الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه
":
وأرضعته صلى الله عليه وسلم ثويبة، عتيقة أبي لهب..........................
البيت وجعلته مسجدًا يصلي فيه، وفي النور تبعًا للروض: وأما الدار التي لمحمد بن يوسف فقد بنتها زبيدة -يعني زوجة هارون الرشيد- مسجدًا حين حجت وهي عند الصفا.
"ويقال: بالشعب" بكسر الشين، أطلقه تبعًا لمغلطاي، وفي العيون: بشعب بني هاشم، وظاهر المصنف كغيره مغايرة هذا القول لما قبله، ووقع في الخميس عن بعضهم: ولد بمكة في الدار التي تعرف بدار محمد بن يوسف في زقاق معروف بزقاف المدكك في شعب مشهور بشعب بني هاشم من الطرف الشرقي لمكة، تزار ويتبرك بها إلى الآن، انتهى. وفيه ما فيه: فبين الصفا والشعب مسافة بعيدة. "ويقال: بالردم" بفتح الراء وسكون الدال المهملتين، قال في النور: أي ردم بني جمح بمكة، وهو لبني قراد. "ويقال" لم يولد بمكة بل "بعسفان" حكاه مغلطاي، قال في النور: وهي قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة، انتهى، لكن ذا القول شاذ لا يعول عليه، كما في شرح الهمزة.
ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه:
"وأرضعته صلى الله عليه وسلم ثويبة" بضم المثلثة وفتح الواو وسكون التحتية، فباء موحدة فتاء تأنيث، توفيت بمكة سنة سبع من الهجرة، قال: ابن منده: اختلف في إسلامها، وقال أبو نعيم: لا أعلم أحدا ذكره إلا ابن منده، وقال ابن الجوزي: لا نعلم أنها أسلمت والبرهان في النور لم يذكرها أبو عمر في الصحابة. وقال الذهبي: يقال: إنها أسلمت، فإذًا الراجح عنده أنها لم تسلم، وقال الحافظ في طبقات ابن سعد ما يدل على أنها لم تسلم لكن لا يدفع به نقل ابن منده، قال: ولم أقف في شيء من الطرق على إسلامها مع ابنها مسروح وهو محتمل، انتهى. وذكر الحافظ أبو بكر بن العربي في سراج المريدين: أنه لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت. ونقل السيوطي عن بعضهم، ولعله عناه. "عتيقة أبي لهب" لبن ابنها مسروح بفتح الميم وسكون السين المهملة فراء مضمومة فحاء مهملتين، قال البرهان: لا أعلم أحدًا ذكره بإسلام أيامًا قبل أن تقدم حليمة بعد إرضاع أمه له، وما رواه ابن سعد أول من أرضعه ثويبة فالأولية نسبية، أي: غير أمه وقد ذكر العلماء أن مرضعاته صلى الله عليه وسلم عشر:
أمه أرضعته تسعة أيام، ذكره صاحب المورد والغرر وغيرهما، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، حكاهما الخميس عن أهل السير، ووقع لبعضهم سبعة أشهر، وهو وهم كأنه اشتبه عليه سبعة أيام بأشهر، أو تحرف ذلك على الناقل عنه.
أعتقها حين بشرته بولادته عليه السلام.
وثويبة أيامًا قلائل قبل قدوم حليمة، وأرضعت قبله حمزة وبعده أبا سلمة المخزومي، رواه ابن سعد.
وحليمة السعدية التي فازت بجناية سعدها منه، قاله ابن المنذر وابن الجوزي وعياض وغيرهم، وخولة بنت المنذر زيد أم بردة الأنصارية، ذكرها ابن الأمين في ذيل الاستيعاب عن العدوي وتبعه في التجريد والمورد والعيون، قال الشامي: وهو وهم، وإنما أرضعت ولده إبراهيم، كما ذكر ابن سعد وابن عبد البر وغيرهما، وهو الذي في الإصابة بخطه وقد صرح ابن جماعة بأن ابن الأمين ذكرها في المراضع فوهم، قال: وتبعه على ذلك بعض العصريين وكأنه عنى به اليعمري.
وامرأة من بني سعد غير حليمة أرضعته وهو عند حليمة، ذكره في الهدى وتجويز البرهان في النور أنها خولة التي قبلها لا يصح، فخولة أنصارية، وهذه سعدية.
وأم أيمن بركة الحبشية، ذكرها القرطبي، والمشهور: أنها من الحواضن لا المراضع.
وأم فروة ذكرها جعفر المستغفري.
وثلاث نسوة من بني سليم، قال في الاستيعاب: مر به صلى الله عليه وسلم على نسوة أبكار من بني سليم فأخرجن ثديهن فوضعنها في فيه فدرت، قال بعضهم: ولذا قال: أنا ابن العواتك من سليم، انتهى. لكن قال السهيلي: عاتكة بنت هلال أم عبد مناف عمة عاتكة بنت مرة أم هاشم وعاتكة بنت الأوقص أم وهب جده صلى الله عليه وسلم لأمه هن عواتك ولدته صلى الله عليه وسلم، ولذا قال: ابن العواتك من سليم، وقيل: في تأويل هذا الحديث أن ثلاث نسوة من بني سليم أرضعنه كل تسمى عاتكة، والأول أصح، انتهى.
واقتصر المصنف هنا، وفي المقصد الثاني على ثويبة وحليمة؛ لأنه أراد من استقلت بإرضاعه وهؤلاء لم يتصفن بذلك، وللنزاع في خولة وأم أيمن والعواتك سلمنا إرضاع العواتك، فإنما هو اتفاقي خصوصًا وقد كن أبكارًا وثويبة، وإن قلت: أيام رضاعها مستقلة له فيها، وأما أمه وإن أرضعته تلك المدة فهي في معرض دفعه لمرضعة فلم تستقل به.
"أعتقها" أبو لهب "حين بشرته بولادته عليه السلام" على الصحيح، فقالت له: أشعرت أن آمنة قد ولدت غلامًا لأخيك عبد الله، فقال لها: اذهبي فأنت حرة، كما في الروض. وقيل: إنما أعتقها بعد الهجرة، قال الشامي: وهو ضعيف، والجمع بأنه أعتقها حينئذ ولم يظهره إلا بعد الهجرة مما لا يسمع فإنه لما هاجر كان عدوًا، فلا يتأتى منه إظهارًا أنه كان فرح بولادته وأيضًا فالقائل بالثاني لا يقول: إنه أعتقها للبشارة بالولادة، وقد روي أنه أعتقها قبل ولادته بدهر طويل.
وقد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك؟ قال: في النار، إلا أنه خفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي هاتين ماء، وأشار برأس أصبعه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عندما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له.
"وقد رؤي" بالبناء للمفعول "أبو لهب بعد موته في النوم" والرائي له أخوه العباس بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر ذكره السهيلي وغيره، "فقيل له: ما حالك؟ قال: في النار، إلا أنه خفف عني" بعض العذاب بسبب ما أسقاه من الماء "كل ليلة اثنين" وذلك أني "أمص" بفتح الميم أفصح من ضمها من بابي تعب وقتل؛ كما في المصباح. "ومن بين أصبعي هاتين ماء" والظاهر أنهما السبابة والإبهام وحكمة تخصيصهما إشارته لها بالعتق بهما، وحملناه على أن التخفيف بسبب الماء ليلتئم مع ما رواه البخاري وعبد الرزاق الإسماعيلي عن قتادة أن ثويبة مولاة أبي لهب: كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشرحيبة، فقال: ماذا لقيت؟ قال: لم ألق بعدكم، زاد عبد الرزاق: راحة. ولفظ الإسماعيلي: رخاء. قال ابن بطال: سقط المفعول من جميع رواة البخاري، ولا يستقيم إلا به غير أني سقيت في هذه، زاد عبد الرزاق وأشار إلى النقرة التي تحت إبهامه، بعتاقتي ثويبة حبيبة بحاء مهملة مكسورة وتحتية ساكنة وموحدة مفتوحة أي: سوء حال وأصلها حوبة، وهي المسكنة والحاجة قلبت واوها ياء لإنكسار ما قبلها. وذكر البغوي: أنها بفتح الحاء، وللمستملي بخاء معجمة مفتوحة، أي: في حالة خائبة، وقال ابن الجوزي: أنه تصحيف وروي بالجيم، قال السيوطي: وهو تصحيف باتفاق.
"وأشار" أبو لهب إلى تقليل ما يسقاه "برأس أصبعه" إلى النقرة التي تحت إبهامه؛ كما مر في رواية عبد الرزاق، قال ابن بطال: يعني أن الله سقاه ماء في مقدار نقرة إبهامه لأجل عتقها، وقال غيره: أراد بالنقرة التي بين إبهامه وسبابته إذ مد إبهامه فصار بينهما نقرة يسقى من الماء بقدر ما تسعه تلك النقرة، وبهذا علم أن النقرة التي أشار إليها على صورة خلقته في الدنيا، لا على صورة الكفار في جهنم، والمراد بقوله: سقيت من الماء، أنه وصل إلى جوفه بسبب ما يمصه من أصابعه، لا أنه يؤتى له به من خارج جمعًا بين الروايتين، وقد تعسف من قال: ما يسقاه ليسمن الجنة؛ لأن الله حرمها على الكافرين، فإنه لا يتوهم أحد أنه من الجنة سواء قلنا أنه يسقى مما يمصه أو يؤتى له به من خارج حتى ينص عليه.
"و" أشار إلى "أن ذلك بإعتاقي لثويبة" وتقدمت رواية الجماعة بعتاقتي بفتح العين، قال في شرح العمدة: عبر به دون إعتاق وإن كان هو المناسب؛ لأنها أثره فلذا أضافها إلى نفسه. وعلى نقل المصنف فمعنى الإضافة ظاهر؛ لأن الإعتاق فعله والعتاقة أثر يترتب عليه. "حين بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له" أي: بأمره فلا يرد أنه ليس فعله حتى يجازى عليه،
قال ابن الجزري: فإذا كان هذا الكافر، الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم به، فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم.
ولا زال أهل...................................
ولا يعارضه قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] ، لأنه لما لم ينجهم من النار ويدخلهم الجنة، كأنه لم يفدهم أصلا؛ كما أشار إليه البيهقي أو لأنه هباء بعد الحشر، وهذا قبله. وقال السهيلي: هذا النفع إنما هو نقصان من العذاب، وإلا فعمل الكافر كله محبط بلا خلاف، أي: لا يجده في ميزانه ولا يدخل به الجنة، انتهى. وجوز الحافظ تخفيف عذاب غير الكفر بما عملوه من الخير بناء على أنهم مخاطبون بالفروع. وفي التوشيح قيل هذا خاص به إكرامًا للنبي صلى الله عليه وسلم، كما خفف عن أبي طالب بسببه، وقيل: لا مانع من تخفيف العذاب عن كل كافر عمل خيرًا.
