المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مراتب الوحي: "قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له" أي: - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌باب مقدمة

- ‌ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني مؤلف المواهب اللدنية

- ‌التعريف بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية:

- ‌ترجمة الزرقاني شارح المواهب:

- ‌المقدمة:

- ‌شرح مقدمة المواهب

- ‌مدخل

- ‌المقصد الأول:

- ‌المقصد الثاني:

- ‌المقصد الثالث:

- ‌المقصد الرابع، المقصد الخامس

- ‌المقصد السادس:

- ‌المقصد السابع:

- ‌المقصد الثامن، المقصد التاسع

- ‌المقصد العاشر:

- ‌المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام

- ‌مدخل

- ‌عام الفيل وقصة أبرهة

- ‌ذكر تزوج عبد الله آمنة

- ‌وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال:

- ‌وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم:

- ‌ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه

- ‌ذكر خاتم النبوة

- ‌ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم

- ‌تزوجه عليه السلام من خديجة:

- ‌بنيان قريش الكعبة:

- ‌باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌مراتب الوحي:

- ‌ذكر أول من آمن بالله ورسوله

- ‌إسلام حمزة

- ‌الهجرة الأولى إلى الحبشة

- ‌باب الفهرس:

الفصل: ‌ ‌مراتب الوحي: "قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له" أي:

‌مراتب الوحي:

"قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له" أي: أعطاه "من الوحي مراتب" جمع مرتبة، أي: منازل، أي: أنواعًا انحصرت في مراتب "عديدة" هي هذه المراتب لا ما يتبادر من لفظ كمل وهو حصول وحي قبلها لعدم وجود شيء من الوحي قبل نزوله، وعبر بمراتب دون أنواع وإن عبر به الشامي إشارة لشرفها، وتعبير الحافظ كاليعمري بحالات يوهم أنها غير الوحي ضرورة أن المضاف غير المضاف إليه، إلا أن تكون الإضافة بيانية، ومن في الوحي ابتدائية أو بيانية فلا وحي غير المراتب أو تبعيضية؛ لأنه عليه السلام لم يقع له مما يروى أن من الأنبياء من يسمع صوتًا ولا يراه فيكون نبيًا، ففي أنه صوت ليس بحرف يخلق في الجو ويخلق في سامعه علم ضروري يعلم به المراد أو بحرف يسمعه من قصدت نبوته مع خلق علم ضروري أنه من الله احتمالان وأيضًا فهو لم يستوف المراتب لقوله الآتي: ويزاد

إلخ.

"إحداها" أي: المراتب، وفي نسخة: أحدها بالتذكير نظرًا إلى أن المراد بالمراتب الأنواع والتأنيث فيما بعدها نظرًا للفظ، والأولى أنسب. "الرؤيا الصادقة" بعد النبوة أو قبلها لأنها مقررة لما بعدها. نعم، المختص بما بعدها الوحي بالأحكام التي يعمل بها، "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" كما مر عن عائشة واستدل السهيلي وغيره على أنها من الوحي، يقول إبراهيم {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] ، فدل على أن الوحي يأتيهم منامًا كما يأتيهم يقظة، وبرواية ابن إسحاق: أن جبريل أتاه ليلة النبوة وغطه ثلاثًا وقرأ عليه أول سورة {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، ثم أتاه وفعل ذلك معه يقظة، وفي الصحيح عن عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي، وقرأ {يَا بُنَيَّ} الآية.

"الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه" وإطلاق الوحي على ذلك مجاز من إطلاق المصدر بمعنى اسم المفعول وحقيقة الوحي هنا الإعلام في خفاء أو الإعلام بسرعة، وشرعًا الإعلام بالشرع، قاله الشامي. "من غير أن يراه" وعلم أنه وحي دون الإلهام الذي لا يستلزم

ص: 420

كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث في روعي، لن تموت نفسي حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"

الحديث رواه ابن أبي الدنيا.........

الوحي بعلم ضروري أنه وحي لا مجرد إلهام، كما خلق في جبريل أن المخاطب له الحق تعالى وأنه أمره بتبليغ من أراد، على نحو ما مر.

"كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث" بفاء مثلثة "في روعي" أي: ألقى الوحي في خلدي وبالي أو في نفسي أو قلبي أو عقلي من غير أن أسمعه ولا أراه، ومفعول نفث قوله: "لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها" الذي كتبه لها الملك وهي في بطن أمها، فلا وجه للوله والكد والتعب والحرص فإنه سبحانه قسم الرزق وقدره لكل أحد بحسب إرادته لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص، بحسب علمه القديم الأزلي، {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: 32] فلا يعارض هذا ما ورد الصبحة تمنع الرزق، والكذب ينقص الرزق، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وغير ذلك مما في معناه، أو أن الذي يمنعه وينقصه هو الحلال أو البركة فيه لا أصل الرزق، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني وأبي نعيم: "إن نفسا لن تمون حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها".

وفي حديث جابر عند ابن ماجه: "أيها النس، اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه أجله". رواه البيهقي وغيره وقال عليه السلام: "والذي بعثني بالحق إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه أجله". رواه العسكري. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغ آخر الرزق، فأجملوا في الطلب". رواه البيهقي وغيره.

"فاتقوا الله" أي: ثقوا بضمانه لكنه أمرنا تعبدًا بطلبه من حله، فقال:"وأجملوا في الطلب" بأن تطلبوه بالطرق الجميلة المحللة بلا كد ولا حرص ولا تهافت على الحرام والشبهات، أو غير منكبين عليه مشتغلين عن الخالق الرازق به، أو بأن تعينوا وقتًا ولا قدرًا؛ لأنه تحكم على الله أو ما فيه رضا الله لا حظوظ الدنيا، أو لا تستعجلوا الإجابة وقد أبدى العلامة العارف ابن عطاء الله في التنوير في معناه وجوهًا عديدة هذه منها، وفي أن طلب نحو المغفرة يمنع تعيينه نظر، استظهر شيخنا المنع لجواز أنه تعالى يريد مغفرته على سبب لم يوجد وعلم أنه سيوجد، فطلب تعيينها تحكم. "الحديث"، بقيته:"ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته".

"رواه" بتمامه "ابن أبي الدنيا" عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس الأموي

ص: 421

في القناعة، وصححه الحاكم.

والروع -بضم الراء- أي نفسي، وروح القدس: جبريل عليه السلام.

مولاهم، أبو بكر البغدادي الحافظ صاحب التصانيف المشهورة المفيدة، وثقه أبو حاتم وغيره، مات سنة إحدى وثمانين ومائتين. "في" كتاب "القناعة" والحاكم من حديث ابن مسعود "وصححه الحاكم" من طرق، ورواه ابن ماجه عن جابر ومر لفظه، والطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة الباهلي بنحوه.

قال الطيبي: والاستبطاء بمعنى الإبطاء، والسين للمبالغة، وفيه: أن الرزق مقدر مقسوم لا بد من وصوله إلى العبد لكنه إذا سعى وطلب على وجه مشروع فهو حلال وإلا فحرام، فقوله: ما عنده، إشارة إلى أن الرزق كله من عنده الحلال والحرام، وقوله: أن يطلبه بمعصية الله، إشارة إلى أن ما عنده إذا طلب بها سمي حرامًا، وقوله: إلا بطاعته، إشارة إلى أن ما عنده إذا طلب بطاعته مدح وسمي حلالا، وفيه دليل ظاهر لأهل السنة أن الحرام يسمى رزقًا والكل من عند الله خلافًا للمعتزلة، انتهى. وفيه: أن الطلب لا ينافي التوكل.

وأما حديث ابن ماجه والترمذي والحاكم وصححاه عن عمر رفعه: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا" فقال الإمام أحمد: فيه ما يدل على الطلب لا القعود، أراد: لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير بيده ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين كالطير، لكنهم يعتمدون على قوتهم وكسبهم، وهذا خلاف التوكل. وفي الإحياء أن أحمد قال في القائل: أجلس لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله عل رزقي تحت ظل رمحي"، وقوله:"تغدو خماصًا وتروح بطانًا"، وكان الصحابة يتجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم، وبهم القدوة.

