رده بنقل كما ترى، بل بتجويز إنما يصح على ضعيف، وهو تأخر موت والده بعد ولادته؛ لأنها حملت بالمصطفى عقب التزوج؛ كما هو صريح في الأخبار الآتية. ولم تسقط قبله شيئًا ولم يتفوه به متفوه، فأين المجازفة؟ وإنما لم يلدا غيره.
"لانتهاء صفوتهما" أي: خالصهما "إليه وقصور نسبهما عليه" أي: عدم مجاوزته إلى غيره تكريمًا، "ليكون مختصًا بنسب جعله الله للنبوة غاية" أي: خاتمًا للنبوة بحيث لا يولد بعده
ولتمام الشرف نهاية، وأنت إذا اختبرت حال نسبه، وعلمت طهارة مولده تيقنت أنها سلالة آباء كرام.
فهو صلى الله عليه وسلم النبي العربي الأبطحي الحرمي الهاشمي القرشي، نخبة بني هاشم، المختار المنتخب من خير بطون العرب وأشرفها في الحسب وأعرقها في النسب، وأنضرها عودًا، وأطولها عمودًا، وأطيبها أرومة، وأعزها جرثومة، وأفصحها لسانًا، وأوضحها بيانًا، وأرجحها..............
نبي، "ولتمام الشرف نهاية" لا غاية بعدها "وأنت إذا اختبرت حال نسبه وعلمت طهارة مولده تيقنت أنها" أي: ذاته الشريفة "سلالة آباء كرام، فهو صلى الله عليه وسلم النبي" بالهمز وتركه وهو لغته صلى الله عليه وسلم.
وفي المستدرك: عن أبي ذر أن رجلا قال: يا نبي الله، بالهمز، فقال صلى الله عليه وسلم:"لست نبي الله"، قال الزركشي: أنكر الهمز لأنه لم يكن لغته. وقال الجوهري والصغاني: إنما أنكره لأن الرجل أراد يا من خرج من مكة إلى المدينة، يقال: نبأت من أرض إلى أرض إذا خرجت منها إلى أخرى. ا. هـ. وهذا هو الأحسن؛ لأن المصطفى يخاطب كل إنسان بلغته، ألا ترى إلى خبر:"ليس من امبر امصيام في امسفر".
"العربي" نسبة إلى العرب خلاف العجم، وهم عاربة وهم الخلص وهم سبع قبائل ومتعربة، وهم بنو قحطان وليسوا بخلص ومستعربة وليسوا بخلص أيضًا، قال ابن دحية: وهم بنو إسماعيل، قال الشامي ملخصًا. "الأبطحي" نسبة إلى أبطح مكة وهو مسيل واديها، وهو ما بين مكة ومنى ومبتدؤه لمحصب، قال الشامي. وفي المختار البطحاء كالأبطح ومنه بطحاء مكة وعليه فهو نسبة إلى بطحاء مكة، ولكن القياس الأول.
"الحرمي" إلى الحرمين "الهاشمي القرشي" عام بعد خاص، "نخبة" بالرفع نعت النبي "بني هاشم" وفي القاموس: النخبة بالضم وكهمزة المختار وانتخبه اختاره، فقوله:"المختار المنتخب" لعل مراده من جميع الخلق، وفي الكلام حذف هو ومعلوم أنهم خير العرب، فهو المختار من جمع الناس، "من خير بطون العرب، وأشرفها في الحسب" أي: المفاخر، "وأعرقها" بالقاف: أثبتها وأقواها "في النسب، وأنضرها" أحسنها "عودًا" أي: طيبًا وأصلا، كأنه مأخوذ من عهود البخور شبه أصله من ظهوره بالعود واستعار له اسمه، "وأطولها عمودًا" أعظمها أصلا يستند إليه ويتقوى به، "وأطيبها أرومة" بفتح الهمزة وتضم، أي: أصلا؛ كما في القاموس.
"وأعزها جرثومة" بضم الجيم أصلا؛ كما في القاموس، فالجمع بين هذا وما قبله للإطناب إذا المراد منهما واحد، "وأفصحها لسانًا" لغة، "وأوضحها بيانًا" تبيينًا وإظهارًا للمراد، "وأرجحها
ميزانًا وأصحها إيمانًا، وأعزها نفرًا، وأكرمها معشرًا، من قبل أبيه وأمه، ومن أكرم بلاد الله على الله وعباده.
فهو محمد بن عبد الله، الذبيح، ابن عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، في قول محمد بن إسحاق، وهو الصحيح، وقيل..............................
ميزانًا" عملا يفتخر به عبر عنه بميزان؛ لأنه آلة يميز بها الوافي من غيره، "وأصحها إيمانًا" تصديقًا بما يوافق الحق في كل زمن، "وأعزها نفرًا" بفتحتين حشمًا وأعوانًا تمييز محول عن المضاف، والأصل نفره أعز، فحذف المضاف وأضيف أعز إلى الضمير فحصل الإبهام، فبين بذلك المضاف، "وأكرمها معشرًا" طائفة وجماعة ينسب إليهم "و" أكرمها "من قبل" جهة "أبيه وأمه" أكرمها من قبل كونه "من أكرم بلاد الله على الله" يعني مكة، "و" من أكرم "عباده" عليه وهم العرب، "فهو محمد" اسم مفعول على الصفة للتفاؤل بأنه يكثر حمده، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق به في المقصد الثاني. قال في الفتح: المحمد الذي حمد مرة بعد أخرى أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة، قال الأعشى:
إليك أبيت اللعن كان وجيفها
…
إلى الماجد القرم الجواد المحمد
"ابن عبد الله" قال الحافظ: لم يختلف في اسمه. ا. هـ. قال ابن الأثير: وكنيته أبو قثم بقاف فمثلثة، وهو من أسمائه صلى الله عليه وسلم مأخوذ من القثم وهو الإعطاء، أو من الجمع، يقال للرجل الجموع للخير قثوم وقثم، وقيل أبو محمد، وقيل: أبو أحمد. ا. هـ. فإن قلنا بالمشهور من وفاته والمصطفى حمل فلعله كني بالإلهام، وإن قلنا بعد ولادته، فظاهر.
"الذبيح" بالجر نعت لعبد الله "ابن" شيخ البطحاء، "عبد المطلب" مجاب الدعوة محرم الخمر على نفسه، قال ابن الأثير: وهو أول من تحنث بحراء كان إذا دخل شهر رمضان صعده وأطعم المساكين، وقال ابن قتيبة: كان يرفع من مائدته للطير، والوحوش في رءوس الجبال، فكان يقال له الفياض لجوده ومطعم طير السماء؛ لأنه كان يرفع من مائدته للطير "واسمه شيبة الحمد" مركب إضافي، قال:
على شيبة الحمد الذي كان وجهه
…
يضيء ظلام الليل كالقمر البدري
"في قول محمد بن إسحاق" بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، الحافظ إمام المغازي صدوق، لكنه يدلس ورمي بالتشيع والقدر توفي سنة خمسين ومائة، "وهو" كما قال السهيلي "الصحيح" وعزاه في النور والفتح للجمهور، "وقيل" في سبب تسميته بشيبة الحمد،
سمي به لأنه ولد في رأسه شيبة.
وقيل: اسمه عامر، وهو قول ابن قتيبة، وتابعه على ذلك المجد الشيرازي، وكنيته أبو الحارث، بابن له أكبر ولده.
قيل: إنما قيل له عبد المطلب، لأن أباه هاشمًا قال لأخيه المطلب، وهو بمكة، حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك بيثرب، فمن ثم سمي عبد المطلب..................
"سمي به لأنه ولد في رأسه شيبة" واحدة الشيب، وأقل ما تصدق به شعرة؛ لأنها أقل ما يتحقق فيه البياض.
وفي رواية: وكانت ظاهرة في ذوائبه وأخرى وكان وسط رأسه أبيض، وقيل: لأن أباه أوصى أمه بذلك، وبالأول جزم المصنف في شرح البخاري وسوى بينهما الشامي، ولعل وجه إضافته إلى الحمد رجاء أنه يكبر ويشيخ ويكثر حمد الناس له وقد حقق الله ذلك فكثر حمدهم له؛ لأنه كان مفزع قريش في النوائب، وملجأهم في الأمور، وشريفهم وسيدهم كمالا وفعالا.