"قال" الحافظ أبو الخير شمس الدين "ابن الجزري" محمد بن محمد بن محمد الدمشقي الإمام في القراءات الحافظ للحديث صاحب التصانيف التي منها النشر في القراءات العشر لم يصنف مثله، ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، ومات سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. "فإذا كان هذا الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه" هو "ليلة مولد" وضع "النبي صلى الله عليه وسلم به" أي: بالمولد "فما حال المسلم الموحد من أمته عليه السلام" حال كونه "يسر" وفي نسخة الذي يسر "بمولده ويبذل" بضم الذال: يعطى بسماحة "ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم" من الصدقات، وهو استفهام تفخيم، أي: فحاله بذلك أمر عظيم، ولله در حافظ الشام شمس الدين محمد بن ناصر، في قوله:
إذا كان هذا كافرا جاء ذمه
…
وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائما
…
يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره
…
بأحمد مسرورًا ومات موحدًا
وقوله في يوم الاثنين على حذف مضاف، أي: في ليلة يوم الاثنين فلا يرد عليه حديث المصنف: كل ليلة اثنين الصريح في أن التخفيف ليلا فلا وجه لدعوى أنه يخفف نهارًا بسبب سقيه ليلا، لاحتياجه لبرهان ومجرد النظم لا دلالة فيه لما علم من كثرة حذف المضاف.
"لعمري" بالفتح، أي: لحياتي، فسمي كما في القاموس لغة في العصر يختص به القسم لإيثار الأخف فيه لكثرة دوره على ألسنتهم؛ كما في الأنوار. "إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم" ويمتعه فيها برؤية وجهه العظيم، "ولا زال" أي: استمر "أهل
الإسلام يحتفلون بشهر مولده عليه الصلاة والسلام، ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم.
ومما جرب من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادًا، ليكون أشد علة
الإسلام" بعد القرون الثلاثة التي شهد المصطفى صلى الله عليه وسلم بخيريتها، فهو بدعة. وفي أنها حسنة، قال السيوطي: وهو مقتضى كلام ابن الحاج في مدخله فإنه إنما ذم ما احتوى عليه من المحرمات مع تصريحه قبل بأنه ينبغي تخصيص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الصدقات والخيرات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد المستحسن والحافظ أبي الخطاب بن دحية. ألف في ذلك التنوير في مولد البشير النذير، فأجازه الملك المظفر صاحب أربل بألف دينار، واختاره أبو الطيب السبتي نزيل قوص وهؤلاء من أجلة المالكية أو مذمومة وعليه التاج الفاكهاني وتكفل السيوطي، لرد ما استند إليه حرفًا حرفًا، والأول أظهر، لما اشتمل عليه من الخير الكثير.
"يحتفلون" يهتمون "بشهر مولده عليه الصلاة والسلام، ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور" به "ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة" قصة "مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم" وأول من أحدث فعل ذلك الملك المظفر أبو سعيد صاحب أربل، قال ابن كثير في تاريخه: كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل فيه احتفالا هائلا وكان شهمًا شجاعًا بطلا عاقلا عالمًا عادلا، وطالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر الفرنج بمدينة عكا في سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة، قال سبط بن الجوزي في مرآة الزمان: حكى لي بعض من حضر سماط المظفر في بعض المواليد أنه عد فيه خمسة آلاف رأس غنم شواء وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم، ويطلق لهم البخور وكان يصرف على المولد ثلاثمائة دينار، انتهى.
"ومما جرب من خواصه" أي: عمل المولد "أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية" بكسر الباء وضمها لغة الحاجة التي تبغيها، وقيل: بالكسر الهيئة وبالضم الحاجة، قاله المصباح "والمرام" أي: المطلوب فهو تفسيري، إلى هنا كلام ابن الجوزي في مولده المسمى عرف التعريف بالمولد الشريف.
"فرحم الله امرأ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادًا" جمع عيد "ليكون" الاتخاذ "أشد علة" بكسر العين في أكثر النسخ، أي: مرضًا، وفي بعضها بغين معجمة مضمومة، أي:
على من في قلبه مرض وأعيى داء.
ولقد أطنب ابن الحاج في "المدخل" في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل، ويسلك بنا سبيل السنة، فإنه حسبنا ونعم الوكيل.
احتراق قلب، فكلاهما صحيح. "على من في قلبه مرض، وأعيى" بفتح الهمزة وسكون العين مضافًا إلى "داء" المقصور للسجع، وأصله المد عطف على أشد علة، أي بما يصيبه من الغيظ الحاصل له بمولده صلى الله عليه وسلم. "ولقد أطنب ابن الحاج" أبو عبد الله محمد بن محمد العدبري الفارسي أحد العلماء العاملين المشهورين بالزهد والصلاح من أصحاب ابن أبي حمزة، كان فقيهًا عارفًا بمذهب مالك وصحب جماعة من أرباب القلوب، مات بالقاهرة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. "في" كتاب "المدخل" إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنحلة، قال ابن فرحون: وهو كتاب حفيل جمع فيه علمًا غزيرًا، والاهتمام بالوقوف عليه متعين ويجب على من ليس له في العلم قدم راسخ أن يهتم بالوقوف عليه، انتهى.
"في الإنكار على ما أحدثه الناس" البشر، وقد يكون من الإنس والجن، قيل: مشتق من ناس ينوس إذا تحرك، وقيل: من النسيان وإلى ترجيحه يومئ كلام المنجد، قال أبو تمام:
لا تنسين تك العود فإنما
…
سميت إنسانًا لأنك ناسي
"من البدع والأهواء" أي: المفاسد التي تميل إليها النفس، فهو مساوٍ للبدع المرادة هنا، "والغناء" مثل كتاب الصوت وقياسه الضم؛ لأنه صوت وغني بالتشديد: ترنم بالغناء؛ كذا في المصباح. "بالآلات المحرمة" كالعود والطنبور "عند عمل المولد الشريف، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل" الجنة ونعيمها "ويسلك بنا سبيل السنة" أي: الطريق الموصلة إليها من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، والمراد: طلب الهداية إلى ذلك، وفي نسخة: بنا وبه والمراد بسلوكها بالنسبة لابن الحاج جعله في زمرة المتقين في الآخرة، "فإنه" سبحانه "حسبنا" كافينا "ونعم الوكيل" الموكول إليه هو، والحاصل: أن عمله بدعة لكنه اشتمل على محاسن وضدها، فمن تحرى المحاسن واجتنب ضدها كانت بدعة حسنة، ومن لا فلا.
قال الحافظ ابن حجر في جواب سؤال: وظهر لي تخريجه على أصل ثابت، وهو ما في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى ونحن نصومه شكرًا، قال: فيستفاد منه فعل الشكر على ما من به في يوم معين، وأي نعمة أعظم من بروز نبي الرحمة والشكر يحصل بأنواع العبادة؛ كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن رجب. قال السيوطي: وظهر
وقد ذكروا أنه لما ولد صلى الله عليه وسلم، قيل: من يكفل هذه الدرة اليتيمة، التي لا يوجد لمثلها قيمة؟ قالت الطيور: نحن نكفله ونغتنم خدمته العظيمة، وقالت الوحوش: نحن أولى بذلك ننال شرفه وتعظيمه، فنادى لسان القدرة: أن يا جميع المخلوقات: إن الله كتب في سابق حكمته القديمة أن نبيه الكريم يكون رضيعًا لحليمة الحليمة.
لي تخريجه على أصل آخر وهو ما رواه البيهقي عن أنس: أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه، ولا تعاد العقيقة مرة ثانية، فيحمل على أنه فعله شكرًا، فكذلك يستحب لنا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات، وتعقبه النجم بأنه حديث منكر؛ كما قاله الحافظ، بل قال في شرح المهذب: إنه حديث باطل، فالتخريج عليه ساقط، انتهى.
"وقد ذكروا" زعم من المراد أهل الإشارة من الصوفية، فأما الفقهاء والمحدثون فلم يذكروا شيئًا من ذلك وفيه نظر، ففي الخميس روي عن مجاهد، قلت لابن عباس: تنازعت الطيور في إرضاع محمد صلى الله عليه وسلم، قال: أي والله، وكل نساء، وذلك لما نادى الملك في السماء الدنيا هذا محمد سيد الأنبياء، طوبى لثدي أرضعه، فتنافست الجن والطير في إرضاعه، فنوديت أن كفوًا فقد أجرى الله ذلك على أيدي الإنس، فخص الله بتلك السعادة وشرف بذلك الشرف حليمة، انتهى.
"أنه لما ولد صلى الله عليه وسلم، قيل: من يكفل هذه الدرة اليتيمة؟ " أي: نادى ملك بمعنى هذا الكلام في سماء الدنيا، حيث قال: طوبى لثدي أرضعه؛ كما مر. "التي لا يوجد لمثلها" أي: لنفي ما يماثلها، "قيمة" فليس المراد أن له مثلا لكن لا قيمة له لنفاسته، بل المراد نفي القيمة والمثل معًا، "قالت الطيور" بلسان القال على الظاهر، ولا مانع منه "نحن نكفله ونغتنم خدمته العظيمة، وقالت الوحوش" حيوان البر "نحن أولى بذلك" منكم أيها الطيور لكونه في الأرض ونحن بها بخلافكم "ننال شرفه وتعظيمه" العائدين على من يكفله "فنادى لسان القدرة" شبه القدرة بذي لسان يأمر به وينهى استعارة بالكناية وإثبات اللسان تخييل والنداء ترشيح، "أن: يا جميع المخلوقات إن الله كتب في سابق حكمته القديمة" والمراد: أن قدرته تعلقت بإعلامهم بذلك "أن نبيه الكريم يكون رضيعًا لحليمة الحليمة" من الحلم، وقد ذكر العزفي أن عبد المطلب سمع وقت دخول حليمة هاتفًا، يقول:
إن ابن آمنة الأمين محمدا
…
خير الأنام وخيرة الأخيار
ما أن له غير الحليمة مرضع
…
نعم الأمينة هي على الأبرار
مأمونة من كل عيب فاحش
…
ونقية الأثواب والأزرار
قالت حليمة: فيما رواه ابن إسحاق وابن راهويه......................
لا تسلمنه إلى سواها إنه
…
أمر وحكم جاء من الجبار
"قالت حليمة" بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث، وقيل: الحارث بن عبد الله، السعدية، قال في الاستيعاب: روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، قال: جاءت حليمة بنت عبد الله أم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة إليه يوم حنين، فقام إليها وبسط لها رداء، فجلست عليه وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنها عبد الله بن جعفر. قال في الإصابة: وحديث عبد الله بن جعفر عنها بقصة إرضاعها أخرجه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه، وصرح فيه بالتحديث بين عبد الله وحليمة، انتهى. وقول ابن كثير: لم تدرك البعثة رده الحافظ بأن عبد الله بن جعفر حدث عنها عند أبي يعلى والطبراني وابن حبان، وهو إنما ولد بعد البعثة.
وزعْم الدمياطي وأبي حيان النحوي أنها لم تسلم مردود، فقد ألف مغلطاي فيها جزأ حافلا سماه التحفة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة وارتضاه علماء عصره، فأما أبو حيان فليس من فرسان ذا الميدان يذهب إلى زيده وعمره. وأما الدمياطي فحسبنا في الرد عليه قوله: وقد وهل غير واحد فذكروها في الصحابة؛ لأنهم مثبتون لذلك، فمن أين له الحكم عليهم، وقد ذكرها في الصحابة ابن أبي خيثمة في تاريخه، وابن عبد البر، وابن الجوزي في الحداء، والمنذري في مختصر سنن أبي داود، وابن حجر في الإصابة، وغيرهم، وحسبك بهم حجة.
