الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
عام الفيل وقصة أبرهة
":
فقصت رؤياها عليهم فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبد المطلب، فاجتمعوا إليه وأخرجوا من كل بطن منهم رجلا وفعلوا ما أمرتهم به، ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام فتقدم عبد المطلب، وقال لهم: هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنو إمائك، وقد نزل بنا ما ترى وتتابعت علينا هذه السنون، فذهبت بالظلف والخف وأشقت على الأنفس، فاذهب عنا الجدب، وائتنا بالحيا والخصب، فما برحوا حتى سالت الأودية، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم سقوا، فقالت رقيقة:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا
…
وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر
فجاد بالماء جوني له سبل
…
دان فعاشت به الأنعام والشجر
منا من الله بالميمون طائره
…
وخير من بشرت يومًا به مضر
مبارك الأمر يستسقى الغمام به
…
ما في الأنام عدل ولا خطر
اجلوذ بجيم ساكنة فلام مفتوحة فواو مشددة فذال معجمة: امتدت وقت تأخره وانقطاعه. وجوني بفتح الجيم وسكون الواو فنون فتحتية مشددة: مطر هاطل، وسبل بفتح السين والموحدة وباللام: المطر. وبشرت بالبناء للفاعل.
قصة الفيل:
أورد المصنف منها طرفًا تنبيهًا على أن دفعهم من أجل النعم على قريش ببركته صلى الله عليه وسلم على يد جده، وحاصلها: أنه لما كان المحرم والنبي صلى الله عليه وسلم حمل في بطن أمه على الصحيح، حضر أبرهة بن الصباح الأشرم يريد هدم الكعبة؛ لأنه لما غلب على اليمن وملكها من قبل النجاشي، رأى الناس يتجهزون أيام الموسم للحج، فقال: أين يذهبون؟ فقيل: يحجون بيت الله بمكة، قال: وما هو؟ قيل: من الحجارة، قال: وما كسوته؟ قيل: ما يأتي من هنا من الوصائل، فقال: والمسيح لأبنين لكم خيرًا منه، فبنى لهم كنيسة بصنعاء بالرخام الأبيض والأصفر والأحمر والأسود، وحلاها بالذهب والفضة وأنواع الجواهر، وأذل أهل اليمن على بنائها وكلفهم فيها أنواعًا من الشجر ونقل لها الرخام المجزع والحجارة المنقشة بالذهب والفضة من قصر بلقيس، وكان على فرسخ من موضعها ونصب فيها صلبانًا من ذهب وفضة ومنابر من عاج وأبنوس وغيره، وكان يشرف منها على عدن لارتفاع بنائها وعلوها، ولذا سماها القليس -بضم القاف- وفتح اللام مشددة ومخففة فتحتية ساكنة فسين مهملة، أو بفتح القاف وكسر اللام؛ لأن الناظر لها تسقط قلنسوته عن رأسه، وقيل: إنما سماها بذلك العرب فيحتمل أنهم تبعوه، واحتمال عكسه
...............................................................................
بعيد إذا لا تطيب نفسه بتبعيتهم في تسمية ما بناه افتخارًا عليهم، فلما أراد صرف الحج إليها كتب للنجاشي: إني بنيت كنسية باسم الملك لم يكن مثلها قبلها، أريد صرف حج العرب إليها وأمنع الناس من الذهاب لمكة، فلما اشتهر الخبر عند العرب خرج رجل من كنانة مغضبًا فتغوط فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأغضبه ذلك؛ هذا قول ابن عباس.
وقيل: أججت فتية من العرب نارًا وكان في عمارة القليس خشب مموه فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهدمن الكعبة، وهو قول مقاتل. وقيل: كان نفيل الخثعمي يتعرض لأبرهة بالمكروه فأمهله حتى إذا كانت ليلة من الليالي لم ير أحدًا يتحرك فجاء بعذرة فلطخ بها قبلتها، وجمع جيفًا فألقاها فيها فأخبر بذلك فغضب غضبًا شديدًا وحلف لينقضن الكعبة حجرًا حجرًا، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه فيله محمودًا، فلما قدم الفيل إليه خرج في ستين ألفًا.
وفي سيرة ابن هشام: فلما سمعت العرب بخروجه قطعوه ورأوا جهاده حقًا عليهم، فخرج إليه رجل من ملوك اليمن يقال له: ذو نفر وهو بنون ففاء فراء، فقاتله فهزم هو وأصحابه وأتي به أسيرًا فأراد قتله ثم تركه وحبسه عنده في وثاق ثم مضى، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلته ومن تبعه من العرب فقاتله، فهزم وأخذ نفيل أسيرًا فهم بقتله، فقال: لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، فتركه وخرج به يدله حتى إذا مر على الطائف خرج مسعود بن معتب الثقفي في رجال ثقيف، فقالوا: أيها لملك، إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ولست تريد هذا البيت -يعنون بيت اللات- إنما تريد الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رغال فخرج حتى إذا بلغ المغمس بطريق الطائف مات أبو رغال فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم إلى اليوم، ثم أرسل أبرهة خيلا له إلى مكة فأخذت إبلا لعبد المطلب فذهب له فردها عليه، ثم انصرف إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، ومعه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب:
لا هم أن المرء يمـ
…
ـنع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصليـ
…
ـب وعابديه اليوم آلك
لا يغلبن صليبهم
…
ومحالهم أبدًا محالك
وزاد بعضهم، بعد البيت الثاني:
جروا جميع بلادهم
…
والفيل كي يسبوا عيالك
ولما قدم أبرهة ملك اليمن من قِبَل أصحمة النجاشي..................
عمدوا حماك بكيدهم
…
جهلًا وما رقبوا جلالك
وأنشد ابن هشام البيت الأول والثالث فقط، وقال: هذا ما صح عندي له منها، ثم أرسل حلقة الباب وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة، فمنعه الله من دخولها؛ كما يجيء. وقيل: لم يخرج عبد المطلب من مكة بل أقام بها، وقال: لا أبرح حتى يقضي الله قضاءه، ثم صعد هو وأبو مسعود الثقفي على مكان عال لينظر ما يقع، وأبو رغال بكسر الراء وخفة المعجمة واللام وحكمة تقبيح حاله وإظهار شناعة أمره حتى صار يرجم بعد موته دون نفيل أنه إنما جعل نفسه دليله وقاية من القتل؛ فكان كالمكره على ذلك بخلاف أبي رغال، فإن قومه تلقوا أبرهة بالسلم واختاروه دليلا، وقول الشارح دون ذي نفر ونفيله سبق قلم، فما كان ذو نفر دليلا إنما كان أسيرًا معه في الوثاق، كما تلي عليك.
"ولما قدم أبرهة" بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الهاء، "ملك اليمن" بكسر اللام بدل من أبرهة "من قبل" بكسر القاف وفتح الموحدة جهة، "أصحمة" بوزن أربعة وحاؤه مهملة، وقيل معجمة، وقيل: بموحدة بدل الميم، وقيل: صحمة بغير ألف، وقيل كذلك لكن بتقديم الميم على الصاد، وقيل: بميم في أوله بدل الألف عن ابن إسحاق في المستدرك للحاكم، والمعروف عن ابن إسحاق الأل ويتحصل من هذا الخلاف في اسمه ستة ألفاظ، لم أرها مجموعة.
"النجاشي" بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر عن ثعلب وتخفيف الجيم، وأخطأ من شددها وتشديد آخره. وحكى المطرزي التخفيف، ورجحه الصغاني، قاله في الإصابة. وفي قوله: على المشهور رد للثاني من قول القاموس تكسر نونه أو هو الأفصح، قيل: أصحمة هذا ومعناه بالعربية، عطية، كما قاله ابن قتيبة وغيره: جد النجاشي الذي كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وسبب ولايته اليمن أن بعض أهلها من أصحاب الأخدود لما أكثر القتل فيهم ملكهم وهو ذو نواس آخر ملوك اليمن من حمير فر إلى قيصر ملك الشام يستغيث به، فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة ليغيثه، فأرسل معه أميرين أرياط وأبرهة بجيش عظيم فدخلوا اليمن وقتلوا ملكه واستولوا عليه، ثم اختلفا وتقاتلا فقتل أرياط بعد أن شرم أنف أبرهة وحاجبه وعينه وشفته، فبذلك سمي الأشرم فداوى جراحه فبرئ، واستقل بالملك فبلغ النجاشي فغضب وأراد البطش به فترفق له أبرهة وتحيل بإرسال تحف حتى رضي عنه، وأقره في قصة طويلة عند ابن إسحاق هذا، حاصلها: وفي حواشي البيضاوي للسيوطي: قال الطيبي: سمي الأشرم؛ لأن أباه ضربه بحربة فشرم أنفه وجبينه، انتهى. وكذا جزم به الأنصاري، دون عز وللطيبي، لكن معلوم أن ابن إسحاق مقدم على الطيبي في مثل هذا.
لهدم بيت الله الحرام، وبلغ عبد المطلب ذلك، فقال: يا معشر قريش، لا يصل إلى هدم البيت، لأن لهذا البيت ربًا يحميه ويحفظه.
ثم جاء أبرهة فاستاق إبل قريش وغنمها، وكان لعبد المطلب فيها أربعمائة ناقة.
فركب عبد المطلب في قريش حتى طلع جبل ثبير، فاستدارت دارة غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم........................
"لهدم بيت الله الحرام" غضبًا من تغوط الكناني بكنيسته وتلطيخ الخثعمي قبلتها بالعذرة وإلقاء الجيف فيها واحتراقها بنار أججها بعض العرب، فحلف ليهدمن الكعبة، فهدمه الله وملكه. "وبلغ عبد المطلب ذلك، فقال: يا معشر قريش" لا تفزعوا؛ لأنه "لا يصل إلى هدم البيت، لأن لهذا البيت ربًا يحميه" بفتح أوله يدفع عنه من يريد فسادًا كأبرهة، "ويحفظه" بفعل ما هو سبب في بقائه؛ كعمارته، وهذا أولى من جعل يحفظه عطف تفسير. "ثم جاء أبرهة" أي: رسوله؛ كبني الأمير المدينة، فعند ابن إسحاق فلما نزل أبرهة المغمس أمر رجلا من الحبشة، يقال له الأسود بن مفصود بفاء وصاد مهملة على خيل له وأمره بالغارة فمضى حتى انتهى إلى مكة، فساق أموال تهامة وغيرها من قريش وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، "فاستاق" أبرهة، أي: رسوله، "إبل قريش وغنمها".
قال ابن إسحاق: فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوه، "وكان لعبد المطلب فيها أربعمائة ناقة" ظاهره: أن الكل إناث، والظاهر: أن فيها ذكورًا فغلبت الإناث لكثرتها، ثم هو مخالف لما عند ابن إسحاق وتبعه ابن هشام، وجزم به البغوي واليعمري والدميري والشامي من قولهم: فأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب، فيجوز أن الخاص به مائتان وباقيها لبعض خواصه، فنسبت إليه والبعير يقع على الذكر والأنثى فلا مخالفة، ولم يذكر المصنف كغيره الغنم، فيجوز أن عبد المطلب لم يكن له غنم أوله، ولم تذكر لخستها بالنسبة للإبل، "فركب عبد المطلب في قريش، حتى طلع بل ثبير" بمثلثة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية، جبل بمكة، "فاستدارت دارة غرة" بضم الغين المعجمة، أي: بياض، أي: نور "رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي المختار: الغرة بالضم: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم، وفي المصباح: الدارة دارة القمر وغيره، سميت بذلك لاستدارتها، فالمعنى، هنا: فحصلت دارة غرة المصطفى على سبيل التجريد، وإلا فالدارة هي المحيطة بالغرة فلا يصح إسناد الفعل لها؛ لاقتضائه تعلق الاستدارة بالدارة، ولا يصح.
