المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم: - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌باب مقدمة

- ‌ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني مؤلف المواهب اللدنية

- ‌التعريف بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية:

- ‌ترجمة الزرقاني شارح المواهب:

- ‌المقدمة:

- ‌شرح مقدمة المواهب

- ‌مدخل

- ‌المقصد الأول:

- ‌المقصد الثاني:

- ‌المقصد الثالث:

- ‌المقصد الرابع، المقصد الخامس

- ‌المقصد السادس:

- ‌المقصد السابع:

- ‌المقصد الثامن، المقصد التاسع

- ‌المقصد العاشر:

- ‌المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام

- ‌مدخل

- ‌عام الفيل وقصة أبرهة

- ‌ذكر تزوج عبد الله آمنة

- ‌وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال:

- ‌وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم:

- ‌ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه

- ‌ذكر خاتم النبوة

- ‌ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم

- ‌تزوجه عليه السلام من خديجة:

- ‌بنيان قريش الكعبة:

- ‌باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌مراتب الوحي:

- ‌ذكر أول من آمن بالله ورسوله

- ‌إسلام حمزة

- ‌الهجرة الأولى إلى الحبشة

- ‌باب الفهرس:

الفصل: ‌وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم:

‌وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم:

فالأكثرون على أنه عام الفيل، وبه قال ابن عباس...................

خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وأنهما قديمان حيان دراكان، فقيل سابور قوله: فلما ملك بهران بن هرمز بن سابور سلخه وحشا جلده تبنًا وقتل أصحابه، وبعضهم هرب إلى الصين، وقد أجاد أبو الطيب في قوله:

وكم لظلام الليل عندي من يد

تخبر أن المانوية تكذب

"فذلك" أي: فعل المانوية "إفراط" إسراف ومجاوزة حد، "وإبقاء القلفة تفريط" تضييع وتقصير، "فالعدل" فالوسط بينهما، "الختان، انتهى" كلام الرازي.

"وإذ قلنا بوجوب الختان فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا" يعني الشافعية ويندب عندهم في اليوم السابع بعد يوم الولادة "لما روى البخاري في صحيحه" من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد "عن ابن عباس أنه سئل مثل" بكسر الميم وسكون المثلثة "من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وأنا يومئذ مختون" قال أبو إسحاق: أو إسرائيل أو من دونه، "وقد كانوا لا يختنون" بفتح التحتية وكسر الفوقية؛ كما اقتصر عليه المصنف، وظاهره: أن الرواية وإن جاز ضم الفوقية لغة، أي: كانت عادتهم لا يختنون "حتى يدرك" الحلم، فأفاد نفي الختان قبله، إذ لو طلب قبله لما أطبقوا على تركه قبل البلوغ، قال السخاوي في البستان والمحفوظ الصحيح أن ابن عباس ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، فتكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر، انتهى.

"وقال بعض أصحابنا: يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ" مقابل لما قدم أنه الصحيح "والله أعلم" بحقيقة الحكم فيه، "وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم، فالأكثرون" من العلماء "على أنه ولد عام الفيل، وبه قال ابن عباس" على المحفوظ عنه، ووقع عند البيهقي والحاكم عن ابن عباس، قال: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الفيل، لكن المراد مطلق الوقت

ص: 243

ومن العلماء من حكى الاتفاق عليه وقال: كل قول يخالفه وهم.

والمشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يومًا، وإليه ذهب السهيلي في جماعة.

وقيل: بعده بخمسة وخمسين يومًا، وحكاه الدمياطي في آخرين.

وقيل: بشهر، وقيل بأربعين يومًا.

وقيل: بعد الفيل بعشر سنين وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وقيل: وغير ذلك.

والمشهور أنه بعد الفيل، لأن قصة الفيل كانت....................

لقول يحيى بن معين يعني عام الفيل انتهى كما يقال يوم الفتح ويوم بدر، ويحتمل حقيقة اليوم فهو أخص من الأول وبه صرح ابن حبان في تاريخه، فقال ولد عام الفيل في اليوم الذي بعث الله فيه الطير الأبابيل على أصحاب الفيل، ذكره الحافظ في شرح الدرر.

"ومن العلماء من حكى الاتفاق عليه" كابن الجوزي، حيث قال في الصفوة: اتفقوا على أنه ولد عام الفيل، وكذا ابن الجزار، "وقال: كل قول يخالفه" فهو "وهم" بفتح الهاء، أي: غلط، لكن قال مغلطاي: فيه نظر، يعني: لكثرة الخلاف وعلى الأول اختلفوا فيما مضى من ذلك العام. "والمشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يومًا، وإليه ذهب السهيلي في جماعة" أي: معهم، "وقيل بعده بخمسة وخمسين يومًا، وحكاه الدمياطي في" أي: مع "آخرين" منهم أبو جعفر محمد بن علي، قال: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول، وكان قدوم الفيل للنصف من المحرم، فبين الفيل ومولده خمس وخمسون ليلة نقله في المنتقى، وفي العيون ذكر الخوارزمي وغيره: أن قدوم الفيل مكة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة. "وقيل" ولد بعده "بشهر" واحد، "وقيل: بأربعين يومًا" حكاهما مغلطاي واليعمري، "وقيل": بل ولد "بعد" عام "الفيل" واختلفوا في مدته، فقيل: بعده بسنتين، وقيل: بعد الفيل "بعشر سنين".