"وقيل: اسمه عامر وهو قول" أبي محمد عبد الله بن مسلم "بن قتيبة" بقاف مصغر الدينوري بفتح الدال وتكسر النحوي اللغوي مؤلف أدب الكتاب وغيره، ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة سبع وستين، وهذا حكاه في الفتح بلفظ زعم ابن قتيبة، وقد قال أبو عمر: إنه لا يصح، "وتابعه" أي: تبعه "على ذلك المجد" مجد الدين محمد بن يعقوب "الشيرازي" بكسر الشين المعجمة وفتح الراء وزاي نسبة إلى شيراز قرية بنواحي سرخس، مؤلف القاموس وغيره، مجدد اللغة على رأس المائة الثامنة ومهر فيها وهو شاب وتفقه وطلب الحديث وجال في البلدان، وكان له فيها الحظوة التامة، حتى عند الملوك وفي شيوخه كثرة وأخذ عنه الحافظ وغيره، ومات سنة سبع عشرة وثمانمائة وقد جاوز التسعين ممتعًا بحواسه.
"وكنيته" أي: عبد المطلب "أبو الحارث بابن" لفظ مختص بالذكر إجماعًا حكاه الفكهاني في شرح العمدة، "له أكبر ولده" أي: أولاده وهو يكون واحد وجمعًا، وقيل: أبو البطحاء، "قيل: وإنما قيل له عبد المطلب؛ لأنه أباه هاشمًا قال لأخيه المطلب" بن عبد مناف "وهو بمكة حين حضرته الوفاة: أدرك عبدك" استعطافًا أو على عادة العرب في قولهم لليتيم المربى في حجر شخص عبده فسماه عبدًا باعتبار الأول؛ لأنه رأى نفسه مختصرًا وأنه لا يقوم على ابنه غيره، "بيثرب" اسم المدينة المنورة قبل الإسلام، وقد غيره النبي صلى الله عليه وسلم إلى طيبة وسماها لأنها طابة، رواه مسلم في آخر الحج. "فمن ثم" أي: من هنا، أي: من أجل قول هاشم لأخيه أدرك عبدك "سمي عبد المطلب" ولا شك أن هذا قول غير القول بأنه مات بغزة، فلا وجه
وقيل: إن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه -وهو بهيئة بذة- فكان يسأل عنه فيقول: هو عبدي، حياء أن يقول: ابن أخي، فلما أدخله وأحسن من حاله، أظهر أنه ابن أخيه، فلذلك قيل له: عبد المطلب.
وهو أول من خضب بالسواد من العرب، وعاش مائة وأربعين سنة.
لإيراده عليه، "وقيل: إن عمه المطلب جاء به إلى مكة رديفه وهو بهيئة بذة" بفتح الموحدة والذال المعجمة المشددة، أي: رثة، وفي المنتقى: كان عليه أخلاف ثياب وأثرت فيه الشمس، "فكان يسأل عنه فيقول: هو عبدي" يقول ذلك "حياء من أن يقول ابن أخي" فيعترض عليه بكونه على تلك الهيئة، وكان بها مع أنه كان عند أمه بالمدينة؛ لأنه أخذه بغير علمها وهو يلعب، وقيل: إنما أخذه بعلمها فلعله استعجل لئلا تمنعه أمه بعد، "فلما أدخله" مكة "وأحسن من حاله أظهر أنه ابن أخيه، فلذلك" أي: قول المطلب هو عبدي، "قيل له" لشيبة الحمد "عبد المطلب، وبهذا القول جزم في شرح البخاري وجزم الحافظ بما نصبه: سمي عبد المطلب واشتهر بها لأن أباه لما مات بغزة، وكان خرج إليها تاجرًا، ترك أمه بالمدينة، فأقامت عند أهلها من الخزرج فكبر عبد المطلب فجاء عمه المطلب فأخذه ودخل به مكة، فرآه الناس مردفه، فقالوا: هذا عبد المطلب؛ فغلبت عليه في قصة طويلة ذكرها ابن إسحاق وغيره. ا. هـ.
وقيل: سمي به على عادة العرب في قولهم لليتيم المربى في حجر إنسان عبده، وأتى بقوله:"وهو" كما قال السهيلي "أول من خضب" بابه ضرب "بالسواد من العرب" للإشعار باستمراره على إظهار الصفات الدالة على قوته وشجاعته إلى وفاته. روى ابن سعد عن المسور بن مخرمة، قال: أول من خضب بالوسمة ن قريش بمكة عبد المطلب، كان إذا ورد اليمن ورد على عظيم من حمير، فقال: هل لك من تغيير هذا البياض فتعود شابًا، فقال: ذلك إليك، فأمره به فخضب بحناء ثم علا بالوسمة، فقال له عبد المطلب: زودنا من هذا، فزوده فأكثر فدخل مكة بليل ثم خرج عليهم بالغد، كان شعره حلك الغراب، فقالت له نثيلة: لو دام لك هذا لكان حسنًا، فقال عبد المطلب:
لو دام لي هذا السواد حمدته
…
وكان بديلا من شباب قد انصرم
تمتعت منه والحياة قصيرة
…
ولا بد من موت نثيلة أو هرم
وماذا الذي يجدي علي بحفظه
…
ونعمته يومًا إذا عرشه انهدم
فموت جهير عاجلا لا سوى له
…
أحب إلي من مقالهم حكم
قال: فخضب أهل مكة بالسواد، "وعاش مائة وأربعين سنة" فيما قاله عالم النسب الزبير بن بكار، كما حكاه سيد الناس عن أبي الربيع بن سالم عنه، قائلا: إنها أعلى ما قيل في سنه،
ابن هاشم، واسمه عمرو، وإنما قيل له هاشم لأنه كان يهشم الثريد لقومه في الجدب.
وحكاه مغلطاي، وجزم به السهيلي، وتبعه المصنف في شرح البخاري؛ فالتوقف فيه بأن الشامي لم يذكره عجيب، فلا يلزم من ترك مكثر الأنفال لشيء عدم وجود ما لم يحكه في غيره، فمن حفظ حجة بل أخشى أن زيادة أربعة في قول الشامي، يقال: بلغ مائة وأربعة وأربعين من تحريف النساخ لقولهم أعلى ما قيل مائة وأربعين، وقيل: عاش مائة وعشرين سنة، صدر به مغلطاي والمصنف فيما يأتي في وفاة عبد المطلب، ويأتي له مزيد ثم "ابن هاشم واسمه عمرو" قاله مالك والشافعي: منقول من العمر الذي هو العمر، أو العمر الذي هو من عمور الأسنان، أو العمر الذي هو طرف الكم، يقال: سجد على عمريه، أي: كميه، أو العمر الذي هو القرط؛ كما قال:
وعمر هند كان الله صوره
…
عمرو بن هند يسوم الناس تعنيتا
وزاد أبو حنيفة وجهًا خامسًا، فقال: من العمر الذي هو اسم لنحل السكر، ويقال فيه عمر أيضًا، انتهى من الروض.
"وإنما قيل له" لعمرو "هاشم؛ لأنه كان يهشم الثريد" بمثلثة: ما اتخذ من لحم وخبز، قال:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم
…
فذاك أمانة الله الثريد
"لقومه في الجدب" بجيم مفتوحة ودال مهملة ساكنة خلاف الخصب، وفي فتح الباري؛ لأنه أول من هشم الثريد بمكة لأهل الموسم ولقومه أولا في سنة المجاعة، وفيه يقول الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه
…
ورجال مكة مسنتون عجاف
وأشعر إتيان المصنف بحرف المضارعة مع كان المفيد للتكرار بتكرر ذلك منه، وهو كذلك. ففي السبل: لما أصاب أهل مكة جهد وشدة، رحل إلى فلسطين، فاشترى منها دقيقًا كثيرًا وكعكًا، وقدم به مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورًا، وجعلها ثريدًا عم به أهل مكة ولا يزال يفعل ذلك بهم، حتى استقلوا. ا. هـ.
وفي المنتقى كان هاشم أفخر قومه وأعلاهم وكانت مائدته منصوبة لا ترفع لا في السراء ولا في الضراء، وكان يحمل ابن السبيل ويؤدي الحقائق، وكان نور رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه يتوقد شعاعه ويتلألأ ضياؤه، ولا يراه حبر إلا قبل يده، ولا يمر بشيء إلا سجد إليه، تغدو إليه قبائل العرب ووفود الأحبار، يحملون بناتهم يعرضون عليه أن يتزوج بهن، حتى بعث إليه هرقل ملك الروم، وقال: إن لي ابنة لم تلد النساء أجمل منها، ولا أبهى وجهًا، فأقدم علي حتى أزوجكها، فقد بلغني جودك وكرمك، وإنما أراد بذلك نور المصطفى الموصوف عندهم في الإنجيل، فأبى هاشم. قال ابن إسحاق: وهو أول من مات من بني عبد مناف. واختلف في سنه،
ابن عبد مناف، واسمه المغيرة.