على جبهته كالهلال واشتد شعاعها على البيت الحرام مثل السراج، فلما نظر عبد المطلب إلى ذلك قال: يا معشر قريش: ارجعوا فقد كفيتم هذا الأمر، فوالله ما استدار هذا النور مني إلا أن يكون الظفر لنا، فرجعوا متفرقين.
ثم إن أبرهة أرسل رجلا من قومه ليهزم الجيش، فلما دخل مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع وتلجلج لسانه وخر مغشيًا عليه، فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه، فلما أفاق خر ساجدًا لعبد المطلب، وقال: أشهد أنك سيد قريش حقًا.
"على جبهته" متعلق باستدارت، وفي نسخة: على جبينه "كالهلال" وجعلت على جبينه؛ لأن الغرة في الجبهة والدائرة حولها إذا وجدت تكون نازلة عن الغر بالجنبين المحيطين بالجبهة، "واشتد شعاعها" حتى صار "على البيت الحرام مثل السراج" أي: الشمس مجازًا على مقتضى البيضاوي وحقيقة على مقتضى قول القاموس: السراج معروف والشمس، "فلما نظر" أي: أبصر "عبد المطلب إلى ذلك" أي: استدارة النور في جبهته، وكونه على البيت مثل السراج ولا يشكل بأن الشخص لا يبصر جبهته؛ لأنه لما استدار كالهلال أبصر شعاعه وعلم استدارته من أحواله السابقة، ويحتمل قصر اسم الإشارة على الشعاع وأخبر عنه بالاستدارة لعله من الحاضرين، أو من سابق أحواله أنه متى وجد مستديرًا، "قال: يا معشر قريش، ارجعوا" فرحين مستبشرين "فقد كفيتم هذا الأمر، فوالله ما استدار هذا النور مني إلا" كان سببًا وعلامة على "أن يكون الظفر لنا" وأقسم عليه لوثوقه به بناء على ما اعتاده قبل، أو لرؤيته على هذه الصورة الزائدة الإشراق غلب على ظنه، فحلف "فرجعوا متفرقين، ثم إن أبرهة أرسل" إلى مكة "رجلا من قومه" هو حناطة -بحاء مهملة مضمومة ونون وطاء مهملة- الحميري، "ليهزم الجيش" أي: يكون سببًا في هزمه بإدخال الرعب على قريش، أو سماهم جيشًا وإن لم ينصبوا القتال، ومر أنه لما جاء رسوله وساق الإبل همت طائفة بقتاله ثم تركوا لعدم طاقتهم له، فيجوز أن من نقل أن عبد المطلب جهز جيشًا لحرب أبرهة أراد هذا، "فلما دخل مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع" أي: ذل "وتلجلج" بلامين وجيمين: تردد "لسانه" في الكلام لعجزه "وخر مغشيًا عليه، فكان" أي: صار "يخور" يصوت؛ "كما يخور الثور عند ذبحه" تشبيه لبيان صفة فعله من الصياح واحترز به عن صوت غيره، ففي القاموس: الخوار بالضم: صوت البقر والغنم والظباء والبهائم، "فلما أفاق خر ساجدًا لعبد المطلب" أي: وضع جبهته على الأرض؛ كدأبهم في التعظيم وتجويز غير هذا في ذا المقام عجيب، "وقال: أشهد أنك سيد قريش حقًا" وعند ابن إسحاق:
وروي: أنه لما حضر عبد المطلب عند أبرهة أمر سائس فيله الأكبر الأبيض العظيم الذي كان لا يسجد للملك أبرهة كما تسجد سائر الفيلة..................
بعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقال له: اسأل عن سيد أهل البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول: لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم يرد حربًا فائتني به، فدخل فسأل، فقيل له: عبد المطلب، فقال ما أمره به أبرهة، فقال عبد المطلب: والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه، قال حناطة: فانطلق إليه، فإنه أمرني أن آتيه بك، فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه فتكلم أنيس سائس فيل أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عزة مكة ويطعم الناس في السهل والوحوش والطير في رؤوس الجبال، فأذن له أبرهة وكان عبد المطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم فعظم في عين أبرهة فأجله وأكرمه عن أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال له: حاجتي أن يرد الملك علي مائتي بعير أصابها، فقال لترجمانه: قل له: كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك أتكلمني في مائتي بعير وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه، فقال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًا سيمنعه، قال ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك، فرد عليه إبله، زاد ابن الكلبي: فقلدها وأشعرها وجللها وجعلها هديًا للبيت وبثها في الحرم، انتهى. وانصرف إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب تخوفًا عليهم من معرة الحبشة، انتهى.
فظاهر هذا السياق: أن حناطة لم يأت لهزم جيش؛ كما ساق المصنف، بل مخبرًا بمراد أبرهة وطريق الجمع حمله على التسبب، كما مر. وأنه لما شاهد شيبة الحمد حصل له ما ذكر المؤلف، ثم لما أفاق أخبره بمراد أبرهة، قال ابن هشام: وكان فيما يزعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة حناطة بن عمرو بن نباتة بن عدي بن الديل بن بكر بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني بكر وخويلد بن واثلة الهزلي وهو يومئذ سيد هزيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى؛ فالله أعلم كان ذلك أم لا.
"وروي أنه لما حضر عبد المطلب عند أبرهة أمر سائس فيله" هو أنيس بضم الهمزة وفتح النون وسكون المثناة التحتية، "الأكبر الأبيض العظيم" بالجر صفات فيله، "الذي كان لا يسجد للملك أبرهة، كما تسجد سائر" أي: باقي "الفيلة" جمع فيل، ويجمع أيضًا على أفيال
أن يحضره بين يديه، فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب، برك كما يبرك البعير، وخر ساجدًا، وأنطق الله تعالى الفيل، فقال: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب، كذا في النطق المفهوم.
ولما دخل جيش أبرهة.................................
وفيول؛ كما في القاموس. "أن يحضره بين يديه" ليرهب به شيبة الحمد أو لعلمه من أخبارهم أو كهانهم أن الفيل يهابه، وينطق له، فأحضره، "فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب برك، كما يبرك البعير" قال السهيلي: فيه نظر؛ لأن الفيل لا يبرك، فيحتمل أن بروكه سقوطه إلى الأرض، ويحتمل أنه فَعَل فِعْل البارك الذي يلزم موضعه ولا يبرح، فعبر بالبارك عن ذلك، وسمعت من يقول في الفيل صنف يبرك، كما يبرك الجمل، فإن صح وإلا فتأويله ما قدمناه، انتهى.
"وخر ساجدًا" وفي الدر المنظم: فتعجب أبرهة من ذلك، ودعا بالسحرة والكهان فسألهم عن ذلك، فقالوا: إنه لم يسجد له وإنما سجد للنور الذي بين عينيه، "وأنطق الله تعالى الفيل فقال: السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب" ألهم الفيل أن أصله في ظهره فلم يقل بين عينيك؛ لأنه فاض مما في ظهره، فنوره صلى الله عليه وسلم حين صار إلى جده فاض حتى ظهر في جبهته مع بقائه في ظهره. وأما السحرة والكهان فنظروا للمشاهد إذ لم يلهموا، وهذا والله أعلم إنما يأتي على القول المردود الموهون: أن ولادته صلى الله عليه وسلم بعد الفيل بأربعين أو بخمسين سنة، ولذا ساقه المصنف بصيغة التمريض وتبرأ منه، بقوله: "كذا في" كتاب "النطق المفهوم" لابن طغربك.
وقول الخميس: كان عبد الله موجودًا؛ فالنور منتقل إليه مبني على أن ولادة المصطفى بعد الفيل بسنتين، فأما على المشهور من أنه كان حملا في بطن أمه فشكل؛ لأن النور انتقل إلى آمنة وأجيب بأن الله أحدث في عبد المطلب نورًا يحاكي ذلك النور المستقر في آمنة مع زيادة حتى صار في جبهته؛ كالشمس، وبنور آخر وجده في صلبه وأطلع عليه الفيل فسجد إكرامًا له؛ كما يدل عليه سياق القصة حين احتاج إلى كرامة تخلصه وماله من الجبابرة، وبأن النور لم ينتقل كله بل انتقل ما هو مادة المصطفى وبقي أثره في صلب أصوله تشريفًا لهم، وما رآه أبرهة والفيل منه غايته أن زاد إشراقه علامة على ظفرهم وذلك من إرهاصته صلى الله عليه وسلم إعزازًا لقومه.
قلت: الأول أظهر، فإن ظاهر كلامهم أن النور ينتقل كله، ألا ترى قصة التي عرضت نفسها على الأب الشريف.
"ولما دخل جيش أبرهة" المغمس بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الميم الثانية مشددة وبكسرها، قال في الروض عن ابن دريد وغيره، وهو أصح، وهو على ثلثي فرسخ من مكة، انتهى. وفي القاموس: المغمس كمعظم ومحدث: موضع بطريق الطائف، فظاهره تساوي
ومعهم الفيل لهدم الكعبة الشريفة برك الفيل: فضربوه في رأسه ضربًا شديدًا ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام.
اللغتين، فاقتصار الشامي على الثاني مراعاة لمن صححه، "ومعهم الفيل" محمود وكنيته أبو العباس، حكاه السمرقندي، وقيل: أبو الحجاج، وقدمه الدميري في منظومته؛ فقال:
وفيلهم محمود دليل داجي
…
وكان يكنى بأبي الحجاج
وقال قوم بأبي العباس
…
وكان معروفًا بعظم الباس
وظاهره: أنهم لم يكن معهم سواه، وهو ما نقله الماوردي عن الأكثر، ويقال: كان معهم ثلاثة عشر فيلا هلكت كلها، حكاه ابن جرير، وجزم به في الروض. وعن الضحاك: ثمانية أفيلة حكاهما البغوي وقال: إنما وجد في الآية؛ لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم، وقيل: لو فاق رؤوس الآي ونقل، أعني البغوي عن الواقدي أن محمودًا نجا لكونه ربض ولم يتجرأ على الحرم، انتهى. فقول ابن جرير: هلكت كلها يريد إلا محمودًا، وقيل: كان معهم ألف فيل، حكاهما الخميس.
"لهدم الكعبة الشريفة" قال بعضهم: بأن تجعل السلاسل في أركان البيت وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة، وقال مقاتل: كان القصد أن يجعل الفيل مكان الكعبة ليعبد ويعظم كتعظيمها، وهو بعيد من السياق. "برك" بفتح الراء "الفيل" وعند ابن إسحاق فأصبح أبرهة متهيئًا لدخول مكة وهيأ فيله محمودًا وعبأ جيشه وأجمع على هدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب، كذا عند ابن هشام.
وقال السهيلي: عن البرقي كيونس عن ابن إسحاق: نفيل بن عبد الله بن جزي بن عامر بن مالك حتى قام إلى جنب الفيل، ثم أخذ بأذنه، فقال له: ابرك محمودًا وارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك الفيل فضربوه ليقوم، فأبى "فضربوه في رأسه ضربًا شديدًا ليقوم، فأبى" نحوه قول ابن إسحاق: فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى الطبرزين، بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وسكونها: آلة عوجاء من حديد، والمحاجن جمع محجن: عصا معوجة وقد يجعل في طرفها حديد. والمراق: أسفل البطن. وبزغوه، بفتح الموحدة وزاي مشددة فغين معجمة: شرطوه بحديد المحاجن "فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام" قال ابن إسحاق: يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، قال أمية بن أبي الصلت:
إن آيات ربنا بينات
…
ما يماري بهن إلا الكفور
ثم أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل من البحر، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجر في منقره وحجران في رجليه كأمثال العدس، لا تصيب أحدًا منهم إلا أهلكته، فخرجوا هاربين........................
جلس الفيل بالمغمس حتى
…
ظل يحبو كأنه معقور
وفي معاني القرآن للزجاج: لم تسر دوابهم نحو البيت، فإذا عطفوها راجعين سارت، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق، كما في الروض: أن الفيل ربض، فجعلوا يقسمون بالله أنهم رادوه إلى اليمن فيحرك لهم أذنيه، كأنه يأخذ عليهم عهدًا، فإذا أقسموا له قام يهرول فيردونه إلى مكة فيربض فيحلفون له فيحرك أذنيه كالمؤكد عليهم القسم، ففعلوا ذلك مرارًا. "ثم" بعد بروك الفيل "أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل".
