المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ‌ ‌مدخل … "بسم الله الرحمن الرحيم" "باب - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌باب مقدمة

- ‌ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني مؤلف المواهب اللدنية

- ‌التعريف بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية:

- ‌ترجمة الزرقاني شارح المواهب:

- ‌المقدمة:

- ‌شرح مقدمة المواهب

- ‌مدخل

- ‌المقصد الأول:

- ‌المقصد الثاني:

- ‌المقصد الثالث:

- ‌المقصد الرابع، المقصد الخامس

- ‌المقصد السادس:

- ‌المقصد السابع:

- ‌المقصد الثامن، المقصد التاسع

- ‌المقصد العاشر:

- ‌المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام

- ‌مدخل

- ‌عام الفيل وقصة أبرهة

- ‌ذكر تزوج عبد الله آمنة

- ‌وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال:

- ‌وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم:

- ‌ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه

- ‌ذكر خاتم النبوة

- ‌ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم

- ‌تزوجه عليه السلام من خديجة:

- ‌بنيان قريش الكعبة:

- ‌باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌مراتب الوحي:

- ‌ذكر أول من آمن بالله ورسوله

- ‌إسلام حمزة

- ‌الهجرة الأولى إلى الحبشة

- ‌باب الفهرس:

الفصل: ‌ ‌باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ‌ ‌مدخل … "بسم الله الرحمن الرحيم" "باب

‌باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

‌مدخل

"بسم الله الرحمن الرحيم"

"باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم":

ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة وقيل: وأربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين...............................

في الحجر لضيق النفقة بهم، ثم لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد تضعضعت من الرمي بالمنجنيق فهدمها في خلافته وبناها على قواعد إبراهيم، فأعاد طولها على ما هو عليه الآن، وأدخل من الحجر الأذرع المذكورة، وجعل له بابًا آخر، فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبد الملك في نقض ما فعله ابن الزبير فكتب إليه: أما ما زاده في طولها فأقره، وأما ما زاده في الحجر فرده إلى بنائه وسد بابه الذي فتحه، ففعل ذلك؛ كما في مسلم عن عطاء.

وذكر الفاكهي: أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج في هدمها، ولعن الحجاج.

وفي مسلم نحوه من وجه آخر: واستمر بناء الحجاج إلى الآن وقد أراد الرشيد أو أبوه أو جده أن يعيده على ما فعله ابن الزبير فناشده مالك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه ولم يتفق لأحد من الخلفاء ولا غيرهم تغيير شيء ممخا صنعه الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب وعتبته: وكذا وقع الترميم في الجدار والسقف وسلم السطح غير مرة، وجدد فيها الرخام.

قال ابن جريج: أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، فالمتحصل من الآثار؛ كما أفاده الفتح والإرشاد والسبل وشفاء الغرام: أنها بنيت عشر مرات وقد علمتها وذكر بعضهم أن عبد المطلب بناها بعد قصي وقبل بناء قريش، قال الفاسي: ولم أر ذلك لغيره وأخشى أن يكون وهمًا، قال: واستمر بناء الحجاج إلى يومنا هذا وسيبقى على ذلك إلى أن تخر بها الحبشة وتقلعها حجرًا حجرًا؛ كما في الحديث، وقد قال العلماء: إن هذا البنيان لا يغير، انتهى. والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم:

"ولما بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة" قاله جمهور العلماء. السهيلي: هو الصحيح عند أهل السير والعلم بالأثر. النووي هو الصواب وهو المروي في الصحيحين عن ابن عباس وأنس، وروي أيضًا عن عطاء وابن المسيب وجبير بن مطعم، وقباث بن أشيم الصحابي. "وقيل: أربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين" حكاه في الروض ممرضًا بلفظ: روي، وقيل: ويوم واحد، حكاه المنتقى.

ص: 385

يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة.

وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل. وقيل: في أول ربيع:

بعثه الله رحمة للعالمين........................

وفي تاريخ يعقوب بن سفيان وغيره عن مكحول: أنه بعث بعد اثنتين وأربعين سنة.

وقال الواقدي وابن عاصم والدولابي: وهو ابن ثلاث وأربعين. وفي كتاب العتقي: ابن خمس وأربعين، قال مغلطاي: وجمع بأن ذلك حين حمى الوحي وتتابع.

وقال البهران: هما شاذان، والثاني أشد شذوذًا. وفي الفتح حديث ابن عباس: فمكث بمكة ثلاث عشرة أصح مما عند أحمد من وجه آخر عنه أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرًا، وأصح مما أخرجه مسلم من وجه آخر عنه: أنه أقام بمكة خمس عشرة سنة. "يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان" رواه ابن سعد واقتصر عليه المصنف في إرشاده، "وقيل: لسبع" منه، "وقيل: لأربع وعشرين ليلة" من رمضان على ما في حديث واثلة الآتي، ثم كون البعث فيه هو قول الأكثر والمشهور عند الجمهور، قال الحافظان ابنا كثير وحجر وصححه الحافظ العلائي، قال في الفتح: فعلى الصحيح المشهور أن مولده في ربيع الأول يكون حين أنزل عليه ابن أربعين سنة وستة أشهر، وكلام ابن الكلبي يؤذن بأن ولد في رمضان، وبه جزم الزبير بن بكار وهو شاذ، انتهى.

"وقال ابن عبد البر" والمسعودي بعث "يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، من" عام "الفيل" وبه صدر ابن القيم، وعزاه للأكثرين، ثم حكى أنه كان في رمضان عكس النقل الأول، فعلى هذا يكون له أربعون سنة سواء، قاله الفتح.

وجمع بين النقلين: بما في حديث عائشة: أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة.

وحكى البيهقي: إن مدتها ستة أشهر فيكون نبئ بالرؤيا في ربيع الأول ثم أتاه جبريل في رمضان وحمل عليه بعضهم الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؛ لأن مدة الوحي كانت ثلاثًا وعشرين سنة فيها ستة أشهر منام وذلك جزء من ستة وأربعين.

وأما الجمع بأن نزول {اقْرَأْ} [العلق: 1] في رمضان، وأول المدثر في ربيع، فاعترض بأن نزول المدثر بعد ثلاث سنين.

"وقيل: في أول ربيع بعثه الله رحمة للعالمين" أوحى إليه وأمره بتبليغ ما أوحاه فنزل ذلك

ص: 386

ورسولا إلى كافة الثقلين أجمعين.

ويشهد لبعثه يوم الاثنين ما رواه مسلم عن أبي قتادة أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل عليّ".

وقال ابن القيم في "الهدى النبوي": واحتج القائلون بأنه كان في رمضان بقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] . قالوا: أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن.

منزلة الإرسال، فعبر عنه بالبعث مجازًا وإلا فحقيقة إرسال شخص من مكان لآخر يتعدى إليه الفعل بنفسه وإن وصل بنفسه كما هنا، وإلا فبالياء كبعثت بالكتاب عند أكثر اللغويين، وبه قطع المصباح.