"فيما رواه ابن إسحاق" محمد في السيرة، فقال: حدثني جهم مولى الحارث بن حاطب الجمحي عن عبد الله بن جعفر، أو عمن حدثه عنه، قال: كانت حليمة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته تحدث أنها خرجت. فذكر الحديث، كما يأتي. "وابن راهويه" إسحاق بن إبراهيم بن مخلد التميمي، أبو يعقوب الحنظلي المروزي ساكن نيسابور أحد الأئمة الأعلام، اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع. روى عن ابن عيينة وابن مهدي وابن علية وغيرهم، وعنه الأئمة الستة إلا ابن ماجه، قال ابن حنبل: هو أمير المؤمنين في الحديث، أملى المسند والتفسير من حفظه، وما كان يحدث إلا من حفظه، وقال: ما سمعت شيئًا إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا فنسيته، مات ليلة نصف شعبان بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وراهويه براء فألف فهاء مضمومة فتحتية مفتوحة عند المحدثين، قال الحافظ أبو العلاء بن العطار: لأنهم لا يحبون ويه، وبفتح الهاء والواو وسكون التحتية قال الكرماني: وهو المشهور، والنووي: هو مذهب النحويين وأهل الأدب، وفي الكواكب: قال عبد الله بن طاهر لإسحاق: لم قيل لك ابن راهويه؟ فقال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة، فقال المراوزة راهويه؛ لأنه ولد في الطريق، وهو بالفارسية راه.
وأبو يعلى والطبراني والبيهقي وأبو نعيم: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء في سنة شهباء، على أتان لي ومعي صبي لنا.......................
"وأبو يعلى" الحافظ الثبت محدث الجزيرة أحمد بن علي بن المثنى التميمي الموصلي صاحب المسند الكبير، سمع ابن معين وطبقته، وعنه ابن حبان وغيره ذو صدق وأمانة وعلم وحلم، وثقه ابن حبان والحاكم، ولد في شوال سنة عشر ومائتين، وعمر وتفرد ورحل الناس إليه، ومات سنة سبع وثلاثمائة.
"والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب، "والبيهقي" أحمد بن الحسين بن علي، "وأبو نعيم" أحمد بن عبد الله مر بعض ترجمة الثلاثة، "قدمت مكة" أي: أردت قدومها "في" أي: مع "نسوة" عشرة، فيما ذكر "من بني سعد بن بكر" على عادة نساء القبائل التي حول مكة ونواحي الحرم من أنهن يأتينها كل عام مرتين ربيعًا وخريفًا للرضعاء، ويذهبن بهم إلى بدلاهم حتى تتم الرضاعة؛ لأن عادة نساء قريش دفع أولادهن إلى المراضع، قال العزفي: كن يرين رضاع أولادهن عارًا، وقال غيره: لينشأ الولد عربيًا فيكون أنجب ولسانه أفصح؛ كما في الحديث: "أنا أعربكم، أنا من قريش واسترضعت من بني سعد بن بكر". وكانت مشهورة في العرب بالكمال وتمام الشرف، وقيل: لتفرغ النساء للأزواج لكنه منتف في آمنة لموت زوجها وهي حامل على الصحيح.
"نلتمس الرضعاء" جمع رضيع، قال عبد الملك بن هشام: إنما هو المراضع، قال تعالى:{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص: 12] .
قال السهيلي: وما قاله ظاهر؛ لأن المراضع جمع مرضع والرضعاء جمع رضيع، لكن للرواية مخرج من وجهين، أحدهما: حذف المضاف، أي: ذوات الرضعاء، الثاني: أن يكون المراد بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ؛ لأنهم إذا وجدوا له مرضعة ترضعه فقد وجدوا له رضيعًا يرضع معه، فلا بد أن يقال: التسموا له رضيعًا علمًا بأن الرضيع لا بد له من مرضع.
"في سنة شهباء" ذات قحط وجدب، والشهباء: الأرض البيضاء التي لا خضرة فيها لقلة المطر من الشهبة وهي البيضاء، سميت بذلك لبياض الأرض لخلوها من النبات.
"على أتان لي" بفتح الهمزة والفوقية: الأنثى من الحمير خاصة. قال الجوهري وابن السكيت: ولا يقال إتانة بالهاء، قال ابن الأثير: وإن كان قد جاء في بعض الحديث، لكن في القاموس: إنها لغة سليمية، أي: لبني سليم. "ومعي صبي لنا" هو عبد الله بن الحارث الذي كانت ترضعه حينئذ، لا أعلم له إسلامًا ولا ترجمة؛ كذا في النور، وهو تقصير.
ففي الإصابة: سماه بعضهم عبد الله، ذكره في الصحابة، وكذا سماه ابن سعد لما ذكر أسماء أولاد حليمة، قال: وروى ابن سعد من مرسل إسحاق بن عبد الله، قال: كان
وشارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يغذيه، ولا في شارفنا ما يغديه.
فقدمنا مكة، فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذ قيل إنه يتيم من الأب.......................
رسول الله صلى الله عليه وسلم أخ من الرضاعة، فقال للنبي -يعني بعد النبوة- أترى أن يكون بعث؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"أما والذي نفسي بيده، لآخذن بيدك يوم القيامة، ولأعرفنك"، قال: فلما آمن بعد النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس فيبكي ويقول: أنا أرجو أن يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي يوم القيامة فأنجو، هكذا أورده في ترجمة والده الحارث ثم أعاده في المخضرمين من حرف العين. فقال عبد الله بن الحارث: سماه الواقدي ولم يزد على ذكر خبر ابن سعد هذا، إلا أنه قال: هذا مرسل صحيح الإسناد.
"وشارف لنا" بشين معجمة فألف فراء مكسورة ففاء، أي: ناقة مسنة، وعن الأصمعي: يقال: للذكر والأنثى شارف، والمراد هنا: الأنثى لا غير، والجمع الشرف بضم الراء وتسكن، قاله النور. "والله ما تبض" بفتح الفوقية وكسر الموحدة وشد الضاد المعجمة: ما تدر، "بقطرة" وقال أبو ذر في حواشيه: ما تبض بضاد معجمة: ما تسيل ولا ترشح، ومن رواه بصاد مهملة، فمعناه: ما يبرق عليها أثر لين من البصيص وهو البريق واللمعان. "وما ننام ليلنا ذلك أجمع" من شدة الجوع "مع صبينا ذاك" عبد الله لا ينام، قال في الرواية عند ابن إسحاق: من بكائه من الجوع؛ لأنه "لا يجد في ثديي ما يغذيه" أي: يكفيه، "ولا في شارفنا ما يغديه" بدال مهملة عند ابن إسحاق، ومعجمة عند ابن هشام، قال السهيلي: وهو أتم من الاقتصار على الغداء دون العشاء، وعند بعض الرواة يعذبه بعين مهملة وذال منقوطة وموحدة، أي: ما ينقعه حتى يرفع رأسه، وينقطع عن الرضاع، يقال منه: عذبته وأعذبته إذا قطعته عن الشرب ونحوه، قال: والذي في الأصل -يعني الروايتين المذكورتين- أصح في المعنى والنقل، انتهى من الروض.
"فقدمنا مكة" أي: دخلناها "فوالله ما علمت منا امرأة" أنا واللاتي قدمت معهن، "إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم" هذا صريح في إسلامها حيث قالت رسول الله وصلت عليه "فتأباه" أي: أخذه، "إذ" تعليلية "قيل: إنه يتيم" زاد ابن إسحاق، وذلك أنا كنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، أي: أخذه "من الأب" صفة كاشفة، فاليتيم من لا أب له، وإن كان له جد. وفي نسخ حذف من الأب، وهنا فائدة حسنة.
سئل الحافظ عما يقع من بعض الوعاظ في الموالد في مجالسهم الحفلة المشتملة على الخاص والعام من الرجال والنساء من ذكر الأنبياء بما يخل بكمال التعظيم حتى يظهر للسامعين
فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما لم أجد غيره، قلت لزوجي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فذهبت فإذا به مدرج في ثوب صوف..................
لها حزن ورقة، فيبقى في حيز من يرحم لا من يعظم؛ كقوله: لم تأخذه المراضع لعدم ماله، إلا حليمة رغبت في رضاعه شفقة عليه، وأنه كان يرعى غنمًا وينشد:
لأغنامه سار الحبيب إلى المرعى
…
فيا حبذا راع فؤادي له مرعى
وفيه:
فما أحسن الأغنام وهو يسوقها
وكثير من هذا المعنى المخل بالتعظيم، فأجاب بما نصه: ينبغي لمن يكون فطنًا أن يحذف من الخبر ما يوهم في المخبر عنه نقصًا ولا يضره ذلك، بل هذا جوابه بحروفه، نقله عنه السيوطي. "فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعًا غيري" فلم آخذ لأني لم أعط لما أنا عليه من الضيق.
"فلما لم أجد غيره" يعطى لي "قلت لزوجي" الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي يكنى أبا ذؤيب، أدرك الإسلام وأسلم، رواه يونس بن بكير، قال: حدثنا ابن إسحاق، حدثني والدي عن رجال من بني سعد بن بكر، قالوا قدم الحارث أبو رسول الله من الرضاعة عليه الصلاة والسلام بمكة حين أنزل عليه القرآن فقالت له قريش: ألا تسمع يا حارث ما يقول ابنك؟ قال: وما يقول؟ قالوا: يزعم أن الله يبعث من في القبور، وأن لله دارين يعذب فيهما من عصاه ويكرم فيهما من أطاعه، فقد شتت أمرنا وفرق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بني! ما لك ولقومك يشكونك ويزعمون أنك تقول إن الناس يبعثون بعد الموت، ثم يصيرون إلى جنة ونار، فقال صلى الله عليه وسلم:"أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت لقد أخذت بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم". فأسلم الحارث بعد ذلك فحسن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني إن شاء الله حتى يدخلني الجنة. قال ابن إسحاق: وبلغني أنه إنما أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا في رواية يونس. قال السهيلي: ولم يذكر ذلك البكائي في روايته عن ابن إسحاق ولا ذكره كثير ممن ألف في الصحابة، وقد ذكره فيهم صاحب الإصابة، وذكر هذا الخبر وعقبه بخبر ابن سعد المتقدم في ابنه، وقال: يحتمل أن يكون ذلك وقع للأب والابن.
"والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم" الذي عرض جده علي وسألني أخذه، وقلت له: ألا تذرني أراجع صاحبي، فأذن لها وانتظرها حتى راجعته وعادت، "فلآخذنه" زاد ابن إسحاق، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت:"فذهبت" إليه "فإذا به مدرج في ثوب صوف" بالإضافة والتنوين
أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، وتحته حريرة خضراء، راقد على قفاه، يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدًا فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكًا، وفتح عينيه لينظر إليّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه، وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر فأبى، وكانت تلك حاله بعد. -قال أهل العلم: ألهمه الله تعالى أن له شريكًا فألهمه العدل- قالت: فروي وروي أخوه.
ثم أخذته، بما هو إلا أن جئت به رحلي، فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب أخوه حتى روي.............................