قال الشامي: أي: جماعات أمام كل جماعة طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، قيل لا واحد له، وقيل: واحدة أبول كعجول بكسر العين والتشديد مع الفتح أو إبال؛ كمفتاح أو أبيل كسكين البيضاوي، جمع إبالة وهي الحزمة الكبيرة شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها. "من البحر" قال ابن إسحاق: أمثال الخطاطيف والميلسان، وعن عبد المطلب: أمثال اليعاسيب. ابن عباس: لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب. عكرمة: لها رؤوس السباع، واختلفوا في ألوانها، فقال عكرمة وسعيد بن جبير: كانت خضراء، وقال عبيد بن عمير: سوداء، وقال قتادة: بيضاء، حكاه ابن الجوزي في زاد المسير.
وروى سعيد بن منصور عن عبيد بن عمير: أنها بلق، والجمع بينها إنها كانت مختلفة فأخبر كل بحسب ما رأى أو سمع، في الشرح جمع آخر فيه تكلف. "مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجر في منقره، وحجران في رجليه" وعلى كل حجر اسم من يقع عليه واسم أبيه، كما جاء عن أم هانئ. "كأمثال العدس" تقريبًا، فلا ينافي قول الشامي: أكثر الأحاديث تدل على أنها أكبر من العدسة ودون الحمصة، وفي بعضها: كانت أكبر وكأنها كان فيها الكبير والصغير، فحدث كل بما رأى أو سمع.
وعن ابن عباس: أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز حمر مخططة كالجزع الظفاري، بفتح الجيم وتكسر وسكون الزاي، خرز يمان فيه سواد وبياض؛ كما في القاموس، فأراد بالتشبيه أن حمرتها غير صافية، أو في المقدار والشكل فلا يشكل التشبيه مع قوله: حمر والظفاري، قال في الفتح: نسبة إلى ظفار مدينة بسواحل اليمن، وحكى ابن التين في ضبط ظفار: كسر أوله وصرفه أو فتحه، والبناء بوزن قطام، انتهى. "لا تصيب أحدًا منهم إلا أهلكته" وكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، فإن كان راكبًا خرج من أسفل مركبه، "فخرجوا هاربين
يتساقطون بكل طريق.
وأصيب أبرهة في جسده بداء، وتساقطت أنامله أنملة أنملة، وسال منه الصديد والقيح والدم، وما مات حتى انصدع قلبه.
يتساقطون بكل طريق" ويهلكون على كل منهل وليس كلهم أصيب، ووجهوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاءوا منه يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل:
أين المفر والإله الطالب
…
والأشرم المغلوب ليس الغالب
قاله ابن إسحاق: وروى أبو نعيم عن عطاء بن يسار، قال: حدثني من كلم قائد الفيل وسائسه، أنه قال لهما: هل نجا أحد غيركما، قالا: نعم، ليس كلهم أصابه العذاب، وقالت عائشة: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس بمكة، رواه ابن إسحاق مسندًا، وإنما بقي منهم بقية على حالة غير مرضية تذكيرًا لمن رأى، وإعلامًا لمن لم ير فيزداد البيت تعظيمًا ويكون سببًا في تصديقه صلى الله عليه وسلم، والعلم بمنزلته عند الله.
وفي زاد المسير: بعث عبد المطلب ابنه عبد الله على فرس ينظر إلى القوم فجعل يركض ويقول: هلك القوم، فخرج عبد المطلب وأصحابه فغنموا أموالهم. وفي الروض عن تفسير النقاش: أن السيل احتمل جثثهم وألقاها في البحر. "وأصيب أبرهة في جسده بداء" هو الجدري، وهو أول جدري ظهر، قاله عكرمة، أي: بأرض العرب، فلا ينافي ما قيل أول من عذب بالجدري قوم فرعون، وقال ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث: أن أول ما رؤيت الحصباء والجدري بأرض العرب ذلك العام، انتهى. وبهذا القيد لا يرد قوم فرعون؛ لأنهم لم يكونوا بها.
"وتساقطت أنامله أنملة أنملة" أي: انتثر جسمه، والأنملة طرف الإصبع لكن قد يعبر بها عن طرف غيره ون الجزء الصغير، ففي مسند الحارث بن أبي أسامة مرفوعًا:"أن في الشجر شجرة هي مثل المؤمن لا يسقط لها أنملة"، ثم قال:"هي النخلة، وكذلك المؤمن لا يسقط له دعوة" قال السهيلي. "وسال منه الصديد" القيح وهو المدة الرقيقة، "والقيح" يعني به المدة الغليظة، "والدم" وعند ابن إسحاق كلما سقطت منه أنملة تبعها مدة تمصي قيحًا ودمًا، وظاهر المصنف كغيره أنه لم يصب بحجر، والظاهر: أن الداء الذي أصابه بعد وقوع حجر عليه ولم يعجل هلاكه به زيادة في عقوبته والمثلة به ويؤيده أن الذين أصيبوا بالحجارة لم يموتوا كلهم سريعًا بل تأخر موت جمع منهم.
"وما مات حتى انصدع" أي: انشق "قلبه" وفي ابن إسحاق وغيره: حتى انصدع صدره فرقتين عن قلبه بصنعاء، وفي رواية: كلما دخل أرضًا وقع منه عضو حتى انتهى إلى بلاد خثعم
إلى هذه القصة أشار سبحانه وتعالى بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] السورة إلى آخرها.
فإن قلت: لم قال تعالى له عليه الصلاة والسلام: {أَلَمْ تَرَ} مع أن هذه القصة كانت قبل البعث بزمان طويل؟
فالجواب أن المراد من الرؤية هنا: العلم والتذكر، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر، فكأن العلم الحاصل به ضروري، مساوٍ في القوة للرؤية.
وليس عليه غير رأسه فمات فيجوز أنه مات بها وحمل إلى صنعاء ميتًا، أو عبر بذلك مجاز القربة منه أو لظن المخبر موته لرؤيته وصل لهذه الحالة لا سيما وهم مشغولون بأنفسهم وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائره يحلق فوق رأسه، وهو لا يشعر به حتى بلغ النجاشي فأخبره بما أصابهم، فلما أتم كلام رماه الطائر فوقع عليه الحجر ميتًا، فرأى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه.
"وإلى هذه القصة أشار سبحانه وتعالى بقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم" مما عد على قريش من نعمة عليهم وفضله لبقاء أمرهم ومدتهم، قال ابن إسحاق. {أَلَمْ تَرَ} [الفيل: 1] ، استفهام تقرير، أي: ألم تعلم قرره على وجود علمه بما ذكر، وبه جزم في النهر، وقيل: تعجب لنقله نقل المتواتر، وبه جزم الجلال؛ أي: قد علمت أو تعجب {كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] ، عبر بكيف دون ما؛ لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه للدلالة على كمال علم الله وقدرته وعزة بيته وشرف رسوله، اقرأ "السورة إلى آخرها" وقد تلاها والتي بعدها معًا ابن إسحاق وجعلها متعلقة بها، كما هو أحد الأوجه. وفي الكشاف وحياة الحيوان: وإلى هذه القصة أشار صلى الله عليه وسلم في الصحيح، بقوله:"إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين". انتهى. وهو بيان لحالهم إذا خالفوا الله ورسوله والسورة أنسب في تعظيم جد المصطفى وقومه لأجله صلى الله عليه وسلم، فلذا اقتصر عليها المصنف.
"فإن قلت: لم قال تعالى له عليه الصلاة والسلام: {أَلَمْ تَرَ} مع أن هذه القصة كانت قبل البعث بزمان طويل" إذ هي عام ولادته على أصح الأقوال وهو قول الأكثر، وقال مقاتل: قبل مولده بأربعين سنة، وقال الكلبي؛ بثلاث وعشرين سنة، وقيل: بثلاثين، وقيل: بخمسين، وقيل: بسبعين، وقيل غير ذلك.
"فالجواب: أن المراد من الرؤية هنا العلم والتذكر" أي: قد علمت فهو تقريري. "وهو إشارة إلى أن الخبر به" أي: بالواقع لأصحاب الفيل؛ "متواتر، فكان العلم الحاصل به ضروري مساوٍ في القوة للرؤية" كما هو شأن المتواتر.
وقد كانت هذه القصة دالة على شرف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتأسيسًا لنبوته وإرهاصًا لها، وإعزازًا لقومه بما ظهر عليهم من الاعتناء حتى دانت لهم العرب، واعتقدت شرفهم وفضلهم على سائر الناس، بحماية الله لهم، ودفعه عنهم مكر أبرهة، الذي لم يكن لسائر العرب بقتاله قدرة، وكان ذلك كله إرهاصًا لنبوته عليه الصلاة والسلام.
قال الرازي: ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسًا، قال: ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته.
"وقد كانت هذه القصة دالة على شرف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتأسيسًا لنبوته وإرهاصًا لها" هما متساويان، والمراد: أنها توطئة وتقوية لنبوته، "وإعزازًا لقومه" أي: تقوية لهم بعد الذل بما أصابهم من أبرهة واستعمال العز فيمن لم يسبق له ذل مجاز؛ كقوله: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 65]، "بما ظهر عليهم من الاعتناء" أي: اعتناء الناس "حتى دانت" أي: خضعت وذلك "لهم العرب واعتقدت شرفهم وفضلهم على سائر الناس" بقيتهم، "بحماية الله لهم ودفعه عنهم" عطف تفسير، فالحماية الدفع فقالت العرب، كما في ابن إسحاق: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم، وقالوا في ذلك أشعارًا كثيرة.
"مكر أبرهة" أي: إرادته السوء بهم سماه مكرًا مع أنه الاحتيال من حيث لا يعلم الممكور به، وأبرهة جاء مجاهرًا لحربهم نظرًا لعزمه على تخريب الكعبة وهم لا يشعرون، "الذي لم يكن للعرب جميعًا" وفي نسخة لسائر العرب، وهي أيضًا بمعنى الجميع عند الجوهري في جماعة، وإن خطّئوه فيها؛ لأنها لغة قليلة حكاها القاموس وغيره، وقد مر بسطه في الديباجة.
"بقتاله" أي: عليه متعلق بقوله: "قدرته" قدم عليه لأنه ظرف، "وكان ذلك كله إرهاصًا لنبوته عليه الصلاة والسلام" وهو فائدة ذكر القصة هنا، لا لتعظيم ما كانت عليه قريش، فإن أصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم حينئذ أقرب حالا مما كان عليه أهل مكة؛ لأنهم كانوا عباد أوثان فنصرهم الله نصرًا لا صنع لبشر فيه، فكأنه يقول: لم أنصركم لخير بكم ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سيشرفه خير الأنبياء صلى الله عليه وسلم.
"قال" الإمام العلامة فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين البكري الطبرستاني الأصل "الرازي" المولد المعروف بابن الخطيب، فاق أهل زمانه في علم الكلام والأوائل، وتوفي سنة ست وستمائة بمدينة هراة، "ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزات على زمان البعثة تأسيسًا" تقوية لها، قال:"ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله عليه الصلاة والسلام، يعني قبل بعثته" وأنت خبير
وخالفه العلامة السيد في شرح المواقف -تبعًا لغيره- فاشترط في المعجزات أن لا تتقدم على الدعوة بل تكون مقارنة لها. كما سيأتي إن شاء الله في المقصد الرابع.
فإن قلت: إن الحجاج خرب الكعبة ولم يحدث شيء من ذلك!!
فالجواب: أن ذلك وقع إرهاصًا لأمر نبينا صلى الله عليه وسلم والإرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه، فلما ظهر عليه.....................