ابن قصي تصغير قصي، أي بعيد، لأنه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة، حين احتملته أمه فاطمة، واسمه مجمع، قال الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعي مجمعًا
…
به جمع الله القبائل من فهر
وقيل زيد......................................
فقيل: عشرون، وقيل: خمس وعشرون سنة.
"ابن عبد مناف" بفتح الميم وخفة النون من أناف ينيف إنافة إذا ارتفع، وقيل: الإنافة الأشراف والزيادة لقب بذلك؛ لأن أمه حبى بضم الحاء المهملة وموحدة مشددة ممالة أخدمته صنمًا عظيمًا لهم يسمى مناة، ثم نظر أبوه فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة فحواه عبد مناف، "واسمه" كما قال الشافعي "المغيرة" منقول من الوصف والهاء للمبالغة سمي به تفاؤلا أنه يغير على الأعداء وساد في حياة أبيه، وكان مطاعًا في قريش ويدعى القمر لجماله، قال الواقدي: وكان فيه نور رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده لواء نزار وقوس إسماعيل. وذكر الزبير عن موسى بن عقبة أنه وجد كتابة في حجر: أنا المغيرة بن قصي آمر بتقوى الله وصلة الرحم، وإياه عنى القائل:
كانت قريش بيضة فتفلقت
…
فالمح خالصه لعبد مناف
قال ابن هشام: ومات بغزة. "ابن قصي" بضم القاف، "تصغير قصي" بفتح فكسر فياء ساكنة من قصا يقصو إذا بعد، قال المصنف تبعًا للسهيلي: وصغر على فعيل؛ لأنهم كرهوا اجتماع ثلاث ياءات فحذفوا لثالثة التي تكون في فعيل، فبقي على وزن فعيل مثل فليس. ا. هـ. وفسر المصغر بقوله:"أي: بعيد؛ لأنه بعد عن عشيرته" أي: قبيلته. وفي القاموس: عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون، أو قبيلة جمعه عشائر. "في بلاد قضاعة" بضم ففتح "حين احتملته أمه فاطمة" بنت سعد العذري في قصة طويلة ذكرها ابن إسحاق. "واسمه مجمع" اسم فاعل من جمع "قال الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا
ذكر ثعلب في أماليه أنه كان يجمع قومه يوم العروبة، فذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم أنه سيبعث فيهم نبي، "به جمع" بالتثقيل للمبالغة، "الله القبائل من" بني "فهر" في مكة بعد تفرقهم في البلدان، فجمعهم وأدخلهم مكة في قصة طويلة عند ابن إسحاق، "وقيل" اسمه "زيد" وجزم به في السبل والتوشيح والعيون والعراقي، واقتصر عليه في الفتح، فقال: روى السراج في تاريخه من طريق أحمد بن حنبل: سمعت الشافعي يقول: اسم المطلب شيبة الحمد، واسم هشام عمرو، واسم عبد مناف المغيرة، واسم قصي زيد.
وقال الشافعي، كما حكاه عنه الحاكم أبو أحمد يزيد.
ابن كلاب، وهو إما منقول من المصدر الذي في معنى المكالبة، نحو: كالبت العدو مكالبة، وإما من الكلاب: جمع كلب، كأنهم يريدون الكثرة، كما يسمون بسباع.
"وقال" الإمام "الشافعي" محمد بن إدريس المطلبي المكي، نزيل مصر، عالم قريش، مجدد الدين على رأس المائتين، حفظ القرآن ابن سبع، والموطأ ابن عشر، وأفتى وهو ابن خمس عشرة، وكان يحيى الليل إلى أن مات في رجب سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة، مناقبه جمة أفردها العلماء بالتصانيف.
"كما حكاه عنه الحاكم" الكبير "أبو أحمد" كنية الحاكم محمد بن محمد بن إسحاق النيسابوري الإمام الحافظ الجهبذ محدث خراسان، سمع ابن خزيمة والباغندي والسراج، وسمع منه السلمي والحاكم أبو عبد الله، والمشهور الموافق له في الاسم واللقب والنسبة، وإنما افترقا في الكنية ووصفه بأنه إمام عصره في الحديث، كثير التصانيف، مقدم في معرفة شروط الصحيح والأسامي والكنى، وكان صالحًا ماشيًا على سنن السلف، مات في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين سنة.
"يزيد" بزيادة ياء أوله، وهذا مقول قول الشافعي، قول ثان له، لكنه لا يساوي ما حكاه أحمد عنه؛ لأنه أجل تلامذته، ثم اقتصار المذكورين عليه يفيد أنه الأصح، فكان حق المصنف تقديمه وفي الخميس قصي هو الذي جمع الله به قريشًا، وكان اسمه زيد فسمي مجمعًا لما جمع من أمرها، وأنشد بيت المصنف فعليه مؤاخذة في مقابلته بزيد؛ لأن مجمعًا ليس اسمه الأصلي ولا هو مقابل لكونه زيدًا، كيف وبعد هذا البيت كما حكاه الماوردي وغيره:
وأنتم بنو زيد وزيد أبوكم
…
به زيدت البطحاء فخرًا على فخر
وكان مصي أول بني كعب أصاب ملكًا طاعله به قومه، وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، وحاز شرف مكة جميعًا وكان رجلًا جلدًا وعالم قريش وأقومها بالحق.
"ابن كلاب" بكسر الكاف وتخفيف الام، "وهو" كما قال السهيلي "إما منقول من المصدر الذي في معنى المكالبة، نحو: كالبت العدو مكالبة" وكلابًا القاموس المكالبة المشاورة والمضايقة والتكالب التواثب، "إما من الكلاب، جمع كلب" الحيوان المعروف، "كأنهم" أي: العرب "يريدون الكثرة كما يسمون بسباع" وأنمار وغير ذلك.
وسئل أعرابي: لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء، نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو رزق ومرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا، يريدون أن الأبناء عدة للأعداء، وسهام في نحورهم، فاختاروا لهم هذه الأسماء.
واسم كلاب: حكيم، وقيل: عروة.
ابن مرة.
"وسئل أعرابي" هو كما في الروض: أبو الدقيش، وفي الصحاح: قال يونس لأبي الدقيش الشاعر: ما الدقيش؟ قال: لا أدري، هو أسماء نسمعها نتسمى بها، وفي حياة الحيوان: الدقش -بضم الدال المهملة وفتح القاف-: طائر صغير، "لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب، وعبيدكم بأحسن الأسماء، نحو: رزق ومرزوق ورباح" بموحدة "فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعداءنا وعبيدنا لأنفسنا، يريد" الأعرابي "أن الأبناء عدة للأعداء" بضم العين: ما أعد لحوادث الدهر من مال وسلاح؛ كما في المختار. "وسهام في نحورهم" جمع نحر: موضع القلادة من الصدر، ويطلق على الصدر أيضًا عطف خاص على عام على أن معنى العدة ما صدق عليه مفهوم ما أعددته
…
إلخ. أو عطف جزء على كل إن أريد بالعدة مجموع ما يدخر من مال وسلاح، وعلى كل هو تشبيه بليغ، أي: كعدة أو استعارة على نحو زيد أسد. "فاختاروا لهم هذه الأسماء" دون عبيدهم؛ لأنهم لا يقصد منهم قتال غالبًا بل كان عارًا عند العرب، "واسم كلاب حكيم" بفتح الحاء وكسر الكاف وقدمه مغلطاي في الإشارة، وصححه المحب بن الشهاب بن الهائم، ويقال: الحكيم بزيادة أل، "وقيل: عروة" حكاه مغلطاي وغيره الفتح.
ذكر ابن سعد: أن اسمه المهذب، وزعم محمد بن أسعد: أن اسمه حكيم، وقيل: عروة، فحكى ما قدمه المصنف بلفظ زعم وصدر بغيره، فكأنه اعتمد تصحيح ابن الهائم وتقديم مغلطاي، قال الحافظ: ولقب بكلاب لمحبته كلاب الصيد، وكان يجمعها فمن مرت به فسأل عنها، قيل هذه كلاب ابن مرة، وقال المصنف: لمحبته الصيد، وكان أكثر صيده بالكلاب، قاله المهلب وغيره:"ابن مرة" بضم الميم منقول من وصف الرجل بالمرارة، وقواه السهيلي فالتاء للمبالغة أو من وصف الحنظلة والعلقمة فالتاء للتأنيث، كذا في السبل. وفي المختار: العلقم شجر مر، ويقال للحنظل ولكل مر علقم.