حال كون الثوب "أبيض من اللبن يفوح منه المسك وتحته حريرة خضراء راقد على قفاه يغط" بكسر المعجمة من باب ضرب، أي: يردد نفسه صاعدًا إلى حلقه حتى يسمعه من حوله؛ كما في المصباح. "فأشفقت أن أوقظه" أي: خفت من إيقاظه "من نومه" شفقة عليه "لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدًا" قليلا بتأن، "فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكًا وفتح عينيه لينظر إليّ فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء" لشدة انتشاره "وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل" الثدي أي: در "عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر، فأبى" أن يشربه "وكانت تلك" الصفة "حاله بعد" وفيها أنها فعلت ذلك معه في مجلسها الذي وضعت فيه يدها على صدره، وهذا من أول قوله: فإذا به مدرج إلى قوله الآتي قريبًا: ثم أخذته، زائد على ما في ابن سيد الناس؛ لأنه اقتصر على رواية ابن إسحاق، ولم يقع ذلك فيها. وأما المصنف فقد نقل الحديث عن ستة من الحفاظ، فلا يعترض عليه بما في اليعمري.
"قال أهل العلم" في حكمة امتناعه صلى الله عليه وسلم من الثدي الأيسر "ألهمه الله تعالى أن له شريكًا فألهمه العدل" فلذا امتنع وأخذ الأيمن؛ لأنه كان يحب التيمن في أموره كلها، "قالت" حليمة في بقية حديثها الذي رواه من تقدم وأعاد، قالت: لفصله بقول أهل العلم "فروي وروي أخوه" ابنها عبد الله ووقع للبيهقي أن اسمه ضمرة، وتوقف فيه الشامي، فقال: فالله أعلم. "ثم أخذته بما هو" مشتمل عليه من كونه مدرجًا
…
إلخ ما مر "إلى أن جئت به" وفي نسخة: فما هو إلا أن جئت به، أي: فما الشأن، فما مبتدأ، وما بعد إلا هو الخبر. وفي رواية: فقالت آمنة: يا حليمة، قيل لي ثلاث ليال استرضعي ابنك في بني سعد بن بكر، ثم في آل أبي ذؤيب، قالت حليمة: فإن زوجي أبو ذؤيب، فجئت به "رحلي" بحاء مهملة مسكن الشخص وما يستصحبه من الأثاث والمنزل والمأوى، قاله البرهان وتبعه الشامي.
"فأقبل عليه ثدياي بما شاء" الله "من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي،
فقام صاحبي -تعني زوجها- إلى شارفنا تلك، فإذا أنها لحافل، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا، وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي: يا حليمة، والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم تري ما بتنا به الليلة من البركة والخير حين أخذناه، فلم يزل الله يزيدنا خيرًا.
قالت في رواية ذكرها ابن طغر بك في "النطق المفهوم": فلما نظر صاحبي إلى هذا قال: اسكتي واكتمي أمرك، فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار قوامًا على أقدامها، لا يهنؤها عيش النهار ولا نوم الليل.
قالت حليمة: فودعت النساء بعضهن وودعت أنا أم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ركبت أتاني وأخذت محمدًا صلى الله عليه وسلم بين يدي، قالت: فنظرت...................
فقام صاحبي- تعني" حليمة بقولها صاحبي "زوجها" الحارث "إلى شارفنا تلك" التي ما كانت تبض بقطرة "فإذا" فجائية "أنها لحافل" بمهملة وفاء: ممتلئة الضرع من اللبن، "فحلب ما" لبنًا "شرب" هو "وشربت" أنا "حتى روينا وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبي" حين أصبحنا؛ كما في ابن إسحاق "يا حليمة، والله إني لأراك" بالفتح: أعتقدك، بدليل رواية ابن إسحاق: تعلمي والله يا حليمة، أي: اعلمي؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "تعلموا أن ربكم ليس بأعور" أي: اعلموا. "قد أخذت نسمة" بفتحات ذاتًا "مباركة".
زاد ابن إسحاق: قلت: والله إني لأرجو ذلك، "ألم تري ما بتنا به الليلة من البركة والخير حين أخذناه" قالت حليمة "فلم يزل الله يزيدنا خيرًا" ببركته صلى الله عليه وسلم "قالت" حليمة. وفي نسخة: بتذكير الفعل على معنى الشخص. "في رواية ذكرها ابن طغربك" بضم الطاء والراء المهملتين بينهما معجمة ساكنة؛ كان علم مركب من طغر وبك، "في" ككتاب "النطق المفهوم، فلما نظر صاحبي إلى هذا قال: اسكتي واكتمي أمرك" فلا تبديه لأحد، خشي عليها الحسد، وعلى المصطفى الناس. "فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار" جمع حبر "قواًا على أقدامها لا يهنؤها" بالهمز من هنأ الطعام لذ، أي: لا يلذ لهم "عيش النهار، ولا نوم الليل" وإخباره بذلك عنهم لما بلغه أو شاهده من بعضهم.
"قالت حليمة" فلما ذهبت بمحمد إلى منزلي مكثنا بمكة ثلاث ليال؛ كذا في شواهد النبوة. قالت: "فودعت النساء بعضهن" بليل، أي: ودع بعض النساء بعضًا. وفي نسخة: فودعت النساء بعضهم بالتذكير، والأول أنسب، بقوله:"وودعت أنا أم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ركبت. أتاني" حماري الأنثى، ويقال: حمارة بالهاء على قلة، "وأخذت محمدًا صلى الله عليه وسلم بين يدي، قالت: فنظرت
إلى الأتان وقد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي، وصار الناس يتعجبون مني ويقلن النساء لي وهن ورائي: يا بنت أبي ذؤيب أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا تخفضك طورًا وترفعك أخرى؟ فأقول: تالله إنها هي فيتعجبن منها ويقلن إن لها لشأنًا عظيمًا، قالت: فكنت أسمع أتاني تنطق وتقول: والله إن لي لشأنًا ثم شأنًا بعثني الله بعد موتي ورد لي سمني بعد هزالي، ويحكن..................
إلى الأتان وقد سجدت" خفضت رأسها أو وضعت وجهها على الأرض وهو الظاهر، فلا مانع "نحو" أي: جهة "الكعبة ثلاث سجدات، ورفعت رأسها إلى السماء" ألهمها الله فعل ذلك شكرًا له أن خصها بكونه صلى الله عليه وسلم على ظهرها، "ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معي، وصار الناس يتعجبون مني" وفي رواية ابن إسحاق: فوالله لقد قطعت بالركب حتى ما يقدر علي شيء من حمرهم، "ويقلن النساء لي" هذا نحو: أسروا النجوى يتعاقبون فيكم ملائكة، وسموها لغة أكلوني البراغيث، وجوزوا في نحوه أن النون فاعل، والاسم الظاهر بدل منه حتى لا يكون من تلك اللغة. "وهن ورائي: يا بنت أبي ذؤيب" بذال معجمة كنية أبيها، واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة بكسر الشين المعجمة فجيم ساكنة فنون مفتوحة ثم تاء التأنيث، هكذا في النور. ووقع في الشامية بسين مهملة ابن جابر بن رزام بكسر الراء ثم زاي فألف فميم ابن ناصر بن سعد بن بكر بن هوازن هكذا في الاستيعاب، وقيل في نسبها غير ذلك.
"أهذه أتانك التي كنت عليها وأنت جائية معنا، تخفضك طورًا" بفتح الطاء مرة "وترفعك" مرة "أخرى" فأنت على معنى الطور لضعفها وعجفها، "فأقول: تالله إنها هي، فيتعجبن منها، ويقلن: إن لها لشأنًا عظيمًا، قالت" حليمة "فكت أسمع أتاني تنطق، وتقول: والله إن لي لشأنًا ثم لشأنًا" وكأنه قيل: ماذا الشأن؟ فقالت: "بعثني الله بعد موتي" أعطاني قوة قدر بها على سرعة السير بعدما كنت كالميتة من الضعف، "ورد لي سمني بعد هزالي" بضم الهاء ضد السمن، وفي نسخة: بعد هزلي، بفتح الهاء وتضم وسكون الزاي بلا ألف بمعنى الأول أيضًا. ففي القاموس: الهزال بالضم نقيض السمن هزل، كعنى وهزل كنصر هزلا وبضم، انتهى. وأما نقيض الجد فبابه ضرب وفرح؛ كما فيه أيضًا، وليس مرادًا هنا، كما هو معلوم. والجملتان تفسير للشأن على الاستئناف البياني، كما قررنا.
"ويحكن" بالنصب بإضمار فعل كلمة ترحم، وويل كلمة عذاب. وقال اليزيدي: هما بمعنى واحد، تقول: ويح لزيد وويل له، فترفعهما على الابتداء ولك نصبهما كأنك قلت: ألزمه.
يا نساء بني سعد إن كن لفي غفلة وهل تدرين من على ظهري، على ظهري خيار النبيين وسيد المرسلين وخير الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين.
قالت -فيما ذكره ابن إسحاق وغيره: ثم قدمنا منازل بني سعد، ولا أعلم أرضًا من أرض الله أجدب -بدال مهملة- منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: اسرحوا حيث تسرح غنم بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح أغنامي شباعًا لبنًا.
الله ويحًا وويلا، ولك إضافتهما فنصبهما بإضمار فعل؛ كذا ذكر العلامة الشمني، ومقتضاه: أنه ليس لويح فعل من لفظه، وقد ذكر ابن عصفور في شرح الجمل: أن من الناس من ذهب إلى أنه قد استعمل من ويح فعل فهو على مذهبه منصوب بفعل من لفظه، تقديره واح ويحًا.
"يا نساء بني سعد، إن كن لفي غفلة وهل تدرين" بكسر الراء "من" أي: الذي "على ظهري" وقوله: على ظهري خبر مبتدؤه "خيار النبيين، وسيد المرسلين، وخير الأولين والآخرين، وحبيب رب العالمين" وكأنها فرضت أنهن كلمنها بما قلنه لحليمة، فإجابتهن بذلك وفي نطقها وسجودها قبل إرهاص للنبي صلى الله عليه وسلم وكرامة لحليمة، "قالت، فيما ذكره ابن إسحاق" مسندًا في بقية الحديث السابق.
"وغيره ثم قدمنا منازل بني سعد، ولا أعلم أرضًا من أرض الله أجدب" بجيم "فدال مهملة" فموحدة ضد الخصب. "منها، فكانت غنمي تروح علي" أي: ترجع بعشي "حين قدمنا به" صلى الله عليه وسلم "شباعًا لبنًا" بضم اللام وكسرها لغتان؛ حكاهما الجوهري وشد الموحدة أي كثيرة اللبن جمع لبون "فنحلب" بضم اللام وكسرها لغتان كما في النور. "ونشرب وما يحلب إنسان" غيرنا "قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر" هم القوم النزول على ما يقيمون به ولا يرحلون عنه، ويقولون للمناهل المحاضر للاجتماع والحضور، ذكره البرهان. "من قومنا يقولون لرعيانهم" جمع راع. وفي نسخة: لرعاتهم، جمع ثان.