قال مغلطاي: يروى هذا القول عن الزهري، ولا يصح. "وقيل" بل ولد "قبل الفيل" لا بعده "بخمس عشرة سنة" وسيأتي رده "وقيل غير ذلك" فقيل: بعده بثلاثين عامًا، وقيل: بأربعين عامًا، وقيل: بسبعين عامًا، وقيل: بثلاثة وعشرين عامًا، حكاها كلها مغلطاي، ثم رد المصنف القول بأنه ولد قبل الفيل، بقوله:"والمشهور: أنه ولد بعد الفيل" لا قبله؛ "لأن قصة الفيل كانت

ص: 244

توطئة لنبوته، وتقدمة لظهوره وبعثته، وإلا فأصحاب الفيل -كما قاله ابن القيم- كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك، لأنهم كانوا عباد، أوثان، فنصرهم الله تعالى على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة، وتعظيمًا للبلد الحرام.

واختلف أيضا في الشهر الذي ولد فيه.

والمشهور: أنه ولد في شهر ربيع الأول، وهو قول جمهور العلماء، ونقل ابن الجوزي الاتفاق عليه.

وفيه نظر؛ فقد قيل في صفر، وقيل في ربيع الآخر.

وقيل: في رجب، ولا يصح.

وقيل: في شهر رمضان................................

توطئة" تمهيدًا "لنبوته وتقدمه لظهوره" لوجوده "وبعثته" وقد وجد قبل وجوده خوارق كثيرة؛ ككثرة الهواتف، وأخبار الأحبار والكهان، فلا يرد ما قيل الإرهاص إنما يكون بما يوجد بعد مولده وقيل البعثة، إما لأن التعبير بالإرهاص مجاز، وإما لمنع تخصيص الإرهاص بما بعد الوجود، بل هو شامل لكل ما تقدمه البعث من خوارق قبل وجوده أم بعده. "وإلا" يكن توطئة له بل لشرف أهل مكة كان القياس العكس، "فأصحاب الفيل" أي: القوم الذين جاءوا به.

"كما قال ابن القيم: كانوا نصارى أهل كتاب" وهو الإنجيل "وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك" ألم تر أنه صلى الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء؛ كما في الصحيح "لأنهم كانوا عباد أوثان" أصنام لا كتاب لهم، "فنصرهم الله تعالى على أهل الكتاب" مع كونهم خيرًا منهم "نصرًا لا صنع للبشر فيه إرهاصًا وتقدمة للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج" وجد "من مكة، وتعظيمًا للبلد الحرام" لا لما كان عليه أهله "واختلف أيضًا في الشهر الذي ولد فيه" أهو ربيع أم غيره؟ "والمشهور: أنه ولد في ربيع الأول، وهو قول جمهور العلماء" بضم الجيم معظمهم وجلهم، ونقل التلمساني فتح الجيم أيضًا وأتى به بعد المشهور؛ لأن مجرد الشهرة لا تستلزم كثرة القائل لجواز أن يشتهر عن واحد مع مخالفة غيره له أو سكوته عنه.

ونقل" العلامة الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن "ابن الجوزي الاتفاق عليه" فقال في الصفوة: اتفقوا على أنه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول عام الفيل، "وفيه" أي: نقل الاتفاق "نظر، فقد قيل: في صفر، وقيل: في ربيع الآخر" حكاهما مغلطاي وغيره، "وقيل: في رجب، ولا يصح" هذا القول، "وقيل: في شهر رمضان" حكاه اليعمري ومغلطاي.

ص: 245

وروي عن ابن عمر بإسناد لا يصح، وهو موافق لمن قال: إن أمه حملت به في أيام التشريق.

وأغرب من قال: ولد في عاشوراء.

وكذا اختلف أيضًا في أي يوم من الشهر:

فقيل إنه غير معين، إنما ولد يوم الاثنين من ربيع الأول من غير تعيين، والجمهور على أنه يوم معين.

فقيل: لليلتين خلتا منه.

وقيل: لثمان خلت منه، قال الشيخ قطب الدين القسطلاني: وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم......................

"وروي" هذا القول بأنه في شهر رمضان "عن ابن عمر بإسناد لا يصح، وهو موافق لمن قال: إن أمه حملت به أيام التشريق" هي ثلاثة أو يومان بعد يوم النحر، سميت بذلك لأنهم يشرقون، أي: يقطعون فيها لحوم الأضاحي أو لصلاة العيد بعد وقت شروق الشمس، يعني: يوافقه على أن الحمل تسعة أشهر.

"وأغرب من قال" جاء بقول غريب لا يعرف، "ولد في يوم عاشوراء" فشهر الولادة المحرم، وحكاه مغلطاي فحصل في شهر الولادة ستة أقوال، "وكذا اختلف أيضًا في أي يوم من الشهر" ولد، "فقيل: إنه" أي: اليوم الذي ولد فيه "غير معين" بأنه آخر الشهر أو غيره، "إنما" ثبت عند صاحب هذا الفيل أنه "ولد يوم الاثنين من ربيع الأول من غير تعيين" لكونه ثانية أو ثامنة أو غيرهما، "والجمهور على أنه معين" لكن اختلفوا في تعيينه، "فقيل" ولد "لليلتين خلتا منه" من ربيع الأول؛ فيوم ولادته ثانيه، وبه صدر مغلطاي "وقيل: لثمان خلت منه".