قال شيخنا: فالمناسب أن يقول من وصف الحنظل والعلقم بغير تاء أو بالتاء فلا يكون للتأنيث بل للوحدة، أو من اسم نبات مخصوص وهو بقلة تقطع فتؤكل بالخل أو من قولهم: مر
ابن كعب، وهو أول من جمع العروبة، وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم، فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا منها قوله:
يا ليتني شاهد فحواء دعوته
.........................
الشيء، إذا اشتد مرارته أو من القوة، وعليهما فالظاهر: أن الهاء للمبالغة فمرجعهما والأول واحد، وله ثلاثة أولاد كلاب وتيم ومن نسله الصديق وطلحة ويقظة، وبه يكنى.
"ابن كعب" قال السهيلي: سمي بذلك لستره على قومه ولين جانبه لهم، منقول من كعب القدم، وقال ابن دريد وغيره: من كعب القناة سمي بذلك لارتفاعه وشرفه فيهم، فكانوا يخضعون له حتى أرخوا بموته، قال الفتح، أي: إلى عام الفيل فأرخوا به، ثم بموت عبد المطلب، وقيل: من الكعب الذي هو قطعة السمن الجامد. "وهو" أي: كعب "أو من جمع" الناس لمجرد الوعظ، "العروبة" بفتح المهملة وضم الراء وبالموحدة، ولم يكن ثم صلاة يجمعهم إليها من الإعراب التحسين لتزين الناس فيه، قال النحاس: لا يعرفه أهل اللغة بالألف واللام، وإلا شاذًا، قال: ومعناه المبين المعظم من أعرب إذا بين، ولم يزل يوم الجمعة معظمًا عند أهل كل ملة. ا. هـ.
وقال أبو موسى في ذيل الغريبين: الأفصح أن لا تدخله أل وكأنه ليس بعربي. ا. هـ. وهو اسم يوم الجمعة في الجاهلية اتفاقًا اختلف في أن كعبًا سماه الجمعة لاجتماع الناس إليه فيه، وبه جزم الفراء وثعلب وغيرهما وصحح، أو إنما سمي بعد الإسلام، وصححه ابن حزم، وقيل: أول من سماه به أهل المدينة لصلاتهم الجمعة قبل قدومه صلى الله عليه وسلم مع أسعد بن زرارة أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين، وقيل غير ذلك.
"وكانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم فيخطبهم" يعظمهم، وكان فصيحًا خطيبًا وكان يأمرهم بتعظيم الحرم ويخبرهم سيبعث فيهم نبي، أخرجه الزبير بن بكار عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مقطوعًا، وفي أمالي ثعلب: أنه قصيًا كان يجمعهم؛ كما مر ولا خلاف. "ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم بأنه من ولده" وعلمه هو به من الوصية المستمرة من آدم أن من كان فيه ذلك النور لا يضعه إلا في المطهرات؛ لأن ختام الأنبياء منه، وقد علمه ظاهرًا فيه قائمًا به أو من الكتب القديمة: أن من كان بصفة كذا كان محمد من ولده، ووجد تلك الصفة فيه، والأول أظهر. "ويأمرهم باتباعه" إن أدركوه "والإيمان به" عطف تفسير، فاتباعه الإيمان به، "وينشد في ذلك" أي معه "أبياتًا منها قوله: يا ليتني شاهد" حاضر "فحواء" بفاء فحاء مهملة ممدود فقط للوزن وفيه القصر أيضًا، أي: معنى "دعوته" الناس إلى الإيمان، وفي نسخة: نجواء بنون وجيم والمد للضرورة من إضافة الصفة للموصوف، أي: دعوته السر إشارة إلى ما وجد في ابتداء
.......................
…
إذا قريش تبغي الحق خذلانا
ابن لؤي، تصغير اللأي بوزن عصا، وهو الثور، ابن غالب، بن فهر، واسمه قريش، وإليه تنسب قريش، فما كان فوقه فكناني لا قرشي
الدعوة من الخفاء قبل الأمر بالصدع، وفي نسخة: فحواء؛ كالأولى طلعته بطاء ولام وعين. "إذا قريش تبغي" بضم الفوقية. وفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة من بغاه الشيء بالتخفيف طلبة شدد مبالغة، وفي نسخة: حين العشيرة تبغي بفتح فسكون فكسر مخففًا من بغاه الشيء، طلبه له.
"الحق خذلانا" والمراد: أنه يتمنى إدراك زمن دعوته صلى الله عليه وسلم للناس، وقريش يعارضونه ويطلبون خذلان دينه، لينصره ويظهر دينه وهذا الذي أورده المؤلف في كعب، رواه أبو نعيم في الدلائل عن كعب الأحبار مطولا، وفي آخره: وكان بين موت كعب ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وستون سنة. "ابن لؤي" بضم اللام والهمزة ويسهل بإبدال همزته واوًا، وفي النور والإرشاد: الهمز أكثر عند الأكثرين. "تصغير اللأي" قال ابن الأنباري: تصغير لأي "بوزن عصا" واللأي الثور، قال: ويحتمل أنه تصغير لأي بوزن عبد وهو البطء بالهمز ضد العجلة، ويؤيده قوله:
فدونكمو بني لأي أخاكم
…
ودونك مالكًا يا أم عمرو
انتهى. واختار السهيلي الثاني، وقد قال الأصمعي: هو تصغير لوا الجيش زيدت فيه الهمزة، وقيل: منقول من لوى الرمل مقصورًا، وفي القاموس: ولأي اسم تصغير لؤي ومنه لؤي بن غالب. قال شيخنا: اقتصر عليه؛ لأن النقل عن الاسم أولى من اسم الجنس وإلا فكل تلك الألفاظ صالح للتصغير. "وهو" كما قال ابن الأنباري وجماعة "الثور" الوحشي، وقال أبو حنيفة: اللأي البقرة وكنيته أبو كعب، وكان له سبعة ذكور. "ابن غالب" بالمعجمة وكسر اللام منقول من اسم فاعل مشتق من الغلب بفتحات أو فتح فسكون، ويقال: غلبة بهاء وله تيم وبه يكنى، ولؤي "ابن فهر" بكسر الفاء وسكون الهاء فراء، منقول من الفهر الحجر الطويل، قال السهيلي: وقال الخشني: الفهر حجر ملء الكف يذكر ويؤنث وخطأ الأصمعي من أنثه، وفي الفتح: الفهر الحجر الصغير، وفي الإرشاد: الطويل والأملس. "واسمه قريش" وفي الفتح والإرشاد: قيل اسمه قريش، ونقل عن الزهري: أن أمه سمته به وأبوه سماه فهرًا، وقيل: فهر لقبه، وقيل: بالعكس. "وإليه تنسب قريش" فيما قاله جماعة ونسب للأكثر، قال الزهري: وهو الذي أدركت عليه من أدركت من نساب العرب: إن من جاوز فهرًا فليس من قريش. "فما كان فوقه فكناني" نسبة إلى كنانة بن مدركة، "لا قرشي" نسبة إلى قريش، ويقال: قريش أيضًا على
على الصحيح.
القياس. "على الصحيح" صححه الدمياطي والعراقي وغيرهما، والحجة لهم حديث مسلم والترمذي مرفوعًا:"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة" الحديث، وذهب آخرون إلى أن أصل قريش النضر، وبه قال الشافعي وعزاه العراقي للأكثرين، فقال:
أما قريش فالأصح فهر
…
جماعها والأكثرون النضر
قال النووي: وهو الصحيح المشهور، وأيضًا صححه الحافظ العلائي وعزاه للمحققين، واحتجوا بحديث الأشعث بن قيس: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة، فقلت: ألستم منا يا رسول الله؟ قال: "لا نحن بنو النضر بن كنانة" رواه ابن ماجه وابن عبد البر وأبو نعيم في الرياضة، وزاد: قال أشعث: والله لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جلدته، والاحتجاج بهذا ظاهر لا خفاء فيه. قال الحافظ في سيرته: وعندي أنه لا خلاف في ذلك؛ لأن فهو إجماع قريش ثم إن أباه مالكًا ما أعقب غيره، فقريش ينتهي نسبها كلها إلى مالك بن النضر، وكذلك النضر ليس له عقب إلا من مالك، فاتفق القولان بحمد الله تعالى. ا. هـ. ومن خطه نقلت: وقيل: إن قريشا هو الياس، وقيل: مضر، وحكى الماوردي وغيره: إنه قصي، قال البرهان: وهو قول باطل وكأنه قول رافضي؛ لاقتضائه أن أبا بكر وعمر ليسا من قريش فإمامتهما باطلة، وهو خلاف إجماع المسلمين. ا. هـ. ونقله عنه الشامي بلفظه وكثيرًا ما سمعت شيخنا حافظ العصر أبا عبد الله محمد البابلي يجزم بأنه قول الرافضة اخترعوه للطعن في الشيخين، ولم أر الجزم به الآن لكنه كان واسع الاطلاع واختلف في سبب تسميتها بقريش، فقيل: منقول من تصغير قرش، وهو دابة في البحر عظيمة من أقوى دوابه سميت به لقوتها؛ لأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وكذلك قريش. أخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس: أنه دخل على معاوية وعنده عمرو بن العاصي، فقال عمرو: إن قريشًا تزعم أنك أعلمها فلم سميت قريش قريشًا؟ فقال: بأمر بين، فقال: ففسره لنا، ففسره قال: هل قال فيه أحد شعرًا؟ قال: نعم، سميت قريشًا بدابة في البحر، وقد قال الشمرخ بن عمرو الحميري:
وقريش هي التي تسكن البحـ
…
ـر بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تتـ
…
ـرك فيه لدى الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حي قريش
…
يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبي
…
يكثر القتل فيهمو والخموشا
يملأ الأرض خيله ورجال
…
يحشرون المطي حشرًا كشيشا
ابن مالك.