"والروع بضم الراء" لا بفتحها؛ لأن معناه الفزع ولا دخل له هنا، ورعى لفظ الحديث، فقال:"أي نفسي" وإلا فالظاهر، والروع النفس فهو مجاز شبه إلقاء جبريل بالنفث الذي هو دون التفل بالفوقية لعدم ظهروه، ولا ينافيه قول المصباح: نفث الله الشيء في القلب: ألقاه؛ لأنه بيان للمعنى المجازي إذا أسند لله لاستحالة الحقيقة عليه، وهذا يقتضي أن المراد به غير القلب، قال شيخنا: والظاهر أن المراد بهما واحد، وهو محل الإدراك وقد يشعر به لفظ الحديث.

"وروح القدس جبريل عليه السلام" سمي به لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، فإنه المتولى لإنزال الكتب الإلهية التي بها تحيا الأرواح الربانية والقلوب الجسمانية كالمبدأ لحياة القلب؛ كما أن الروح مبدأ لحياة الجسد، وأضيف إلى القدس لأنه مجبول على الطهارة والنزاهة من

ص: 422

الثالثة: كان يتمثل له الملك رجلا، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، فقد كان يأتيه في صورة دحية الكلبي، رواه النسائي بسند صحيح من حديث ابن عمر.

وكان دحية جميلا وسيما، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن لتراه.

فإن قلت: إذا لقي جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كانت في الجسد الذي له ستمائة جناح.........................

العيوب، وخص بذلك وإن كانت جميع الملائكة كذلك؛ لأن روحانيته أتم وأكمل، ذكره الإمام الرازي وعليه يحمل قول الشامي: سمي به لأنه خلق من محض الطهارة. وقال الراغب: خص بذلك لاختصاصه بنزوله بالقدس من الله، أي بما يطهر به نفوسنا من القرآن والحكمة والفيض الإلهي.

المرتبة "الثالثة" خطاب الملك له حين "كان يتمثل له الملك رجلا فيخاطبه" ويديم خطابه "حتى يعي" أي: يفهم. "عنه ما يقول له" فحتى غائية، "فقد" ثبت أنه "كان يأتيه في صورة دحية" بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان؛ كما في النور. واقتصر الجوهري على الكسر وقدمه المجد. وفي التبصير اختلف في الراجحة منهما، وهو بلسان أهل اليمن رئيس الجند ابن خليفة بن فضالة بن فروة "الكلبي" شهد المشاهد كلها بعد بدر.

"رواه النسائي" أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني ثم المصري، الحافظ أحد الأئمة المبرزين والأعلام الطوافين والحفاظ المتقنين، حتى قال الذهبي: هو أحفظ من مسلم، مات سنة ثلاث وثلاثمائة.

"بسند صحيح من حديث ابن عمر" وزعم أن مجيء جبريل على صورة دحية كان بعد بدر، إذ يبعد مجيئه على صورته قبل إسلامه ممنوع وسند أنه لا ضير في التمثل بصورته لجمالها، وإن قبل إسلامه لعلم الله أزلا بأنه من السعداء وخير القرون، فكان يأتي على صفته، فلما رأى المصطفى دحية أخبر بأنه يأتيه في صورته، والأمور النقلية لا دخل فيها للعقول.

"وكان دحية جميلا وسيما" أي: حسن الوجه، ولذا كان "إذا قدم لتجارة خرجت الظعن" بضم الظاء المعجمة والعين المهملة جمع ظعينة، سميت بذلك لأن زوجها يظعن بها "لتراه". وفي النور حكوا أنه كان إذا قدم من الشام لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه، والمعصر: التي بلغت سن المحيض، "فإن قلت: إذا لقي جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية" مثلا والمراد في غير صورته التي خلق عليها "فأين تكون روحه فإن كانت في الجسد الذي له ستمائة جناح"

ص: 423

فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كانت في هذا الذي هو في صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية.

فأجيب -كما ذكره العيني- بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجبًا موته، فيبقى الجسد حيًا، لا ينقص من معارفه شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر، وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا تلزم في غيرهم. انتهى.

حقيقة من لؤلؤ، أخرجه ابن منده.

وقول السهيلي: إنها في حقهم صفة ملكية وقوة روحانية، لا كأجنحة الطير. قال الحافظ: ممنوع فلا مانع من الحمل على الحقيقة إلا قياسه الغائب على المشاهد وهو ضعيف، وقال غيره: هذا التأويل لا يليق بالإمام السهيلي بل هو أشبه بكلام الفلاسفة والحشوية ولا ينكر الحقيقة إلا من ينكر وجود الملائكة.

"فالذي أتى لا روح جبريل"؛ لأن الفرض أنها في جسده الأصلي، "ولا جسده" لأنه لم يأت، "وإن كانت في هذا الجسد الذي هو صورة دحية" بقي جسده الأصلي بلا روح، "فهل يموت" ذلك "الجسد العظيم أم" لا يموت ولكن "يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية" ولا يلزم من انتقالها موت الجسد العظيم، "فأجيب" باختيار ما بعد أم؛ كما سيقرره "كما ذكره العيني" بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى الحنفي ولد في رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وتفقه واشتغل بالفنون وبرع وولي الحسبة مرارًا وقضاء الحنفية وغير ذلك، ومات في ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة، وفي بناء أجيب للمفعول إشعار بأن الجواب ليس له بل نقله فقط، وهو كذلك، فقد نقله بمعناه عن العز الحافظ في الفتح ونقل السؤال بعينه، والجواب أصحاب الحبائك عنه، أي: الشيخ عز الدين بن عبد السلام.

"بأنه لا يبعد أن يكون انتقالها موجبًا موته فيبقى الجسد حيًا لا ينقص من معارفه شيء ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خطر" مع اتصالها بقبورها، "وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا" لتجويزه ذهاب الروح، ولا الجسد "بل بعادة أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا تلزم في غيرهم، انتهى".

ص: 424

الرابعة: كأن يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه...................

وحاصله: أنه يزول الزائد دون فناء. وقال إمام الحرمين: معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعده، والسراج البلقيني يجوز أن الآتي هو جبريل بشكله الأول إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد نفشه، وهذا على سبيل التقريب. قال في فتح الباري: والحق أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة أنيسًا لمن يخاطبه. والظاهر: أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط، انتهى.

وفي الحبائك أجاب العلاء القونوي بجواز أن خصه بقوة ملكية يتصرف فيها بحيث تكون روحه في جسده الأصلي مدبرة له ويتصل أثرها بجسم آخر يصير حيًا بما اتصل به من ذلك الأثر، وقد قيل: إنما سمي الأبدال أبدالا؛ لأنهم قد يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم شبحًا آخر شبيهًا بشبحهم الأصلي بدلا عنهم، وأثبت الصوفية عالمًا متوسطًا بين عالم الأجساد والأرواح سموه عالم المثال، وقالوا: إنه ألطف من عالم الأجساد وأكثف من عالم الأرواح وبنوا على ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صورة مختلفة من عالم المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى:{فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] ، ويجوز أن جسمه الأول بحاله لم يتغير وقد أقام شبحًا آخر وروحه متصرفة فيهما جميعًا في وقت واحد، قال: والجواب بأنه كان يندمج إلى أن يصغر حجمه فيصير بقدر دحية ثم يعود كهيئته الأولى تكلف، وما ذكره الصوفية أحسن.

وقال القاضي أبو يعلى الحنبلي: لا قدرة للملائكة والجن على تغيير خلقهم والانتقال في الصورة، وإنما يجوز أن يعلمهم الله كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إن فعلوه وتكلموا به نلهم الله من صورة إلى صورة.

الحالة "الرابعة: كان يأتيه" مخاطبًا له بصوت "في مثل" أي: صفة، "صلصلة" بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة، "الجرس" بجيم ومهملتين: الجلجل الذي يعلق في رءوس الدواب، قال الحافظ والمصنف. وقال الشامي: الجرس مثال يشبه الجلجل الذي يعلقه الجهال في رءوس الدواب، انتهى.

قال في الفتح: والصلصلة المذكورة قيل صوت الملك بالوحي. وقال الخطابي: صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد، وقيل: صوت حفيف، أي: بمهملة وفاءين، دوي أجنحة الملك.

والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى فيه مكان لغيره. "وكان أشده عليه" لأنه يرد فيه من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية، فيوحي إليه كما يوحي إلى الملائكة؛ كما

ص: 425

...........................................................

يأتي في حديث أبي هريرة، ولأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أثقل من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، ودل اسم التفضيل على أن الوحي كله شديد.

قال الحافظ: وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى ورفع الدرجات، وقال شيخنا شيخ الإسلام، يعني البلقيني: سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به؛ كما في حديث ابن عباس: وكان يعالج من التنزيل شدة. وقال بعضهم: إنما كان شديدًا عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع، وقيل: نزوله هكذا إذا نزلت آية وعيد، وفيه نظر.

والظاهر: أنه لا يختص بالقرآن؛ كما في قصة المتضمخ بالطيب بالحج، ففيه: أنه رآه صلى الله عليه وسلم حالة نزول الوحي عليه وأنه ليغط، فإن قيل صوت الجرس مذموم لصحة النهي عنه والتنفير من مرافقة ما هو معلق فيه، والإعلام بأن الملائكة لا تصحبهم؛ كما في مسلم وأبي داود وغيرهما. والمحمود -وهو الوحي- هنا لا يشبه بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، فالجواب: أنه لا يلزم من التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها، بل ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، والمقصود هنا بيان الجنس فذكر ما ألف السامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم.

والحاصل؛ أن للصوت جهتين: جهة قوة وبها وقع التشبيه، وجهة طنين وبها وقع التنفير عنه وعلل بكونه مزمار الشيطان، انتهى ببعض اختصار. وقال التوربشتي: لما سئل عليه السلام عن كيفية الوحي، وكان من المسائل العويصة التي لا يماط نقاب التغور عن وجهها لكل أحد، ضرب لها في الشاهد مثلا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء، تنبيها على أن إتيانها يرد على القلب في هيئة الجلال وأبهة الكبرياء، فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب، وتلاقي من ثقل القول ما لا علم له به مع وجود ذلك، فإذا سري عنه وجد القول المقول بينا ملقى في الروع واقعًا موقع المسموع، وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة مرفوعًا "إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا"؛ لقوله: كأنها سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، انتهى.

هذا وقد روى أحمد والحاكم وصححه، والترمذي والنسائي عن عمر، قال:"كان صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي سمع عنده دوي كدوي النحل" الحديث، فأفهم قوله عنده أن ذلك بالنسبة للصحابة، ولذا قال الحافظ: إنه لا يعارض صلصلة الجرس؛ لأنه سماع الدوي بالنسبة للحاضرين،

ص: 426

حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، حتى إن راحلته لتبرك به في الأرض، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها.

كما شبهه عمر، والصلصلة بالنسبة إليه، كما شبهه به صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى مقامه، انتهى. وجزم به في فتح القريب بأن سماعه كدوي النحل حين كان يتمثل له رجلا، انتهى. وبه تعلم الصفة التي كان عليها حين خطابه بذلك الصوت.

"حتى" ابتدائية غائية متعلقة بمحذوف، أي: فتناوله مشقة عظيمة حتى "إن" بكسر الهمزة "جبينه ليتفصد" بفاء وصاد مهملة مشددة، أي يسيل، "عرقًا" بفتح الراء والنصب على التمييز، شبه جبينه بالعرق المفصود مبالغة في كثرة العرق من كثرة معاناة التعب والكرب عند نزوله لطروه على طبع البشر، وذلك ليبلو صبره فيرتاض لما كلفه من أعباء النبوة وقراءته بالقاف تصحيف، قاله العسكري وغيره.

قال الدماميني: والجبين غير الجبهة وهو فوق الصدغ، والصدغ ما بين العين والأذن، فالإنسان جبينان يكتفيان الجبهة، والمراد والله أعلم أن جبينيه معًا يتفصدان، وأفراده لجواز أنه يعاقب التثنية في كل اثنين بغنى أحدهما عن الآخر كالعينين والأذنين، تقول: عين حسنة، وتزيد عينيه معًا.

"في اليوم الشديد البرد" قال المصنف: الشديد صفة جرت على غير من هي له؛ لأنه صفة البرد لا اليوم. "حتى" الأولى بالواو كما في الشامية؛ لأنه عطف غاية على غاية لا غاية للغاية. "إن راحلته لتبرك" بضم الراء "به في" أي: على "الأرض" كما رواه البيهقي في الدلائل في حديث عائشة، بلفظ:"وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فتضرب جرانها من ثقل ما يوحى إليه".

"ولقد اءه الوحي مرة كذلك وفخذه" بكسر الخاء وتسكن تخفيفًا، "على فخذ زيد بن ثابت" الأنصاري النجاري أحد كتاب الوحي ومن كان يفتي في العصر النبوي، وروى أحمد بسند صحيح:"أفرضكم زيد"، مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين. "فثقلت" بضم القاف "عليه، حتى كادت ترضها" بفتح الفوقية وشد المعجمة تكسرها؛ كما رواه البخاري عن زيد: "أنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي".

لما ذكر ابن القيم دليل المرتبتين الأولتين، وكانت الثالثة والرابعة غير محتاجين لذكر الدليل لشهرته في الصحيحين والموطأ عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد علي، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا،

ص: 427

قلت: وروى الطبراني عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقًا شديدًا مثل الجمان، ثم سري عنه. وكنت أكتب وهو يملي عليّ، فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشي على رجلي أبدًا.

ولما نزلت عليه سورة المائدة، كادت أن ينكسر عضد ناقته من ثقل السورة، ورواه أحمد والبيهقي في الشعب.

الخامسة: أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين............................

ولم يذكر دليل قوله: حتى إن راحلته تبرك به المصنف تقوية لابن القيم، فقال:

"قلت: وروى الطبراني عن زيد بن ثابت، قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا نزل عليه" الوحي "أخذته برحاء" بضم الباء وفتح الراء وحاء مهملة والمد: شدة أذى الحمى وغيرها، "شديدة وعرق" بكسر الراء، "عرقًا" بفتحها، أي: رشح جلده رشحًا "شديدًا مثل الجمان" بضم الجيم وخفة الميم، قال في الدر: اللؤلؤ الصغار، وقيل: خرز يتخذ من الفضة مثله، "ثم سري" بضم السين المهملة وكسر الراء الثقيلة، أي: انكشف الوحي، "عنه، وكنت أكتب وهو يملي علي" وربما وضع فخذه على فخذي حال الكتابة، "فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشي على رجلي أبدًا" لظني كسرها، "ولما نزلت عليه سورة المائدة" لعل المراد بعضها، نحو:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية [المائدة: 3] ، فإنه نزلت وهو صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة على راحلته؛ كما في الصحيح.

"كادت" هي: أي: ناقته، "أن ينكسر والأصل كادت ناقته، أي: ينكسر عضدها، لكنه لما حول الإسناد عن الاسم الظاهر إلى الضمير لم يبق له مرجع نبه عليه، بقوله: "عضد ناقته" فلا يرد أن المناسب كاد بالتذكير لتأويل الفعل بعده بمصدر، أي: كاد انكسار على أنه اسم كاد، "من ثقل السورة، ورواه أحمد والبيهقي في الشعب"، وهذه المراتب ثلاث من صفات الوحي، وواحدة من صفات حامله، وهي تمثّله رجلا.

المرتبة "الخامسة" وهي من صفات حامله أيضًا "أن يرى الملك" جبريل "في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح" كل جناح منها يسد أفق السماء حتى ما يرى في السماء شيء "فيوحي" يوصل "إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين" إحداهما في الأرض حين سأله أن يريه نفسه، فرآه في الأفق الأعلى، قال الحافظ ابن كثير: كأنك والنبي بغار حراء

ص: 428

كما في سورة النجم.

السادسة: ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات من فرض الصلوات وغيرها.

أوائل البعثة بعد فترة الوحي، والثانية عند سدرة المنتهى.