"قال الشيخ قطب الدين" أبو بكر محمد بن أحمد بن علي المصري "القسطلاني" الشافعي، جمع بين العلم والعمل وألف في الحديث والتصوف وتاريخ مصر، ولد بمصر سنة أربع عشرة وستمائة، ومات في محرم سنة ست وثمانين وستمائة نسبة إلى قسطلينة من إقليم أفريقية؛ كما قال هو رحمه الله في تاريخ مصر، ونقله عنه ابن فرحون في الديباج في ترجمة أحمد بن علي المصري المالكي المعروف بابن القسطلاني ولم يضبطه، وقال القطب الحلبي في تاريخه: كأنه منسوب إلى قسطلينة بضم القاف من أعمال أفريقية بالمغرب، انتهى، وبعضهم ضبطه بفتح القاف وشد اللام، "وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم"

ص: 246

وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن، واختاره الحميدي، وشيخه ابن حزم، وحكى القضاعي في "عيون المعارف" إجماع أهل الزيج عليه، ورواه الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، وكان عارفًا..............................

النوفلي "وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن" يعني التاريخ "واختاره" الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي "الحميدي" بضم الحاء مصغرا نسبة لجده الأعلى حميد المذكور الأندلسي الظاهري من كبار تلامذة ابن حزم صاحب الجمع بين الصحيحين فريد عصره علمًا غزيرًا وفضلا ونبلا وحفظًا وورعًا، الثبت الإمام في الحديث والفقه والأدب والعربية والترسل عن الخطيب وطبقته وسمع بالأندلس ومصر والشام والعراق والحجاز، وعنه ابن ماكولا وغيره مات سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ومن نظمه، كما قال شيخ الإسلام:

لقاء الناس ليس يفيد شيئا

سوى الهذيان من قيل وقال

فأقلل من لقاء الناس إلا

لأخذ العلم أو إصلاح حال

"وشيخه" الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد "بن حزم" الأموي مولاهم اليزيدي القرطبي الظاهري الإمام العلامة الزاهد الورع له المنتهى في الذكاء والحفظ مع توسعه في علوم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار، توفي سنة سبع وخمسين وأربعائة، "وحكى القضاعي" بضم القاف وضاد معجمة وعين مهملة نسبة إلى قاضعة شعب من معد أو من اليمن، أو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر الفقيه الشافعي قاضي مصر صاحب الشهاب والخطط وغيرهما، روى عنه الخطيب البغدادي، قال ابن ماكولا: كان متفننًا في عدة علوم، توفي بمصر ليلة الخميس سابع عشر ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة.

"في عيون المعارف إجماع أهل الزيج" بزاي مكسورة فتحتية ساكنة فجيم، أي: الميقات، "عليه" وهو لغة خيط البناء ثم نقل وجعل لقب العمل الميقات لقولهم علا الخيط في أخذ استواء النجوم القاموس الزيج خيط البناء معرب ومقتضاه فتح الزاي؛ لأنه إذا أطلق أراد الفتح إلا فيما اشتهر بخلافه؛ كما قال في خطبته وقد ضبطه بعضهم بكسرها فلعله مما اشتهر، "ورواه" الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي، "الزهري" المدني أحد الأعلام نزيل الشام التابعي الصغير المتفق على إمامته وحفظه وإتقانه وفقهه الموصوف بأنه جمع علم جميع التابعين، القائل: ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيه المتوفى سابع عشر شهر رمضان سنة خمس أو ثلاث أو أربع وعشرين ومائة عن اثنتين وتسعين سنة، "عن محمد بن جبير بن مطعم" النوفلي الثقة أحد رجال الستة المتوفى على رأس المائة، "وكان" محمد "عارفًا

ص: 247

بالنسب وأيام العرب، أخذ ذلك عن أبيه جبير.

وقيل لعشر، وقيل لاثني عشر، وعليه عمل أهل مكة في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت، وقيل لسبع عشرة وقيل لثمان عشرة، وقيل لثمان بقين منه.

وقيل: إن هذين القولين غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية.

والمشهور: أنه ولد "يوم الاثنين" ثاني عشر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق وغيره.

وإنما كان في شهر ربيع الأول على الصحيح ولم يكن في المحرم، ولا في رجب، ولا في رمضان، ولا غيرها من الأشهر ذوات الشرف، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به كالأماكن........................

بالنسب وأيام العرب" وقائعهم وسيرهم، فيدل على قوة هذا القول وترجيحه ومعرفة ذلك مما به يتفاخرون "أخذ ذلك" الذي عرفه من النسب وأيام العرب "عن أبيه جبير" بضم الجيم مصغر بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي الصحابي العارف بالأنساب المتوفى سنة ثمان أو تسع وخمسين، "وقيل: لعشر" مضين من ربيع، حكاه مغلطاي والدمياطي وصححه، "وقيل" ولد "لاثني عشر" من ربيع الأول "وعليه عمل أهل مكة" قديمًا وحديثًا، "في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت" أي: ثاني عشر ربيع "وقيل: لسبع عشرة" ليلة خلت من ربيع، "وقيل: لثمان عشرة" بفتح النون ويجوز كسرها؛ كما في الهمع والتوضيح واقتصر المصباح على الفتح حذف الياء كما هنا، وهو لغة أما مع ثبوتها في اللغة الأخرى فتسكن وتفتح وهو أفصح، "وقيل: لثمان بقين منه، وقيل: إن هذين القولين" الأخيرين "غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية" فتحصل في تعيين اليوم سبعة أقوال، "والمشهور أنه" صلى الله عليه وسلم "ولد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول"، وهو القول الثالث في كلام المصنف، "وهو قول" محمد "بن إسحاق" بن يسار إمام المغازي، "و" قول "غيره" قال ابن كثير: وهو المشهور عند الجمهور، وبالغ ابن الجوزي وابن الجزار فنقلا فيه الإجماع وهو الذي عليه العمل، "وإنما كان" مولده "في شهر ربيع" الأول "على الصحيح" من الأقوال "ولم يكن في المحرم، ولا في رجب" بالصرف، ولو أريد به معين، ففي المصباح: رجب من الشهور مصروف، "ولا رمضان ولا غيرها من الأشهر ذوات الشرف" كبقية الأشهر الحرم وليلة نصف شعبان؛ "لأنه" كما ذكر ابن الحاج في المدخل "عليه الصلاة والسلام لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به؛ كالأماكن" لا يتشرف بها ومن ثم لم يولد في جوف الكعبة، وإنما الأماكن تتشرف به؛ كالمدينة تشرفت به حتى