ابن النضر، واسمه قيس.
وأخرجه ابن عساكر إلا أنه ذكر أن السائل معاوية، ووصف ابن عباس الدابة بأنها أعظم دواب البحر، وعزا هذه الأبيات للجمحي. ا. هـ.
وأكلا كميشًا، أي: سريعًا. والخموش: الخدوش، كما في القاموس وغيره. وقيل: من التقريش وهو التفتيش؛ لأنهم كانوا يفتشون عن خلة الناس وحاجاتهم فيسدونها بمالهم، وقيل: بقريش بن بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، وقيل: لأنهم كانوا يتجرون ويأخذون ويعطون من قرش الرجل يقرش كيضرب إذا اتجر، وقيل: من الأقراش، وهو وقوع الرايات والرماح بعضها على بعض، وقيل: من التقريش وهو التحريش. قال الزجاجي: وهو بعيد؛ لأن المعروف لغة أن التحريش هو الترقيش بتقديم الراء، وقيل غير ذلك. وقد حكى ابن دحية في سبب تسمية قريش، ومن أول من سمي بها عشرين قولا، هذا وقريش فرقتان بطاح وظواهر، فالبطاح من دخل مكة مع قصي، والظواهر من أقام بظاهر مكة ولم يدخل الأبطح.
"ابن مالك" اسم فاعل من ملك يملك، فهو مالك والجمع ملاك، ويكنى أبا الحارث، قال الخميس: سمي مالكًا لأنه كان ملك العرب، ويقع في نسخ ابن مالك قريش وإليه تنسب قريش، فما فوقه فكناني لا قريش على الصحيح، وكأنه كان بهامش مسودة المصنف فتحرف على الناسخ فخرجه في غير موضعه، وعلى تقدير صحته، فقوله: قريش، صفة لفهر بعد صفة، لا صفة لمالك "ابن النضر" بفتح النون وإسكان الضاد المعجمة فراء "واسمه قيس" ولقب بالنضر لنضارة وجهه وإشراقه وجماله، منقول من النضر اسم الذهب الأحمر، وله من الذكور مالك والصلت ويخلد بفتح التحتية وسكون المعجمة وضم اللام فدال مهملة، وبه يكنى أبوه ولكن لم يعقب إلا من مالك، كما مر.
وأم النضر برة بنت أد بن طابخة تزوجها كنانة بعد أبيه خزيمة، فولدت له النضر على ما كانت الجاهلية تفعله إذا مات الرجل خلف على زوجته أكبر بنيه من غيرها، كذا قاله الزبير بن بكار، وتبعه السهيلي وزاد: ولذلك قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22]، أي: من تحليل ذلك قبل الإسلام، قال: وفائدة الاستثناء هنا لئلا يعاب نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وليعلم أنه لم يكن في أجداده سفاح، ألا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن إلا ما قد سلف إلا في هذه الآية، وفي الجمع بين الأختين، فإن الجمع بينهما كان مباحًا في شرع من قبلنا، وقد جمع يعقوب بين أختين وهما أجيل، أي: بجيم، كما في السبل، أو حاء مهملة كما في القاموس، وليا، فقوله: إلا ما قد سلف، التفات إلى هذا المعنى، وهذه
ابن كنانة.
ابن خزيمة، تصغير خزمة.
النكتة من الإمام أبي بكر بن العربي، إلى هنا كلامه. وتعقبه الحافظ القطب عبد الكريم الحلبي ثم المصري في شرح السيرة لعبد الغني بما حاصله: أن هذا غلط نشأ من اشتباه، وذلك أن أبا عثمان الجاحظ قال: إن كنانة خلف على زوجة أبيه فماتت ولم تلد له ذكرا ولا أنثى، فنكح ابنة أخيها وهي برة بنت مرة بن أد بن طابخة فولدت لها النضر، قال الجاحظ: وإنما غلط كثيرًا لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه؛ لاتفاق اسمهما وتقارب نسبهما، قال: وهذا الذي عليه مشايخنا من أهل العلم والنسب، ومعاذ الله أن يكون أصاب نسبه صلى الله عليه وسلم نكاح مقت، وقد قال:"ما زلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام" ومن قال غير هذا فقد أخطأ وشك في هذا الخبر، والحمد لله الذي طهره من كل وصم تطهيرًا. ا. هـ.
قال الدميري: وهذا أرجو به الفوز للجاحظ في منقلبه، وأن يتجاوز عنه فيما سطره في جميع كتبه. ا. هـ. وقد صوب مغلطاي كلام الجاحظ وأن خلافه غلط ظاهر، قال: وهذا الذي يثلج به الصدر ويذهب وحره ويزيل الشك ويطفئ شرره، قال الشامي: وهو من النفائس التي يرحل إليها والسهيلي تبع الزبير بن بكار، والزبير كأنه تبع الكبي -وهو متروك- بل لو نقله ثقة لم يقبل لعبد الزمان، ومخالفة الأحاديث الناطقة بخلافه. ا. هـ. وكذا ما قيل: إن هاشمًا خلف على واقدة زوجة أبيه بفرض صحته، فليست جدة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن أم عبد المطلب أنصارية؛ ولذا كانت الأنصار أخوال المصطفى.
"ابن كنانة" بكسر الكاف ونونين مفتوحتين بينهما ألف ثم هاء، منقول من الكنانة التي هي الجعبة بفتح الجيم وسكون العين المهملة، سمي بذلك تفاؤلا بأنه يصير كالكنانة الساترة للسهام، فكان سترًا على قومه، قال في السبل. وفي الخميس: إنما سمي كنانة؛ لأنه لم يزل في كن من قومه. وفي الفتح: هو بلفظ وعاء السهام إذا كانت من جلد. ونقل عن أبي عامر العدواني، أنه قال: رأيت كنانة بن خزيمة شيخنا مسنًا عظيم القدر يحج إليه العرب لعلمه وفضله بينهم.
"ابن خزيمة تصغير خزمة" بمعجمتين مفتوحتين، وهي مرة واحدة من الحزم وهو شد الشيء وإصلاحه، وقال الزجاجي: يجوز أنه من الخزم بفتح فسكون، تقول: خزمته فهو مخزوم إذا أدخلت في أنفه الخزام، قال في الفتح، وقيل: تصغير خزمة بكسر فسكون، فقيل: هي برة في أنف البعير يشد فيها الزمان، وقيل: الحلقة التي تجعل في أنف البعير من شعر ونحوه، قال في الغر: ولم أر من تعرض لوجه المناسبة للنقل مما ذكر، وقد يقال: الانتقال لا يقال فيه ذلك بخلاف الألقاب. وفي الخميس: إنما سمي خزيمة تصغير خزمة؛ لأنه اجتمع فيه نور آبائه وفيه نور
ابن مدركة.
ابن إلياس، بكسر الهمزة في قول ابن الأنباري، وبفتحها في قول قاسم بن ثابت، ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف والهمزة للوصل، قال السهيلي:................
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي القاموس: الخزامة كتابة للبرة، ثم قال: والخزمة محركة خوص المقل، قال شيخنا: فيجوز جعل خزيمة مصغر خزامة وخزمة، قال ابن عباس: مات خزيمة على ملة إبراهيم "ابن مدركة" بضم فسكون فكسر ففتح ثم هاء مبالغة، منقول من اسم فاعل من الإدراك، لقب به لإدراكه كل عز وفخر، كان في آبائه وكان فيه نور المصطفى ظاهرًا بينًا واسمه عمر، وعند الجمهور وهو الصحيح، وقال ابن إسحاق: عامر، وضعف.