بأن قولهم ذلك لا يلزم منه أنهم سموها معجزة الذي هو محل النزاع. "وخالفه العلامة السيد" المحقق على الجرجاني، "في شرح المواقف تبعًا لغيره"، وهو الجمهور "فاشترط في المعجزات أن لا تتقدم على الدعوة" إلى كلمة الإسلام؛ "بل تكون مقارنة لها" فالخوارق الواقعة قبل الرسالة إنما هي كرامات، والأنبياء قبل النبوة لا يقصرون عن درجة الأولياء، فيجوز ظهورها عليهم أيضًا، فتسمى إرهاصًا، صرح به السيد وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الرابع".
"فإن قلت" إهلاك الله أصحاب الفيل إعزازًا لنبيه وحرمه، "وإن الحجاج" بن يوسف الثقفي الظلوم المختلف في كفره، واختار الإمام أبو عبد الله بن عرفة أنه كافر، قال الأبي رحمه الله: فأوردت عليه صلاة الحسن البصري، فأجاب بأنها تتوقف على صحة الإسناد إليه، انتهى.
وفي الكامل للمبرد: مما كفر به الفقهاء الحجاج أنه رأى الناس يطوفون حول حجرته صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما يطوفون بأعواد برمة، قال الدميري: كفروه بهذه لأنه تكذيب لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، رواه أبو داود.
"خرب الكعبة" لما أرسله عبد الملك بن مروان إلى قتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لينزع منه الخلافة فتحصن عبد الله منه في البيت، فرمى الكعبة بالمنجنيق ثم ظفر به فقتله سنة ثلاث وسبعين، ووقع قبله في زمن يزيد بن معاوية حين أرسل الحصين بن نمير السكوني لقتال ابن الزبير لامتناعه من مبايعة يزيد فنصب المنجنيق على أبي قبيس وغيره من جبال مكة، ورمى الكعبة وكس الحجر الأسود واحترقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، ثم ورد لهم الخبر بموت يزيد عامله الله بعدله، فرجعوا إلى الشام. "ولم يحدث شيء من ذلك" الذي وقع لأصحاب الفيل، فما الفرق؟ "فالجواب: أن ذلك وقع إرهاصًا" أي: تأسيسًا "لأمر نبينا صلى الله عليه وسلم، إرهاص إنما يحتاج إليه قبل قدومه" أي: ظهوره وثبوت نبوته، "فلما" أي: حيث "ظهر عليه
الصلاة والسلام، وتأكدت نبوته بالدلائل القطعية فلا حاجة إلى شيء من ذلك، ذكر حفر زمزم والذبيحين ولما فرج الله عن عبد المطلب، ورجع أبرهة خائبًا، فبينما هو نائم يومًا في الحجر، إذ رأى منامًا عظيمًا......................
الصلاة والسلام وتأكدت نبوته بالدلائل القطعية، فلا حاجة إلى شيء من ذلك" جواب لما، ودخلته الفاء على قبله، وإيضاح هذا جواب الشامي بأنه إنما لم يمنعوا؛ لأن الدعوة قد تمت والكلمة قد بلغت والحجة قد ثبتت، فأخر الله أمرهم إلى الدار الآخرة، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتن وأن الكعبة ستهدم. ا. هـ. أي: فكان عدم منعهم مظهرًا لمعجزته من الإخبار بالغيب.
وأجاب النجم: بأن أبرهة قصد التخريب بالكلية وعدم عودها، فلذا عوجل بالعقوبة، والحجاج إنما قصد بالتخريب إذهاب صورة بناء ابن الزبير وإعادتها على حالتها الأولى، فلم يحدث له شيء وفيه نظر، فإنه حين قتاله لابن الزبير لم يكن قصده إذهاب صورة بنائه وإنما أراد ذلك بعد قتله، فكتب إلى عبد الملك مستشيره، كما قالوه في بناء الكبة، ولك أن تقول: لا يرد الإشكال من أصله؛ لأن جيش يزيد والحجاج إنما قاتلوا على الملك، ولم يقصدوا هدم الكعبة ولم يسيروا إليه كأبرهة، وما وقع من التخريب أدى إليه القتال، ثم أعاده ابن الزبير بعد ذهاب جيش يزيد واستقراره في الخلافة بمكة وبعض البلاد على قواعد إبراهيم على ما حدثته به خالته عائشة، ثم لما غزاه الحجاج وتهدم البيت أعاده الحجاج بأمر عبد الملك على ما كان عليه في الجاهلية وهو صفته اليوم.
"ذكر حفر زمزم والذبيحين، ولما فرج الله تعالى عن عبد المطلب ورجع أبرهة خائبًا، فبينما هو نائم يومًا" أراد به مطلق الزمان، فلا ينافي قول عبد المطلب: رأيت الليلة؛ كقوله تعالى: {مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16]، {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ، {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} [القيامة: 30] ، لا مقابل الليلة، نحو:{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} [الحاقة: 7] ، ولا مدة القتال، نحو:{يَوْمَ حُنَيْنٍ} [التوبة: 25] ، ولا الدولة، كقوله:{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ، "في الحجر إذا رأى منامًا عظيمًا"، هو كما رواه أبو نعيم من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي الخيثم، عن أبيه عن جده، قال: سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب، قال: بينما أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعًا شديدًا، فأتيت كاهنة قريش، فقلت لها: إني رأيت الليلة كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورًا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفًا، ورأيت العرب والعجم لها ساجدين، وهي تزداد كل ساعة عظمًا ونورًا وارتفاعًا ساعة تخفى وساعة تظهر، ورأيت رهطًا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قومًا من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها
فانتبه فزعًا مرعوبًا، وأتى كهنة قريش، وقص عليهم رؤياه، فقالت له الكهنة: إن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يؤمن به أهل السماوات والأرض وليكونن في الناس علمًا مبينًا. فتزوج فاطمة، وحملت في ذلك الوقت بعبد الله الذبيح
أخذهم شاب لم أر قط أحسن منه وجهًا ولا أطيب ريحًا، فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها نصيبًا، فلم أنل؛ فقلت: لمن النصيب؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك، فانتبهت مذعورًا فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس، فقال عبد المطلب لأبي طالب: لعلك أن تكون هو المولود، فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج، أي: بعث، ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين، فيقال له: ألا تؤمن به؟ فيقول: السبة والعار، أي: أخشى أو يمنعني فهما منصوبان أو مرفوعان، أو المراد بالمنام ما في الروض في سبب تسميته محمدًا عن علي القيرواني العابر في كتابه البستان، قال: زعموا أن عبد المطلب رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء، وطرف في الأرض وطرف في المشرق، وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء وأهل الأرض.
"فانتبه" حال كونه "فزعًا مرعوبًا" والمراد بهما واحد، فالفزع والرعب، الخوف، "وأتى كهنة قريش وقص عليهم رؤياه" وهذا مخالف لقوله في رواية أبي نعيم: فأتيت كاهنة قريش فقلت لها، إلا أن يقال اللام في الكهنة للجنس، والمعنى: أنه لما خرج قصد جملة الكهنة، فاتفق أنه اختار هذه للسؤل.
"فقالت له الكهنة" اللام للجنس، أو اشتهر قولها وبلغهم وأقروه فنسب لهم "إن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يؤمن به أهل السماوات والأرض، وليكونن في الناس علمًا مبينًا" أي: كالراية الظاهرة، فالعلم بفتحتين، الراية؛ كما في المختار. "فتزوج فاطمة" بنت عمرو بن عائذ بن عمرو بن مخزوم، "وحملت في ذلك الوقت بعبد الله الذبيح" فيه نظر؛ لأن عبد الله أصغر أولاد فاطمة، وقد ذكر اليعمري وغيره أن أبا طالب والزبير وعبد الكعبة أشقاء لعبد الله، اللهم إلا أن يكون تجوز في قوله في ذلك الوقت مبالغة في قرب حملها به، ثم هذا الذي ذكره المصنف من أن الرؤيا وحفر زمزم كانا بعد الفيل، إنما يأتي على أنه قبل المولد النبوي بأربعين أو سبعين سنة.
أما على المشهور أنها كانت عامة فلا يتصور إلا أن يكون مراده مجرد الإخبار
وقصته في ذلك مشهورة مخرجة عند الرواة مسطورة.
وكان سببها حفر أبيه عبد المطلب زمزم، لأن الجرهمي.................
بقصة بعد أخرى، والمعنى: بعدما ذكرنا أن الله فرج عن عبد المطلب، نقول: بينما هو نائم والتزامه الترتيب على السنين إنما هو من حين نشأة المصطفى؛ كما قال في الديباجة، فلا يرد هذا عليه لكن هذا في غاية التعسف بل لا يصح مع قوله: لما خرج وخاب أبرهة نام فرأى فتزوج، فجعله جواب لما. "وقصته" أي: وصفه بالذبيح "في ذلك مشهورة مخرجة عند الرواة مسطورة، وكان سببها حفر أبيه عبد المطلب زمزم" أي: إظهارها وتجديدها، كما يعلم من قوله بعد وبالغ في طمها.
وذكر البرقي عن ابن عباس: سميت زمزم؛ لأنها زمت بالتراب لئلا تأخذ يمينًا وشمالا، ولو تركت لساحت على الأرض حتى تملأ كل شيء، وقال الحربي: لزمزمة الماء، وهي صوته. وقال أبو عبيد: لكثرة مائها، وقيل غير ذلك، وليس بخلاف حقيقي فقد تكون التسمية لجميع ذلك، وحكى المطرزي أن اسمها زمازم وزمزم. قال السهيلي: وتسمى أيضًا همزة جبريل بتقديم الميم على الزاي، ويقال أيضًا: هزمة جبريل، أي: بتقديم الزاي، لأنها هزمته في الأرض، وتسمى أيضًا: طعام طعم وشفاء سقم. ا. هـ.
والأخير لفظ حديث مرفوع عند الطيالسي عن أبي ذر وأصله في مسلم، كما ذكره السخاوي. وروى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس رفعه:"ماء زمزم لما شرب له، إن شربته لتستشفي شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، هي هزمة جبريل وسقيا الله إسماعيل". وفي سيرة ابن هشام: "هي بين صنمي قريش، إساف ونائلة عند منحر قريش، كان جرهم دفنها حين ظعن من مكة، وهي بئر إسماعيل التي سقاه حين ظمئ، وهو صغير، فالتمست له أمه فلم تجده فقامت على الصفا تدعو الله وتستسقيه لإسماعيل، ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك فبعث الله جبريل فهمزها بعقبه في الأرض، وظهر الماء وسمعت أمه أصوات السباع فخافت عليه، فأقبلت نحوه فوجدته يفحص بيده عن الماء تحت خده ويشرب".
قال السهيلي: حكمة همز جبريل بعقبه دون يده أو غيرها الإشارة إلى أنها لعقبه، أي: إسماعيل ووارثه وهو محمد صلى الله عليه وسلم وأمته؛ كما قال تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 28] . ا. هـ. وإنما حفرها عبد المطلب؛ "لأن الجرهمي" بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء نسبة إلى جرهم حي من اليمن سموا باسم جرهم بن قحطان ابن نبي الله هود؛ كما في التيجان.
عمرو بن الحارث لما أحدث قومه بحرم الله الحوادث، وقيض الله لهم من أخرجهم من مكة، فعمد عمرو إلى نفائس فجعلها في زمزم وبالغ في طمها، وفر إلى اليمن بقومه، فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة.........................
"عمرو بن الحارث" بن مضماض بكسر الميم وضمها، "لما أحدث قومه" جرهم وكانوا ولاة البيت والحاكم بمكة لا ينازعهم بنو إسماعيل لخولتهم وقرابتهم وإكرامًا لمكة، أي: يكون بها بغي أو قتال، "يحرم الله الحوادث" فبغوا بمكة وظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فساءت حالهم، "وقيض الله لهم من أخرجهم من مكة".