"ورسولا إلى كافة الثقلين" الإنس والجن "أجمعين" وكأنه اقتصر عليهما؛ لأن آثار الإرسال إنما يتعلق بهما، والملائكة وإن كان مرسلا إليهم في الراجح غير مكلفين بشرعة وأشعر المصنف بتقارن الرسالة والنبوة، قال شيخنا: وهو الصحيح كما قال بعض مشايخنا، وقيل: النبوة متقدمة على الرسالة، وعليه ابن عبد البر وغيره، واقتصر عليه المصنف فيما يجيء.

"ويشهد لبعثه يوم الاثنين، ما رواه مسلم" مختصرًا من طريق مهدي بن ميمون عن غيلان عن عبد الله بن معبد، "عن أبي قتادة" الخزرجي السلمي الحارث بن ربعي بكسر الراء، شهد المشاهد، إلا بدرًا ففيها خلف "أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم" يوم "الاثنين، فقال: "فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ" ورواه مسلم قبل ذلك في حديث طويل من طريق شعبة عن غيلان عن ابن معبد عن أبي قتادة، بلفظ: وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه" أو قال:"أنزل عليّ فيه"، فصدق كل من المصنف والشامي في العزو لمسلم؛ لأنهما روايتان فيه.

"وقال ابن القيم في الهدي" بفتح الهاء وسكون الدال، "النبوي" يعني: كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد؛ لأن تراجمه كلها يقول: هديه عليه السلام في كذا "واحتج القائلون بأنه كان في رمضان" وإن اختلفوا في تعيين، أي: يوم منه على ما مر.

وأما حديث واثلة: وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان على تسليم أن المراد على المصطفى، فإنما هو دليل للقائل به إذ المعنى: احتج المتفقون على أنه كان في رمضان، "بقوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، أي: ابتدئ فيه إنزاله، "قالوا: أو ما أكرمه الله تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن" وهو إنما أنزل في رمضان

ص: 387

وقال آخرون: إنما نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم نزل نجومًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.

فيكون ابتداء نزوله فيه، "وقال آخرون: إنما أنزل القرآن جملة واحدة" من اللوح المحفوظ "في ليلة القدر إلى بيت العزة" في سماء الدنيا؛ كما جاء عن ابن عباس، فلا دلالة على الآية على أن ابتداء نزوله على المصطفى في رمضان ولا أن ابتداء نبوته فيه، لكن روى أحمد وابن جرير والطبراني والبيهقي عن واثلة مرفوعًا: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان"، قال الحافظ في الفتح: هذا الحديث مطابق لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]، ولقوله:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] ، فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين، أي: صبيحتها إلى الأرض أول {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1]، انتهى. قال في الإتقان: لكن يشكل على ذا الحديث ما عند ابن أبي شيبة عن أبي قلابة، قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان، انتهى. ولا إشكال فالمقطوع لا يعارض المرفوع.

"ثم نزل نجومًا" قطعًا متفرقة؛ لأن كل جزء منه يسمى نجمًا، "بحسب الوقائع" خمس آيات وعشر أو أكثر وأقل، وصح نزول عشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات من أول المؤمنين جملة، وصح نزول {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95] ، وحدها وهي بعض آية، وكذا:{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً} [التوبة: 28] إلى آخر الآية، نزول بعد نزول أول الآية وذلك بعض آية، وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة: أنزل الله القرآن نجومًا ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات وما عند البيهقي عن عمر: تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات؛ فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي صلى الله عليه وسلم خمسًا خمسًا.

ومن طريق ضعيف عن علي: أنزل القرآن خمسًا خمسًا إلا سورة الأنعام، فمعناه: إن صح إلقاؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا القدر حتى يحفظه ثم يلقي الباقي لا إنزاله بهذا القدر خاصة، ويوضح ذلك ما عند البيهقي عن أبي العالية: كان صلى الله عليه وسلم يأخذ القرآن من جبريل خمسًا خمسًا، قاله في الإتقان.

"في ثلاث وعشرين سنة" على قول الجمهور: أنه صلى الله عليه وسلم بعث لأربعين وعاش ثلاثًا وستين، ولا ينافيه أن الفترة التي لم ينزل فيها القرآن بعد نزول {اقْرَأ} [العلق: 1] ثلاث سنين؛ لأنه نزل قبلها أول اقرأ فصدق أنه نزل ثلاث وعشرين سنة؛ لأنه لم يقل كان ينزل عليه كل يوم ولا كل

ص: 388

....................................................................

شهر، وقيل: نزل في عشرين بناء على أنه عاش ستين أو على إلغاء الفترة.

قال الأصفهاني: اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله منزل، واختلفوا في معنى الإنزال، فقيل: إظهار القراءة، وقيل: ألهم الله تعالى كلامه جبريل وهو في السماء وهو عال من المكان وعلمه قراءته، ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان. وقال القطب الرازي: المراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تلقفًا روحانيًا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم، وقال غيره في المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال:

أحدها: اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف، وتحت كل حرف منها معان لا يحيط بها إلا الله.

الثاني: أن جبريل نزل بالمعاني خاصة وعلم صلى الله عليه وسلم تلك المعاني، وعبر عنها بلغة العرب لظاهر قوله:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: 193، 194] .

الثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى وعبر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية، ثم نزل به كذلك بعد. ويؤيد الأول ما رواه الطبراني عن النواس بن سمعان مرفوعًا إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخروا سجدًا فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أرادوا، وينتهي به على الملائكة كلما مر بسماء سأله أهلها: ماذا قل ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمر.

وقال البيهقي: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1] ، يريد والله أعلم إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع فيكون الملك متنقلا من علو إلى سفل، قال أبو ثمامة: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه يحتاج إليه أهل السنة المعتقدون قدم القرآن وأنه صفة قائمة بذاته تعالى.

وقال العلامة الخوي، بضم الخاء المعجمة: كلام الله المنزل قسمان، قسم قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إن الله يقول لك كذا وكذا، وأمر بكذا وكذا، ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قال ربه ولم تكن العبارة تلك العبارة؛ كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول: يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند يتفرق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب وتقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر، قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل بكلام الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابًا ويسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفًا، انتهى.

ص: 389

وقيل: كان ابتداء المبعث في رجب.

وروى البخاري في "التعبير" من حديث عائشة: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي....................................

والقرآن هو القسم الثاني، والأول هو السنة، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة؛ كما ينزل بالقرآن. وقد رأيت ما يعضد كلامه، فروى ابن أبي حاتم عن الزهري أنه سئل عن الوحي، فقال: الوحي ما يوحي الله إلى نبي من أنبيائه فيثبته في قلبه فيتكلم به ويكتبه، وهو كلام الله ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ولا يأمر بكتابته ولكنه يحدث به الناس حديثًا ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه، قاله في الإتقان ببعض اختصار. وذكر في فتاويه عن شيخه الكافيجي أن التلقف الروحاني لا يكيف.

"وقيل: كان ابتداء المبعث في رجب" حكى مغلطاي وغيره من العتقي أنه بعث وهو ابن خمس وأربعين سنة لسبع وعشرين من رجب، قال شيخنا: فيحتمل أن هذا اليوم هو المراد لصاحب هذا القول وهو وضاح وإن ثبت أنه يقول: سنة خمس وأربعون سنة.