"كما" دل عليه قوله تعالى: "في سورة النجم"{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: 13-14]، وروى أحمد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود: لم ير صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته الأصلية إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يريه نفسه فأراه نفسه سد الأفق، وأما الأخرى فليلة الإسراء عند السدرة. قال في الفتح: وهو مبين لما في صحيح مسلم عن عائشة: لم يره -يعني جبريل- على صورته التي خلق عليها إلا مرتين. وللترمذي من طريق مسروق عن عائشة: لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد. وهو يقوي رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة: كان صلى الله عليه وسلم أول ما رأى جبريل بأجياد وصرخ: يا محمد فنظر يمينًا وشمالا فلم ير شيئًا فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال جبريل: يا محمد فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئًا ثم خرج عنهم فناداه فهرب ثم استعلن له جبريل من قبل حراء، ذكر قصة إقرائه:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، ورأى حينئذ جبريل له جناحان من ياقوت يخطفان البصر، فتكون هذه المرة غير المرتين وإنما لم تضمها عائشة إليهما؛ لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند الله تعالى، انتهى.

ووقع عند أبي الشيخ، عن عائشة: أنه صلى الله عله وسلم، قال لجبريل:"وددت أني رأيتك في صورتك الأصلية". قال: وتحب ذلك؟ قال: "نعم". قال: موعدك كذا وكذا من الليل ببقيع الغرقد، فلقيه موعده فنشر جناحًا من أجنحته فسد أفق السماء حتى ما يرى في السماء شيء".

وفي مرسل الزهري عند ابن المبارك في الزهد: أنه سأله أن يتراءى له في صورته الأصلية، قال: إنك لن تطيق ذلك، قال:"إني أحب أن تفعل". فخرج إلى المصلى في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته فغشي عليه حين رآه، ثم أفاق" الحديث، فإن صحا فيمكن أنه أراه بعض صورته الأصلية؛ كما هو صريح قوله: فنشر جناحًا

إلخ؛ لأنها مرة ثالثة على تمام الصفة، فلا يخالف ما في الصحيح ولا ما عدوه من خصائصه من رؤيته له مرتين على صورته الأصلية، وقد كنت أبديت هذا قبل وقوفي على كلام الفتح، الذي سقته فحمدت الله على الموافقة.

المرتبة "السادسة" وهي واللتان بعدها من صفات الوحي: "ما أوحاه الله إليه وهو فوق السماوات من فرض الصلوات وغيرها" كالجهاد، والهجرة، والصدقة، وصوم رمضان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما صرح به في حديث أبي سعيد عند البيهقي: أن الله قال له

ص: 429

السابعة: كلام الله تعالى له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم موسى.

قال: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب. انتهى.

قال شيخ الإسلام الولي ابن عبد الرحيم العراقي: وكأن ابن القيم أخذ ذلك من روض السهيلي لكنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوحي قبل جبريل.

ذلك ليلة الإسراء، وساقه المصنف في المقصد السادس. وفي نسخة وغيره، قال شيخنا: وهي أولى لشمولها السنن وفرض غير الصلوات.

المرتبة "السابعة: كلام الله تعالى منه إليه بلا واسطة، كما كلم موسى" ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى: 51] ؛ لأن معناه كما "قال" البيضاوي: كلامًا خفيًا يدرك بسرعة؛ لأنه ليس في ذاته مركبًا من حروف مقطعة يتوقف على متموجات متعاقبة، أو هو ما يعم المشافهة به؛ كما في حديث المعراج. وما وعد به في حديث الرؤية والمهتف، كما اتفق لموسى في طوى والطور، ولكن عطف قوله:{أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51] عليه يخصه بالأول، فالآية دالة على جواز الرؤية لا على امتناعها، انتهى.

"وزاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي: تكليم الله له كفاحًا" بكسر الكاف، أي: مواجهة، "بغير حجاب، انتهى" كلام ابن القيم.

"قال شيخ الإسلام" عبر به على عادتهم أن من ولي قاضي القضاة يطلقون عليه ذلك، "الولي" أي: ولي الدين فهو من التطرف في العلم والراجح جوازه، واسمه أحمد "بن عبد الرحيم" بن الحسين "العراقي" المصري قاضيها الإمام العلامة الحافظ ابن الحافظ الأصولي الفقيه ذو الفنون والتصانيف النافعة المشهورة، تخرج في الفن بأبيه واعتنى به أبوه، فأسمعه الكثير من أصحاب الفخر وغيره، واستعلى على أبيه، ولازم البلقيني في الفقه وأملى أكثر من ستمائة مجلس، توفي في سابع عشرين شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة.

"وكأن ابن القيم أخذ ذلك" المذكور من المراتب الخمسة الأولى، "من روض السهيلي" فإنه عدها سبعًا فذكر الخمسة وكلام الله من وراء حجاب، إما في اليقظة أو المنام ونزل إسرافيل؛ فدع عنك احتمالات العقول لا تغتر بها في روض النقول. "كنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوحي" بعدما أوحى إليه جبريل أول سورة اقرأ و"قبل" تتابع مجيء "جبريل" مع

ص: 430

فقد ثبت في الطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة والشيء، ثم وكل به جبريل فجاءه بالقرآن.

وأما قوله -أعني ابن القيم: السادسة، ما أوحاه الله إليه فوق السماوات، يعني ليلة المعراج، السابعة كلام الله بلا واسطة. فإن أراد ما أوحاه إليه جبريل فهو داخل فيما تقدم، لأنه إما أن يكون جبريل في تلك الحالة على صورته الأصلية، أو على صورة الآدمي، وكلاهما قد تقدم ذكره...............................

أنه ذكره في الروض، بقوله:"فقد ثبت في الطرق الصحاح" بفتح الصاد وكسرها، "عن عامر الشعبي" التابعي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل به" أي: قرن، كما هو المنقول عن الشعبي فيما يأتي، بلفظ: فقرن بنبوته، "إسرافيل" على الثابت عن الشعبي لا ميكائيل وإن جزم به ابن التين، قاله الشامي: كالحافظ.

"فكان يتراءى" أي: يظهر، "له" بحيث يراه النبي صلى الله عليه وسلم "ثلاث سنين" بناء على الظاهر من الرؤية، وقيل: كان يسمعه ولا يراه فإن صح، فيحتمل أنه قبل النبوة وأنه بعدها، ولا يلزم من الترائي الرؤية بل مجرد الالتقاء نحو: فلما تراءت الفئتان، أي: التقت، "ويأتيه بالكلمة" أي: اللفظ الذي يخاطبه به "والشيء" الأفعال والآداب التي يعلمه إياها وهذا أولى من أن الشيء تفسيري، "ثم وكل" قرن "به جبريل" ليوحي إليه ما يؤمر بتبليغه له "فجاءه بالقرآن" والوحي هكذا بقية كلام الروض، وكان المصنف حذفه؛ لأنه لم يقع في المسند عن الشعبي، كما يأتي فعله اقتصر على القرآن؛ لأنه الذي انفرد به جبريل، ولأنه أعظم المعجزات، وظاهر هذا الأثر: أن جبريل لم يأته تلك المدة وقد ورد أنه لم ينقطع عنه، وجمع بأنه كان يأتيه فيها أحيانًا، وإسرافيل قرن به ليفعل معه كل ما يحتاج له، فقد اجتمعا في المجيء إليه فيا لكن أثر الشعبي هذا وإن صح إسناده إليه مرسل أو معضل وقد عارضه ما هو أصح منه؛ كما يأتي قريبًا. وقد أنكر الواقدي كون غير جبريل وكل به، قال الشامي: وهو المعتمد، انتهى. فلذا لم يذكره ابن القيم.

"وأما قوله -أعني ابن القيم- السادسة ما أوحاه الله إليه فوق السماوات، يعني: ليلة المعراج" مع قوله: "السابعة: كلام الله بلا واسطة" فلا يظهر التغاير بينهما حتى يجعلهما مرتبتين فلا يخلو من إرادة أحد أمرين، "فإن أراد ما أوحاه إليه جبريل" أي: ما أوحاه الله إليه على لسانه "فهو داخل فيما تقدم" له من المراتب وذلك "لأنه إما أن يكون جبريل في تلك الحالة على صورته الأصلية، أو على صورة الآدمي وكلاهما قد تقدم ذكره" في كلامه، فلا يصح كونها

ص: 431

وإن أراد وحي الله إليه بلا واسطة -وهو الظاهر- فهي الصورة التي بعدها.