ص: 248

فلو ولد في شهر من الشهور المذكورة، لتوهم أنه تشرف به، فجعل الله تعالى مولده عليه السلام في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه.

وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم عليه السلام خص بساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد المرسلين. ولم يجعل الله تعالى في يوم الاثنين -المخلوق فيه آدم- من الجمعة والخطبة وغير ذلك، إكرامًا لنبيه عليه الصلاة والسلام بالتخفيف عن أمته......................

صارت أفضل من مكة عند كثيرين وصار فيها بقعة روضة من رياض الجنة، وأخرى خير البقاع بإجماع، "فلو ولد في شهر من الشهور المذكورة لتوهم أنه تشرف به، فجعل الله تعالى مولده عليه السلام في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه" وهذا وجه كونه لم يولد في تلك الأشهر وحكمة كونه في شهر ربيع ما في شرعه من شبه زمن الربيع، فإنه أعدل الفصول وشرعه أعدل الشرائع، ولأن في ظهوره فيه إشارة لمن تفطن لها بالنسبة إلى اشتقاق لفظة ربيع؛ لأن فيه تفاؤلا حسنًا ببشارة أمته، فالربيع تنشق الأرض عما في بطنها من نعم الله، ومولده في ربيع إشارة ظاهرة إلى التنويه بعظيم قدره، وأنه رحمة للعالمين، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكل إنسان من اسمه نصيب، هذا حاصل ما ذكر ابن الحاج.

"وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم عليه السلام، خض بساعة" في تعيينها أقوال كثيرة، "لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا، إلا أعطاه إياه" وأخرج بالخير غيره، وفي رواية أحمد:"ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم"، "فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد المرسلين" وهي في يوم الاثنين، وأقرب ما قيل: إنها في أوله فينبغي الاجتهاد فيها رجاء مصادفتها لكن المصنف في عهدة أن فيه ساعة كساعة يوم الجمعة؛ لأنه إن أراد أن ذلك اليوم ومثله إلى يوم القيامة كساعة يوم الجمعة أو أفضل، فدليله هذا لا ينتج ذلك، وإن أراد عين تلك الساعة فساعة الجمعة لم تكن موجودة حينئذ، وإنما جاء تفضيلها في الأحاديث الصحيحة بعد ذلك بمدة، فلم يمكن اجتماعهما حتى يفاضل بينهما وتلك انقضت وهذه باقية إلى اليوم، وقد نص الشارع عليها ولم يتعرض لساعة مولده ولا لأمثالها، فوجب علينا الاقتصار على ما جاءنا عنه ولا نبتدع شيئًا من عند نفوسنا القاصرة عن إدراكه، إلا بتوقيف.

"ولم يجعل الله تعالى في يوم الاثنين يوم مولده" بالجر بدل "عليه السلام من التكليف بالعبادات ما جعل في يوم الجمعة المخلوق فيه آدم من" صلاة "الجمعة والخطبة وغير ذلك" من نحو الغسل وحلق العانة، "إكرامًا لنبيه عليه الصلاة والسلام بالتخفيف عن أمته

ص: 249

بسبب عناية وجوده قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ومن جملة ذلك: عدم التكليف.

واختلف أيضًا في الوقت الذي ولد فيه.

والمشهور أنه يوم الاثنين، فعن أبي قتادة الأنصاري: أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت علي فيه النبوة". رواه مسلم، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ولد نهارًا.

وفي المسند، عن ابن عباس قال: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم.............................

بسبب عناية وجوده، قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] مؤمنهم وكافرهم، قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33] ، "ومن جملة ذلك عدم التكليف" وأبدى ابن الحاج حكمة تخصيصه بيوم الاثنين وهي خلق الأشجار فيه ومنها أرزاق العباد وأقواتهم، فوجوده فيه قرة عين بسبب ما وجد من الخير العظيم لأمته، "واختلف أيضًا في الوقت الذي ولد فيه" أهو الليل أم النهار؟ "والمشهور: أنه يوم الاثنين" كما مر، فأفاد أنه بالنهار "فعن أبي قتادة الأنصاري" الخزرجي السلمي المدني ارس رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر سائر المشاهد إلا بدرًا، ففيه خلف وليس في الصحابة من يكنى بكنيته غيره، واسمه الحارث بن ربعي بكسر الراء أو النعمان بن ربعي أو النعمان بن عمرو، وبالأول جزم في التبصير، مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، أو أربع وخمسين عن سبعين سنة، "أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم الاثنين، قال:"ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت علي فيه النبوة" أي: أنه أول يوم أوحي إلي فيه "رواه مسلم" من طريق شعبة عن غيلان، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة في حديث طويل، وفيه ما لفظه، وسئل عن صوم يوم الاثنين، قال:"ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه، أو أنزل علي فيه"، فالمصنف نقله بمعناه ويقع في بعض نسخ المواهب عن قتادة بحذف أبي وهو تحريف، فالذي في مسلم عن أبي قتادة، كما رأيت وقتادة هو ابن النعمان الأوسي صحابي آخر. "وهذا" الحديث "يدل" صريحًا "على أنه صلى الله عليه وسلم ولد نهارًا" لقوله:"ذاك يوم ولدت فيه".