قال القاضي تقي الدين الفاسي في شفاء الغرام: اختلف أهل الأخبار فيمن أخرج جرهمًا من مكة اختلافًا يعسر معه التوفيق، فقيل: بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة، وغيشان بن خزاعة لمنعهم بني عمرو بن عامر الإقامة بمكة حتى يصل إليهم رواؤهم، وقيل: عمرو بن ربيعة بن حارثة لطلبهم حجابة البيت.
وقيل: بنو إسماعيل بعد أن سلط الله على جرهم آفات من رعاف ونمل حتى فني به من أصابهم بمكة، وقيل: سلط على ولاة البيت منهم دواب، فهلك منهم في ليلة واحدة ثمانون كهلا سوى الشبان حتى رحلوا من مكة، والقول الأول ذكره ابن إسحاق، فقال: إن بني بكر وغبشان لما رأوا بغيهم، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة فأذنوا بالحرب، فاقتتلوا فغلبهم بنو بكر وغبشان. فنفوهم من مكة، وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها بغيًا ولا ظلمًا لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته فكانت تسمى الناشة ولا يريدها ملك يستحل حرمتها، إلا هلك مكانه، فيقال: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة.
"فعمد" بفتح الميم ومضارعه بكسرها، كذا المنقول، ورأيت في بعض الحواشي أن في بعض شروح الفصيح وأظنه عزاه للسبكي أنه يجوز فيه العكس، قاله في النور، أي: قصد "عمرو إلى نفائس" هي غزالان من ذهب وسيوف وأدراع وحجر الركن كما عند ابن هشام وغيره، "فجعلها في زمزم" بمنع الصرف للتأنيث والعلمية، قاله المصباح. "وبالغ في طمها" بفتح الطاء المهملة وكسر الميم المشددة بعدها هاء، قال القاموس: طم الركية دفنها وسواها، وفيه أيضًا الركية البئر. "وفر إلى اليمن بقومه" فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنًا شديدًا، وقال عمرو:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
الأبيات بتمامها في ابن إسحاق، قيل: كانت ولاية جرهم مكة ثلاثمائة سنة وقيل: خمسمائة، وقيل: ستمائة سنة. "فلم تزل زمزم من ذلك العهد مجهولة" وفي رواية: بقيت
إلى أن رفعت عنها الحجب برؤيا منام رآها عبد المطلب، دلته على حفرها بأمارات عليها.
فمنعته قريش من ذلك.................................
مطمومة بعد جرهم زهاء خمسمائة سنة لا يعرف مكانها، "إلى أن رفعت" أزيلت "عنها الحجب" الموانع التي منعت من معرفتها، "برؤيا منام رآها عبد المطلب دلته على حفرها بأمارات عليها" روى ابن إسحاق بسنده عن علي، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت، فقال: احفر طيبة، قلت: وما طيبة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني، فقال: احفر برة، فقلت: وما برة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني، فقال: احفر المضنونة، فقلت: وما المضنونة؟ فذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني وقال: احفر زمزم، قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل.
برة بفتح الموحدة وشد المهملة سميت بذلك لكثرة منافعها وسعة مائها، قال في الروض، هو اسم صادق عليها؛ لأنها فاضت للأبرار وغاضت عن الفجار. والمضنونة بضاد معجمة ونونين: لأنها ضن بها على غير المؤمن فلا يتضلع منها منافق، قاله وهب ابن منبه. وروى الدارقطني مرفوعًا:"من شرب زمزم فليتضلع، فإنه فرق ما بيننا وبين المنافقين لا يستطيعون أن يتضلعوا منها" وفي رواية الزبير بن بكار: أن عبد المطلب قيل له: احفر المضنونة ضننت بها على الناس إلا عليك. ولا ينزف، بكسر الزاي: لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها. ولا تذم بمعجمة لا توجد قليلة الماء من قول العرب: بئر ذمة، أي: قليل ماؤها وهذا لأنه نفي مطلق وخبر صادق أولى من الحمل على نفي ضد المدح؛ لأنها مذمومة عند المنافقين، قاله السهيلي. قل: والغراب الأعصم فسره صلى الله عليه وسلم: "بأنه الذي إحدى رجليه بيضاء"، رواه ابن شيبة وأطال في الروض في وجه تأويل هذه الرؤيا بما يحسن كتبه بالعسجد، لكن الرهبة من التطويل تمنع من جلبه.
"فمنعته قريش من ذلك" ظاهره: أنها منعته من أصل الحفر ونازعته ابتداء، والذي رواه ابن إسحاق عن علي عقب ما مر: فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه صدق، غدا بمعوله ومعه ولده الحارث ليس له يومئذ ولد غيره فجعل يحفر ثلاثة أيام، فلما بدا له الطي كبر، وقال: هذا طي إسماعيل، فقاموا إليه فقالوا: إنها بئر أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقًا، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم، قالوا له: فأنصفنا، فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا:
ثم آذاه من السفهاء من آذاه، واشتد بذلك بلواه، ومعه ولده الحارث ولم يكن له ولد سواه، فنذر لئن جاءه عشرة بنين وصاروا له أعوانًا ليذبحن أحدهم لله قربانًا. ثم احتفر عبد المطلب زمزم........................
كاهنة سعد بن هذيم، قال: نعم، وكانت بأشراف الشام بالفاء، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر فخرجوا حتى إذا كانوا بمفازة بين الحجاز والشام ظمئ عبد المطلب وأصحابه، وغيره حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا، وقالوا: إنا بمفازة نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، فأمرهم فحفروا قبورهم، وقال: من مات واراه أصحابه حتى يكون الآخر فضيعته أيسر من ركب؛ وقعدوا ينتظرون الموت عطشًا، ثم قال: والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت عجز، لنضربن في الأرض عسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، وركب راحلته فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب وأصحابه ثم نزل فشربوا واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا قبائل قريش، فقال لهم: هلم إلى الماء فقد سقانا الله، فاستقوا وشربوا، ثم قالوا: قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدًا إن الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو أسقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها.
"ثم آذاه من السفهاء من آذاه" هو عدي بن نوفل بن عبد مناف قال له: يا عبد المطلب تستطيل علينا وأنت فذ، لا ولذلك! فقال: أبا القلة تعيرني، فوالله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة، رواه ابن سعد والبلاذري. وفي الخميس: سفه عليه وعلى ابنه ناس من قريش ونازعوهما وقاتلوهما، "واشتد بذلك بلواه، وكان معه ولده الحارث ولم يكن له ولد سواه، فنذر" مر أنه حلف، فيحتمل أنه المراد بالنذر، أو أن صورة الالتزام تكررت مرة بالنذر، وأخرى بالحلف. "لئن جاء له عشر بنين وصاروا له أعوانًا" أي: بلغوا أن يمنعوه، وبه عبر ابن إسحاق وأتباعه "ليذبحن أحدهم قربانًا" لله عند الكعبة، واحتفر عبد المطلب زمزم" في عامه ذلك هو وابنه الحارث فقط، فعند ابن إسحاق، فإذا عبد المطلب ومعه الحارث فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين إساف ونائلة الذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها، فجاء بالمعول وقام يحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش، فقالوا: والله ما نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما، فقال لابنه: رد عني حتى أحفر، فوالله لأمضين لما أمرت به؛ فلما عرفوا أنه غير تارك خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرًا حتى بدا له الطين، فكبر وعرف أنه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد الغزالين والأسياف والأدراع التي دفنتها جرهم، فقالت قريش:
فكانت له فخرًا وعزًا.
فلما تكامل بنوه عشرة وهم: الحارث والزبير وحجل وضرار والمقوم..................
إنا معك في هذا شرك، قال: لا، ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها القداح، قالوا: كيف نصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وأسودين له وأبيضين لقريش، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، والأسودين على الأسياف والأدراع له، وتخلف قدحًا قريش فضرب الأسياف بابًا للكعبة وضرب بالباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليته الكعبة فيما يزعمون، ثم أتم حفر زمزم وأقام سقايتها للحاج، "فكانت له فخرًا وعزًا" على قريش وعلى سائر العرب، ذكر الزهري في سيرته: أنه اتخذ عليها حوضًا يستقي منه، فكان يخرب بالليل حسدًا له، فلما أهمه ذلك قيل له في النوم قل: لا أحلها لمغتسل، وهي للشارب حل وبل، فلما أصبح قالها فكان من أرادها بمكروه رمي بداء في جسده، حتى انتهوا عنه.
حل بكسر الحاء، أي: من الحرام. وبل، بكسر الموحدة: مباح، وقيل: شفاء. وعند ابن إسحاق: فعفت زمزم على آبار كانت قبلها وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام وفضلها على ما سواها؛ ولأنها بئر إسماعيل وافتخر بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب، وعند غيره: فكان منها شرب الحاج، وكان لعبد المطلب إبل كثيرة يجمعها في الموسم ويسقي لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم، ويشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم ويسقيه الحاج ليكسر غلظها وكانت إذ ذاك غليظة، فلما توفي قام بالسقاية العباس وان له كرم بالطائف؛ فكان يحمل زبيبه إليها ويسقيه الحاج أيام الموسم، فلما دخل صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح قبض السقاية منه، ثم ردها إليه.
"فلما تكامل بنوه عشرة" بعد حفره زمزم بثلاثين سنة، كما عند ابن سعد والبلاذري، زاد في نسخ "وهم الحارث" وأمه صفية بنت جندب "والزبير" بفتح الزاي عند البلاذري، وأبي القسم الوزير وضمها عند غيرهما، وهو مفاد التبصير وأمه فاطمة بنت عمرو، "وحجل" بفتح المهملة فجيم ساكنة عند الدارقطني، وتبعه النووي والذهبي والعسقلاني، وهو في الأصل القيد والخلخال، وضبطه اليعمري تبعًا لابن إسحاق بتقديم الجيم على الحاء الساكنة، وصدر به المصنف فيما يأتي وهو السقاء الضخم، وذكر المصنف: ثم إن اسمه المغيرة وتبع فيه الذهبي، ووهمه الحافظ، وقال: الذي اسمه مغيرة ابن أخيه حجل بن الزبير بن عبد المطلب، انتهى. وأمه هالة بنت وهيب. "وضرار" بضاد معجمة وراءين بينهما ألف، وهو شقيق العباس، "والمقوم" بفتح الواو مشددة اسم مفعول وكسرها مشددة اسم فاعل، كذا يخطي ولا أدري الآن من أين
وأبو لهب والعباس وحمزة وأبو طالب وعبد الله، وقر الله عينه بهم، نام ليلة عند الكعبة المطهرة فرأى في المنام قائلا يقول: يا عبد المطلب: أوف بنذرك لرب هذا البيت، فاستيقظ فزعًا مرعوبًا، وأمر بذبح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين. ثم نام فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فاستيقظ من نومه وقرب ثورًا، ثم نام فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرب جملا، وأطعمه للمساكين، ثم نام فنودي: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فقال: ما أكبر من ذلك وقال: قرب أحد أولادك الذي نذرته.
فاغتم غمًا شديدًا، وجمع أولاده، وأخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء، فقالوا: إنا نطيعك، فمن تذبح منا؟ قال: ليأخذ.............................
هو، قاله في النور، وأمه هالة. "وأبو لهب" عبد العزى وأمه آمنة بنت هاجر، "والعباس" رضي الله عنه، وأمه نتلة بفتح النون وسكون الفوقية، ويقال: نتيلة بضم النون وفتح الفوقية مصغرًا، واقتصر عليه التبصير. "وحمزة" سيد الشهداء رضي الله عنه، وأمه هالة بنت وهيب. "وأبو طالب وعبد الله" والده صلى الله عليه وسلم وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمر بن مخزوم، قال شيخنا: وهذه النسخة لا تناسب ما يأتي أن حمزة والعباس إنما ولدا بعد الوفاء بالنذر، فلعلها غير صحيحة، انتهى. أما الأول: فواضح، وأما ترجي عدم صحتها فلا إذ من المعلوم القول بأن أولاده عشرة فقط فيحتمل أن المراد بحمزة والعباس هنا اثنان من ولد ولده موافقًا اسم ابنيه. "وقر الله عينه بهم" كذا في نسخ وسقطت الجلالة من أخرى، وهي التي عند شيخنا، فقال: العين حاسة الرؤية مؤنثة ذكر الفعل؛ لأن تأنيثها غير حقيقي.