قال القاموس: كل من ولي أمر قوم جمعه رعاة ورعيان ورعاء، ويكسر، انتهى. زاد ابن إسحاق: ويلكم "اسرحوا حيث تسرح" ظرف مكان، أي: اذهبوا إلى المكان الذي تذهب إليه "غنم بنت أبي ذؤيب" ولفظ ابن إسحاق: حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، "فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض" بالضاد معجمة ومهملة "بقطرة لبن، وتروح" ترجع "أغنامي شباعًا لبنًا" مع أن
فلله درها من بركة كثرت بها مواشي حليمة ونمت وارتفع قدرها به وسمت فلم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة وتفوز منه بالحسنى وزيادة.
لقد بلغت بالهاشمي حليمة
…
مقامًا علا في ذروة العز والمجد
وزادت مواشيها وأخصب ربعها
…
وقد عم هذا السعد كل بني سعد
قال ابن الطراح رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله بن المعلى الأزدي
مسرحها واحد، قالت في رواية ابن إسحاق: فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته، قال المصنف.
"فلله درها من بركة" تمييز للنسبة في درها؛ لأن مرجع الضمير هنا معلوم. "كثرت بها مواشي حليمة ونمت" زادت "وارتفع قدرها به، وسمت" أي: علت، فهو مساوٍ؛ "فلم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة، وتفوز منه بالحسنى وزيادة" وأنشد لغيره: "لقد بلغت بالهاشمي" محمد صلى الله عليه وسلم "حليمة مقامًا علا" ارتفع "في ذروة" بكسر الذال المعجمة: أعلى، "العز والمجد" مستعار من ذروة الجبل: أعلاه، "وزادت مواشيها وأخصب ربعها" بفتح الراء وسكون الموحدة: محلها ومنزلها، ويطلق على القوم مجازًا.
"وقد عم هذا السعد كل بني سعد" وذلك أن حليمة، قالت لما دخلت به منزلي: لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك، وألقيت محبته في قلوب الناس حتى إن أحدهم كان إذا نزل به أذى من جسده أخذ كفه صلى الله عليه وسلم فيضعها على موضع الأذى فيبرأ بإذن الله سريعًا، وكذا إذا اعتل لهم بعير أو شاه، ولو لم يكن من سعدهم إلا أنهم لما سبوا في وقعة هوازن ثم جاءوا إليه صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: نحن أهل وعشيرة وقام خطيبهم، وقال: يا رسول الله! إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت خير مكفول، ثم قال:
امنن علينا رسول الله في كرم
الأبيات المشهورة الآتية في كلام المصنف. فقال صلى الله عليه وسلم: $"ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم". وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ورسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ورسوله، فرد عليهم سبيهم.
"قال ابن الطراح: رأيت في كتاب الترقيص لأبي عبد الله بن المعلى الأزدي" البصري، ونقله أيضًا عن كتاب الترقيص مغلطاي في الزهر، والحافظ في الإصابة، وأبو المظفر المقرئ
أن من شعر حليمة ما كانت ترقص به النبي صلى الله عليه وسلم.
يا رب إذ أعطيته فأبقه
…
وأعله إلى العلا وأرقه
وادحض أباطيل العدا بحقه
وعند غيره وكانت الشيماء أخته من الرضاعة تحضنه وترقصه وتقول:
هذا أخ لم تلده أمي
…
وليس من نسل أبي وعمي
فديته من مخول معمي
…
....................
الواعظ في أربعينه، "أن من شعر حليمة ما كانت ترقص" بضم التاء وشد القاف المكسورة من الترقيص "به النبي صلى الله عليه وسلم: يا رب إذ أعطيته فأبقه وأعله إلى العلا ورقه" بدون ألف؛ كما في نسخ، وهو ما نقله أبو المظفر. وفي نسخ: وأرقه بألف، وكذا في السبل. والأولى أنسب؛ كما يفيده القاموس. "وادحض" بكسر الحاء حذفت همزته للضرورة، أي: أذل، "أباطيل العدا بحقه، وعند غيره" أي: غير ابن الطراح، فإن الزهر والإصابة وأبا المظفر نقلوه كله عن كتاب الترقيص المذكور لابن المعلى، فليس ضمير غيره عائدًا عليه؛ كما زعم.
"وكانت الشيماء" بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية، ويقال: الشماء بلا ياء ابنة الحارث بن عبد العزى السعدية، ذكرها أبو نعيم وغيره في الصحابة، واسمها جدامة بضم الجيم وبالدال المهملة والميم، جزم به ابن سعد. وقيل: حذافة بضم الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة، ذكره السهيلي مع الثاني فقط، واقتصر في الإصابة على الأولين. "اخته من الرضاعة" من جهة أنه عليه السلام رضع أمها حليمة بلبن أخيها "تحضنه" بضم الضاد ومن ثم تدعى أم النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا؛ كما في النور.
"وترقصه، وتقول: هذا أخ لي لم تلده أمي" من أبي ولا غيره "وليس من نسل أبي" من غير أمي، "و" من نسل "عمي" فاسمه أخي لشدة قربه، ومرادها: تعميم نفي أخوة النسب ولو بسبب رضاعه أمها. "فديته من مخول" بضم الميم وكسرها الواو ومن أخول على الأصل، وتفتح الواو على أن غيره جعله ذا أخوال كثيرة ورجل معم مخول، أي: كريم الأعمال والأخوال، ومنع الأصمعي الكسر فيهما، وقال: كلام العرب الفتح، قال المصباح.
"معمي" بكسر الميم الثانية اسم فاعل أنسب بالشعر من فتحها اسم مفعول وإن جاز، قال
.................
…
فأنمه اللهم فيما تنمي
وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين والخطيب وابن عساكر في تاريخيهما وابن طغر بك السياف في النطق المفهوم عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بأصبعك فحيث أشرت إليه مال قال: إني كنت أحدثه
المصباح: أعم الرجل إذا كرم أعمامه يروى مبنيًا للمفعول والفاعل وجرت من التمييز مع أنه تمييز لنسبة الفعل إلى المفعول؛ لأنه ليس محولا عنه فيجوز زجره، نحو: ما أحسنه من رجل.
"فانمه" بفتح الهمزة من أنماه "اللهم فيما تنمي" بضم الفوقية المصباح نمى من باب رمى كثر، وفي لغة: من باب قعد ويتعدى بالهمز والتضعيف فعبر بانمه مجاز لغوي من إطلاق السبب، وإرادة المسبب، فالكثرة يلزمها القوة؛ فكأنها قالت: قوة فيمن قويتهم، وزد رفعته، أو مجاز بالنقص بحذف المضاف، أي: أنم أتباعه وذريته، وقد زاد الجماعة عن كتاب الترقيص المذكور، وقالت الشيماء أيضًا:
يا ربنا أبق أخي محمدا
…
حتى أراه يافعًا وأمردا
ثم أراه سيد مسودًا
…
واكبت أعاديه معا والحسدا
وأعطه عزًا يدوم أبدا
قال الأزدي: ما أحسن ما أجاب الله دعاءها، يعني: لرؤيتها ياه بجميع ما طلبت.
"وأخرج البيهقي و" أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم "الصابوني" شيخ الإسلام الإمام المفسر المحدث الفقيه الواعظ الخطيب، وعظ المسلمين ستين سنة، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وتوفي في المحرم سنة سبع أو أربع وأربعين وأربعمائة.
"في" كتاب "المائتين والخطيب" البغدادي "وابن عساكر" الدمشقي "في تاريخيهما" لبغداد ودمشق "وابن طغربك السياف في" كتاب "النطق المفهوم عن العباس بن عبد المطلب" رضي الله عنه "قال: قلت: يا رسول الله! دعاني إلى الدخول في دينك" أي: حملني عليه، واستعماله بهذا المعنى مجاز؛ لأن الدعاء النداء.
"أمارة لنبوتك" علامة عليها، فشبه الأمارة بالداعي استعارة بالكناية وإثبات الدعاء لها تخييل، "رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه بإصبعك. فحيث أشرت إليه مال" إلى جهتك، أي: ففي أي وقت فحيث هنا للزمان مجازًا على مقتضى القاموس والمصباح، وبه صرح المغني، فقال: وهي للمكان اتفاقًا، قال الأخفش: وقد ترد للزمان. "قال: إني كنت أحدثه
ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش قال البيهقي تفرد به أحمد بن إبراهيم الحلبي وهو مجهول وقال الصابوني: هذا حديث غريب الإسناد والمتن وهو في المعجزات حسن.
والمناغاة: المحادثة، وقد ناغت الأم صبيها: لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة.
وفي فتح الباري عن سيرة الواقدي:....................
ويحدثني، و" كان بتحديثه لي "يلهيني عن البكاء و" كنت "أسمع وجبته" أي: سقطته؛ كقوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] ، "حين يسجد تحت العرش، قال البيهقي" عقب إخراجه: "تفرد به أحمد بن إبراهيم" أي: لم يتابعه عليه أحد.
"الحلبي" نسبة إلى حلب البلدة الشهيرة، قال في الميزان: قال أبو حاتم: أحاديثه باطلة تدل على كذبه ويقع في نسخ الجيلي بجيم وياء ولام، وهو تحريف فقد استوفى الحافظ في التبصير من ينسب هذه النسبة، وما ذكره فيهم. "وهو مجهول" وهو ثلاثة أنواع: مجهول العين من له راو فقط. ومجهول الحال، وهما مردودان عند الجمهور. مجهول العدالة، وفيه خلف. وظاهر كلام أبي حاتم المار: أن هذا من النوع الثاني.
"وقال الصابوني" نسبة إلى الصابون، قال في اللباب: لعله لأن أحد أجداده عمله فعرفوا به، "هذا حديث غريب الإسناد" لأن راويه أحمد بن إبراهيم لم يتابع عليه، فهو كقول البيهقي: تفرد به، وزاد عليه قوله:"والمتن" أي: لفظ الحديث، ولعل غرابته لأن العباس أصغر الأعمام، فحمزة أكبر منه، وحمزة كان أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، كما رواه البكائي عن ابن إسحاق، فرؤية العباس لذلك وروايته غريب.
"و" لكن الخوارق لا يقاس عليها فـ "هو في المعجزات حسن" ذكره لأن عادة المحدثين التساهل في غير الأحكام والعقائد ما لم يكن موضوعًا، وأيضًا فإنه يتمشى على القول بأن العباس ولد قبل الفيل بثلاث سنين، وبه جزم المصنف فيما يأتي، ومر له أيضًا: روي عن العباس، أنه قال: أذكر مولد النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فحمزة والعباس متقاربان غايته أن حمزة أسن منه بيسير. "والمناغاة المحادثة، وقد ناغت الأم صبيها" أي: "لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة" مصدر لاعب.
"وفي فتح الباري" في كتاب الأنبياء في قوله صلى الله عليه وسلم: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة"، نقلا "عن سيرة" محمد بن عمرو بن واقد "الواقدي" أبي عبد الله الأسلمي مولاهم المدني الحافظ،
أنه صلى الله عليه وسلم تكلم في أوائل ما ولد. وذكر ابن سبع في الخصائص أن مهده كان يتحرك بتحريك الملائكة.
وأخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس قال كانت حليمة تحدث بأنها أول ما فطمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فقال: "الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الل هـ.........................................