"و" روى أحمد "في المسند عن ابن عباس، قال: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، واستنبئ" أي: نبئ فالسين للتأكيد، "يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ورفع صلى الله عليه وسلم "الحجر" الأسود إلى موضعه فوضعه فيه بيده المباركة "يوم

ص: 250

الاثنين. انتهى.

وكذا فتح مكة ونزول سورة المائدة يوم الاثنين.

وقد روي أنه ولد "يوم الاثنين" عند طلوع الفجر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: كان بمر الظهران راهب يسمى عيصا، من أهل الشام، وكان.......................

الاثنين" حين بنت قريش الكعبة سنة خمس وثلاثين من مولده صلى الله عليه وسلم، واختصموا فيمن يرفع الحجر إلى موضعه حتى أعدوا للقتال، ثم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا، قال ابن إسحاق: فزعم أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة، وكان أسنهم يومئذ، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول داخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم، فكان صلى الله عليه وسلم أول داخل، فقالوا: هذا الأمين رضينا، وأخبروه الخبر، فقال: "هلم إلي ثوبًا" فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا"، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم، "انتهى" ما في المسند، وفيه إرسال صحابي؛ لأنه لم يدرك ذلك وكان في الهجرة ابن ثلاث سنين؛ كما مر.

"وكذا فتح مكة" عند بعضهم، والمعروف ما رواه البيهقي أنه كان يوم الجمعة واقتصر عليه المصنف في غزوة الفتح، "ونزول سورة المائدة" أي قوله فيها:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، الآية، كان ذلك "يوم الاثنين" ففي بعض الطرق عند ابن عساكر وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، وكانت وقعة بدر يوم الاثنين، قال ابن عساكر: المحفوظ أن وقعة بدر ونزول {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3]، يوم الجمعة. "وقد روي: أنه صلى الله عليه وسلم ولد عند طلوع الفجر" من يوم الاثنين "فعن عبد الله بن عمرو بن العاصي" بن وائل القرشي السهمي، قال النووي: الجمهور على كتابة العاصي بالياء، وهو الصحيح عند أهل العربية ويقع في كثير من كتب الحديث وغيرها بحذف الياء، وهي لغة قرئ بها في السبع كالكبير المتعال والداع ونحوهما، وقال في موضع آخر: الصحيح في العاصي وابن أبي الموالي والهادي واليماني إثبات الياء، انتهى.

ومر له مزيد أول الكتاب "قال: كان بمر الظهران" موضع على مرحلة من مكة "راهب يسمى عيصا" كذا في نسخ؛ كفتح الباري: بألف منونًا سواء قلنا: إنه أعجمي أو عربي لأنه ثلاثي ساكن الوسط كنوح وهو مصروف، وفي نسخ: عيصي بالياء، وفي الشامية: عيص بلا ألف ولا ياء فهو ممنوع الصرف، "من أهل الشام" زاد في رواية ابن عساكر: آتاه الله علمًا كثيرًا،

ص: 251

يقول: يوشك أن يولد فيكم يا أهل مكة مولود تدين له العرب ويملك العجم، هذا زمانه، فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه، فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبد المطلب حتى أتى عيصا فناداه، فأشرف عليه، فقال له عيصا: كن أباه، فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث يوم الاثنين، ويموت يوم الاثنين. قال: ولد لي الليلة مع الصبح مولود، قال: فما سميته؟ قال: محمدًا، قال: والله لقد كنت أتشهى أن يكون هذا المولود فيكم أهل هذا البيت، بثلاث خصال تعرفه، فقد أتى عليهن منها: أنها طلع نجمه البارحة، وأنه ولد.....................

وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة يدخل كل سنة إليها فيلقى الناس "وكان يقول: يوشك" يقرب "أن يولد فيكم يا أهل مكة مولود تدين له العرب" تنقاد وتخضع وتذل "ويملك العجم، هذا زمانه؛ فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل" بالبناء للمفعول "عنه" ذلك الراهب؛ لقوله لهم ذلك، وفي رواية ابن عساكر: وكان لا يولد بها مولود إلا سألوه عنه. "فلما كان صبيحة" أي: أول "اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبد المطلب حتى أتى عيصا" ليسأله عن هذا المولود: أهو الذي قال فيه ما قال؟ "فناداه" أي: فنادى عبد المطلب عيصا، "فأشرف عليه، فقال له عيص: كن أباه" أي: اتصف بكونك أباه بأن تعتقد ذلك، وتسمية الجد أبا حقيقة، ووقع في رواية ابن عساكر عن ابن عمر: والمذكور خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيصا

إلخ، وإنما يجيء على أن أباه مات وهو في المهد، لكن المخرج متحد، فلعلها شاذة.