"وروى البخاري في" كتاب "التعبير" من صحيحه، وفي التفسير، وفي بدء الوحي والإيمان لكنه اختار ما في التعبير؛ لأن سياقه فيه أتم فذكر الحزن والتردي إلى آخر الحديث إنما هو فيه دون تلك المواضع ودون كتاب مسلم ولذا لم يعزه لهما.

وأما جعل نكتة ذلك أنه كان بصدد ما وقع له يقظة والآن بصدهه أوقع له قبل ذلك فناسب نقله من التعبير، فبادرة لا محصل لها والتعبير تفعيل من عبرت مشددًا، قال المصنف: وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات وأنكروا التشديد لكن أثبته الزمخشري اعتمادًا على بيت أنشده المبرد في الكامل لبعض الأعراب:

رأيت رؤيا ثم عبرتها

وكنت للأحلام عبارًا

وقال غيره: يقال عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبرتها بالتشديد للمبالغة، انتهى. وهو تفسير الرؤيا؛ لأنه يعبر من ظاهرها إلى باطنها والعبر والعبور الدخول والتجاوز، وقيل: لأنه ينظر فيها، ويعتبر بعضها ببعض حتى تفهم فهو من الاعتبار وسيأتي بسط القول فيه إن شاء الله تعالى في مقصد الرؤيا بحول الله وقوته.

"من حديث عائشة" مرسلا؛ لأنها لم تدرك ذلك الوقت فإنما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم أو صحابي آخر عنه، قال الحافظ تبعًا للطيبي: ويؤيد سماعها له منه قولها في أثناء الحديث، قال: فأخذني فغطني. "أول ما بدئ" بضم الموحدة وكسر المهملة فهمزة "به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي" أي: من أقسامه فمن للتبعيض، وقول القزاز لبيان الجنس: كأنها قالت: من جنس الوحي

ص: 390

الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. وكان يأتي حراء...................................

وليست منه، أي: فهي مجاز علاقته المشابهة للوحي في أنه لا دخل للشيطان فيها رده عياض بحديث: "إنها جزء من النبوة".

"الرؤيا الصادقة" هكذا في التعبير والتفسير، أي: لا كذب فيها أو لا تحتاج لتعبير، أو ما يقع بعينه، أو ما يعبر في المنام، أو يخبر به صادق، وفي بدء الوحي ومسلم الصالحة، قال المصنف: وهما بمعنى بالنسبة إلى الآخرة في حق الأنبياء. وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخص فرؤيا الأنبياء كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا كرؤيا يوم أحد، انتهى.

"في النوم" زيادة للإيضاح أو لتخرج رؤية العين يقظة مجازًا، قاله الحافظ وغيره ويأتي إن شاء الله تعالى. الخلاف فيه في الإسرء حيث تكلم فيه المصنف، ثم فلا نطيل به هنا. قال الحافظ: وبدء بذلك ليكون توطئة وتمهيدًا لليقظة، ثم مهد له في اليقظة أيضًا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر، انتهى.

"فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت" في بياتها، وللحموي والمستملي: إلا جاءته مجيئًا "مثل" فنصب نعت مصدر محذوف، "فلق" بفتحتين "الصبح" أي: شبيهة له في الضياء والوضوح أو التقدير مشبهة ضياء الصبح، فالنصب على الحال، وقدمه الفتح واقتصر عليه النور، وأكثر الشراح. وقال العيني: الأول أولى؛ لأنه مطلق والحال مقيد.

قال الحافظ: وخص بالشبه لظهوره الواضح الذي لا يشك فيه، أو للتنبيه على أنه لم يكن في باعث البشر أو كون ذلك من باعث الأفهام.

وقال المصنف: لأن شمس النبوة كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى ظهور أشعتها وتمام نورها. وقال البيضاوي: شبه ما جاء في اليقظة ووجده في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه، والفلق: الصبح، لكنه لما استعمل في ذا المعنى وغيره أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام للخاص.

"وكان يأتي حراء" بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء والمد والتذكير والصرف على الصحيح، وحكى الفتح والقصر، وهي لغة مصروف على إرادة المكان ممنوع على إرادة البقعة، فيذكر ويؤنث جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، وزعم الخطابي خطأ المحدثين في قصره وفتح حائه والأربعة في قباء أيضًا، وجمعهما القائل:

حرا وقبا ذكر وأنثهما معا

ومد أو اقصر واصرفن وامنع الصرفا

ص: 391

فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى فجأه..........................................

"فيتحنث فيه" بحاء مهملة آخره مثلثة، أي: يتجنب الحنث، أي: الإثم فهو من الأفعال التي معناها السلب، وهو اجتناب فاعلها لمصدرها مثل تأثم وتحوب إذا اجتنب الإثم والحوب بضم المهملة، أي: الذنب العظيم أو هو بمعنى رواية ابن هشام في السيرة يتحنف بفاء خفيفة، أي: يتبع الحنيفية دين إبراهيم والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم وقدمه الفتح.

وفي كتاب الأضداد للصغاني: تحنث إذا أتى الحنث وإذا تجنبه. "وهو التعبد" من تسمية المسبب باسم السبب على التفسير الأول؛ لأن التعبد سبب لإزالة الإثم وليس نفسه. وعلى الثاني ظاهر "الليالي" نصب على الظرفية متعلق بيتحنث لا بالتعبد؛ لأنه لا يشترط فيه الليالي بل مطلق التعبد، "ذوات العدد" مع أيامهن واقتصر عليهن تغليبًا؛ لأنهن أنسب للخلوة ووصفها بذلك للتقليل كما في دراهم معدودة أو للتكثير لاحتياجها إلى العدد، وهو المناسب للمقام والتفسير للزهري أدرجه في الخبر؛ كما جزم به الطيبي.

قال الحافظ: ورواه البخاري في التفسير تدل عليه وأبهم العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وللبخاري ومسلم جاورت بحراء شهرًا، ولابن إسحاق: أنه شهر رمضان، ولم يصح عنه أكثر منه. وروى سوار بن معصب: أربعين يومًا لكنه متروك الحديث، قال الحاكم وغيره. وفي تعبده قبل البعثة بشريعة أم لا قولان، الجمهور على الثاني. واختار ابن الحاجب والبيضاوي الأول ففي أنه بشريعة إبراهيم أو موسى أو عيسى أو نوح أو آدم أو بشريعة من قبله دون تعيين، أو بجميع الشرائع. ونسب للمالكية أو الوقف أقوال، ولم يأت تصريح بصفة تعبده بحراء، فيحتمل أنه أطلق على الخلوة بمجردها تعبد، فإن الانعزال عن الناس، ولا سيما من كان على باطل عبادة، وعن ابن المرابط وغيره كان يتعبد بالفكر، وهذا على قول الجمهور.