وأما قوله: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة: وهي تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب، فهذا على مذهب من يقول أنه عليه السلام رأى ربه تعالى، وهي مسألة خلاف يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.

ويحتمل أن ابن القيم رحمه الله أراد بالمرتبة السادسة وحي جبريل، وغاير بينه وبين ما قبله باعتبار محل الأحياء، أي كونه فوق السماوات، بخلاف ما تقدم، فإن كان في......................

مرتبة مستقلة. "وإن أراد وحي الله إليه بلا واسطة" ملك "وهو الظاهر" المتبادر من قوله: أوحاه الله إليه، "فهي الصورة التي بعدها" وهي السابعة، وأجاب شيخنا: بأنه أراد الشق الأول ويمنع دخوله فيما قبله لجواز أنه أوحاه إليه بصفة من صفات الملائكة وليست صفته الأصلية، فإنه كما هو متمكن من مجيئه على صورة بني آدم، متمكن من مجيئه على صورة ليست مألوفة، ولا هي صورته الأصلية.

"وأما قوله: وزاد بعضهم مرتبة ثامنة، وهي: تكليم الله له كفاحًا بغير حجاب، فهذا" بناه "على مذهب من يقول: أنه عليه السلام رأى ربه تعالى" وأما على مذهب من قال: لم يره، فلا يصح عدها مرتبة زائدة لدخولها في السابعة، هذا تقريره.

قال شيخنا: ولا يتعين لجواز أنهما حالتان، وإن قلنا: بمنع الرؤية بأن يكون سمع الكلام بمجرده لكن مرة على وجه على غاية القرب اللائق به من كونه بعد مجاوزة الرفرف، ومرة فيما دون ذلك، قال: ويجوز التغاير أيضًا.

وإن قلنا: رآه بأن يكون كلمة مرة بدون واسطة ملك بلا رؤية، ومرة بعد مجاوزة الرفرف برؤية. "وهي مسألة خلاف" الراجح منه عند أكثر العلماء أنه رآه؛ كما قال النووي. "يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى" في المقصد الخامس، ويأتي فيه ذكر الحجب، وكم هي في نفس كلام المصنف، وأنها بفرض صحتها، إنما هي بالنسبة إلى المخلوقين، أما هو تعالى فلا يحجبه شيء، ولذا قال ابن عطية ونقله عنه السبكي: معنى: {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} أن يمع كلامه من غير أن يعرف له جهة ولا خبرًا، أي: من خفاء عن المتكلم لا يجده السامع ولا يتصور بذهنه، وليس كالحجاب الشاهد، انتهى.

"ويحتمل" في وجه التغاير بين السادسة والسابعة، "أن ابن القيم رحمه الله أراد بالمرتبة" السادسة وحي جبريل" لا ما هو الظاهر منه، "و" لكنه "غاير بينه وبين ما قبله" من المراتب الخمسة، "باعتبار محل الأحياء، أي: كونه فوق السماوات بخلاف ما تقدم، فإن كان في

ص: 432

الأرض، ولا يقال، يلزم عليه أن تتعدد أقسام الوحي باعتبار البقعة التي جاء فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير ممكن، لأنا نقول: الوحي الحاصل في السماء باعتبار في تلك المشاهد من الغيب نوع غير نوع الأرض على اختلاف بقاعها. انتهى.

قلت: ويزاد أيضًا:

كلامه تعالى له في المنام، كما في حديث الزهري:"أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى".....................

الأرض" والأولى جواب شيخنا المار: أنه باعتبار الصفة، "ولا يقال: يلزم" على هذا الاحتمال "أن تتعدد أقسام" أي: أنواع "الوحي باعتبار البقعة" بضم الباء أكثر من فتحها: القطعة من الأرض وجمعها على الضم بقع كغرف، وعلى الفتح بقاع ككلاب وأول جنسية فيصدق بجميع الأماكن التي نزل عليها فيها، فلا يرد أن الأولى التعبير بالجمع، "التي جاء فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو غير ممكن" لكثرة نزوله عليه في أماكن لا تحصى، "لأنا نقول: الوحي الحاصل في السماء باعتبار ما في تلك المشاهد من الغيب نوع غير الأرض على اختلاف بقاعها، انتهى" كلام الولي العراقي، ومحصله: أن جميع بقاع الأرض نوع واحد، وما في السماء نوع واحد، فلم يلزم تعدد أنواعه باعتبار البقعة.

"قلت: ويزاد أيضًا كلامه تعالى له في المنام" فقد عده في الروض منها، قال في الإتقان: وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم، نعم يمكن أن يعد منه آخر سورة البقرة وبعض سورة الضحى، و {أَلَمْ نَشْرَحْ} ، واستدل على ذلك بأخبار. "كما في حديث الزهري" نسبة إلى جده الأعلى زهرة بن كلاب القشي من رهط آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم اتفقوا على إتقانه وإمامته بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"أتاني" الليلة "ربي" تبارك وتعالى "في أحسن صورة" أي: صفة هي أحسن الصفات، وفي رواية: أحسبه قال: في المنام، "فقال: يا محمد، أتدري" وفي رواية: هل تدري، "فيم يختصم الملأ الأعلى" قال في النهاية: أي: فيم تتقاول الملائكة المقربون سؤالا وجوابًا فيما بينهم؟ وقال التوربشتي: المراد بالاختصام التقاول الذي كان بينهم في الكفارات والدرجات، شبه تقاولهم في ذلك وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين، انتهى. أي: واستعير له اسمه ثم اشتق منه يختصم، فهو استعارة تصريحية تبعية.

وقال البيضاوي: هو إما عبارة عن تبادرهم إلى كتب تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء، وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها وإنافتها على غيرها، وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل لاختصاصهم بها وتفضيلهم على الملائكة بسببها مع تفاوتهم في الشهوات وتماديهم في

ص: 433

الحديث.

ثم مرتبة أخرى، وهي العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام، لأنه اتفق على أنه عليه الصلاة والسلام إذا اجتهد أصاب قطعًا، وكان معصومًا من الخطأ، وهذا خرق للعادة في حقه دون الأمة، وهو يفارق النفث في الروع من حيث حصوله بالاجتهاد، والنفث بدونه.

ومرتبة أخرى: وهي مجيء جبريل في صورة رجل غير دحية................

الجنايات، انتهى. "الحديث" تمامه:"قلت: لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، فقال: يا محمد، هل تدري فيم يخاصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفارات والدرجات. فالكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في المكاره، قال: صدقت يا محمد، ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان في خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وتتوب عليّ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام". رواه بتمامه عبد الرزاق وأحمد والترمذي والطبراني، عن ابن عباس مرفوعًا. والترمذي وابن مردويه والطبراني من حديث معاذ.

"ثم مرتبة أخرى، وهي العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام" على القول بأنه يجتهد، وإنما عد اجتهاده من مراتب الوحي؛ "لأنه اتفق على أنه عليه الصلاة والسلام إذا اجتهد أصاب قطعًا" إما لظهور الحق له ابتداء، وإما بالتنبيه عليه إن فرض خلافه فلا يقدح فيه القول بجواز وقوع الخطأ في اجتهاده، لكن لا يقر عليه. "وكان معصومًا من الخطأ" فلا يقع منه أصلا على الصحيح، "وهذا خرق لعادة في حقه دون الأمة، وهو" أي: العلم الحاصل بالاجتهاد، "يفارق النفث" أي: ما يحصل به، "في الروع" فالمشبه به ليس نفي النفث؛ لأنه إلقاء الملك في الروع ولا يحسن تشبيه العلم به.

"من حيث حصوله بالاجتهاد و" حصول "النفث" أي: أثره؛ لأنه الحاصل في الروع "بدونه" أي: الاجتهاد، "ومرتبة أخرى، وهي: مجيء جبريل في صورة رجل غير دحية" كما في الصحيحين عن أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارز للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان

الحديث، وفي رواية: فأتاه جبريل، وفي آخره:"هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم". ورواه مسلم أيضًا عن عمر، بلفظ: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب

ص: 434

لأن دحية كان معروفًا عندهم، ذكره ابن المنير، وإن كانت داخلة في المرتبة الثالثة التي ذكرها ابن القيم.

وذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا، فذكرها، وغالبها -كما قال في فتح الباري- من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذكر والله أعلم.

شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، فهذا صريح في أنه تمثل بصورة رجل غير دحية؛ "لأن دحية كان معروفًا عندهم، ذكره" أي: هذا النوع "ابن المنير" والأوفق ذكرها بالتأنيث؛ لقوله: مرتبة، ولقوله:"وإن كانت داخلة في المرتبة الثالثة التي ذكرها ابن القيم" لأنه صدرها بقوله: كان يتمثل له الملك رجلا، ولا ترد هذه على قول السبكي في تائيته:

ولازمك الناموس إما بشكله

وإما بنفث أو بحلية دحية

لأن هذه الأحوال الثلاثة لما غلبت لم يعتد بغيرها، ولذا قال: ولازمك، على أنه أراد لازمك على الصورة التي تعلم منها حين المجيء أنه وحي، وأما هذه فلم يعلم أنه جبريل حتى ولي؛ كما دل عليه قوله في الصحيح: ثم أدبر، فقال:"ردوه". فلم يروا شيئًا، وصرح به في حديث أبي عامر، بلفظ:"والذي نفس محمد بيده، ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة" وفي رواية سليمان التيمي وابن حبان: "والذي نفسي بيده، ما شبه عليّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفت به حتى ولى".

"وذكر الحليمي" بالتكبير نسبة إلى جد أبيه، فإنه العلامة البارع المحدث القاضي أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الشافعي الفقيه صاحب اليد الطولى في العلم والأدب المفيدة، مات في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة.

"أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا، فذكرها وغالبها كما قال في فتح الباري: من صفات حامل الوحي، ومجموعها" أي: جملتها، "ويدخل فيما ذكر، والله أعلم" ومنها ما في الإتقان: أن الملك يأتيه في النوم، وهل نزل عليه فيه قرآن أم لا؟ والأشبه أنه نزل كله يقظة، وفهم فاهمون من خبر مسلم وأبي داود والنسائي، عن أنس: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا إذ غفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: "أنزل علي آنفًا سورة"، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1] إلى آخرها، إن الكوثر نزلت في تلك الإغفاءة؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي. وأجاب الرافعي: بأنه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة أو عرض عليه الكوثر الذي نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم وفسرها لهم، أو الإغفاءة ليست نومًا بل هي البرحاء التي كانت تعتريه عند الوحي، قال صاحب الإتقان: والأخير أصح من

ص: 435

وذكر ابن المنير أن الحال كان يختلف في الوحي باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد وبشارة نزل الملك بصورة الآدمي، وخاطبه من غير كد، وإن نزل بوعيد ونذارة كان حينئذ كصلصلة الجرس. انتهى.

الأول؛ لأن قوله: "أنزل علي آنفًا" يدفع كونها نزلت قبل ذلك، انتهى.

ووهم من ذكر هذا عند قوله الماهر كلامه تعالى له في المنام؛ لأنه في الإتقان إنما ذكره في مجيء الملك منامًا، وما ذكر في تلك المرتبة إلا ما قدمته عنه، ومنها: تصوره بصورة فحل من الإبل فاتحًا فاه ليلتقم أبا جهل لما أراد أن يلقي على النبي صلى الله عليه وسلم حجرًا كبيرًا وهو يصلي، وأخبر عليه السلام أنه جبريل، وما اقتضى منه دين الإراشي الذي مطله بثمن إبله وشكى لقريش فدلوه على المصطفى استهزاء لعلمهم بشدة عداوته، فلما أتاه قال: لا تبرح حتى يأخذ حقه، فعيره قريش؛ فقال: رأيت فحلا من الإبل لو امتنعت لأكلني، ذكرهما ابن إسحاق.

"وذكر" القاضي ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور المعروف بأنه "ابن المنير" الجروي الجذامي الإسكندري قاضيها وخطيبها المصقع الإمام العلامة البارع الفقيه الأصولي المفسر المتبحر في العلوم، ذو التصانيف الحسنة المفيدة والباع الطويل في التفسير والقراءات والبلاغة والإنشاء، توفي أول ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وستمائة عن ثلاث وستين سنة، قال العز بن عبد السلام: الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيها ابن دقيق العيد بقوص، وابن المنير بالإسكندرية.

"أن الحال كان يختلف في الوحي باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد" خاص بالخير حيث أطلق كالعدة؛ كما قال الفراء ولذا عطف عليه، "وبشارة" بكسر الباء وتضم مختصة بالخير، حيث أطلقت أيضًا لبيان المراد به، ولعله أراد بها ما قابل التخويف بالعذاب، فشمل القصص والأحكام وغيرها مما لم يصرح فيه بالعذاب، على أن القصص باعتبار ما سيقت له، فيها إيماء بأن من لم يؤمن ربما يصيبه ما أصاب من فيهم القصص.

"نزل الملك بصورة الآدمي، وخاطبه من غير كد" إتعاب في تلقي الوحي، "وإن نزل بوعيد" بشر لاختصاصه به كالإبعاد، "ونذارة كان حينئذ كصلصلة الجرس" وظاهره: أنه لا فرق في انقسام ما نزل به إلى القسمين بين القرآن وغيره، ولعله أشار إلى أن هذا مراد ابن المنير، وإلا فالذي في كلامه تقسيم ما جاء به من القرآن إلى هذين ونظر فيه الحافظ بأن الظاهر: أنه لا يختص بالقرآن، ولما ذكر مراتب الوحي ناسب أن يذكر عدد مراته، وذكر غير المصطفى بيانًا لزيادة كرامته على ربه، وهذا أولى من جعله استطرادًا ولوقوعه في كلام الناقل عنه، فقال:

ص: 436

وقد ذكر ابن عادل، في تفسيره: أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين ألف مرة، ونزل على آدم اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات. كذا قال رحمه الله.

وقد روي: أن جبريل بدى له صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة وأطيب رائحة فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أنت رسولي إلى الجن والإنس، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله......................................

"وقد ذكر ابن عادل في تفسيره أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرين ألف مرة، ونزل على آدم اثنتي عشرة مرة، ونزل على إدريس أربع مرات، وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتي وأربعين مرة" وفي كلام الحافظ عثمان الديمي أربعين فقط، "وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات" قال بعضهم: ثلاث مرات في صغره، وسبع مرات في كبره.

وزاد الحافظ الديمي، كما نقله عنه تلميذه الشمس التتائي في شرح الرسالة: وعلى يعقوب أربعًا، وعلى أيوب ثلاثًا. وظاهره، كابن عادل: أنه لم يبلغهما عدد في غيرهم، وظاهرهما أيضًا: أن نزوله على المذكورين يقظة، وفي الإتقان عن بعضهم: أن الوحي إلى جميعهم منامًا، إلا أولي العزم المصطفى ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، فإنه كان يأتيهم يقظة ومنامًا. وقال بعض: للملك صورتان: حقيقية ومثالية، فالحقيقية لم تقع إلا للمصطفى، والمثالية هي الواقعة لبقية الأنبياء، بل شاركهم فيها بعض الصحابة، انتهى.

"كذا قال، رحمه الله" تبرأ منه؛ لأنه لم يسنده ومثله يحتاج لتوقيف. "وقد روى" مرضه؛ لأن له طرقًا لا تخلو من مقال لكنها متعددة يحصل باجتماعها القوة، واعتضاد بعضها ببضع فيفيد أن للحديث أصلا. "أن جبريل بدا" أي: ظهر، وفي نسخة: تبدى، والأولى أوفق باللغة. "له صلى الله عليه وسلم" وهو بأعلى مكة؛ كما عند ابن إسحاق، أي: بجبل حراء؛ كما في الخميس، وهو يفسر قول زيد بن حارثة عند ابن ماجه وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل فعلمه الوضوء، "في أحسن صورة وأطيب رائحة، فقال: يا محمد! إن الله يقرئك" بضم الياء والهمزة: من أقرأ، "السلام، ويقول لك: أنت رسولي إلى الجن والإنس" لعله اقتصر عليهما؛ لقوله: "فادعهم إلى قول لا إله إلا الله" أي: ومحمد رسول الله، فلا ينافي أنه مبعوث إلى الملائكة أيضًا على الأصح عند جمع محققين، منهم: البارزي وابن حزم والسبكي، أو لاختصاص الدعوة

ص: 437

ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل ثم أمره أن يتوضأ وقام جبريل يصلي وأمره أن يصلي معه فعلمه الوضوء والصلاة ثم عرج إلى السماء ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر بحجر ولا مدر ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله، حتى أتى خديجة فأخبرها فغشي عليها من الفرح ثم أمرها فتوضأت وصلى بها كما صلى به جبريل فكان ذلك أول فرضها ركعتين ثم إن الله تعالى أقرها في السفر كذلك وأتمها في الحضر.