"قد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث" بعد ذلك إلى الناس بشيرًا ونذيرًا "يوم الاثنين، ويموت يوم الاثنين، قال" عبد المطلب "ولد لي الليلة مع الصبح مولود" فأفادت المعية أنه ولد عند طلوع الفجر، وهو محل الشاهد من هذا الحديث، "قال" الراهب "فما سميته؟ قال: محمدًا" أي: عزمت على تسميته فلا ينافي ما مر أنه سماه يوم سابعه، "قال" الراهب: "والله لقد كنت أتشهى" أتمنى أن يكون "هذا المولود فيكم" يا "أهل هذا البيت" الكعبة، لما رأيته فيكم من تميزكم على غيركم من العرب بالخصال الحميدة ومكارم الأخلاق، وقد علمت وجوده مطابقًا لما كنت أتمناه، "بثلاث" أي: بسبب ثلاث "خصال تعرفه" بضم الفوقية فعين مفتوحة فراء مشددة، أي: تميزه تلك الخصال وتدل على أنه ذلك المولود، وفي نسخة: نعرفه، وكذا عند ابن عساكر بفتح النون، أي: نعرفه نحن بها "فقد أتى" مشتملا "عليهن" وهو مجاز عن أتى بكذا إذا مر عليه، ففي المصباح: أتى عليه: مر به، فكأنه لقيام الصفات به مر بها، "منها" أي: الخصال التي علم وجوده بها "أنه طلع نجمه البارحة، وأنه ولد

ص: 252

اليوم، وأن اسمه محمد. رواه أبو جعفر بن أبي شيبة، وخرجه أبو نعيم في الدلائل بسند ضعيف.

وقيل: كان مولده عليه الصلاة والسلام عند طلوع الغفر، وهو ثلاثة أنجم صغار ينزلها القمر، وهو مولد النبيين، ووافق ذلك من الشهور الشمسية نيسان، وهو برج الحمل، وكان لعشرين مضت منه.

وقيل ولد ليلا فعن عائشة قالت: كان بمكة يهودي يتجر فيها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود قالوا لا نعلمه قال ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخير بين كتفيه علامة فيها

اليوم، وإن اسمه محمد، رواه أبو جعفر بن أبي شيبة" محمد بن عثمان العبسي الكوفي محدثها الحافظ البارع، صنف وجمع، وثقه صالح جزرة وابن عدي وعبدان، وقال عبد الله بن أحمد: كذاب، وقال ابن خراش: يضع وقال مطين: هو عصا موسى تلقف ما يأفكون، وقال ابن البرقاني: لم أزل أسمع أنه مقدوح فيه، مات في جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائتين، وما يقع في نسخ أبو جعفر وابن أبي شيبة بزيادة واو غلط من الجهلة.

"وخرجه أبو نعيم في الدلائل" أي: في كتاب دلائل النبوة، وكذا رواه ابن عساكر "بسند ضعيف" ومن ثم عبر أولا بروي تمريضًا على العادة، "وقيل: كان مولده عليه الصلاة والسلام عند طلوع الغفر" بفتح الغين المعجمة وسكون الفاء ثم راء مهملة، كما ضبطه ابن باطيش وهو مقتضى القاموس. "وهو ثلاثة أنجم صغار ينزلها القمر، وهو مولد النبيين" أي: وقت مولدهم، "ووافق ذلك من الشهور الشمسية نيسان" بفتح النون وهو سابع الأشهر الرومية؛ كما في القاموس. "وهو برج الحمل" وفي النور عن الدمياطي ولد في برج الحمل، وهو يحتمل أن يكون في نيسان وأن يكون في آذار، انتهى. لكن ما جزم به المصنف نقله في روضة الأحباب عن أبي معشر البلخي.

"وكان" ذلك، أي: مولده، "لعشرين مضت منه" من نيسان، قال الخزارومي "وقيل: ولد ليلا" من غير تعيين وقت ولادته؛ ككونه عند طلوع الغفر فغايره ما قبله، "فعن عائشة" أنها "قالت: كان بمكة يهودي يتجبر فيها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال" اليهودي -وهذا مما تلقته عن غيرها؛ لأن ولادتها بعد ذلك بمدة وهي لا تحدث إلا عن ثقة:"يا معشر قريش، هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلمه، قال" زاد في رواية يعقوب بن سفيان السابقة انظروا فإنه "ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة" هي: خاتم النبوة "فيها

ص: 253

شعرات متواترات كأنهن عرف الفرس فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أمه فقالوا: أخرجي المولود ابنك فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى تلك الشامة فوقع اليهودي مغشيًا عليه فلما أفاق قالوا ما لك ويلك قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل، رواه الحاكم.

قال الشيخ بدر الدين الزركشي: "والصحيح أن ولادته عليه الصلاة والسلام كانت نهارًا، قال: وأما ما روي من تدلي النجوم فضعفه ابن دحية لاقتضائه أن الولادة ليلا. قال: وهذا لا يصح أن يكون تعليلا، فإن زمان النبوة صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارًا" انتهى.