"ويتزود" بالرفع عطفًا على يتحنث، أي: يتخذ الزاد، "لذلك" أي: للتعبد، "ثم يرجع إلى خديجة، فتزوده لمثلها" أي: الليالي؛ كما اقتصر عليه الفتح في بدء الوحي ورجحه في التعبير وإن رجح غيره في التفسير لأن مدة الخلوة كانت شهرًا، فكان يتزود لبعض ليالي الشهر، فإذا نفد رجع إلى أهله فيتزود قدر ذلك، ولم يكونوا في سعة بالغة من العيش وكان غالب أدمهم اللبن واللحم ولا يدخر منه كفاية شهر لسرعة فساده، لا سيما وقد وصف بأنه كان يطعم من يرد عليه، وفيه أن الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينقطع بالغار بالكلية بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم، ثم يرجع لتحنثه.

"حتى" على بابها من انتهاء الغاية، أي: واستمر بفعل ذلك حتى "فجأه" بفتح الفاء وكسر

ص: 392

الحق وهو في غار حراء.

فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، $"فقلت ما أنا بقارئ...............................

الجيم وتفتح؛ كما في الديباج فهمزة، أي: جاءه؛ كما في رواية بدء الوحي بغتة، فإنه لم يكن متوقعًا له "الحق" بالرفع صفة لمحذوف، أي: الأمر حق، وهو الوحي سمي حقًا لمجيئه من عند الله أو رسول الحق وهو جبريل فأصله الجر بتقديم مضاف لكنه حذف وأقيم مقامه، فأعطى على الإعراب، "وهو في غار حراء" فترك ذلك التحنث والجملة حالية، "فجاءه الملك" جبريل اتفاقًا "فيه" واللام لتعريف الماهية لا العهد، إلا أن يكون المراد: ما عهده عليه السلام لما كلمه في صباه أو اللفظ لعائشة وقصدت به ما يعهده من تخاطبه به.

قال الإسماعيلي: هي عبارة عما يعرف بعد أنه ملك وإنما الأصل فجاءه جاء وكان الجائي ملكًا فأخبر عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم أخبر بحقيقة جنسه، والحامل عليه أنه لم يتقدم له معرفة به، انتهى. وهو ظاهر ولا ينافيه أن اللفظ لعائشة؛ لأنها حكت ما سمعته وفاء، فجاءه تفسيرية؛ كقوله:{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] ، لا تعقيبية، قال الحافظ: لأن مجيء الملك ليس بعد مجيء الوحي حتى يعقب به بل هو نفسه ولا يلزم منه تفسير الشيء بنفسه بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال وغيره من جهة التفصيل، انتهى. ولا سببية؛ لأن المسبب غير المسبب.

"فقال" له: "اقرأ" أمر لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيلقى إليه أو على بابه من الطلب، فهو دليل على تكليف ما لا يطاق في الحال وإن قدر عليه بعد. قال الحافظ: وهل سلم قبل قوله: اقرأ، أم لا؟ وهو الظاهر؛ لأن المقصود حينئذ تفخيم الأمر وتهويله وابتداء السلام متعلق بالبشر لا الملائكة، وتسليمهم على إبراهيم؛ لأنهم كانوا في صورة البشر، فلا يرد هنا ولا سلامهم على أهل الجنة؛ لأن أمور الآخرة مغايرة لأمور الدنيا غالبًا نعم.

في رواية الطيالسي: أن جبريل سلم أولا لكن لم يرد أنه سلم عند الأمر بالقراءة، انتهى. "فقلت" هذه رواية الأكثر في البخاري في التعبير. وفي رواية أبي ذر فيه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وفي بدء الوحي قال بدون فاء. وفي رواية: فيه، أي: بدء الوحي، قلت: بلا فاء أيضًا.

"ما أنا بقارئ" وجعل المصنف في التعبير متنه الأحمر رواية أبي ذر، وعقبها بقوله: ولغير أبي ذر، فقلت:"ما أنا بقارئ ما أحسن أن أقرأ"، انتهى. فلم ينتبه لذلك الشارح فوهم حيث أشار للاعتراض على المصنف هنا، بما حاصله: أن لفظ فقلت لما يقع في التعبير ولا بدء الوحي مع أنك قد علمت أن رواية الأكثر، وما نافية، وقيل: استفهامية وضعفه عياض وابن قرقول بدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل على ما الاستفهامية، وأجيب: بأن رواية أبي الأسود عن

ص: 393

فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] " -حتى.......................

عروة: "كيف أقرأ"؟. وابن إسحاق عن عبيد بن عمير: "ماذا أقرأ"؟. دلتا على أنها استفهامية وقد جوز الأخفش دخول الباء على الخبر المثبت، وجزم به ابن مالك في: بحسبك زيد، فجعل الخبر حسبك، والباء زائدة.

"فأخذني فغطني" بغين معجمة فطاء مهملة مشددة، أي: ضمني وعصرني. وفي رواية الطبري وابن إسحاق: "فغتني" بالتاء الفوقية، وهو حبس النفس، وللطيالسي بسند جيد:"فأخذ بحلقي"، "حتى بلغ مني الجهد". قال الحافظ: روي بالفتح والنصب، أي: بلغ الغط مني غاية وسعي، وروى بالضم والرفع، أي: بلغ مني الجهد مبلغه، "ثم أرسلني" أي: أطلقني "فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ" أي: حكمي كسائر الناس من أن حصول القراءة إنما هو بالتعلم وعدمه بعدمه فلذا كرر عظمه ليخرجه عن حكم سائر الناس، ويستفرغ منه البشرية ويفرغ فيه من صفات الملكية، قاله شارح المشكاة الطيبي.

"فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذن فغطني". كذا رواه الكشميهني ولغيره بحذف: فأخذني، "الثالثة، حتى بلغ مني الجهد" كذا ثبت الغلط ثلاثًا في التعبير والتفسير، وسقطت في بدء الوحي الثالثة، قال الحافظ: ولعل الحكمة في تكرير اقرأ، الإشارة إلى انحصار الإيمان الذي ينشأ عنه الوحي بسببه في ثلاث: القول والعمل والنية، وأن الوحي يشتمل على ثلاث التوحيد والأحكام والقصص، ويأتي حكمة الغط في كلام المصنف.

قال في الروض: وانتزع شريح القاضي التابعي أن لا يضرب الصبي إلا ثلاثًا على القرآن؛ كما غط جبريل محمدًا صلى الله عليه وسلم ثلاثًا، "ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] "، استدل به القائل بأن البسملة ليست آية من كل سورة، فهذه أول سورة نزلت وليست فيها. وقال السهيلي: نزلت بعد ذلك مع كل سورة لا منها، وقد ثبتت في المصحف بإجماع الصحابة وما ذكره البخاري عن مصحف الحسن البصري شذوذ ولا نلتزم قول الشافعي: أنها آية من كل سورة، ولا أنها آية من الفاتحة بل آية من القرآن مقترنة مع السورة، وهو قول داود وأبي حنيفة، وهو قول بين لمن أنصف، انتهى. وهو اختيار له مخالف للمعتمد من مذهب مالك.

" {الَّذِي خَلَقَ} " وصف مناسب مشعر بعلية الحكم بالقراءة، "حتى" هي رواية أبي ذر ولغيره

ص: 394

بلغ- {مَا لَمْ يَعْلَمِ} [العلق: 5] .