"ابن إلياس" بتحتية والمعروف أنه اسمه، وفي سيرة مغلطاي اسمه حبيب، وفي الخميس: إنما سمي إلياس؛ لأن أباه كبر ولم يولد له، فولد على الكبر واليأس فسمي إلياس، وكنيته أبو عمرو وله أخ يقال له الناس بنون، ذكره ابن ماكولا والجوهري، وإلياس "بكسر الهمزة" وهي همزة قطع تثبت في الابتداء والتدرج "في قول" الحافظ أبي بكر محمد بن القاسم "ابن الأنباريط بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الموحدة نسبة إلى الأنبار بلدة قديمة على الفرات على عشرة فراسخ من بغداد، صاحب التصانيف العلامة في النحو واللغة والأدب، المعدود في حفاظ الحديث، كان من أفراد الدهر في سعة الحفظ مع الصدق والدين ومن أهل السنة، مات ببغداد ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وقد وافقه على كسر الهمزة طائفة. قال ابن الأنباري: وهو أفعال من قولهم: أليس للشجاع الذي لا يفر، قال الشاعر:
أليس كالنشوان وهو صاحي
"وبفتحها في قول قسم بن ثابت" جزم العوفي الأندلسي المالكي الفقيه المحدث المشارك لأبيه في رحلته وشيوخه، الورع الناسك مجاب الدعوة المتوفى سنة اثنتين وثلاثمائة، قال: وهو "ضد الرجاء، واللام فيه للتعريف، والهمزة للوصل" وأنشد قسم على ذلك قول قصي:
أمهتي خندف واليأس أبي
وصححه المحققون، كما قال بعض مشايخ البرهان.
"قال" الإمام الحافظ العلامة ذو الفهم الدقيق والمعاني الرائقة، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أصبغ "السهيلي" الخثعمي الأندلسي المالقي، أبو القسم، واسع المعرفة، غزير العلم النحوي اللغوي، الإمام في لسان العرب، العالم بالتفسير وصناعة الحديث ورجاله وأنسابه، وبالتاريخ وعلم الكلام وأصوله وأصول الفقه الذكي النبيه، عمي وهو ابن سبع عشرة سنة، ولد سنة ثمان وخمسمائة، وصنف كتبًا منها الروض الآنف، ذكر فيه أنه استخرجه من مائة وعشرين
وهذا أصح. وهو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام، ويذكر أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج؟!
مصنفًا، ومات في شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وهو منسوب إلى سهيل قرية قرب مالقة سميت سهيل بالكوكب؛ لأنه لا يرى في جميع بلاد الأندلس، إلا من جبل مطل على هذه القرية، يرتفع نحو درجتين ويغيب.
"وهذا" الذي قاله قسم "أصح" من قول ابن الأنباري وصدق المصنف، فلفظ السهيلي والذي قاله غير ابن الأنباري أصح، وقد سقط لفظ غير من بعض نسخ النور، فأوهم اعتراضًا على المصنف مع أنه خطأ نشأ عن سقط. "وهو أول من أهدى البدن إلى البيت الحرام" جمع بدنة، وهي: البعير ذكرًا كان أو أنثى، والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وحكى ابن التين عن مالك أنه كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى. وقال الأزهري: البدنة لا تكون إلا من الإبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، هذا لفظه في التهذيب. وحكى النووي عنه: أن البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وهو خطأ نشأ عن سقط، وفي الصحاح: البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها، قال الحافظ ابن حجر وفي حياة الحيوان، وهو أيضًا أول من وضع مقام إبراهيم للناس بعد غرق البيت وانهدامه زمن نوح، فكان إلياس أول من ظفر به فوضعه في زاوية البيت، كذا قال.
والذي في الاكتفاء: وهو أول من وضع الركن للناس بعد هلاكه حين غرق البيت، ومن الناس من يقول: إنما هلك الركن بعد إبراهيم وإسماعيل وهو الأشبه، ولما مات أسفت عليه زوجته خندف أسفًا شديدًا، ونذرت أن لا تقيم في بلد مات فيه ولا يأويها بيت، فتركت بنيها منه، وساحت حتى هلكت حزنًا، ومات يوم الخميس فنذرت أن تبكيه كلما طلعت شمس يوم الخميس حتى تغيب الشمس، وضربت الأمثال بحزنها عليه. "ويذكر" كما في الروض "أنه كان يسمع في صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج" وفي المنتقى: كان يسمع من ظهره أحيانًا دوي تلبية النبي صلى الله عليه وسلم بالحج، ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة؛ كلقمان وأشباهه، وكان يدعى كبير قومه وسيد عشيرته، ولا يقطع أمر ولا يقضي بينهم دونه، قال الزبير بن بكار: ولما أدرك إلياس أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبأن فضله عليهم ولأن جانبه لهم حتى جمعهم رأيه ورضوا به، فردهم إلى سنن آبائهم وسيرهم، قال ابن دحية، وهو وصي أبيه، وكان ذا جمال بارع، قال السهيلي: ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا إلياس، فإنه كان مؤمنًا، قال البرهان، ولا أدري أنا حال هذا الحديث.
ابن مضر. وهو أول من سن الحداء للإبل، وكان من أحسن الناس صوتًا.
ابن نزار -بكسر النون- من النزر، وهو القليل، قيل: إنه لما ولده، ونظر أبوه إلى نور محمد صلى الله عليه وسلم بين عينيه فرح فرحًا شديدًا، وأطعم وقال: إن هذا كله نزر، أي قليل لحق هذا المولود، فسمي نزارًا لذلك.
ابن معد.
"ابن مضر" بضم الميم وفتح الضاد المعجمة غير مصروف للعلمية والعدل، قال الحافظ: قيل سمي به لأنه كان يحب شرب اللبن الماضر وهو الحامض، وفيه نظر؛ لأنه يستدعي أنه كان له اسم غيره قبل أن يتصف بهذه الصفة، نعم يمكن أن يكون هذا اشتقاقه، ولا يلزم أن يكون متصفًا بهذه الصفة، وقيل: لبياضه، وقيل: لأنه كان يمضر القلوب لحسنه وجماله، وفي الخميس: لأنه أخذ بالقلوب ولم يكن يراه أحد إلا أحبه، وفي السبل: اسمه عمرو وكنيته أبو إلياس، ومن حكمه من يزرع شرًا يحصد ندامة، وخير الخير أعجله، فاحملوا أنفسكم على مكروهها، واصرفوها عن هواها فيما أفسدها، فليس بين الصلاح والفساد إلا صبر فواق، بضم الفاء وتفتح ما بين الحلبتين؛ كما في القاموس.
"وهو أول من سن الحداء للإبل" بضم الحاء والمد: الغناء. قال البلاذري: وذلك أنه سقط عن بعيره وهو شاب فانكسرت يده، فقال: يا يداه يا يداه، فأبت إليه الإبل من المرعى، فلما صح وركب حدا، "وكان من أحسن الناس صوتًا" وقيل: بل كسرت يد مولى له فصاح فاجتمعت إليه الإبل، فوضع الحداء وزاد الناس فيه، انتهى كلام البلاذري وأخرج ابن سعد في الطبقات من مرسل عبد الله بن خالد: قال صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا مضر، فإنه كان قد أسلم".
"ابن نزار، بكسر النون" فزاي فألف فراء: مأخوذ "من النزر، وهو القليل، قيل" سبب ذلك "أنه لما ولد ونظر أبوه إلى نور محمد صلى الله عليه وسلم بين عينيه" وهو نور النبوة الذي كن ينتقل في الأصلاب "فرح فرحًا شديدًا" ونحر "وأطعم، وقال: إن هذا كله نزر، أي: قليل لحق هذا المولود، فسمي نزارًا لذلك" وبهذا القيل جزم السهيلي وتبعه النور والخميس، وزاد: أنه خرج أجمل أهل زمانه وأكبرهم عقلا، وقال أبو الفرج الأصبهاني: سمي بذلك لأنه كان فريد عصره، وعليه اقتصر الفتح والإرشاد، وقيل: لقب به لنحافته. قال الماوردي: كان اسمه خلدان وكان مقدمًا وانبسطت إليه اليد عند الملوك، وكان مهزول البدن، فقال له ملك الفرس: ما لك يا نزار؟ قال: وتفسيره في لغة الفرس يا مهزول، فغلب عليه هذا الاسم وكنيته أبو إياد، وقيل: أبو ربيعة، وفي الوفاء: يقال إن قبر نزار بذات الجيش قرب المدينة.
"ابن معد" بفتح الميم والمهملة وشد الدال ابن الأنباري، يحتمل أنه مقعل من العد، أو
ابن عدنان.
قال ابن دحية: أجمع العلماء -والإجماع حجة- على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه.