شعرات متواترات" أي: مجتمعات؛ كما في رواية في صفة الخاتم، وفي أخرى: متراكمات "كأنهن عرف الفرس" وفي رواية يعقوب: فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام "فخرجوا باليهودي حتى أدخلوه على أمه، فقالوا: لها: "أخرجي المولود ابنك فأخرجته" أمه لهم "وكشفوا عن ظهره، فرأى تلك الشامة فوقع اليهودي مغشيًا عليه، فلما أفاق قالوا: ما لك؟ " أي: أي شيء حصل لك "ويلك، قال: ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل" يعقوب عليه السلام "رواه الحاكم" ورواه يعقوب بن سفيان عن عائشة أيضًا؛ كما قدم المصنف قريبًا في عجائب ولادته، وأعاده هنا استدلالا على أنه ولد ليلا مع إفادة أنه رواه غير من عزاه له هناك، فلا تكرار وإن كانت القصة واحدة؛ لأن المخرج بفتح الميم متحد وهو عائشة رضي الله عنها، ولا يضر اختلاف بعض الألفاظ بالزيادة والنقص؛ لأنه من اختلاف الرواة.

"قال الشيخ بدر الدين الزركشي: والصحيح أن ولادته عليه الصلاة والسلام كانت نهارًا" لا ليلا "قال: وأما ما روي من تدلي النجوم" ليلة مولده، كالذي رواه البيهقي في حديث فاطمة بنت عبد الله الثقفية: ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع علي، "فضعفه ابن دحية لاقتضائه أن الولادة ليلا" وإنما كانت نهارًا على الصحي، "قال" الزركشي:"وهذا لا يصلح أن يكون تعليلا" لتضعيف المروي من تدلي النجوم لا لكونه ولد ليلا، بدليل قوله:"فإن زمان النبوة صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارًا، انتهى" كلام الزركشي على أن في تضعيفه بتلك العلة شيئًا على مقتضى الصناعة، فالمحدثون إنما يعللون الحديث من جهة الإسناد الذي هو المرقاة، لا بمخالفة ظاهر القرآن فضلا عن معارضته بأحاديث آخر؛ كما صرح به الحافظ ابن طاهر وغيره، قال النجم: وقد يقال: إن الولادة عقب الفجر وللنجوم حينئذ سلطان كما في الليل، فلا ينافي سقوطها، انتهى.

ص: 254

فإن قلت: إذا قلنا بأنه عليه السلام ولد ليلا، فأيما أفضل: ليلة القدر أو ليلة مولده عليه السلام؟

أجيب: بأن ليلة مولده عليه السلام أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة:

أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره صلى الله عليه وسلم، وليلة القدر معطاة له، وما شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه، ولا نزاع في ذلك، فكانت ليلة المولد أفضل من ليلة القدر.

الثاني: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره صلى الله عليه وسلم. ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر، على الأصح المرتضى، فتكون ليلة.......................

"فإن قلت: إذا قلنا بأنه عليه السلام ولد ليلا" على القول المرجوح، "فأيما أفضل ليلة القدر أو ليلة مولده عليه السلام" الأصل: أليلة القدر بالهمزة؛ لأنه بدل من اسم الاستفهام وحكم المبدل منه أنه يلي الهمز، قال ابن مالك رحمه الله تعالى:

وبدل المضمن الهمز يلي

همزًا كمن ذا أسعيد أم علي

قلت: "أجيب بأن ليلة مولده عليه السلام أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة، أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره صلى الله عليه وسلم، وليلة القدر معطاة له، وما" أي: والذي "شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه ولا نزاع في ذلك" الذي ذكرناه من أن ما شرف

إلخ، وحيث لا نزاع "فكانت ليلة المولد أفضل من ليلة القدر" بهذا الاعتبار، "الثاني" من الوجوه الثلاثة "أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها" على أحد الأقوال في سبب تسميتها بذلك، والثاني: لنزول القرآن فيها، والثالث: أن الذي يراها يصير ذا قدر، والرابع: لما يكتب فيها من الأقدار فيها يفرق كل أمر حكيم.

"وليلة المولد شرفت بظهوره صلى الله عليه وسلم، ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر" وهم الملائكة، "على الأصح المرتضى" عند جمهور أهل السنة من أن النبي أفضل من الملك، وأما نبينًا صلى الله عليه وسلم فأفضل من جميع العالمين إجماعًا، حكاه الإمام الرازي وابن السبكي والسراج البلقيني، قال الزركشي: واستثنوه من الخلاف في التفضيل بين الملك والبشر، فهو أفضل حتى من أمين الوحي خلافًا لما وقع في الكشاف، ولذا قال بعض المغاربة جهل الزمخشري مذهبه، فقد أجمع المعتزلة على استثناء المصطفى من الخلاف، انتهى. نعم، زعم أن طائفة منهم كالرماني خرقوا الإجماع فتبعهم الزمخشري، وحيث كان كذلك "فتكون ليلة

ص: 255

المولد أفضل.

الثالث: أن ليلة القدر وقع فيها التفضيل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وليلة المولد الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات، فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعًا، فكانت أفضل.

فيا شهرًا ما أشرفه وأوفر حرمة لياليه، كأنها لآلئ..........................

المولد أفضل" وهو المدعي.