روى عن مالك والثوري عن ابن جريج وغيرهم، وعنه الشافعي وابن سعد كاتبه وخلق، كذبه أحمد، وتركه ابن المبارك وغيره، وقال في الميزان، استقر الإجماع على وهنه، وفي التقريب: متروك مع سعة علمه. مات سنة سبع، وقيل: تسع ومائتين، روى له ابن ماجه. "أنه صلى الله عليه وسلم تكلم في أوائل ما ولد" وعند ابن عائذ: أول ما تكلم به حين خرج من بطن أمه: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وفي الروض عن الواقدي: أول ما تكلم به لما ولد: جلال ربي الرفيع. وفي شواهد النبوة: روى أنه صلى الله عليه وسلم لما وقع على الأرض رفع رأسه، وقال بلسان فصيح:"لا إله إلا الله، وإني رسول الله"، وطريق الجمع أنه قال جميع ذلك، ثم الكلام في المهد ليس من خصائصه، بل ولا من خصائص الأنبياء، فقد تكلم فيه ابن ماشطة بنت فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج، رواه أحمد والحاكم مرفوعًا، وعند مسلم في قصة أصحاب الأخدود: أن امرأة جيء بها لتلقى في النار لتكفر ومعها صبي فتقاعست، فقال لها: يا أماه اصبري، فإنك على الحق. وفي زمنه صلى الله عليه وسلم مبارك اليمامة وقصته من دلائل البيهقي، فهؤلاء خمسة تكلموا وليسوا بأنبياء، ونظم جملة من تكلم السيوطي، فقال:
تكلم في المهد النبي محمد
…
ويحيى وعيسى والخليل ومريم
ومبري جريج ثم شاهد يوسف
…
وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مر بالأمة التي
…
يقال لها تزني ولا تتكلم
وماشطة في عهد فرعون طفلها
…
وفي زمن الهادي المبارك يختم
قال بعضهم: وكلام الصبي في مهده يحتمل كونه بلا تعقل؛ كما خلق الله التكلم في الجماد ويحتمل كونه عن معرفة بأن خلق الله فيه الإدراك ولعل كلام النبي كان كذلك. "وذكر ابن سبع" بإسكان الموحدة وقد تضم؛ كما في التبصير. "في الخصائص: أن مهده" أي: ما هيئ له لينام فيه "كان يتحرك بتحريك الملائكة" له. قال بعض: ولم ينقل مثل ذلك لأحد من الأنبياء.
"وأخرج البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس" أنه "قال: كانت حليمة تحدث بأنها أول ما فطمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم، فقال: "الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله
بكرة وأصيلا"، فلما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيتجنبهم. الحديث.
وقد روى ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر، عن ابن عباس قال: كانت حليمة لا تدعه يذهب مكانًا بعيدًا، فغفلت عنه، فخرج مع أخته الشيماء في الظهيرة إلى البهم، فخرجت حليمة تطلبه، حتى تجده مع أخته فقالت: في هذا الحر؟ قالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حرًا رأيت غمامة تظل.........................
بكرة وأصيلا" وأفاد هذا مع ما مر عن ابن عائذ قريبًا أنه تكلم بهذا في الوقتين، "فلما ترعرع" قوي على الخروج والاختلاط بالصبيان، "كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيتجنبهم الحديث" وروي أنه كان يخرج هو وأخوه فيلعب أخوه مع الغلمان فيتجنبهم عليه السلام ويأخذ بيد أخيه، ويقول: "إنا لم نخلق لهذا".
"وقد روى محمد بن سعد وأبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس، قال: كانت حليمة لا تدعه" لا تترك النبي صلى الله عليه وسلم "يذهب مكانًا بعيدًا "خوفًا عليه وشفقة، أي: في غالب الأحوال أو في ابتداء الأمر، فلا ينافي ما روي أنه قال لها: يا أماه مالي لا أرى إخوتي بالنهار، قالت: يرعون غنمًا لنا فيروحون من الليل إلى الليل، فقال: ابعثيني معهم، فكان يخرج مسرورًا ويعود مسرورًا. "فغفلت عنه، فخرج مع أخته الشيماء في الظهيرة" أول الزوال وهو أشد ما يكون من حر النهار "إلى البهم" بفتح الموحدة جمع بهيمة وهي ولد الضأن، كذا في النهاية. وفي القاموس: البهيمة أولاد الضأن والبقر والمعز وجمعه بهم ويحرك. وفي النور: يطلق على الذكر والأنثى لكن يرد عليه حيث أنه عليه السلام قال للراعي: "ما ولدت"؟. قال: بهمة، قال:"اذبح مكانها شاة". فهذا يدل على أن البهمة اسم للأنثى؛ لأنه إنما سأله ليعلم أذكر م أنثى، لعلمه أن المولود أحدهما "فخرجت حليمة تطلبه حتى تجده" غالبًا للطلب أو تعليل له، أي: إلى أن تجده أو لتجده فوجدته "مع أخته" وعلى التقديرين فحتى جارة لوقوع المضارع بعدها منصوبًا. وفي نسخة: فوجدته وهي ظاهرة، "قالت في هذا الحر" الهمزة فيه مقدرة، أي: أفيه تخرجين به؛ كقول الكميت:
طربت وما شوقًا إلى البيض أطرب
…
ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب
أراد أو ذو الشيب، "قالت أخته: يا أمه" الهاء بدل من تاء التأنيث، والأصل: يا أمة بلا تاء عند جمهور البصريين، "ما وجد أخي حرًا" لأن الشمس لم تصبه، فقد "رأيت غمامة" سحابة "تظل
عليه، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع الحديث.
وكان صلى الله عليه وسلم يشب شبابًا لا يشبه الغلمان.
قالت حليمة: فلما فصلته قدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا: لو تركتيه عندنا حتى يغلظ، فإنا نخشى عليه وباء مكة..............................
عليه إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت" معه تظلله "حتى انتهى إلى هذا الموضع" الذي نحن فيه "الحديث" وفيه إظلال الغمام له صلى الله عليه وسلم، فهو حجة على من أنكره.
قال ابن جماعة من ذهب إلى أن حديث إظلال الغمام لم يصح بين المحدثين فهو باطل، نعم لم يكن كما قال السخاوي وغيره دائمًا في حديث الهجرة: إن الشمس أصابته صلى الله عليه وسلم وظلله أبو بكر بردائه، وثبت أنه كان بالجعرانة ومعه ثوب قد أظل عليه، وأنهم كانوا إذا أتوا على شجرة ظليلة تركوها له صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك.
"وكان صلى الله عليه وسلم يشب" بكسر الشين من باب ضرب "شبابًا لا يشبه" أي: لا يشب مثله: "الغلمان" كذا في رواية ابن إسحاق محملا، وفي شواهد النبوة: روي أنه صلى الله عليه وسلم لما صار ابن شهرين كان يتزحلف مع الصبيان إلى كل جانب، وفي ثلاثة أشهر كان يقوم على قدميه، وفي أربعة كان يمسك الجدار ويمشي، وفي خمسة حصل له القدرة على المشي، ولما تم له ستة أشهر كان يسرع في المشي، وفي سبعة أشهر كان يسعى ويغدو إلى كل جانب، ولما مضى له ثمانية أشهر شرع يتكلم بكلام فصيح، وفي عشرة أشهر كان يرمي السهام مع الصبيان.
"قالت حليمة: فلما فصلته" بعد مضي عامين "قدمنا به على أمه" على عادة المراضع في إتيانهن بالأولاد إلى أمهاتهم بعد تمام الرضاع، فأتت به موافقة لهن، ثم حاولت الرجوع به لنصل إلى مقصودها؛ كما أفاده قولها:"ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما نرى من بركته" أي: حرصنا على مكثه فينا أشد من حرص كل حريص على شيء يحرص عليه، فلا يرد أن أفعل التفضيل عض ما يضاف إليه، ومعلوم أن حليمة وزوجها وابنتها لم يشاركهم جميع الناس في الحرص على مكثه فيهم. "فكلمنا أمه" وبيان الكلام "وقلنا" نود "لو تركتيه عندنا حتى يغلظ" أي: يعظم جسمه وتزيد قوته، فلو للتمني أو جوابها محذوف، أي: لكان خيرًا له بدليل "فإنا نخشى عليه وباء مكة" بالهمز مقصورًا وممدودًا؛ كما في النهاية والصحاح والقاموس. وفسره بأنه الطاعون أو كل مرض عام، والظاهر أن المراد هنا الثاني، ومن ثم فسره الشامي بأنه كثرة الموت والمرض.
ولم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به.
فوالله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه من الرضاعة، لفي بهم لنا خلف بيوتنا، جاء أخوه يشتد، فقال: ذاك أخي القرشي، قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائمًا منتقعًا لونه، فاعتنقه أبوه وقال: أي بني، ما شأنك، قال:"جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني، ثم استخرجا منه شيئًا فطرحاه، ثم رداه كما كان". فرجعناه معنا، فقال أبوه: يا حليمة خشيت أن يكون ابني قد أصيب، فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به..........................
"ولم نزل" نتلطف" بها حتى ردته معنا، فرجعنا به فوالله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة" شكت "مع أخيه من الرضاعة" عبد الله "لفي بهم لنا خلف بيوتنا جاء أخوه يشتد" يسرع في المشي "فقال: ذاك أخي القرشي، قد جاء رجلان" ملكان في صورة رجلين "عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه" بعد أن صعدا به ذروة الجبل؛ كما في رواية البيهقي الآتية. "فخرجت أنا وأبوه" من الرضاعة وهو زوجها "نشتد نحوه، فنجده قائمًا" من استعمال المضارع موضع الماضي ففي الكلام حذف، أي: وما زلنا نسرع إلى أن وجدناه قائمًا "منتقعًا لونه" بنون ففوقية فقاف مفتوحة، أي: متغيرًا، قال الكسائي: انتقع مبنيًا إذا تغير من حزن أو فزع، قال: وكذا ابتقع بالموحدة، وامتقع بالميم أجود، قال الجوهري: أي: مبنيًا للمفعول وبه صرح المجد، واقتصر البرهان والشامي.
وفي المصباح: ما يفيد بناءه للفاعل. "فاعتنقه أبوه، وقال: أي بني! ما شأنك" ما حالك "قال: "جاءني رجلان" "، هما جبريل وميكائيل؛ كما في النور، "عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقا بطني" ولا ينافي هذا قوله الآتي قريبًا:"فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض"؛ لجواز أنه نسب الإضجاع إلى مجموعهما وإن كان في الحقيقة من واحد مجازًا أو نزل فعل المشارك له في الغسل ونحوه منزلة المشارك في نفس الإضجاع، فأطلق عليه اسمه.
"ثم استخرجا منه شيئًا" هو مضغة سوداء؛ كما في الحديث الآتي على الأثر، "فطرحاه ثم رداه كما كان" قالت حليمة:"فرجعناه معنا، فقال أبوه: يا حليمة، قد خشيت" خفت "أن يكون ابني قد أصيب من الجن، وأصل الخشية الخوف مع الإجلال، لكنها هنا في مجرد الخوف؛ لأن المعنى: نخاف عليه ما يصيبه من الجن. "فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به
ما نتخوف، قالت حليمة فاحتملناه حتى قدمنا به مكة على أمه، فقالت: ما ردكما به، فقد كنتما حريصين عليه؟ قلنا نخشى عليه الإتلاف والإحداث، فقالت: ما ذاك بكما، فاصدقاني شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، قالت: أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابني هذا شأن عظيم فدعاه عنكما.