"نام ليلة عند الكعبة المطهرة فرأى في المنام قائلا يقول" له: "يا عبد المطلب، أوف" بهمزة قطع "بنذرك لرب هذا البيت، فاستيقظ" حال كونه "فزعًا مرعوبًا" أي: خائفًا وهما بمعنى كما مر، "وأمر ببح كبش وأطعمه للفقراء والمساكين، ثم نام فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فاستيقظ من نومه وقرب ثورًا" ذكر البقر سمي ثورًا؛ لأنه يثير الأرض، كما سميت البقرة بقرة؛ لأنها تبقرها، "ثم نام، فرأى: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فانتبه وقرب جملا" نحره، "وأطعمه للمساكين" والفقراء؛ لأنهما إذا افترقا اجتمعا، "ثم نام، فنودي: أن قرب ما هو أكبر من ذلك، فقال: وما هو أكبر من ذلك؟ وقال: قرب أحد أولادك الذي نذرته" أي: نذرت ذبحه، "فاغتم غمًا شديدًا" أي: أصابه كرب وحزن، "وجمع أولاده وأخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء" بالنذر "فقالوا: إنا نطيعك، فمن تذبح منا؟ " أي: فأي واحد تريد ذبحه لنعينك عليه، "قال: ليأخذ
كل واحد منكم قدحًا -والقدح: سهم بغير نصل- ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوا به، ففعلوا، وأخذوا قداحهم ودخلوا على هبل -اسم صنم عظيم- وكان في جوف الكعبة، وكانوا يعظمونه، ويضربون بالقداح عنه، ويستقسمون بها، أي يرتضون بما يقسم لهم، ثم يضرب بها القيم الذي لها قال: فدفع عبد المطلب إلى ذلك القيم القداح وقام يدعو الله تعالى، فخرج على عبد الله، وكان أحب ولده إليه.
فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله.......................................
كل واحد منكم قدحًا" قال المصنف: "والقدح" بكسر القاف وسكون الدال وحاء مهملة، "سهم بغير نصل" ولفظ القاموس القدح بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، "ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوا به، ففعلوا وأخذوا قداحهم" بكسر القاف جمع قدح ويجمع أيضًا على أقداح أقاديح؛ كما في القاموس.
"ودخلوا على هبل" بضم الهاء وفتح الموحدة فلام، "اسم صنم عظيم" من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب كذا ذكر ابن الكلبي في كتاب الأصنام: أنه بلغه "وكان في جوف الكعبة" وكان تحته بئر يجمع فيها ما يهدى للكعبة، قاله ابن إسحاق وغيره. "وكانوا يعظمونه ويضربون بالقداح عنده" قال ابن إسحاق: كان عنده قداح سبعة كل قدح فيه كتاب قدح العقل، إذا اختلفوا من يحمله، وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه، وقدح فيه لا، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا حفرها، فكانوا إذا أرادوا الختان أو النكاح أو دفن ميت أو شكوا في نسب، ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وجزور فأعطوها الذي يضرب بها ثم ما خرج عملوا به، انتهى، ملخصًا، ففسرها كلها وأقره عبد الملك بن هشام.
وأما ابن الكلبي، فقال: مكتوب في أولها صريح والآخر ملصق، وإذا شكوا في مولود أدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح الحقوه وإن كان ملصقًا دفعوه، وقدح على الميتة، وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر لي على ما كانت، فإذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرًا أو عملا، أتوه، فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج عملوا به، وانتهوا إليه. وفسر ضرب القداح بقوله:"ويستقسمون بها، أي: يرتضون بما يقسم لهم، ثم يضرب بها القيم الذي لها" والمعنى: كانوا يتفقون عند القيم بالرضا بما خرج، فكل من خرج اسمه على شيء رضي به، "قال: فدفع عبد المطلب إلى ذلك القيم القداح، وقام" عبد المطلب "يدعو الله تعالى" ويقول: اللهم إني نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت، ثم ضرب السادن القدح "فخرج على عبد الله، وكان أحب ولده إليه، فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله
وأخذ الشفرة ثم أقبل إلى إساف ونائلة -صنمين عند الكعبة تذبح وتنحر عندهما النسائك- فقام إليه سادة قريش فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ فقال: أوفي بنذري، فقالوا: لا ندعك أن تذبحه حتى تعذر فيه إلى ربك، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه وتكون سنة. وقالوا: له: انطلق إلى فلانة الكاهنة. قلت:
وأخذ الشفرة" بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء، وهي السكين العظيم؛ كما في القاموس. أو العريض؛ كما في المصباح. ولا خلف "ثم أقبل إلى إساف" بكسر الهمزة وفتح المهملة مخففة، "ونائلة" بنون فألف فتحتية، "صنمين عند الكعبة" قال هشام الكلبي في كتاب الأصنام: إساف رجل من جرهم، يقال له: إساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها في أرض اليمن فحجا فدخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها فيه فمسخا فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين فوضعوهما ليتعظ بهما الناس، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها، "تذبح وتنحر عندهما النسائك، فقام إليه سادة قريش" وعند ابن إسحاق وغيره: فقامت إليه قريش في أنديتها، "فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ " فلعل السادة هم الذين بدءوا بالقيام والقول فتبعوهم، وفي ابن إسحاق، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر، ولا يشكل بقوله قبله: فأطاعوه؛ كقول المصنف: إنا نطيعك فمن تذبح منا؛ لأنهم وافقوه أولا ثم وافقوا قريشًا في طلب الأعذار، ووقع في الشامية أن العباس جذب عبد الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال: إنه شبح وجهه شبحة لم تزل فيه حتى مات. ا. هـ. ولا يصح؛ لأن العباس إنما ولد بعد هذه القصة، إلا أن يقال على بعد شاركه في اسمه غيره من بني إخوته.
"فقال: أوفي بنذري" بضم الهمزة وسكون الواو ففاء خفيفة، أو بفتح الواو وشدة الفاء، يقال: أوفى ووفى بمعنى، "فقالوا: لا ندعك تذبحه حتى تعذر" بضم فسكون من الإعذار، يقال: أعذر إذا أبدى العذر، والمراد حتى تطلب عذرًا "فيه" في ذبحه "إلى ربك" بأن تسأل الكاهنة، فإنها إن ذكرت أنه يذبح كان عذرًا عندهم، "ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه" فما بقاء الناس على هذا، وقال المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: وكان عبد الله بن أخت القوم، والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، هكذا في ابن إسحاق. "وتكون سنة" أي: طريقة مستمرة في قومك؛ لأنك رئيسهم فيقتدون بك "وقالوا له: انطلق إلى فلانة الكاهنة" وعند ابن إسحاق وأتباعه: وانطلق إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع من الجن وهو بتقدير مضاف، أي: أحد أرض الحجاز، فلا يخالفه قول القاموس الحجاز مكة والمدينة والطائف.
قيل اسمها: قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني في كتاب المبهمات، وذكر ابن إسحاق أن اسمها: سبجاج -فلعلها أن تأمرك فيه فرج لك.
فانطلقوا حتى أتوها بخيبر، فقص عليها عبد المطلب القصة، فقالت: كم الدية عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم ثم قربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل ثم اضربوا أيضًا، هكذا حتى يرضي ربكم. ويخلص صاحبكم فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
فرجع القوم إلى مكة، وقربوا عبد الله، وقربوا عشرة................
"قيل: كان اسمها قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني" بن سعيد بن علي الأزدي الإمام المتقن النسابة إمام زمانه في علم الحديث وحفظه، قال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ منه له مؤلفات منها المبهمات، ولد سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ومات في سابع صفر سنة تسع وأربعمائة، "في كتاب" الغوامض و"المبهمات، وذكر ابن إسحاق" في رواية يونس عنه "أن اسمها سبجاج".
كذا في النسخ، والذي في الروض: سجساج، "فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك" لفظ رواية ابن إسحاق: إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته، "فانطلقوا حتى" قدموا المدينة فوجدوها بخيبر، فركبوا حتى "أتوها بخيبر، فقص عليها عبد المطلب القصة" فقالت لهم، كما في ابن إسحاق: ارجعوا عني حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا من عندها؛ فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها "فقالت" لهم: قد جاءني الخبر "كم الدية عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم" أي: أحضروه إلى موضع ضرب القداح "ثم قربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صابحكم فزيدوا في الإبل" عشرة أخرى، وهكذا على ما يظهر من أن الزيادة بإشارتها أو أطلقت.
وزاد عبد المطلب اجتهادًا نظرًا لأن الدية عشرة فأريد تضعيفها، "ثم اضربوا أيضًا هكذا حتى يرضى ربكم ويخلص صاحبكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم" وكأنه غلب على ظنها أن القداح لا محالة تخرج على الإب مرة، فسكتت عن حكم ما لو لم تخرج عليها لعلمه عندهم، "فرجع القوم إلى مكة وقربوا عبد الله وقربوا عشرة
من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو، فخرجت القداح على ولده، فلم يزل يزيد عشرًا عشرًا حتى بلغت مائة فخرجت القداح على الإبل. فنحرت وتركت، لا يصد عنها إنسان ولا طائر ولا سبع.
ولهذا روي -على ما عند الزمخشري في الكشاف- أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أنا ابن الذبيحين".
وعند الحاكم في المستدرك، عن معاوية بن أبي سفيان قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم........................
من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو" الله تعالى "فخرجت القداح" أي: جنسها إذ الخارج في كل مرة قدح أحد "على ولده، فلم يزل يزيد عشرًا عشرًا حتى بلغت الإبل مائة، فخرجت القداح على الإبل" زاد ابن إسحاق: فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب، فزعموا أنه قال: لا والله حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل فقام عبد المطلب يدعو فخرجت على الإبل، ثم عادوا الثانية وهو قائم يدعو فضربوا فخرجت على الإبل، ثم الثالثة وهو قائم يدعو فخرجت على الإبل،"فنحرت وتركت لا يصد عنها إنسان" ذكر أو أنثى، قال لمجد المرأة إنسان وبالهاء عامية، وسمع في شعر كأنه مولد:
لقد كستني في الهوى
…
ملابس الصب الغزل
إنسانة فتانة
…
بدر الدجى منها خجل
إذا زنت بها عيني
…
من الدموع تغتسل
"ولا طائر ولا سبع" بضم الموحدة وفتحها وسكونها: المفترس من الحيوان، قاله القاموس. وعند مغلطاي: أول من سن الدية مائة عبد المطلب، وقيل: العلمس أو سيارة. ا. هـ.
"ولهذا" الواقع في قصة عبد الله "روى على ما عند الزمخشري في الكشاف" في سورة: {وَالصَّافَّاتِ} [الصافات: 1] ، استدلالا على أن الذبيح إسماعيل، "أنه صلى الله عليه وسلم، قال: "أنا ابن الذبيحين" قال الزيلعي في تخريج أحاديثه: غريب، ثم ساق حديث الأعرابي المذكور في المتن ونحوه للحافظ، فحاصل كلامهما أنهما لم يجداه بهذا اللفظ؛ كما عزاه لهما الشامي.
"وعند الحاكم في المستدرك" وابن جرير وابن مردويه والثعلبي في تفاسيرهم، "عن معاوية بن أبي سفيان" صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير المؤمنين أسلم هو وأبواه وأخوه يزيد في فتح مكة وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامهما ومعاوية من الموصوفين بالحلم توفي بدمشق سنة ستين، "قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، خلفت البلاد يابسة، والماء يابسًا وخلفت المال عابسًا، هلك المال وضاع العيال، فعد علي ما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه. الحديث. وتأتي تتمته إن شاء الله تعالى قريبًا.