فرجع بها ترجف بوارده فؤاده، حتى دخل على خديجة، فقال:"زملوني زملوني". فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال:"يا خديجة، ما لي"؟. وأخبرها الخبر، وقال:"قد خشيت على نفسي".

فقالت له: كلا.................................

ثم "بلغ {مَا لَمْ يَعْلَمْ} فرجع بها" قال الحافظ: أي: بالآيات أو بالقصة، "ترجف" بضم الجيم تضطرب "بوارده" بفتح الموحدة وخفة الواو فألف فدال مهملة قراء، قال المصنف: جمع باردة وهي اللحمة بين العنق والمنكبين، وقال ابن بري: ما بين المنكب والعنق، أي: لا تختص بعضو واحد وذلك لما فجأه من الأمر المخالف للعادة إذ النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها وفي بدء الوحي يرجف "فؤاده"، قال المصنف: أي قلبه أو باطنه أو غشاؤه، انتهى.

فعلى الثالث عدل عن القلب؛ لأن الغشاء إذا حصل له الرجفان حصل للقلب، ففي ذكره من تعظيم الأمر ما ليس في ذكر القلب.

"حتى دخل على خديجة" التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له، "فقال:"زملوني زملوني" بكسر الميم مع التكرار مرتين من التزميل، وهو التلفيف، أي: غطوني بالثياب ولفوني بها، قال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفيف، "فزملوه" بفتح الميم، أي: لفوه، أي: خديجة ومن معها فلذا لم يؤنث أو خديجة وحدها وعبر بجمع الذكور للتعظيم؛ كقوله:

وإن شئت حرمت النساء سواكم

وقوله:

وكم ذكرتك لو أجزى بذكركم

يا أشبه الناس كل الناس بالقمر

"حتى ذهب عنه الروع" بفتح الراء: الفزع، فقال:"يا خديجة ما" استفهام تعجب، أي: أي شيء ثبت "لي" حتى حصل لي ما حصل "وأخبرها الخبر" جملة حالية، وقال:"قد خشيت عليّ". بتشديد الياء في رواية الحموي والمستملي للصحيح في التعبير ولغيرهما كالتفسير وبدء الوحي على "نفسي". فقالت له، وفي بدء الوحي، فقالت خديجة:"كلا" نفي وإبعاد، أي: لا تقل ذلك أو لا خوف عليك بدليل رواية: فقالت: معاذ الله، قال الشامي: ومن اللطائف أن هذه الكلمة التي ابتدأت خديجة النطق بها عقب ما ذكر لها من القصة هي التي وقعت عقب الآيات،

ص: 395

أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

فجرت على لسانها اتفاقًا؛ لأنها لم تنزل إلا بعد في قصة أبي جهل على المشهور.

"أبشر" بقطع الهمزة أمر أيد به الخبر، والمقصود منه، تعجيل المسرة بالبشرى، أي: إني مبشرة لك بخير أو بأنك رسول الله، "فو الله لا يخزيك الله أبدًا" بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الزاي فتحتية ساكنة، أي: لا يفضحك. وللكشميهني: يحزنك، بفتح أوله وسكون الحاء وضم الزاي؛ كما اقتصر عليه الحافظ، زاد المصنف وغيره: أو بضم أوله مع كسر الزاي وبالنون، يقال: حزنه وأحزنه أوقعه في بلية.

"إنك" بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء، قال الدماميني: فصلت هذه الجملة عن الأولى؛ لكونها جوابًا عن سؤال اقتضته، وهو عن سبب خاص، فحسن التأكيد وذلك أنها لما أثبتت القول بانتفاء الخزي عنه وأقسمت عليه، انطوى ذلك على اعتقادها أن ذلك بسبب عظيم فيقدر السؤال عن خصوصه حتى كأنه قيل هل سبب ذلك الإنصاف بمكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف؛ كما بشر إليه كلامك؟ فقالت: إنك "لتصل الرحم" أي: القرابة بالإحسان إليهم على حسب حال الواصل والموصول إليه، فتارة بالمال والخدم وبالزيارة وبالسلام وغير ذلك، "وتصدق الحديث" فما كذب قط ولا اتهم به قبل النبوة؛ كما اعترف به أو سفيان عند هرقل وكان حينئذ عدوه وثبتت هذه الخصلة في التعبير والتفسير وسقطت في بدء الوحي، وهي من أشرف الخصال. "وتحمل الكل" بفتح الكاف وشد اللام من لا يستقل بأمره كما قال تعالى:{وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} [النحل: 76] ، أو الثقل بكسر المثلثة وسكون القاف.

وقال الداودي: الكل المنقطع ويدخل فيه الاتفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك من الكلال وهو الإعياء، زاد هنا في بدء الوحي؛ كمسلم وتكسب المعدوم بفتح التاء في الأشهر، وروي بضمها، أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، فحذف أحد المفعولين، يقال: كسبت الرجل مالا وأكسبته بمعنى، أو ما يعجز عنه غيرك تصيبه وتكسبه ثم تجود به في الوجود التي ذكرت، وعلى رواية ضم التاء، قال الخطابي: الصواب المعدم بلا واو، ورده الحافظ بأنه لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه كالميت الذي لا تصرف له، فكأنها قالت: إذا رغب غيرك أن يستفيد مالا موجودًا رغبت أنت أن تستفيد رجلا عاجزًا فتعاونه، "وتقري الضيف" بفتح الفوقية من غير همز ثلاثيًا، قال الأبي: وسمع بضمها رباعيًا، أي: تهيئ له طعامه وتنزله، قال المصنف في بدء الوحي، وفيه إفادة أن الرواية الأول ولذا اقتصر عليه في التعبير. "وتعين على نوائب الحق" جمع نائبة، أي: حوادثه، وهذه جامعة لإفراد ما سبق ولغيره وقيدت بالحق؛

ص: 396

ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخو أبيها -وكان امرأ تنصر في الجاهلية.................

لأنها تكون فيه، وفي الباطل قال لبيد:

نوائب من خير وشر كلاهما

فلا الخير ممدود ولا الشر لازب

أي: فلا يصيبك مكروه، لما جمع الله فيك من مكارم الأخلاق ومحاسن الشمائل، وفيه دلالة على أن ذلك سبب للسلامة من مصارع السوء ومدح الإنسان في وجهه لمصلحة تطرأ، وأما خبر:"احثوا في وجوه المداحين التراب"، ففي مدح بباطل أو يؤدي إلى باطل وتأنيس من حصلت له مخافة وتبشيره وذكر أسباب السلامة له، وكمال خديجة وجزالة رأيها وعظم فقهها فقد جمعت كل أنواع المحاسن وأمهاتها فيه عليه السلام؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب، وإما إلى الأجانب، وإما بالمال أو البدن، وإما لمن يستقل بأمره أو غيره، وإجابته بجواب فيه قسم وتأكيد بأن، واللام لتذهب حيرته ودهشته، واستدلت على ذلك بأمر استقرائي جامع لأصول المكارم.