في الابتداء بهما، ويأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في الخصائص. "ثم ضرب برجله الأرض" من إطلاق الكل على الجزء، بدليل رواية ابن إسحاق وغيره، فهمز بعقبه بفتح السين وكسر القاف: مؤخر القدم.

"فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل" زاد ابن إسحاق: ورسول الله ينظر إليه ليريه كيف الطهور إلى الصلاة، "ثم أمره أن يتوضأ" كما رآه يتوضأ، وروى أحمد وابن ماجه والحارث وغيرهم، عن أسامة بن زيد عن أبيه: أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحى إليه فأراه الوضوء والصلاة، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، "وقام جبريل يصلي وأمره أن يصلي معه" زاد في رواية أبي نعيم عن عائشة: فصلى ركعتين نحو الكعبة، "فعلمه الوضوء والصلاة، ثم عرج إلى السماء ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر بحجر ولا مدر" محركة جمع مدرة: قطع الطين اليابس أو العلك الذي لا رمل فيه والمدن والحضر؛ كما في القاموس.

"ولا شجرة، إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله" يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يرد عليها مكافأة وإن لم يكن واجبًا، قال الدلجي: ورد بأن السلام شرع للتحية وليست من أهلها وبأنه يتوقف على بقل وفيه نظر، فإن المكافأة تكون ولو لغير الأهل، وهو لم يجزم به حتى طالب بنقل إنما أبداه احتمالا وهو كاف في مثل هذا.

وسار صلى الله عليه وسلم "حتى أتى خديجة، فأخبرها فغشي عليها من الفرح" زاد في رواية: ثم أخذ بيدها وأتى بها إلى العين فتوضأ ليريها الوضوء، "ثم أمرها فتوضأت وصلى بها كما صلى به جبريل" وزاد في رواية: وكانت أول من صلى. وفي رواية أبي نعيم، فقالت: أرني كيف أراك، فأراها فتوضأت ثم صلت معه، وقالت: أشهد أنك رسول الله، "فكان ذلك أول فرضها" أي الصلاة من حيث هي لا الخمس؛ لأن فرضها إنما كان صبح الإسراء، وهذه وقعت عقب الوحي؛ كما مر. والمراد: أول تقديرها، "ركعتين" فلا يخالف ما يجيء عن النووي من أنه لم يفرض قبل الخمس إلا قيام الليل، "ثم إن الله تعالى أقرها" أي: شرعها على هيئة ما كان يصليها قبل "في السفر كذلك" ركعتين، "وأتمها في الحضر" أربعًا وبهذا التقرير اندفع الإشكال.

ص: 438

وقال مقاتل: كانت الصلاة أول فرضها ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، لقوله تعالى:{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] .

قال في فتح الباري: كان صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء يصلي قطعًا، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف: هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا؟ فقيل: إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى:{وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [طه: 130] . انتهى.

وقال النووي: أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد.............

"وقال مقاتل" بن سلميان البلخي المفسر: قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة. وقال وكيع: كان كذابًا. وقال النسائي: يضع الحديث، مات سنة خمس ومائة، وقيل بعدها. "كانت الصلاة أول فرضها ركعتين بالغداة" وهي أول النهار، والمتبادر أنه كان يصليها قبل طلوع الشمس؛ كما يأتي عن الفتح. "وركعتين بالعشي" قبل غروبها، ويحتمل أنه كان يصليها قبل طلوع الشمس؛ كما يأتي عن الفتح. "وركعتين بالعشي" قبل غروبها، ويحتمل أنه كان يقرأ فيهما بما أتاه من سورة {اقْرَأ} [العلق: 1] ، حتى نزلت افاتحة، "لقوله تعالى:{وَسَبِّحَ} [غافر: 55] صل ملتبسًا {بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55]، قيل: يرده ما جاء أن تاجرًا قدم الحج في الجاهلية، فأتى العباس ليبتاع منه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وخديجة وعليًا خرجوا من خباء، وصلى بهم حين زالت الشمس، وسأل التاجر العباس: فأخبره بهم وإن هذا الفعل صلاة مشروعة لهم ولا رد فيه، فقد قيل: العشي ما بين الزوال إلى الغروب، ومنه قيل للظهر والعصر: صلاتا العشي، وقيل: هو آخر النهار، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقيل: من الغرب إلى العتمة.

"قال في فتح الباري: كان صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء يصلي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختلف هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة، أم لا؟ فقيل: إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه" أي: الدليل له، "قوله تعالى:{وَسَبِّحْ} " [طه: 130] ، أي: صل حال كونك ملتبسًا {بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] ، "انتهى".

"وقال النووي" الإمام الفقيه الحافظ الأوحد القدوة المتقن البارع الورع الزاهد الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر التارك ملاذ الدنيا حتى الزواج المهاب عند الملوك شيخ الإسلام علم الأولياء: محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن سرى المبارك له في علمه وتصانيفه لحسن قصده، المتوفى في رابع عشري رجب سنة ست وسبعين وستمائة عن ست وأربعين سنة، "أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد" لقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ} ، [المدثر: 1، 2]

ص: 439

ثم فرض الله تعالى من قيام الليل ما ذكره في أول سورة المزمل، ثم نسخه بما في آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة، وأما ما ذكره في هذه الرواية من أن جبريل علمه الوضوء وأمره به فيدل على أن فريضة الوضوء كانت قبل الإسراء.

ثم فتر الوحي فترة حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم وأحزنه.

وفترة الوحي: عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده عليه السلام من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود.

"ثم فرض الله تعالى من قيام الليل" عليه وعلى أمته، "ما ذكره في أول سورة المزمل" بقوله:{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 1، 2] ، نصفه أو أنقص منه قليلا أو زد عليه، "ثم نسخه بما في آخرها" من قوله:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20]، إذ المراد: صلوا ما تيسر لكم، "ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة" فقد حكى الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي: أن قيام الليل كان واجبًا أول الإسلام عليه وعلى أمته، ثم نسخ عنه بما في آخر سورة المزمل وعن أمته بالصلوات الخمس، قال النووي: وهو الأصح، أو الصحيح.

وفي مسلم عن عائشة ما يدل عليه، انتهى. لكن الذي عليه الجمهور وأكثر أصحاب الشافعي وغيرهم: أنه لم ينسخ؛ لقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]، أي: عبادة زائدة في فرائضك، نعم نسخ الوجوب في حق الأمة وبقي الندب لأحاديث كثيرة.

"وأما ما ذكره في هذه الرواية من أن جبريل علمه الوضوء وأمره به، فيدل على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء" قال السهيلي: فالوضوء على هذا الحديث مكي بالفرض مدني بالتلاوة؛ لأن آية الوضوء مدنية، وإنما قالت عائشة: فأنزل الله آية التيمم، ولم تقل آية الوضوء وهي هي؛ لأن الوضوء كان مفروضًا قبل، غير أنه لم يكن قرآنًا يتلى حتى نزلت آية المائدة، انتهى. ثم عقب المصنف هذا المبحث بفترة الوحي لبيان أن الوضوء والصلاة كانا عقب الوحي قبل الفترة، خلافًا لمن توهم أنهما بعد نزول المدثر، فقال:"ثم فتر الوحي فترة حتى شق عليه صلى الله عليه وسلم وأحزنه" خوفًا أن يكون لتقصير منه، أو لما أخرجه من تكذيب من بلغه؛ كما مر عن عياض.