ولله در القائل:
#ونسبة عز هاشم من أصولها
…
ومحتدها...................
من معد في الأرض إذا أفسد، وقيل غير ذلك. قال الفتح: وسمي معدًا، قال الخميس: لأنه كان صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل ولم يحارب أحدًا إلا يرجع بالنصر والظفر، وكنيته أبو قضاعة، وقيل: أبو نزار.
"ابن عدنان" بزنة فعلان من المعدن، أي: الإقامة، قال الحافظ وغيره. وفي الخميس: سمي به لأن أعين الجن والإنس. كانت إليه وأرادوا قتله، وقالوا: لئن تركنا هذا الغلام حتى يدرك مدرك الرجال ليخرجن من ظهره من يسود الناس، فوكل الله به من يحفظه انتهى.
وروى أبو جعفر بن حبيب في تاريخه عن ابن عباس قال: كان عدنان ومعد وربيعة وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير، وروى الزبير بن بكار مرفوعًا:"لا تسبوا مضر ولا ربيعة، فإنهما كانا مسلمين". وله شاهد عند ابن حبيب من مرسل سعيد بن المسيب، وحكى لزبير أن عدنان أول من وضع أنصاب الحرم، وأول من كسا الكعبة، أو كسيت في زمنه. والبلاذري: أول من كساها الإنطاع عدنان، وفي أول من كساها خلاف ليس هذا موضعه، ولما استشعر المصنف قول سئل: لِمَ لَمْ توصل النسب إلى آدم؟ قال: "قال" الإمام الحافظ المتقن أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن محمد المشهور بأنه "ابن دحية" لأنه رحمه الله كان يذكر أنه من ولد الصحابي دحية الكلبي، بفتح الدال وكسرها، قال النور: لغتان مشهورتان الكرماني اختلف في الراجحة منهما، والجوهري اقتصر على الكسر، والمجد قدمه الأندلسي السبتي البصير بالحديث المعتنى به ذو الحظ الوافر من اللغة والمشاركة في العربية صاحب التصانيف وطن مصر وأدب الملك الكامل ودرس بدار الحديث الكاملية، مات رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستائة عن نيف وثمانين سنة.
"أجمع العلماء، والإجماع حجة" لعصمة الأمة عن الخطأ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة""على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما انتسب إلى عدنان ولم يتجاوزه. ا. هـ. ولله در القائل: ونسبة عز هاشم من أصولها، ومحتدها" بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الفوقية أصلها؛ كما في القاموس.
.........................
…
...... المرضي أكرم محتد
سميت رتبة علياء أعظم بقدرها
…
ولم تسم إلا بالنبي محمد
ويرحم الله القائل:
وكم أب قد علا بابن ذوي شرف
…
كما علا برسول الله عدنان
وعن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان، ثم يمسك ويقول: كذب النسابون مرتين أو ثلاثًا، رواه في مسند الفردوس. لكن قال السهيلي: الأصح في هذا الحديث أنه من قول ابن مسعود.
"المرضى أكرم محتد" كمجلس "سميت" بفتحتين مخفف الميم ارتفعت "رتبة" تمييز محول عن الفاعل، أي: منزلة، "علياء" أي: مرتفعة، وفي القاموس: العلياء كل ما علا من شيء، فالمعنى ارتفعت منزلة هذه النسبة المرتفعة، فكأنه قال: زادت رفعة، "أعظم بقدرها" فعل تعجب، أي: ما أعظم قدرها، "و" الحال أنها "لم تسم إلا بالنبي محمد" أي: بوجوده فيها، "ويرحم الله القائل" غاير تفننًا وكراهة لتوارد الألفاظ، وهو أبو العباس علي بن الروم:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم
…
كلا لعمري ولكن منه شيبان
"وكم أب قد علا بابن ذوي شرف
…
كما علا برسول الله عدنان"
ذرى بضم الذال المعجمة وخفة الراء المهملة، أي: أعالي شرف الواحدة ذروة بكسر الذال وضمها وأنشده المغني بلفظ: ذرى حسب لكن شرف أنسب، كما لا يخفى. قال ابن عصفور، يريد أن المتقدم قد يأتيه الشرف من جهة المتأخر.
"وعن ابن عباس: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز" من انتسابه "معد بن عدنان، ثم يمسك" توطئة لقوله: "ويقول: كذب النسابون" بقولها: "مرتين أو ثلاثًا" شك من الراوي، "رواه في مسند الفردوس" بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب والفردوس للإمام عماد الإسلام أبي شجاع الديلمي ألفه محذوف الأسانيد مرتبًا على الحرف ليسهل حفظه، وعلم بإزائها بالحروف للمخرقين ومسنده لولده الحافظ أبي منصور شهردار بن شهرويه المتوفى سنة تسع وخمسمائة، خرج سند كل حديث تحته، وكذا رواه ابن سعد في الطبقات.
"لكن قال السهيلي: الأصح في هذا الحديث" المروي مرفوعًا "أنه من قول" عبد الله "بن مسعود" بن غافل بمعجمة وفاء قديم الإسلام أحد القراء هاجر الهجرتين وصلى للقبلتين وشهد بدرًا والحديبية وجمع القرآن على العهد النووي، وشهد له المصطفى بالجنة مات سنة اثنتين
وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ اللَّهُ} [إبراهيم: 9] قال: كذب النسابون، يعني أنهم يدعون علم الأنساب ونفى الله علمها عن العباد.
وروي عن عمر أنه قال: إنما ينسب إلى عدنان وما فوق ذلك لا يدرى ما هو.
وعن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون.
وثلاثين، وقد جاوز الستين وصلى عليه عثمان ودفن بالبقيع، "وقال غيره: كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ} خبر {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ} قوم هود {وَثَمُودَ} قوم صالح {وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ اللَّهُ} [إبراهيم: 9] لكثرتهم "قال" احتجاجًا "كذب النسابون يعني" ابن مسعود بذلك "أنهم يدعون علم الأنساب، ونفى الله علمها عن العباد" بقوله: {لا يَعْلَمُهُمْ إِلَاّ اللَّهُ} [إبراهيم: 9] ، "وروي عن عمر" بن الخطاب القرشي العدوي أمير المؤمنين، وعند ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم كناه أبا حفص، وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، عن عمرو بن سعد، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لقبه بالفاروق، وقال الزهري: لقبه به أهل الكتاب، رواه ابن سعد، وقيل: جبريل، ورواه البغوي.
وفي البخاري عن ابن مسعود: "ما زلنا أعزة"، أي في الدين "منذ أسلم عمر". "أنه قال: إنما ينسب" بتحتية فنون النب صلى الله عليه وسلم أو بنونين، أي: معاشر قريش، "إلى عدنان وما فوق ذلك" من عدنان إلى إسماعيل، ومن إبراهيم إلى آدم "لا يدرى" بباء ونون "ما هو" أي: ما عدته، أو ما اسمه، وكلام الحافظين اليعمري والعسقلاني والمصنف وغيرهم صريح في ثبوت الخلاف فيمن بين إبراهيم وآدم، فلا عبرة بمن نفاه، وقال: إنه ثابت بلا خلاف ولفظ سيرة العسقلاني اختلف فيما بين عدنان وإسماعيل اختلافا كثيرًا، ومن إسماعيل إلى آدم متفق على أكثره وفيه خلف يسير في عدد الآباء، وفيه خلف أيضًا من ضبط بعض الأسماء، انتهى. ومن خطه نقلت، وقد التزم فيها الاقتصار على الأصح فلا يصح زعم أن الخلاف ضعيف جدًا لم يعتد به من نفاه، بمجرد تجويز عقلي.
"وعن ابن عباس بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبًا لا يعرفون" بأسمائهم، فلا ينافي قوله: ثلاثون، وقيل: بينهما أربعة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرون أو ثمانية وثلاثون أو تسعة وثلاثون أو أربعون أو واحد وأربعون أو غير ذلك أقوال.
وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف بعد معد بن عدنان.
وسئل مالك عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك، وقال من أخبره بذلك؟ وكذا روي عنه في رفع نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فالذي ينبغي لنا، الإعراض عما فوق عدنان، لما فيه من التخليط والتغيير للألفاظ، وعواصة تلك الأسماء، مع قلة الفائدة.
وقد ذكر الحافظ أبو سعيد النيسابوري..................................