"ثم" قبل أن تأتي به ورقة، انطلقت خديجة على ما عند سليمان التيمي وموسى بن عقبة حتى أتت غلامًا لعتبة بن ربيعة نصرانيًا من أهل نينوى بكسر النون وفتحها وتحتية ساكنة فنون، يقال عداس بفتح العين وشد الدال وبسين مهملات، فقالت له: أذكرك الله! إلا ما أخبرتني هل عندكم علم من جبريل؟ فقال عداس: قدوس قدوس يا سيدة نساء قريش، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان؟ فقالت: أخبرني بعلمك فيه، قال: هو أمين الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى، فرجع من عنده، ثم "انطلقت به" أي: مضت معه فالباء للمصاحبة، قاله الحافظ، وسارت به "خديجة" مصاحبة له "حتى أتت به ورقة" بفتح الواو والراء والقاف.

"ابن نوفل" بفتح النون والفاء "ابن أسد بن عبد العزى" تأنيث الأعز، وهو الصنم "ابن قصي" بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، وأنهى الحديث نسبة إلى قصي؛ لأنه الذي يشترك فيه مع المصطفى عليه السلام توفي ولم يعقب، ويأتي قريبًا الكلام في أنه صحابي عند قول المتن، وقيل: أول من أسلم ورقة. "وهو ابن عم خديجة" لأنها بنت خويلد بن أسد، وهو "أخو أبيها" بالرفع خبر مبتدأ محذوف ولابن عساكر أخي بالجر صفة لعم. وفائدته: رفع المجاز في إطلاق العم.

"وكان امرأ"ترك عبادة الأوثان و"تنصر" قال الحافظ: أي صار نصرانيًا، "في الجاهلية" وذلك أنه خرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل لما كرها عبادة الأوثان إلى الشام وغيرها يسألون عن الدين، فأعجب ورقة النصرانية وكأنه لقي من بقي من الرهبان على دين عيسى ولذا أخبر

ص: 397

وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب -وكان شيخًا كبيرًا قد عمي- فقالت له خديجة: أي ابن عمي! اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى، فقال له ورقة: هذا

بشأنه صلى الله عليه وسلم والبشارة به إلى غير ذلك مما أفسده أهل التبديل، انتهى.

وذكر ابن عبد البر أنه تهود، ثم تنصر "وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية" أي: باللغة العربية، "من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب" أي: الذي شاء الله كتابته، فحذف العائد هكذا في التعبير؛ كمسلم. وفي بدء الوحي العبراني وبالعبرانية، فرجح الزركشي الرواية الأولى؛ لاتفاقهما. وجمع النووي وتبعه الحافظ بأنه تمكن من دين النصارى وكتابهم بحيث صار يتصرف في الإنجيل، فيكتب إن شاء بالعربية وإن شاء بالعبرانية انتهى. فعلم أن الإنجيل ليس عبرانيًا، قال الكراماني: وهو المشهور خلافًا للتيمي، انتهى. وإنما هو سرياني والتوراة عبرانية بكسر العين، قال الحافظ: وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسرًا كتيسر حفظ القرآن الذي خصت به هذه الأمة فلهذا جاء في صفتها أناجيلها في صدورها، انتهى.

"وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: أي ابن عم! " نداء على حقيقته، ووقع في مسلم: أي عم، قال الحافظ: وهو وهم؛ لأنه وإن صح بجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين فتعين الحمل على الحقيقة، وإنما جوزنا ذلك في العبراني والعربي، لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة، انتهى.

وفي اديباج: وعندي أنها قالت: ابن عم على حذف حرف النداء، فتصحفت ابن بأي، انتهى. "اسمع" بهمزة وصل "من ابن أخيك" تعني النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأب الثالث لورقة وهو عبد العزى، هو الأخ للأب الرابع للمصطفى، وهو عبد مناف، كأنها قالت: من ابن أخي جدك، فهو مجاز بالحذف، قال الحافظ: أو لأن والده عبد الله في عدد النسب إلى قصي الذي يجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحيثية في درجة أخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه، قال: وفيه إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرف بقدره ممن يكون أقرب منه إلى المسئول، وذلك مستفاد من قولها، أرادت أن يتأهب لسماع كلامه، وذلك أبلغ في التعظيم.

"فقال ورقة: ابن أخي" بالنصب منادى مضاف، "ماذا ترى" قال الحافظ: فيه حذف دل عليه السياق، وصرح به في دلائل أبي نعيم بسند حسن بلفظ: فأتت به ورقة ابن عمها، فأخبرته بالذي رأى، فقال: ماذا ترى؟ "فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى" وفي بدء الوحي خبر ما رأى، فهنا مضاف مقدر "فقال ورقة: هذا" أي: الملك الذي ذكره عليه السلام نزله منزلة القريب لقرب

ص: 398

الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا..........................

ذكره؛ كما في الفتح.

"الناموس" بنون وسين مهملة وهو صاحب السر؛ كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء، أي: مطلقًا عند الجمهور وهو الصحيح خلافًا لمن زعم أن صاحب سر الشر، يقال له الجاسوس، وقال ابن دريد: وهو صاحب سر الوحي، والمراد جبريل وأهل الكتاب يسمونه الناموس الأكبر "الذي أنزل" بالبناء للمفعول في التعبير والتفسير، وفي بدء الوحي: نزل الله، وللكشميهني: أنزل الله، "على موسى" لم يقل عيسى مع أنه كان نصرانيًا تحقيقًا للرسالة؛ لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتاب بخلاف عيسى، فكثير من اليهود ينكر نبوته أو لاشتمال كتاب موسى على أكثر الأحكام؛ ككتاب نبينا بخلاف الإنجيل فأمثال ومواعظ، أو لأن النصارى يتبعون أحكام التوراة ويرجعون إليها.

قال الحافظ: أو لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون وأتباعه بخلاف عيسى وكذلك وقعت النقمة على يده صلى الله عليه وسلم لفرعون هذه الأمة ومن معه ببدر، قال: وأما ما تمحل به السهيلي من أن ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى، ودعواهم أنه أحد الأقانيم فهو محال لا يعرج عليه في حق ورقة وأشباهه ممن لم يدخل في التبديل، أو أخذ عمن لم يبدل على أن قد ورد عند الزبير بن بكار بلفظ عيسى، ولا يصح نعم لأبي نعيم في الدلائل بسند حسن: أن خديجة أتت ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر، فقال: إن كنت صدقتني، إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلمه بنو إسرائيل أبناءهم فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة ناموس موسى، فعند إخبار خديجة له بالقصة، قال لها: ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه من النصرانية، وعند إخبار النبي صلى الله عليه وسلم، قال له ناموس موسى، والكل صحيح، انتهى.

"يا ليتني" أكون "فيها" أي: مدة النبوة أو الدعوة، "جذعًا" بفتح الجيم والمعجمة شابًا، فالنصب وهو المشهور في الصحيحين خبر أكون المقدرة، كذا أعربه الخطابي والمازري وابن الجوزي على رأي الكوفيين في نحو: انتهوا خيرًا لكم وضعف بأن كان لا تضمر إلا إذا كان في الكلام لفظ يقتضيها، نحو: إن خيرًا فخير، أو على الحال من الضمير المستكن في خبر ليت، وهو فيها، أي: كائن فيها حال التشبيه والقوة لأبالغ في نصرك، ورجحه عياض ثم النووي وعزاه للمحققين.