ما نتخوف" أي: ما نتخوفه، فالمفعول محذوف "قالت حليمة: فاحتملناه حتى قدمنا به مكة على أمه" بعد أن ضل منا في باب مكة حين نزلت لأقضي حاجتي، فأعلمت عبد المطلب بذلك فطاف بالبيت أسبوعًا، ودعا الله برده، فسمع مناديًا ينادي: معاشر الناس، لا تضحوا فإن لمحمد ربا لا يضيعه ولا يخذله، قال عبد المطلب: يا أيها الهاتف، من لنا به؟ وأين هو؟ قال بوادي تهامة، فأقبل عبد المطلب راكبًا متسلحًا، فلما صار في بعض الطريق لقي ورقة بن نوفل، فسارا جميعًا فوجدوه صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، وفي رواية: بينا أبو مسعود الثقفي وعمرو بن نوفل على راحلتيهما إذ هما به قائمًا عند شجرة الموز يتناول من ورقها، فأقبل إليه عمرو، وهو لا يعرفه، فقال: من أنت؟ قال: أنا محمد بن عبد المطلب بن هاشم، فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبد المطلب، وعن ابن عباس: لما رد الله محمدًا صلى الله عليه وسلم على عبد المطلب تصدق بألف ناقة كوماء وخمسين رطلا من ذهب، وجهز حليمة أفضل الجهاز؛ كذا في الخميس.
"فقالت" أمه: ما ردكما" أي شيء ردكما "به، فقد كنتما حريصين عليه" أي: على مقامه عندكما، "قلنا: نخشى عليه الإتلاف والإحداث" أي: الأسباب العارضة المقتضية لإتلافه أو حصول الأمراض له، "فقالت: ما ذاك؟ " بكسر الكاف خطاب لحليمة، أي: ما خوف الإتلاف والإحداث حملكما على رده، أو بفتح الكاف على أنه خطاب لزوج حليمة، أو على أن الكاف المتصلة باسم الإشارة مفتوحة أبدًا، "فاصدقاني شأنكما" حالكما الحامل لكما على رده، "فلم تدعنا" تتركنا "حتى أخبرناها خبره، قالت" إنكارًا عليهما، "أخشيتما عليه الشيطان" إبليس أو الجنس وهو أظهر، زاد في رواية ابن إسحاق عن حليمة، قلت: نعم، قالت: آمنة "كلا" ردع لهما عن خشية الشيطان عليه، "والله ما للشيطان عليه سبيل" طريق يتوصل له منها "وإنه لكائن لابني هذا شأن" أمر "عظيم" قالت ذلك لما شاهدته في حملها به وعند ولادته؛ كما صرحت به لحليمة، فقالت كما في حديث ابن إسحاق: أفلا أخبرك خبره، رأيت حين حملت به خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء.
"فدعاه عنكما" وظاهر هذا السياق، بل صريحه: أن شق الصدر ورجوعه إلى أمه كانا في
وفي حديث شداد بن أوس عن رجل من بني عامر، عند أبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت مسترضعًا في بني سعد بن بكر، فبينما أنا ذات يوم في بطن واد، مع أتراب لي من الصبيان، إذ أنا برهط ثلاثة
السنة الثالثة لقوله فيه بشهرين أو ثلاثة، وقد قال ابن عباس: رجع إلى أمه وهو ابن خمس سنين، وقال غيره: وهو ابن أربع؛ حكاهما الواقدي. وقال ابن عبد البر: ردته بعد خمس سنين ويومين. وقال الأموي: وهو ابن ست سنين. وحاول في النور الجمع بتعدد الواقعة مستدلا بأن صدره شق مرارًا، وفيه ما فيه. وأيضًا يعكر عليه أن الأموي ذكر أن حليمة لم تره بعد إلا مرتين بعد تزويج خديجة جاءته تشكو السنة، وأن قومها أسنتوا كلهم فكلم خديجة فأعطتها عشرين من الغنم وبكرات، والثانية يوم حنين. والراجح أنه صلى الله عليه وسلم رجع إلى أمه وهو ابن أربع سنين، وإن شق الصدر إنما كان في الرابعة؛ كما جزم به الحافظ العراقي في نظم السيرة وتلميذه الحافظ ابن حجر في سيرته وهي صغيرة مفيدة، وذكر أنه التزم فيها الاقتصار على الأصح مما اختلف فيه، قال العراقي:
أقام في سعد بن بكر عندها
…
أربعة الأعوام تجني سعدها
وحين شق صدره جبريل
…
خافت عليه حدثا يئول
ردته سالما إلى آمنة
ولفظ سيرة ابن حجر: أقام عندها أربع سنين أرضعته حولين كاملين، ثم أحضرته إلى أمه وسألتها أن تتركه عندها إلى أن يشب ففعلت، فأتاه جبريل فشق صدره وأخرج منه علقة، فقال: هذا خط الشيطان منك، فخافت عليه حليمة فرجعته إلى أمه، انتهى.
ومن خطه نقلت: "وفي حديث شداد بن أوس عن رجل من بني عامر" لا يضر إبهامه؛ لأن الصحابة كلهم عدول ولا سيما وهو من رواية صحابي عن صحابي، عند أبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت مسترضعًا" بصيغة اسم الفاعل وسين التأكيد لا الطلب، وإن كان الأصل فيها وليس اسم مفعول؛ لأن فعله لازم، "في بني سعد بن بكر، فبينما أنا ذات يوم" تأنيث ذي بمعنى صاحب، أي: في ساعة ذات يوم، أي: منه، فحذف ذلك لوضوح المراد؛ كقول امرئ القيس:
إذا قامتا تضوع المسك منها
…
نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
أي: مثل تضوع نسيم الصبا، "في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان" جمع ترب، وهو من ولد معه؛ كما في القاموس بأن كان في سنه. "إذ أنا برهط" بسكون الهاء أفصح من فتحها "ثلاثة" وسمى الملائكة رهطًا لمجيئهم على صورة الرجال، إذ الرهط لغة ما دون العشرة من
معهم طست من ذهب، مليء ثلجًا، فأخذوني من بين أصحابي، وانطلق الصبيان هربًا مسرعين إلى الحي، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعًا لطيفًا، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه، لم أجد لذلك مسًا، ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني فقال لصاحبه تنح، ثم أدخل يده في جوفي وأخرج قلبي وأنا أنظر إليه وصاعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده...........................
الرجال ليس فيهم امرأة؛ كما في النهاية وغيرها. "معهم طست من ذهب مليء" نعت للطست على معنى الإناء، لا اللفظ؛ لأنها مؤنثة. "ثلجًا، فأخذوني من بين أصحابي" أترابي الذين كنت معهم، "وانطلق الصبيان هربًا" بكسر الهاء وتخفيف الراء جمع هارب، ويجوز ضم الهاء مع شد الراء "مسرعين" صفة لازمة، ففي الصحاح هرب الرجل إذا جد في الذهاب مذعورًا، "إلى الحي" بفتح الميم، ونقل في النور عن الليلي كسرها؛ كما مر، "فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعًا لطيفًا" لم يشق عليّ "ثم شق ما بين مفرق" كمسجد وتكسر ميمه أيضًا؛ كما في الصحاح. "صدري" والمراد منه الموضع الذي يفترق فيه عظم الصدر وهو رأس المعدة، "إلى منتهى عانتي".
قال الأزهري وجماعة: هي منبت الشعر فوق قبل المرأة وذكر الرجل، والشعر النابت عليها يسمى الشعرة.
"وأنا أنظر إليه، لم أجد لذلك مسًا" أي: أثرًا؛ كأنه لم يمس، ولا ينافيه وجدانه منتقعًا لجواز أنه من الفزع الحاصل من مجرد رؤية الملك وشق الصدر، "ثم أخرج أحشاء بطني" جمع حشى بالقصر، وهي المصارين "ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها" أحسنه مجاز عن جعل الشيء ناعمًا، "ثم أعادها مكانها".
قال السهيلي في حكمه: الثلج لما يشعر به من ثلج اليقين وبرده على الفؤاد، ولذا حصل له اليقين بالأمر الذي يراد به بوحدانية ربه، انتهى. "ثم قام الثاني، فقال لصاحبه: تنح" فتنحى فوقف مكانه، "ثم أدخل يده في جوفي وأخرج قلبي، وأنا أنظر إليه وصاعه " شقه، "ثم أخرج منه مضغة سوداء، فرمى بها" وعند مسلم وأحمد من حديث أنس: فأخرج علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك ولا منافاة فقد تكون العلقة لكبرها تشبه المضغة. "ثم قال بيده" أشار بها من إطلاق القول على الفعل مجازًا لغويًا، فقد قال ثعلب وغيره: العرب تطلق القول على جميع الأفعال، قال ابن بطال: سمي الفعل قولا؛ كما سمي القول فعلا في حديث: "لا حسد إلا في اثنتين" حيث قال في الذي يتلو القرآن: لو أوتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما فعل، وتقول
يمنة ويسرة كأنه يتناول شيئًا فإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظر دونه فختم به قلبي فامتلأ نورًا وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرًا، ثم قال الثالث لصاحبه تنح، فأمر يده بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضًا لطيفًا ثم قال الأول للثالث: زنه بعشرة من أمته فوزنني فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فرجحتهم ثم قال زنه بألف فرجحتهم فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا: يا حبيب لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك"
…
العرب: قل لي برأسك، أي: أمله.
"يمنة ويسرة، كأنه يتناول شيئًا فإذا بخاتم في يديه من نور يحار الناظر دونه" أي: في مكان أقرب منه، والمراد يتحير فيما دون ذلك الخاتم لصفته الخارقة للعادة، "فختم به قلبي وامتلأ" قلبي "نورًا، وذلك نور النبوة والحكمة" قال النووي: فيها أقوال كثيرة مضطربة صفا لنا منها أنها العلم المشتمل على المعرفة بالله مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به، والكف عن ضده والحكيم من حاز ذلك، انتهى ملخصًا قاله الحافظ. "ثم أعاده" أي: قلبي "مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرًا" أي: مدة طويلة واستمر.
ففي رواية: "فأنا الساعة أجد برده في عروقي ومفاصلي"، قاله الشامي. "ثم قال الثالث لصاحبه: تنح، فأمر يده بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني" أقامني "من مكانه" الذي كان أضجعني فيه "إنهاضًا لطيفًا، ثم قال الأول للثالث: زنه بعشرة من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف" فوزنني "فرجحتهم، فقال" يخاطب صاحبيه:"دعوه" اتركوه فهو من استعمال الجمع موضع المثنى، ويجوز أنه كان معهم غيرهم، "فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني" تبركًا وإيناسًا، "ثم قالوا: يا حبيب" الله والمؤمنين "لم ترع" بضم أوله وفتح الراء فمهملة مجزوم، أي: لم تخف بعد ولم يقصد به الأمر. وفي نسخة: لن تراع، بزيادة ألف منصوب بلن وهي أولى، إذ المقصود بشارته والتسهيل عليه حتى لا يحصل له الروع في المستقبل، وبمثل النسختين ورد حديث رؤيا ابن عمر في الصحيح، وروي فيه أيضا: لن ترع، ووجه ابن مالك بوجهين لا داعي لإيرادهما هنا.
"إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك" سكنت وبردت كناية عن السرور،
الحديث.
وفي رواية ابن عباس، عند البيهقي، قالت حليمة: إذا أنا بابني ضمرة يعدو فزعًا، وجبينه يرشح باكيًا ينادي: يا أبت، يا أمت، الحقا محمدًا فما تلحقانه إلا ميتًا. أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، وعلا به ذروة الجبل، حتى شق صدره إلى عانته، وفيه: أنه عليه السلام قال: "أتاني رهط ثلاثة، بيد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء". الحديث.
فإن قلت: هل غسل قلبه الشريف في الطست خاص به، أو...........
قال في الفتح: قرت العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان ويوافقه؛ لأن عينه قرت، أي: سكنت حركتها عن التلفت لحصول غرضها فلا تستشرف لشيء آخر وكأنه مأخوذ من القرار، وقيل: معناه أنام الله عينك وهو يرجع إلى هذا، وقيل: بل هو مأخوذ من القر، وهو البرد، أي: إن عينه باردة لسروره، ولذا قيل: دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة، ومن ثم قيل في ضده: أسخن الله عينه، انتهى. "الحديث".
"وفي رواية ابن عباس عند البيهقي: قالت حليمة: إذا أنا بابني ضمرة" مر أن اسمه عبد الله، وأنه وقع في رواية البيهقي هذه: ضمرة، وأن الشامي توقف، فقال والله أعلم. "يعدو فزعًا" بفتح الزاي مفعول لأجله وبكسرها حال، "وجبينه يرشح باكيًا ينادي: يا أبت، يا أمت" وفي نسخة: يا أماه، ولعل الأصل يا أمتا بإشباع الفتحة فتولد منها ألف ثم قدم الألف على التاء للقلب المكاني فصار: يا أمات، ثم قلبت التاء هاء؛ كما قيل بمثله في: يا أبات.
"الحقا محمدًا فما تلحقانه إلا ميتًا، أتاه رجل" وتقدم أنه قال: رجلان، الموافق لقول المصطفى فيه:"جاءني رجلان" فيجوز أن المختطف الصاعد واحد فقط؛ كما قد يدل له قوله: "فاختطفه من أوساطنا وعلا" صعد "به ذروة" بكسر الذال وضمها: أعلى "الجبل، حتى شق صدره إلى عانته، وفيه" أي: حديث ابن عباس هذا، أنه عليه السلام، قال:"أتاني رهط ثلاثة" وهو موافق لما في حديث شداد عنه عليه السلام: "لماء فوق هذا"
…
الحديث، ومخالف كما ترى لقول ضمرة: رجل أو رجلان، فلعله لم ير سوى اثنين، وأما المصطفى، فرأى الثلاثة "بيد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء"
…
الحديث بطوله وغرضه أيضًا من سياقه التنبيه على ما فيه من مخالفة الحديث فوقه في أن الطست من ذهب، فيحتمل والله أعلم أن الزمرد مرصع فوق الذهب، "فإن قلت: هل غسل قلبه الشريف في الطست خاص به، أو
فعل بغيره من الأنبياء عليهم السلام؟
أجيب: بأنه ورد في خبر التابوت والسكينة: أنه كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء، ذكره الطبري، وعزاه العماد ابن كثير في تفسيره لرواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس.
فإن قلت: ما الحكمة في ختم قلبه المقدس؟
أجيب: بأنه إشارة إلى ختم............................
فعل بغيره من الأنبياء عليهم السلام" قلت: "أجيب بأنه ورد في خبر التابوت" الصندوق الذي كان فيه صور الأنبياء، أنزله الله على آدم قاله الجلال، وقال البيضاوي: هو صندوق التوراة وكان من خشب الشمشار مموهًا بالذهب نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين، انتهى. ولا منافاة بينهما "والسكينة" الطمأنينة الحاصلة من ذلك التابوت، وقيل: إنها ريح هفافة لها وجه كوجه إنسان، أخرجه ابن جرير عن علي، زاد مجاهد: ورأس كرأس الهر، وزاد ابن أبي الربيع عن أنس: لعينيها شعاع.
زاد أبو الشيخ: إذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليها، فيهزم الجيش من الرعب، "أنه كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء" فليس خاصًا بنبينا صلى الله عليه وسلم، "ذكره الطبري" يعني محمد بن جرير أحد الأعلام، وحكاه عنه السهيلي والحافظ في الفتح، وأقره قائلا: هذا يشعر بالمشاركة، وذكر البرهان أنه رأى بهامش الروض عن ابن دحية أن هذا أثر باطل، انتهى. وهو مردود، فقد رواه سعيد بن منصور وابن جرير بسند ضعيف عن السدي عن ابي مالك عن ابن عباس. "و" هو الذي "عزاه" العماد "بن كثير في تفسيره لرواية السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس" فحيث وجد مسندًا وليس فيه وضاع ولا كذاب، فمن أين يجيء بطلانه خصوصًا وقد أخرجه ابن جرير وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن السدي الكبير، في قوله تعالى:{فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 248]، قال: طست من ذهب الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء.
وفي الفتح: اختلف هل كان شق صدره وغسله مختصًا به أو وقع لغيره من الأنبياء، فذكر المنقول عن الطبري، قال الشامي: والراجح المشاركة، وما صححه الشيخ -يعني السيوطي- في خصائصه الصغرى من عدم المشاركة لم أر ما يعضده بعد الفحص الشديد، انتهى. "فإن قلت: ما الحكمة في ختم قلبه المقدس" صلى الله عليه وسلم "أجيب" وفي نسخة بالفاء وحذفها أولى، كما مر "بأنه إشارة إلى ختم الرسالة به؟ " الأولى النبوة، لأن ختم الرسالة لا يستلزم ختم النبوة بخلاف
الرسالة به، وهذا مسلم، إن كان الختم خاصا به، أما إذا ورد أنه ليس خاصًا به بل بكل نبي فتكون الحكمة أنه علامة يمتاز بها عن غيره ممن ليس بنبي وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما في الخاتم الشريف من المباحث.
والمراد بالوزن: في قوله: "زنه بعشرة
…
إلخ" الوزن الاعتباري، فيكون المراد به الرجحان في الفضل، وهو كذلك.
وفائدة فعل الملكين، ذلك، ليعلم الرسول عليه السلام ذلك، حتى يخبر به غيره ويعتقده، إذ هو من الأمور الاعتقادية.
العكس، "وهذا مسلم إن كان الختم" أي: خاتم النبوة "خاصًا به، أما إذا" أي: حيث "ورد أنه ليس خاصًا به، بل بكل نبي، فتكون الحكمة أنه علامة يمتاز بها النبي عن غيره ممن ليس بنبي، ويأتي قريبًا" جدًا "إن شاء الله تعالى، ما في الخاتم الشريف من المباحث" ولما كان المتبادر من الوزن في الحديث الحقيقي، وليس مرادًا بين المراد بقوله:"والمراد بالوزن في قوله" أي: الملك "زنه بعشرة إلخ" يريد وزنه بألف "الوزن الاعتباري" لا الحقيقي؛ فكأنه قال: اعتبره بعشرة، "فيكون المراد به الرجحان" وفي نسخة والرجحان، أي: المراد بالرجحان الرجحان، "في الفضل وهو كذلك" ووقع في حديث ساقه الشامي، ثم قال:"زنه بألف فوزنوني فرجحتهم" فجعلت أنظر إلى الألف، فوقي أشفق أن يخر علي بعضهم، وهذا كالصريح في أنه حسي، اللهم إلا أن يقال فيه: تجوز، والمراد: رأيت زيادة رجحان في الاعتبار لو كانت محسوسة لكادت أن يسقط علي بعضها.
"وفائدة فعل الملكين ذلك: ليعلم الرسول عليه السلام ذلك حتى يخبر به غيره، ويعتقده إذ هو من الأمور الاعتقادية" ولما نقل الشامي من أول قوله: والمراد إلى هنا عن بعض العلماء قال: وسألت شيخ الإسلام برهان الدين بن أبي شريف عن هذا الحديث قبل وقوفي على الكلام السابق، فكتب لي بخطه: هذا الحديث يقتضي أن المعاني جعلها الله تعالى ذواتًا، فعند ذلك قال الملك لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة، فلعل ترجح ماله صلى الله عليه وسلم رجحانًا طاش معه ما للألف بحيث يخيل إليه أنه يسقط بعضهم، ولما عرف الملكان منه لرجحان، وأنه معنى: لو اجتمعت المعاني كلها التي للأمة ووضعت في كفة ووضع ماله صلى الله عليه وسلم لرجح على الأمة، قالوا: لو أن أمته وزنت به مال بهم؛ لأن مآثر خير الخلق وما وهبه الله تعالى له من الفضائل يستحيل أن يساويها غيرها.
وقد وقع شق صدره الشريف واستخراج قلبه مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء. ومرة أخرى عند الإسراء.
وروى الشق أيضًا، وهو ابن عشر أو نحوها، مع قصة له مع عبد المطلب، أبو نعيم في الدلائل.
وروي خامسة، ولا تثبت.
والحكمة في شق صدره الشريف في حال صباه، واستخراج العلقة منه، تطهيره عن حالات الصبا حتى يتصف في سن الصبا بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ على أكمل الأحوال من العصمة.
"وقد وقع شق صدره الشريف، واستخرج قلبه مرة أخرى" هي ثالثة "عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء" كما أخرجه أبو نعيم والبيهقي في دلائلهما والطيالسي والحارث في مسنديهما من حديث عائشة، وسأذكر الحديث إن شاء الله تعالى هناك، قال الحافظ: والحكمة فيه زيادة الكرامة ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير.
"ومرة أخرى" وهي رابعة "عند الإسراء" رواه الشيخان وأحمد من حديث قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم، فذكره الشيخان والترمذي والنسائي من طريق الزهري، عن أنس عن أبي ذر مرفوعًا، ورواه البخاري من طريق شريك عن أنس رفعه، ومسلم والبرقاني وغيرهما من طريق ثابت عن أنس رفعه بلا واسطة، فلا عبرة بمن نفاه؛ لأن رواته ثقات مشاهير. قال الحافظ: والحكمة فيه الزيادة في إكرامه ليتأهب للمناجاة، قال ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة؛ كما تقرر في شرعه، انتهى. وفيه: أن هذه رابعة؛ كما أشار له بقوله.
"وروي" بالبناء للفاع "الشق أيضًا وهو ابن عشر" من السنين "أو نحوها" يعني أشهرًا؛ كما في رواية في الزوائد وهي المرة الثانية، وقد جزم بها الحافظ في كتاب التوحيد "مع قصة له مع عبد المطلب أبو نعيم" فاعل روى "في الدلائل" ورواها أيضًا عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند رجاله ثقات وابن حبان والحاكم وابن عساكر والضياء في المختارة، عن أبي بن كعب: أنا أبا هريرة، قال: يا رسول الله! ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة؟ قال: "إن لفي صحراء ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي، يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على خلق قط فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني".
وفي لفظ: "فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، ففلقاه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب والآخر يغسل جوفي، ثم قال: شق قلبه، فشق قلبي فأخرج الغل والحسد منه، فأخرج شبه العلقة فنبذ به" فذكر الحديث. قال الشامي: والحكمة فيه