"وقال عروة بن الزبير" بن العوام القرشي الأسدي المدني التابعي الكبير أحد فقهاء المدينة السبعة الحافظ، المتوفى سنة أربع وسبعين وقيل غير ذلك. "وما وجدنا أحدًا يعرف بعد معد بن عدنان" هذا لا ينافي وجدان غيره من يعرف ذلك، "وسئل مالك" بن أنس بن مالك أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله المدني عالم المدينة نجم الأثر العابد الزاهد الورع إمام المتقين وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر، روى الترمذي وحسنه واللفظ له، والحاكم وصححه والنسائي عن أبي هريرة رفعه:"يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة"، قال النووي: قال سفيان ابن عيينة: هو مالك بن أنس. وفي الحلية: عن مالك: ما بت ليلة إلا رأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي سنة تسع وسبعين ومائة.
أفرد مناقبه بالتأليف جمع من العلماء؛ كالدينوري وعياض والذهبي وغيرهم. "عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك" قيل له: فإلى إسماعيل، فكره ذلك أيضًا، "وقال" على سبيل الإنكار، "من أخبره بذلك" حتى يعتمد عليه، "وكذا روي عنه" أنه كره ذلك "في رفع نسب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" إلى آدم، قال السهيلي: وقع هذا الكلام لمالك في الكتاب الكبير المنسوب إلى المعيطي وإنما أصله لعبد الله بن محمد بن جبير وتممه المعيطي فنسب إليه، وإذا كان كذلك، "فالذي ينبغي لنا الإعراض عما فوق عدنان لما فيه من التخلي والتغيير للألفاظ، وعواصة" بعين وصاد مهملتين، أي: صعوبة؛ كما في القاموس.
"تلك الأسماء مع قلة الفائدة" في ذكرها "وقد ذكر الحافظ أبو سعيد" عبد الرحمن بن الحسن الأصبهاني الأصل "النيسابوري" بفتح النون نسبة إلى نيسابور أشهر مدن خراسان صاحب المسند وكتاب شرف المصطفى الثقة المتوفى سنة سبع وثلاثمائة، وقلد المصنف في قوله أبو سعيد بالياء السهيلي، وقد تعقبه مغلطاي بأنه: إنما هو سعد بسكون العين، انتهى، وكذا قال صاحب رونق الألفاظ، وقال: إن الذهبي ذكره، أي: بوصف الحافظ في تاريخه وأغفله من طبقات الحافظ.
عن أبي بكر بن أبي مريم عن سعد بن عمرو الأنصاري عن أبيه عن كعب الأحبار: أن نور النبي صلى الله عليه وسلم لما صار إلى عبد المطلب وأدرك، نام يومًا في الحجر فانتبه مكحولًا مدهونًا، قد كسي حلة البهاء والجمال، فبقي متحيرًا لا يدري من فعل به ذلك، فأخذه أبوه بيده ثم انطلق به إلى كهنة قريش فأخبرهم بذلك، فقالوا له: اعلم أن إله السماوات قد أذن لهذا الغلام أن يتزوج، فزوجه قيلة فولدت له الحارث ثم ماتت، فزوجه بعدها هند بنت عمرو...........................
"عن أبي بكر" اسمه بكير، وقيل: عبد السلام، "بن أبي مريم" نسبة لجده للشهرة، واسم أبيه عبد الله الغساني عن خالد بن معدان ومكحول وعنه ابن المبارك وأبو اليمان، قال الذهبي: ضعفوه له علم وديانة، توفي سنة ست وخمسين ومائة، وقال العراقي: ضعفه غير واحد، وسرق له حلي فأنكر عقله ولم يتهمه أحد بكذب.
"عن سعد بن عمرو" ابن شرحبيل "الأنصاري" السعدي من ذرية سعد بن عبادة ثقة، روى عنه مالك والدراوري "عن أبيه" عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي مقبول، روى عنه ابنه "عن كعب الأحبار" أي: ملجأ العلماء الحميري، "أن نور النبي صلى الله عليه وسلم لما صار" أي: انتقل، "إلى عبد المطلب وأدرك" أي: بلغ "نام يومًا" أي: في يوم "في الحجر، فانتبه" حال كونه: "مكحولا مدهونًا قد كسي حلة البهاء والجمال، فبقي متحيرًا لا يدري من فعل به ذلك، فأخذه أبوه بيده" أي: عمه المطلب إذ العرب تسمي العم أبا حقيقة أو على التشبيه لقيامه مقامه في تربيته فلا يرد ما مر عن الفتح وغيره من موت أبيه بغزة وهو حمل، أو بمكة على أثر ولادته على ما حكى المصنف، "ثم انطلق به إلى كهنة قريش" قال عياض: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب أحدها أن يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترق من السمع عن السماء، وهذا بطل حين البعثة الثاني أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد، وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة ولا بعد في وجودهما الثالث المنجمون وهذا الضرب يخلق الله فيه لبعض الناس قوة ما، لكن الكذب فيه أغلب ومنه العرافة وصاحبها عراف، وقد نهى الشارع عن تصديقهم كلهم والإتيان لهم، "فأخبرهم بذلك، فقالوا له: اعلم أن إله السماوات قد أذن لهذا الغلام أن يتزوج، فزوجه قيلة" بفتح القاف وسكون التحتية فلام فهاء، "فولدت له الحارث" لا ينافي هذا ما في المقصد الثاني للمصنف كالسبل، والخميس من أن أم الحارث صفية بنت جندب لجواز أنه اسمها، وقيلة لقبها "ثم ماتت، فزوجه بعدها هند بنت عمرو" الظاهر: أن هند تحريف صوابه فاطمة، فقد نقل الخميس أن زوجات عبد المطلب خمس: صفية
وكان عبد المطلب يفوح منه رائحة المسك الأذفر، ونور رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيء في غرته، وكانت قريش إذا أصابها قحط شديد تأخذ بيد عبد المطلب فتخرج به إلى جبل ثبير فيتقربون به إلى الله، ويسألونه أن يسقيهم الغيث، فكان يغيثهم ويسقيهم ببركة نور رسول الله صلى الله عليه وسلم غيثًا عظيمًا.
بنت جندب من بني عامر بن صعصعة، ونثيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر، وهالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وآمنة بنت هاجر الخزاعي، وفاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمرو ابن مخزوم أمهرها مائة ناقة كومًا وعشرة أواق من ذهب، فولدت له أولادًا منهم عبد الله والده صلى الله عليه وسلم فهي مخزومية وجدة أولى للمصطفى، ذكره ابن قتيبة في المعارف ونحوه في المقصد الثاني.
"وكان عبد المطلب يفوح منه رائحة المسك" بكسر الميم والمشهور أنه دم يتجمد في خارج سرة ظباء معينة في أماكن مخصوصة وينقلب بحكمة الحكيم أطيب الطيب، "الأذفر" بذال معجمة، أي: المذكى ويطلق على النتن وليس مرادًا هنا، وبالمهملة خاص بالنتن؛ كما في المختار. "وكان نور رسول الله صلى الله عليه وسلم يضيء في غرته" أي: جبهته بينًا واضحًا، "وكانت قريش إذا أصابها قحط شديد تأخذ بيد عبد المطلب فتخرج به إلى جبل ثبير" بمثلثة فموحدة، كأمير "فيتقربون به إلى الله" لما جربوه من قضاء الحوائج على يده ببركة نوره صلى الله عليه وسلم، ولما جعله الله فيه من مخالفة ما كان عليه الجاهلية بإلهام من الله، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور، ويؤثر عنه سنن جاء بها القرآن والسنة كالوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة وتحريم الخمر والزنا، وأن لا يطوف بالبيت عريان، حكاه سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان.
"ويسألونه أن يسقيهم الغيث" المطر، "فكان" الله "يغيثهم ويسقيهم ببركة نور رسول الله" الكائن في غرة جده "صلى الله عليه وسلم غيثًا عظيمًا" أو ببركة وجوده نفسه بعد ولادته، فإن عبد المطلب كان يخرج به. روى البلاذري وابن سعد عن مخرمة بن نوفل الزهري الصحابي، قال: سمعت أمي رقيقة بنت أبي صفي بن هاشم بن عبد مناف، تقول: تتابعت عن قريش سنون ذهبن بالأموال وأشقين على الأنفس، قالت: فسمعت قائلا يقول في المنام: يا معشر قريش، إن هذا النبي المبعوث منكم، وهذا أبان خروجه وبه يأتيكم الحيا والخصب، فانظروا رجلا من أوسطكم نسبًا، طوالا عظامًا، أبيض مقرون الحاجبين، أهدب الأشفار، جعد، أسيل الخدين، رقيق العرنين، فليخرج هو وجميع ولده، وليخرج منكم من كل بطن رجل فتطهروا وتطيبوا، ثم استلموا الركن، ثم ارقوا إلى رأس أبي قبيس، ثم يتقدم هذا الرجل فيستقي وتؤمنون فإنكم ستسقون، فأصبحت