قال السهيلي: والعامل في الحال ما يتعلق به الخبر من معنى الاستقرار أو على أن ليت تنصب الجزأين؛ كقوله:

يا ليت أيام الصبا رواجعًا

ص: 399

ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو مخرجي هم"؟. فقال

وقال ابن بري: بفعل محذوف، والتقدير: يا ليتني جعلت، ورواه الأصيلي في البخاري وابن ماهان في مسلم بالرفع خبر ليت. قال ابن بري: المشهور عند أهل اللغة: والحديث جذع بسكون العين، قال السيوطي: هو رجز مشهور عندهم يقولون:

يا ليتني فيها جذع

أخب فيها واضع

"ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك" هكذا هو في التعبير بلفظ: حين، وفي بدء الوحي: إذ بدلها باستعمال إذا في المستقبل تنزيلا له منزلة الماضي؛ لتحقق وقوعه، كقوله:{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} [مريم: 39]، قال الحافظ: فيه دليل على جواز تمني المستحيل إذا كان في خير؛ لأن ورقة تمنى أن يعود شابًا وهو مستحيل عادة ويظهر لي أن التمني ليس على بابه بل المراد التنبيه على صحة ما أخبر به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به، انتهى.

وقيل: هو تحسر لتحققه عدم عود الشباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أو" بفتح الواو "مخرجي" بشد الياء مفتوحة خبر مقدم لقوله "هم" جمع مخرج، قاله ابن مالك، وأصله مخرجون لي حذفت اللام تخفيفًا ونون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم، فصار: أو مخرجي اجتمعت الواو والياء وسبقت الواو بالسكون، فقلبت ياء، ثم أدغمت في ياء المتكلم وقلبت الضمة كسرة لمناسبة الياء والهمزة للاستفهام، ولم يقل: أو مخرجي مع أن الأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف، نحو: فأين تذهبون لاختصاص الهمزة بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أصالتها، نحو: أو لم يسيروا، هذا مذهب سيبويه والجمهور.

وقال الزمخشري وجماعة: الهمزة في محلها الأصلي والعطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، والتقدير: أمعادي هم ومخرجي هم، وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التقدير فلا يستنكر وعطفه مع أنه إنشاء على قول ورقة: حين يخرجك قومك، وهو خبر؛ لأن الأصح كما قال المصنف: جوازه عند النحويين وإنما منعه البيانيون، فاحتاجوا للتقدير المذكور فالتركيب سائغ عند الجميع. وأما كونه عطف جملة على جملة والمتكلم مختلف، فسائغ معروف في القرآن والكلام الفصيح:{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة: 124] ، ثم الاستفهام إنكاري؛ لأنه استبعد صلى الله عليه وسلم إخراجه من الوطن لا سيما حرم الله وبلد أبيه إسماعيل من غير سبب يقتضيه، فإنه كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه وإنزاله منهم منزلة الروح من الجسد ويؤخذ منه؛ كما قال السهيلي: إن مفارقة الوطن

ص: 400

ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.

ثم لم ينشب ورقة أن توفي..............................................

على النفس شديدة لإظهاره الانزعاج لذلك، بخلاف ما سمعه من ورقة من إيذائهم وتكذيبهم له، ففي مرسل عبيد بن عميران ورقة قال له: لتكذبنه ولتؤذينه ولتقاتلنه، بهاء السكت.

"فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط" بفتح القاف وشد الطاء مضمومة في أفصح اللغات ظرف لاستغراق الماضي، فتختص بالنفي "بما" وللكشميهني في التعبير كبدء الوحي: بمثل ما "جئت به إلا عودي" وفي التفسير: إلا أوذي، ذكر ورقة أن علة ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفهم، ولأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه وأنه يلزم ذلك منابذتهم فتنشأ العداوة، وفيه دليل على أنه يلزم المجيب إقامة الدليل على جوابه إذا اقتضاه المقام.

"وإن يدركني" بالجزم بأن الشرطية، "يومك" فاعل يدرك، أي: يوم انتشار نبوتك، زاد في التفسير: حيًا، "أنصرك" بالجزم جواب الشرط "نصرًا" بالنصب على المصدرية، ووصفه بقوله:"مؤزرًا" بضم الميم وفتح الزاي المشددة آخره راء مهموز من الأزر، أي: قويًا بليغًا وإنكار القزاز الهمز لغة رد بقول الجوهري، أزرت فلانًا عاونته، والعامة تقول: وأزرته، وقال أبو شامة: يحتمل أنه من الإزار إشارة إلى تشميره في نصرته، قال الأخطل:

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم

البيت. وفي رواية ابن إسحاق من مرسل عبيد بن عميران: أدرك ذلك اليوم. قال السهيلي: والقياس رواية الصحيح؛ لأن ورقة سابق بالوجود والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده، كما جاء: أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي، قال: ولرواية ابن إسحاق وجه؛ لأن المعنى إن أر ذلك اليوم فسمى روايته إدراكًا، وفي التنزيل: لا تدركه الأبصار رأى لا تراه على أحد القولين، انتهى.

"ثم لم ينشب" بفتح التحتية والمعجمة، أي: لم يلبث "ورقة" بالرفع فاعل ينشب، "أن توفي" بفتح الهمزة وخفة النون بدل اشتمال من ورقة، أي: لم تتأخر وفاته، وتجويز أن محله جر بجار مقدر، أي: عن الوفاة أو نصب بنزع الخافض لا يلتفت إليه إذ الأول شاذ، والثاني مقصور على السماع، فلا يخرج عليه كلام الفصحاء، قال الحافظ: وأصل النشوب التعلق، أي: لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات، وهذا يخالف ما في سيرة ابن إسحاق: إن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب ذلك يقتضي تأخيره إلى زمن الدعوة ودخول بعض الناس في الإسلام، فإن تمكنا بالترجيح

ص: 401

وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدى له جبريل فقال: "يا محمد إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه

فما في الصحيح أصح، وأن لحظنا الجمع أمكن أن الواو في: وفتر الوحي، ليست للترتيب ولعل الراوي لم يحفظ لورقة ذكرًا بعد ذلك في أمر من الأمور فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى علمه لا إلى ما هو الواقع، انتهى.

واعتمد هذا في الإصابة، وأول قوله: أن توفي بأن معناه قبل اشتهار الإسلام والأمر بالجهاد، انتهى. وقد أرخ الخميس موت ورقة في السنة الثالثة من النبوة، وقيل: الرابعة. وأما قول الواقدي إنه قتل ببلاد لخم وجذام بعد الهجرة فغلط بين، فإنه دفن مكة؛ كما نقله البلاذري وغيره.

"وفتر الوحي" أي: احتبس جبريل عنه بعد أن بلغه النبوة، "فترة" سيذكر المصنف قدرها، حتى حزن" بكسر الزاي "النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا" جزم عياض بأن هذا قول معمر وخالفه السيوطي والمصنف تبعًا للحافظ، وقالوا: هو شيخه الزهري، "حزنًا غدا" بغين معجمة من الذهاب، وبمهملة من الغدو وهو الذهاب بسرعة "منه" أي: الحزن "مرارًا كي يتردى" يسقط "من رءوس شواهق الجبال" أي: طوالها جمع شاهق وهو العالي الممتنع.