"وفترة الوحي كما قال في الفتح "عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده عليه السلام من الروع" بفتح الراء: الفزع، "وليحصل له التشوق إلى العود" فقد روى البخاري من طريق معمر ما يدل على ذلك، انتهى كلام الفتح. يعني: البلاغ

ص: 440

وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين، كما جزم به ابن إسحاق وفي تاريخ الإمام أحمد ويعقوب بن سفيان عن الشعبي: أنزل عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، وكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، وكذا رواه ابن سعد والبيهقي.

المذكور آخر الحديث السابق.

"وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين" قال السهيلي: جاء في بعض الأحاديث المسندة أنها سنتان ونصف، وفي رواية أخرى: أن مدة الرؤيا ستة أشهر، فمن قال: مكث بمكة عشرًا حذف مدة الرؤيا والفترة، ومن قال: ثلاث عشرة أضافهما، قال في الفتح: ولا يثبت وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة كانت أيامًا، انتهى. وقال مغلطاي في الزهر: يخدش فيه ما في تفسير ابن عباس إنها كانت أربعين يومًا.

وفي تفسير ابن الجوزي ومعاني الزجاج: خمسة عشر. وفي تفسير مقاتل: ثلاثة أيام، ولعل هذا هو الأشبه بحاله عند ربه، لا ما ذكره السهيلي، وجنح لصحته، انتهى. وعلى فرض الصحة جمع بأنها كانت سنتين ونصفًا، فمن قال: ثلاثة جبر الكسر، ومن قال: سنتان ألغاه، والمراد بأربعين فما دونها: إن مدة الانقطاع بحيث لا يأتيه فيها إسرافيل ولا جبريل اختلفت؛ فأقلها ثلاثة أيام وأكثرها أربعون، وفي بعضها: خمسة عشر، وبعضها: اثنا عشر.

وقوله: "كما جزم به" أي: بأنها ثلاث سنين، "ابن إسحاق" مخالف لقول العيون تبعًا للروض وفترة الوحي لم يذكر لها ابن إسحاق مدة معينة، انتهى.

وهو الصواب، وتبع المصنف في ذلك الحافظ كما تبعه السيوطي ورد على الثلاثة جميعًا بالصراحة الشامي، فقال: هذا وهم بلا شك وعزو ذلك بالجزم لابن إسحاق أشد، انتهى. "و" دليل كونها ثلاث سنين ما "في تاريخ الإمام أحمد" بن حنبل "ويعقوب بن سفيان" الحافظ "عن الشعبي" عامر بن شراحيل التابعي، أنه قال:"أنزل عليه" صلى الله عليه سلم "النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، وكان يعلمه الكلمة" اللفظ الذي يخاطبه به، "والشيء" لأفعال الآداب التي يعلمها له، "ولم ينزل عليه القرآن على لسانه" لأن إنزال الكتب الإلهية من خصائص جبريل.

"فما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام، فنزل عليه القرآن" وغيره "على لسانه" ومر أنه خص القرآن بالذكر لاختصاص جبريل به، "عشرين سنة، وكذا رواه" أي: أثر الشعبي "ابن سعد والبيهقي" وأثر الشعبي هذا وإن صح إسناده إليه مرسل أو معضل وكلاهما

ص: 441

قد تبين أن نبوته عليه الصلاة والسلام كانت متقدمة على إرساله، كما قال أبو عمر..................

من أقسام الضعيف وقد أنكره الواقدي، وقال: لم يكرم به من الملائكة إلا جبريل، قال الشامي: وهو المعتمد، انتهى.

وتوقف الحافظ فيه بأن المثبت مقدم على النافي إن لم يصحبه دليل نفيه، وجوابه قول الحافظ السيوطي: قد ورد ما يوهي أثر الشعبي، وهو ما أخرجه مسلم والنسائي والحاكم عن أبي عباس، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا من السماء من فوق فرفع جبريل طرفه إلى السماء، فقال: يا محمد! هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة.

قال جماعة من العلماء: هذا الملك إسرافيل، وأخرج الطبراني عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي ولا يهبط على أحد بعدي، وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربي إليك، أمرني أن أخبرك إن شئت نبيًا عبدًا وإن شئت نبيًا ملكًا، فنظرت إلى جبريل فأومأ إلي أن تواضع، فلو أني قلت: نبيًا ملكًا لسارت معي الجبال ذهبًا"، قال: وهاتان القضيتان بعد ابتداء الوحي بسنين كما يعرف من سائر طرق الأحاديث وهما ظاهرتان في أن إسرافيل لم ينزل إليه قبل ذلك، فكيف يصح قول الشعبي أنه اتاه في ابتداء الوحي؟ انتهى.

وفي شرح البخاري للمصنف تبعًا للفتح قول الشعبي: معارض بما روي عن ابن عباس أن الفترة المذكورة كانت أيامًا قلائل فلا يحتج بمرسله لا سيما مع ما عارضه، انتهى. فلم تكن الفترة إلا أيامًا؛ كما قال مغلطاي: أنه الأشبه وصريح قوله في حديث البخاري المار: وفتر الوحي فترة حتى حزن حزنًا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل

إلخ، وورد أنه لم ينقطع عنه كما مر، أي إلا أيامًا على أنه لو صح أن إسرافيل أتاه في الابتداء لم يمنع مجيء جبريل فكانا يختلفان في المجيء إليه زيادة إكرام له من ربه، وقد صرح في فتح الباري بأنه ليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين بين نزول {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، و {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، عدم مجيء جبريل إليه بل تأخر نزول القرآن فقط. ا. هـ.

"فقد تبين" من جملة ما ساقه "أن نبوته عليه الصلاة والسلام كانت متقدمة على إرساله" لأن نزول {قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 2] ، إنما كان بعد الفترة الواقعة بعد النبوة، "كما قال أبو عمر" بن

ص: 442

وغيره، كما حكاه أبو أسامة بن النقاش. وكان في نزول سورة {اقْرَأْ} نبوته، وفي سورة المدثر إرساله بالنذارة والبشارة والتشريع، وهذا قطعًا متأخر عن الأول، لأنه لما كانت سورة {اقْرَأْ} متضمنة لذكر أطوار الآدمي: من الخلق والتعليم والإفهام، ناسب أن تكون أول سورة أنزلت، وهذا هو الترتيب الطبيعي، وهو أن يذكر سبحانه وتعالى ما أسداه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام من العلم والفهم والحكمة والنبوة، ويمن عليه بذلك في معرض تعريف عباده بما أسداه إليهم من نعمة البيان الفهمي والنطقي والخطي، ثم يأمره سبحانه وتعالى أن يقوم فينذر عباده.

عبد البر "وغيره؛ كما حكاه أبو أسامة بن النقاش، وكان" الأول الفاء؛ لأنه بيان لسبق نبوته، "في نزول سورة {اقْرَأْ} نبوته، وفي سورة المدثر إرساله بالنذارة والبشارة والتشريع، وهذا قطعًا متأخر عن الأول" فيفيد المدعي، وهو سبق النبوة؛ "لأنه لما كانت سورة اقرأ متضمنة لذكر أطوار" جمع طور، أي: أحوال، "الآدمي من الخلق والتعليم والإفهام ناسب أن تكون أول سورة أنزلت، وهذا هو الترتيب الطبيعي وهو أن يذكر سبحانه وتعالى ما أسداه إلى نبيه عليه الصلاة والسلام من العلم والفهم والحكمة والنبوة، ويمن عليه بذلك في معرض" بفتح الميم وكسر الراء، أي: موضع ظهوره "تعريف عباده بما أسداه" أوصله "إليهم من نعمة البيان الفهمي والنطقي والخطي، ثم يأمره سبحانه وتعالى أن يقوم فينذر عباده" فلهذه النكتة كانت النبوة سابقة، وقيل: هما متقارنان.

وذكر شيخنا فيما مر عن بعض شيوخه أنه الصحيح، قال: ويؤيده أن الوضوء والصلاة كانا أول الوحي مع نزول {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، فإن مفاده أنه لم يأمر خديجة وعليًا بهما إلا بعد الوحي إليه بذلك، وهذا عين الرسالة وتأخر إظهارها لا يضر؛ لجواز أنه أمر بالتبليغ حالا لمن علم ابنه وعدم إبائه؛ كما كان يصلي مستخفيًا، "والله أعلم" بحقيقة ذلك.

ص: 443