ويعني بالذبيحين: عبد الله وإسماعيل بن إبراهيم.
وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحاق.
فإن صح هذا.................................
فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله! خلفت البلاد يابسة" مجدبة لا خصب فيها، "والماء" أي: محلاته التي يصيبها "يابسًا" لعدم الماء، وفي نسخة: خلفت الكلأ يابسًا، أي: العشب وصفه باليبس لبيان صفته التي تركه عليها، فالكلأ العشب رطبًا كان أو يابسًا؛ كما في المختار، وزعم أن هذه النسخة هي التي في غيره والأولى تصحيف عجيب باطل، فالأولى هي الثابتة في المقاصد عن المستدرك، "وخلفت المال عابسًا" أي: كالحًا، أي: متغيرًا مهزولا؛ وكأنه أراد بالمال الماشية، "هلك المال وضاع العيال فعد علي" أعطني شيئًا أستعين به "مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، قال" معاوية "فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه" فأفاد أنه إسماعيل، وهذا احتج به معاوية على من قال: إنه إسحاق، فإن أول الحديث عند الحاكم عن الصنابحي: حضرنا مجلس معاوية فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، فقال بعضهم: إسماعيل الذبيح، وقال بعضهم: بل إسحاق، فقال معاوية، سقطتم على الخبير، وذكره "الحديث، وتأتي تتمته إن شاء الله تعالى قريبًا" جدًا، "ويعني بالذبيحين: عبد الله وإسماعيل بن إبراهيم" كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم ورجحه جماعة، وقال أبو حاتم: إنه الصحيح، والبيضاوي: إنه الأظهر.
"وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحاق" بل عزاه ابن عطية والمحب الطبري والقرطبي للأكثرين، وأجمع عليه أهل الكتابين وقال به من الصحابة، كما قال البغوي وغيره العباس وابنه، وعمر وابنه، وعلي وجابر وهو الصحيح عن ابن مسعود، ومن التابعين: علقمة، والشعبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وكعب الأخبار، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقاسم بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، وعبد الرحمن بن سابط، والزهري، والسدي، وعبد الله بن أبي الهذيل، والقاسم بن زيد، ومكحول، والحسن. وذهب إليه مالك واختاره ابن جرير، وجزم به عياض والسهيلي، ومال إليه السيوطي في علم التفسير.
"فإن صح هذا" في نفس الأمر وإلا فكيف لا يصح، وقد قال به من ذكر والحجة لهم
فالعرب تجعل العم أبًا، قال الله تعالى إخبارًا عن بني يعقوب عليهم الصلاة والسلام:{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} [البقرة: 133] .
وفي حديث معاوية -الموعود بتتمته قريبًا-....................
قوله صلى الله عليه وسلم: "الذبيح إسحاق" رواه الدارقطني عن ابن مسعود وابن مردويه والبزار عن العباس، وفيه المبارك بن فضالة ضعفه الجمهور، لكن رواه الحاكم من طرق عن العباس، وقال: صحيح علي شرطهما. وقال الذهبي: صحيح.
ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة قال ابن كثير: وفيه الحسن بن دينار متروك، وشيخه منكر وقد رواه ابن أبي حاتم مرفوعًا ثم رواه عن مبارك بن فضالة موقوفًا وهو أشبه وأصح، وتعقبه السيوطي بأن مباركًا قد رفعه مرة فأخرجه البزار عنه مرفوعًا، وله شواهد عنده وعند الديلمي عن العباس مرفوعًا في حديث بلفظ:"وأما إسحاق فبذل نفسه للذبح"، والطبراني وابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه بسند ضعيف، وللطبراني أيضًا بسند ضعيف عن ابن مسعود: سئل صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس؟ قال: "يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الل"، وأخرج في الكبير عن أبي الأحوص، قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، وفي لفظ: فاخر أسماء بن خارجة رجلا، فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله وإسناده صحيح موقوف. ا. هـ. ملخصًا.
فهذه أحاديث يعضد بعضها بعضًا، فأقل مراتب الحديث الأول أنه حسن، فكيف وقد صححه الحاكم والذهبي وهو نص صريح لا يقبل التأويل بخلاف حديث معاوية فإنه قابل له.
"فالعرب تجعل العم أبا، قال الله تعالى إخبارًا عن بني يعقوب عليهم الصلاة والسلام" جمعها وإن كان فيهم غير أنبياء لجوازها تبعًا وهو استدلال على جعل العم أبا، {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} [البقرة: 133، الأنعام: 144] ، حضورًا والخطاب لليهود، فإنه نزل ردًا عليهم لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية، " {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} " [البقرة: 133] ، إذ بدل من إذ قبله:" {قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي} " بعد موتي، " {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} " [البقرة: 133] ، فجعل إسماعيل أبا وهو عم لأنه بمنزلته، في حمل حديث معاوية على ذلك جمعًا بين الحديثين.
وأما القول بأنهما عبد الله وهابيل فغريب، وإن نقله مغلطاي ولا يصح إلا بجعل العم أبا أيضًا، فإن المصطفى من ولد شيث "وفي حديث معاوية الموعود بتتمته قريبًا" قال: راويه
قال معاوية: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الأمر بها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم، وقالوا أرض ربك، وافد ابنك، ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح الأول وإسماعيل الذبيح الثاني.
قال ابن القيم: "ومما يدل على أن الذبيح إسماعيل، أنه لا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار بها تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه وإقامة لذكر الله تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه".
الصنابجي، فقلنا: وما الذبيحان؟ "قال معاوية: إن عبد المطلب لما أمر" بالبناء للمفعول "بحفر زمزم" وعير بقلة الولد "نذر لله إن سهل" الله "الأمر بها" وجاءه عشرة بنين "أن ينحر بعض ولده" أي: واحدًا منهم؛ كما مر، والأخبار يفسر بعضها ببعض، "فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم" من ذبحه حتى يعذر فيه إلى ربه، ومر عن ابن إسحاق أن المغيرة المخزومي قال له: والله لا تذبحه أبدًا حتى يعذر فيه إلى ربه، ومر عن ابن إسحاق أن المغيرة المخزومي قال له: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه ومثله في الشامية، وليس فيه أن المخاطب له بذلك منهم؛ كما ادعي، ولا اللفظ يقتضي ذلك فنقل كلام عن واحد لا ينفي أن غيره قال مثله، حتى يزعم الحصر "وقالوا: أرض ربك" بهمزة قطع مفتوحة "وافد ابن" بهمزة وصل "ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح الأول" من أبويه صلى الله عليه وسلم، سماه أولا لقربه منه وأنه أبوه بلا واسطة، "وإسماعيل الذبيح الثاني" وهذا لم يرفعه معاوية، وإنما قاله استنباطًا من تبسمه صلى الله عليه وسلم بعد قول الأعرابي: يا ابن الذبيحين، ومعلوم أن صريح المرفوع مقدم على الاستنباط، فيرد المحتمل إلى الصريح جمعًا بين الدليلين.
"قال ابن القيم: ومما يدل على أن الذبيح إسماعيل، أنه لا ريب" لا شك "أن الذبيح كان بمكة ولذلك جعلت القرابين" بفتح القاف جمع قربان بضمها، وهو ما تقرب به إلى الله،؛ كما في المختار "يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة" وكما جعل "رمي الجمار بها تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه" وقد أجيب عن هذا بقول سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام فسار به من بيت المقدس مسيرة شهر في غدوة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة على البراق، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس، قال: قال صلى الله عليه وسلم: "إن
ثم قال: "ولو كان الذبيح بالشام -كما يزعم أهل الكتاب، ومن تلقى عنهم- لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة".
"وأيضًا فإن الله سمى الذبيح حليمًا، لأنه لا أحلم ممن سلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه: عليمًا".
"وأيضًا: فإن الله تعالى أجرى العادة البشرية: أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم لما سأل ربه الولد، ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه
جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، فلما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق، قال لأبيه: يا أبت، أوثقني لا أضطرب فينتضح دمي عليك إذا ذبحتني، فشده فلما أخذ الشفرة وأراد ذبحه نودي من خلفه: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا"، "ثم قال" ابن القيم: "ولو كان الذبيح بالشام، كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة" لأنه هو المحل الذي أمر فيه بذبحه على هذا القول وأنت خبير بأن هذا مع ما فيه من الظن لسوء بأكثر العلماء، وهو أنه لا سلف لهم إلا التلقي عن أهل الكتاب لا يصح دليل إذ لا تلازم، وأيضًا فالدليل ما سلمه الخصم وابن عطية، حكى قولين، أحدهما: أنه أمر بذبحه في الشام، والثاني: أنه إنما أمر بذبحه في الحجاز، فجاء به معه على البراق. ا. هـ. ومر نقله عن ابن جبير وتأييده بالمرفوع.
"وأيضًا" مما يدل على أنه إسماعيل ظاهر القرآن الكريم، "فإن الله سمى الذبيح حليمًا" في قوله:{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101] ، "لأنه لا أحلم ممن سلم نفسه للذبح طاعة لربه" مع كونه مراهقًا ابن ثمان سنين أو ثلاث عشرة سنة، حكاهما الجلال. "ولما ذكر إسحاق سماه عليمًا" في قوله:{إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53]، وقوله:{وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 28] ، وهذا غير ظاهر، فلا ريب أن إسحاق حليم أيضًا، فأي مانع من جمعه الصفتين؟
"وأيضًا" دليل عقلي، "فإن الله تعالى أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد" بكسر الموحدة وسكون الكاف: أول ولد الأبوين، "أحب إلى الولدين ممن بعده" لكونه أول فيتمكن حبه قبل رؤية غيره، لكن لا ينافي أنه إذا حصلت مزية لمن بعده زاد بسببها حبه؛ كما أحب عبد المطلب الأب الشريف لرؤيته نور المصطفى في وجهه.
"وإبراهيم لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة" بضم الشين الغصن لغة "من قلبه
بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيره الخلة تنزعها من قلب الخليل، فأمر بذبح المحبوب، فلما قدم على ذبحه، وكانت محبة الله عنده أعظم من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس، وقد حصل المقصود، فنسخ الأمر وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا". انتهى.
وقد أنشد بعضهم:
إن الذبيح هديت إسماعيل
…
ظهر الكتاب بذاك والتنزيل
بمحبته" فشبه القلب بشجرة استعارة بالكناية، والتعلق الحاصل به أغصانها وإثبات الغصن استعارة تخييلية، ولم يقل: تعلق قلبه بمحبته لئلا يتوهم تعلق قلبه بجملته بمحبة ولده، فلم يكن فيه محل لغيره مع أن قلبه إنما هو متعلق بربه غايته أن ثمة نوع تعلق بالولد.
"والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة" بضم الخاء وتفتح الصداقة المحضة التي لا خلل فيها؛ كذا في القاموس. "منصب" بكسر الصاد: أصل "يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك فيها" عطف تفسير "فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيره" بفتح الغين "الخلة تنزعها من قلب الخليل" ليتمحض للجليل "فأمر بذبح المحبوب" ولا ريب أن هذا يأتي على أنه إسحاق أيضًا، فلا شك أن في قلبه شعبة محبة له، غايته: أن محبة إسماعيل أكثر. "فلما قدم على ذبحه وكانت محبة الله عنده أعظم من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ" أي: حين إذ قدم على ذبحه، "من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة إذا كانت المصلحة إنما هي العزم وتوطين النفس، وقد حصل المقصود" أي: إظهاره إذ الله عالم به: "فنسخ الأمر، وفدى الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا. ا. هـ." كلام ابن القيم، وهي أدلة إقناعية.