"الثالث: أن ليلة القدر وقع فيها التفضيل على أمة محمد صلى الله عليه وسلم" فقط؛ لأنها مختصة بهم ولم تكن لمن قبلهم على الصحيح المشهور الذي قطع به جمهور العلماء؛ كما قال النووي. "وليلة المولد الشريف وقع التفضيل فيها على سائر" جميع "الموجودات" أمته وغيرهم، من حيث الأمن من العذاب العام؛ كالخسف والمسخ، "فهو الذي بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين" كما قال في الكتاب المبين "فعمت به" بمولده "النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعًا، فكانت أفضل" من ليلة القدر بهذا الاعتبار، وهذا الذي ساقه المصنف وأقره متعقب، قال الشهاب الهيثمي: فيه احتمال واستدلال بما لا ينتج المدعي؛ لأنه إن أريد أن تلك الليلة ومثلها من كل سنة إلى يوم القيامة أفضل من ليلة القدر، فهذه الأدلة لا تنتج ذلك كما هو جلي، وإن أريد عين تلك الليلة، فليلة القدر لم تكن موجودة إذ ذاك، وإنما أتى فضلها في الأحاديث الصحيحة على سائر ليالي السنة بعد الولادة بمدة، فلم يمكن اجتماعهما حتى يتأتى بينهما تفضيل وتلك انقضت وهذه باقية إلى اليوم، وقد نص الشارع على أفضليتها ولم يتعرض لليلة مولده ولا لأمثالها بالتفضيل أصلا فوجب علينا أن نقتصر على ما جاء عنه ولا نبتدع شيئًا من عند نفوسنا القاصرة عن إدراكه إلا بتوقيف منه صلى الله عليه وسلم على أنا وسلمنا أفضلية ليلة مولده لم يكن له فائدة في تفضيل الأزمنة إلا بفضل العمل فيها وأما تفضيل ذات الزمن الذي لا يكون العمل فيه فليس له كبير فائدة إلى هنا انتهى كلامه، وو وجيه.

ثم إذا قلنا بما قال المصنف، وقلنا: إن الولادة نهارًا فهل الأفضل يوم المولد أو يوم البعث، والأقرب كما قال شيخنا: أن يوم المولد أفضل لمن الله به فيه على العالمين، ووجوده يترتب عليه بعثه فالوجود أصل والبعثة طارئة عليه، وذلك قد يقتضي تفضيل المولد، لأصالته.

"فيا شهرًا ما أشرفه" بالفاء، "وأوفر حرمة لياليه، كأنها" لشدة لمعانها وضوئها "لآلئ"

ص: 256

في العقود، ويا وجهًا ما أشرقه من مولود، فسبحان من جعل مولده للقلوب ربيعًا وحسنه بديعًا.

يقول لنا لسان الحال منه

وقول الحق يعذب للسميع

فوجهي والزمان وشهر وضعي

ربيع في ربيع في ربيع

واختلف أيضًا في مدة الحمل به. فقيل: تسعة أشهر وقيل عشرة وقيل ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة.

وولد عليه السلام في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج ويقال بالشعب، ويقال بالردم، ويقال بعسفان.

جمع لؤلؤة "في العقود" جمع عقد، "ويا وجهًا ما أشرقه" بالقاف، "من" وجه "مولود فسبحان من جعل مولده للقلوب ربيعًا وحسنه بديعًا" وأنشد المصنف لغيره بيتين هما:"يقول لنا لسان الحال منه" صلى الله عليه وسلم "وقول الحق يعذب" يحلو "للسميع" إن سألت عن صفاتي وأحوالي، "فوجهي والزمان وشهر وضعي" فالفاء جواب شرط مقدر "ربيع" المراد به وجهه صلى الله عليه وسلم بالربيع في اعتداله وحسنه ورونقه، "في ربيع" أي: زمن الربيع "في ربيع" أي: شهر ربيع المولود فيه صلى الله عليه وسلم، وقد قال أهل المعاني كما في السبل: كان مولده في فصل الربيع وهو أعدل الفصول ليله ونهاره معتدلان بين الحر والبرد، ويسميه معتدل بين اليبوسة والرطوبة، وشمسه معتدلة في العلو والهبوط، وقمره معتدل في أول درجة من الليالي البيض، وينعقد في سلك هذا النظام ما هيأ الله تعالى له من أسماء مريبه، ففي الوالدة والقابلة الأمن والشفاء، وفي اسم الحاضنة البركة والنماء، وفي مرضعتيه الآتي ذكرهما الثواب والحلم والسعد.

"واختلف أيضًا في" قدر "مدة الحمل به" صلى الله عليه وسلم، "فقيل: تسعة أشهر" كاملة وبه صدر مغلطاي، قال في الغرر: وهو الصحيح، "وقيل: عشرة" أشهر "وقيل: ثمانية، وقيل: سبعة، وقيل: ستة" حكى الأقوال الخمسة مغلطاي وغيره، "وولد عليه السلام" بمكة على الصحيح الذي عليه الجمهور، ولكن اختلف في مكانه منها على أقوال، فقيل: ولد "في الدار التي كانت" صارت بعد "لمحمد بن يوسف" الثقفي "أخي الحجاج" الظالم المشهور وهي بزقاق المدكك بدال مهملة، وكانت قبل ذلك بيد عقيل بن أبي طالب، قال ابن الأثير: قيل إن المصطفى وهبها له فلم تزل بيده حتى توفي عنها، فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج، وقيل: إن عقيلا باعها بعد الهجرة تبعًا لقريش حين باعوا دور المهاجرين، وفي الخميس: فأدخل محمد بن يوسف ذلك البيت الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم في داره التي يقال لها البيضاء، ولم تزل كذلك حتى حجت خيزران جارية المهدي أم هارون الرشيد، فأفردت ذلك

ص: 257