"وأنشد بعضهم: أن الذبيح هديت إسماعيل ظهر" وفي نسخة: نطق، أي: دل "لكتاب بذاك والتنزيل" عطف صفة على موصوفها أو تفسيري؛ كأنه يشير به إلى قوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} [الصافات: 112] ، ولا حجة فيه، فقد قال ابن عباس: هي بشارته بنبوته؛ كما قال تعالى في موسى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53] ، وهو قد كان وهبه له
شرف به خص الإله نبينا
وأبانه التفسير والتأويل
وروي مما ذكره المعافى بن زكريا، أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلا أسلم من علماء اليهود: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين، إن اليهود ليعلمون أنه إسماعيل.........................
قبل ذلك فإنما أراد النبوة فكذلك هذه، قاله ابن عطية وغيره. وبه يعلم: أن قول العلامة التقي السبكي يؤخذ من تعدد البشارة بهما مع وصف إسحاق بأنه عليم، والذبيح بأنه حليم، القطع بأن الذبيح إسماعيل مردود، فكيف يكون قطعيًا مع فهم ترجمان القرآن "شرف به خص الإله نبينا" أي: قصره عليه لا يتجاوزه إلى غيره. "وأبانه" أظهره، وفي نسخة: وأتى به "التفسير والتأويل" عطف مساوٍ هنا.
"وروي فيما ذكره المعافى ابن زكريا" بن يحيى بن حميد الحافظ العلامة المفسر الثقة النهرواني الجريري، كان على مذهب ابن جرير مات سنة تسع وثلاثمائة، "أن عمر بن عبد العزيز" بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي الثقة، الحافظ الورع المأمون التابعي الصغير أمير المؤمنين خامس أو سادس الخلفاء الراشدين على عد مدة البسط وعدمه؛ لأنها كالتتمة لولاية أبيه.
روى أنس: وصلى أنس خلفه، وقال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، ولي إمرة المدينة للوليد وكان مع سليمان كالوزير، ثم ولي بعده باستخلافه الخلافة سنتين وخمسة أشهر ونصفًا، فملأ الأرض عدلا ورد المظالم وزاد الخراج في زمنه، وأبدل ما كان بنو أمية تذكر به عليًا كرم الله وجهه على المنبر بآية:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل: 90] ، ومناقبه كثيرة شهيرة مات مسمومًا يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
"سأل رجلا أسلم من علماء اليهود" قال الطبري: وحسن إسلامه "أي: ابني إبراهيم أمر بذبحه، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن اليهود" بالدال مهملة ومعجمة؛ كما في القاموس، "ليعلمون أنه إسماعيل" لأن في التوراة على ما في تفسير ابن كثير: أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فحرفوا وحيده، فقالوا: إن إسحاق كان مع أبيه وحده وإسماعيل كان مع أمه بمكة، قال ابن كثير: وهذا تأويل وتحريف باطل، فلا يقال وحيدًا إلا لمن ليس له غيره. ا. هـ. وفيه نظر، ففي فتح الباري ذكر ابن إسحاق: إن هاجر لما حملت بإسماعيل غارت سارة فحملت بإسحاق فولدتا معًا، ثم نقل عن بعض أهل الكتاب خلاف ذلك وأن بين مولديهما ثلاث عشرة سنة، والأول أولى. ا. هـ. وتبعه السيوطي.
ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن يكون أباكم، للفضل الذي ذكره الله عنه، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم.
فانظر أيها الخليل ما في هذه القصة من السر الجليل، وهو أن الله تعالى يرى عباده الجبر بعد الكسر، واللطف بعد الشدة، فإنه كان عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم لذبح الولد، آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم الدين، وهذه
"ولكنهم يحسدونكم" بضم السين، وحكى الأخفش كسرها "معشر" أي: يا جماعة "العرب" والإضافة بيانية على "أن يكون" إسماعيل "أباكم" فيتمنون زوال نسبة ذلك إليكم، ونقلها إليهم وقيل: الحسد تمني زوال نعمة الغير وإن لم تصل للحاسد وهذا أقبح ولا يعد في حمل حسدهم عليه "للفضل الذي ذكره الله عنه" كقوله: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} [مريم: 54] ، الآيتين، "فهم يجحدون ذلك" ينكرونه مع العلم به، كما هو معنى الجحد "ويزعمون أنه إسحاق" عطف تفسير؛ "لأن إسحاق أبوهم" إذ هم من أولاد يهوذا قال السمين بمعجمة وألف مقصورة غيرته العرب إلى المهملة على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وهذا المروي الذي ساقه المصنف ممرضًا، فأفاد ضعفه ذكره تقوية؛ لأنه إسماعيل. والحاصل، كما قال السيوطي: أن الخلاف فيه مشهور بين الصحابة فيمن بعدهم، ورجح كل منهما.
"فانظر أيها الخليل" الكامل في الحب والصداقة لله ورسوله "ما في هذه القصة" قصة إسماعيل مع أمه "من السر" هو لغة ما يكتم، أطلق على هذه القصة لما فيها من بدائع الحكم التي خفيت على العباد، "الجليل" بالجيم العظيم، وبين ذلك السر بقوله:"وهو أن الله تعالى يرى عباده الجبر بعد الكسر، واللطف بعد الشدة، فإنه كان عاقبة صبر هاجر" بفتح الجيم، وقد تبدل الهاء همزة اسم سرياني، وكان أبوها من ملوك القبط من قرية بمصر تسمى حفنى بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء من عمل انصنا بالبر الشرقي من الصعيد، قاله في التوشيح تبعًا لغيره.
"وابنها على البعد" عن مواطنهم التي كانوا بها وهي بيت المقدس وأرض الشام و"الوحدة" بمكة مدة، فإن إبراهيم حين أسكنهما لم يكن بها أحد "والغربة والتسليم" منها لإبراهيم بمعنى صبرها "لذبح الولد" وصبره هو بتسليم نفسه، وهذا صريح في وجود أمه حين ذلك، بل لم تمت حتى تزوج زوجة ثم أخرى، "آلت" رجعت "إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما" أي: مواضع وطئهما بأقدامهما، "مناسك لعباده المؤمنين" أي: متعبدات، فالعطف في قوله:"ومتعبدات لهم إلى يوم الدين" تفسيري "وهذه" الحالة من إرادته تعالى الجبر بعد الكسر
سنة الله تعالى فيمن يريد رفعته من خلقه بعد استضعافه وذله وانكساره وصبره، وتلقيه القضاء بالرضا فضلا منه، قال الله تعالى:{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] .
وقد استشكل بعض الناس: أن عبد المطلب نذر نحر أحد بنيه إذا بلغوا عشرة، وقد كان تزويجه هالة أم ابنه حمزة بعد وفائه بنذره، فحمزة والعباس ولدا عبد المطلب إنما ولدا بعد الوفاء بنذره، وإنما كان أولاده عشرة بهما.
قال السهيلي: ولا إشكال في هذا، فإن جماعة من العلماء قالوا: كان أعمامه عليه الصلاة والسلام اثني عشر، فإن صح هذا، فلا إشكال في الخبر، وإن صح قول من قال: كانوا عشرة لا يزيدون.......................
"سنة الله تعالى" عدته "فيمن يريد رفعته من خلقه بعد استضعافه وذله وانكساره وصبره وتلقيه القضاء بالرضا فضلا منه" متصل بقوله: هذا سنة، واستظهر عليه بقوله: قال الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ} ، نتفضل {عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} ، بإنقاذهم من البأس {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} ، متقدمين في أمر الدين، {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] ، وقد استشكل بعض الناس أن عبد المطلب نذر نحر أي: ذبح "أحد بنيه" وفي نسخة: بعض بنيه، وأخرى: نحر بنيه وهي بتقدير مضاف، أي: أحد أو بعض "إذا بلغوا عشرة، وقد كان تزويجه هالة" من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: تزويج ولي هالة له فلا يرد أن الأولى تزوجه؛ لأن التزويج فعل الولي، أي: إيجابه النكاح والتزوج قبول الزوج.
"أم ابنه حمزة بعد وفائه بنذره" كما ذكره ابن إسحاق والعباس: ولد قبل المصطفى بثلاثة أعوام، كما يأتي. "فحمزة والعباس ولدا عبد المطلب، إنما ولدا بعد الوفاء بنذره" ولا نفهم أنهما شقيقان؛ لأنه سيذكر أن أم العباس نتلة أو نثيلة "وإنما كان أولاده عشرة بهما، قال السهيلي: ولا إشكال في هذا، فإن جماعة من العلماء قالوا: كان أعمامه عليه الصلاة والسلام اثني عشر" التسعة السابقة والغيداق وقثم وبعد الكعبة ووالده صلى الله عليه وسلم فأولاده شيبة الحمد ثلاثة عشر، "فإن صح هذا، فلا إشكال في الخبر" لحمل العشرة على من عدا حمزة والعباس، لكن يشكل عليه ما صرح به اليعمري: أن حمزة والمقوم وحجلا، وأراد بعضهم: والعوام من هالة المفيد وجود حمزة قبل النذر. "وإن صح قول من قال: كانوا عشرة لا يزيدون" ويقول الغيداق: وهو حجان وعبد الكعبة هو المقوم، وقثم لا وجود له؛ فالأعمام تسعة فقط، ولم يذكر ابن قتيبة ولا ابن إسحاق ولا ابن سعد غيره، فلا إشكال أيضًا.
فالولد يقع على البنين وبنيهم حقيقة لا مجازًا، فكان عبد المطلب قد اجتمع له من ولده وولد ولده عشرة رجال حين وفى بنذره.
ويقع أيضًا في بعض السير أن عبد الله كان أصغر بني أبيه عبد المطلب. وهو غير معروف. ولعل الرواية أصغر بني أمه، وإلا فحمزة كان أصغر من عبد الله، والعباس أصغر من حمزة.
وروي عن العباس أنه قال: أذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فجيء به حتى نظرت إليه، وجعل النسوة يقلن لي: قبل أخاك، فقبلته.
فكيف يصح أن يكون عبد الله هو الأصغر؟!
ولكن رواه البكائي ولروايته وجه: وهو أن يكون أصغر ولد أبيه حين أراد نحره، ثم ولد له بعد ذلك حمزة والعباس.
"فالولد يقع على البنين وبنيهم حقيقة لا مجازًا وكان عبد المطلب، قد اجتمع له من ولده وولد ولده عشرة رجال حين وفى" بخفة الفاء وشدها "بنذره" وهذا أحسن لسلامته من الإشكال، "ويقع أيضًا في بعض السير" يعني: سيرة ابن إسحاق رواية ابن هشام عن البكائي عنه، وأبهمها لعدم اتفاق رواة ابن إسحاق عليها. "أن عبد الله كان أصغر بني أبيه عبد المطلب وهو" كما قال الإمام السهيلي في الروض، "غير معروف" مشهور بينهم "ولعل الرواية أصغر بني أمه وإلا" يكن كذلك لا يصح "فحمزة كان أصغر من عبد الله، والعباس أصغر من حمزة" ويأتي له الجواب أن معناه كان أصغر بني أبيه حين أراد ذبحه.
"وروي عن العباس، أنه قال: أذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فجيء به" بالنبي صلى الله عليه وسلم إلي "حتى نظرت إليه وجعل النسوة يقلن لي: قبل أخاك" للتأليف على العادة بين الصغار، وإن كان ابن أخيه "فقبلته" وحيث روى هذا عن العباس "فكيف يصح أن يكون عبد الله هو الأصغر، ولكن رواه" أي: كونه أصغر بني أبيه زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري، أبو محمد الكوفي أحد رواة المغازي عن ابن إسحاق، صدوق ثبت في المغازي، أثبت الناس في ابن إسحاق.
قال الحافظ: وفي حديثه عن غيره لين، ولم يثبت أن وكيعً كذبه، روى له البخاري حديثًا واحدًا في الجهاد مقرونًا بغيره. وروى له مسلم والترمذي وابن ماجه، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، ويقال له "البكائي" بفتح الموحدة وشد الكاف وبعد الألف همزة نسبة إلى البكاء، وهو ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة؛ كما في التبصير وغيره.
قال في النور: وإنما لقب ربيعة بالبكاء؛ لأنه دخل على أمه وهي تحت أبيه فبكى وصاح