وعند ابن سعد من حديث ابن عباس: مكث أيامًا بعد مجيء الوحي لا يرى جبريل فحزن حزنًا شديدًا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى يريد أن يلقي نفسه، "فكلما أوفى" بفتح الهمزة وسكون الواو: أشرف، "بذروة" بكسر الذال المعجمة وتفتح وتضم: أعلى، "جبل لكي يلقي نفسه" إشفاقًا أن تكون الفترة لأمر أو سبب "منه" فخشي أن تكون عقوبة من ربه، ففعل ذلك بنفسه ولم يرد بعد شرع بالنهي عنه فيعترض به أو لما أخرجه من تكذيب من بلغه؛ كما قال تعالى:{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} [الكهف: 6] الآية، ذكرهما عياض.

وقول المصنف: أو حزن على ما فاته من بشارة ورقة، ولم يخاطب عن الله بأنه رسول الله ومبعوث إلى عباده فيه أن في مرسل عبيد بن عمير عند ابن إسحاق: أنه ناداه: أنت رسول الله وأنا جبريل بعد الغط، وقبل أن يأتي إلى خديجة. "تبدى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا" وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد: فبينما هو عامد لبعض تلك الجبال إذ سمع صوتًا فوقف فزعًا ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعًا، يقول: يا محمد، أنت رسول الله حقًا وأنا جبريل، "فيسكن لذلك جأشه" بجيم فهمزة ساكنة، ويجوز تسهيلها فشين معجمة، أي: اضطراب قلبه، "وتقر" بفتح الفوقية والقاف، "نفسه"

ص: 402

فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك".

وقد تكلم العلماء في معنى قوله عليه السلام لخديجة: "قد خشيت علي" فذهب الإسماعيلي إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند الله. وكان أشق شيء عليه أن يقال عليه مجنون.

والعطف تفسيري "فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى".

وفي رواية: بدا في الموضعين بدل تبدى "له جبريل، فقال له مثل ذلك" يا محمد، إنك رسول الله حقًا، وهذا البلاغ ليس بضعيف؛ كما ادعى عياض متمسكًا بأنه لم يسنده؛ لأن عدم إسناده لا يقدح في صحته بل الغالب على الظن أنه بلغه من الثقات؛ لأنه ثقة ثم إن معمرًا لم ينفرد به عن الزهري بل تابعه عليه يونس بن يزيد عند الدولابي، ورواه ابن سعد من حديث ابن عباس بنحوه، وفي بعض النسخ السقيمة هنا، وفي رواية أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، قال: جاورت بحراء شهرًا، فذكر حديث جابر الآتي إلى قوله: ولم تكن الرجفة هي خطأ محض لتكررها مع الآتي وقصر عزوها لأبي داود مع أنه أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، والذي في النسخ الصحيحة المقروءة: إنما هو ما يأتي لا ما هنا ولم يتعرض شيخنا لهذا إنما كتب على الآتي وأيضًا فالمناسب ذكره، ثم لأنه شرع هنا يتكلم على بعض حديث البخاري، فقال:"وقد تكلم العلماء في معنى قوله عليه السلام لخديجة: "قد خشيت علي" لأن ظاهره مشكل لاقتضائه الشك في أن ما أتاه من الله ولا يجوز بمقامه صلى الله عليه وسلم فهو محتاج للتكلم في معناه، فاختلفوا فيه على اثني عشر قولا، "فذهب" الإمام الحافظ الثبت، أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس "الإسماعيلي" الجرجاني، قال الحاكم: كان واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء وأجلهم رئاسة ومروءة وسخاء، علا إسناده وتفرد ببلاد العجم، ومات في رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.

"إلى" حمله على ظاهره ولا ضير فيه لجواز "إن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند الله" وأما بعد وصوله فلا "وكان أشق" بالنصب خبر "شيء عليه" والاسم "أن يقال" أي: قولهم، "عليه مجنون" فكان يكره ذلك في نفسه، وإن لم يقل عليه حينئذ، فإنهم إنما قالوه بعد دعائهم إلى الإيمان تنفيرًا للناس عنه، أو علم بنور أودعه الله في قلبه، أنه يقال عليه.

ص: 403

وقيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، ولا غرو، فإنه بشر يخشى من القتل والأذية، كما يخشى البشر.

وقوله: "ما أنا بقارئ" أي: أنا أمي فلا أقرأ الكتب.

وحاصل هذا القول ما لخصه الحافظ، بقوله: أولها أنه خشي الجنون وأن يكون ما جاءه من جنس الكهانة جاء مصرحًا به في عدة طرق، وأبطله أبو بكر بن العربي وحق له أن يبطل، لكن حمله الإسماعيلي على ذلك، انتهى.

قال السهيلي: ولم ير الإسماعيلي أن هذا محال في مبدأ الأمر؛ لأن العلم الضروري لا يحصل دفعة واحدة وضرب مثلا بالبيت من الشعر تسمع أوله فلا تدري أنظم هو أم نثر، فإذا استمر الإنشاد علمت قطعًا أنه قصد به الشعر، كذلك لما استمر الوحي واقترنت به القرائن المقتضية للعلم القطعي، وقد أثنى الله عليه بهذا العلم، فقال:{آمَنَ الرَّسُولُ} [البقرة: 285] إلى قوله: {وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285] .

"وقيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه" وإن كان عالمًا بأن ما جاءه من ربه، "ولا غرو" بغين معجمة مفتوحة فراء فواو: ولا عجب في خشيته ذلك، وإن كان سيد أهل اليقين؛ لأن ذلك مما يرجع للطبع. "فإنه بشر يخشى من القتل والأذية كما يخشى البشر" ثم يهون عليه الصبر في ذات الله كل خشية ويجلب إلى قلبه كل شجاعة وقوة قاله في الروض.

ثالثها: خشي الموت من شدة الرعب. رابعها: تعييرهم إياه، قال الحافظ: وهذان أَولى الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب وما عداهما معترض؛ خامسها خشي المرض، وبه جزم ابن أبي جمرة. سادسها: دوامه. سابعها: العجز عن رؤية الملك من الرعب. ثامنها: مفارقة الوطن. تاسعها: عدم الصبر على أذى قومه. اشرها: تكذيبهم إياه. حادي عشرها: مقاومة هذا الأمر وحمل أعباء النبوة، فتزهق نفسه أو ينخلع قلبه لشدة ما لقيه أولا عند لقاء الملك. ثاني عشرها: إنه هاجس، قال الحافظ: وهو باطل؛ لأنه لا يستقر وهذا استقر وحصلت بينهما المراجعة. وأما قول عياض: هذا أول ما رأى التباشير في النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحقق رسالة ربه، أما بعد أن جاءه بالرسالة، فلا يجوز عليه الشك فضعفه النووي بأنه خلاف تصريح الحديث، بأن هذا بعد الغط وإتيانه:{اقْرَأْ} [العلق: 1]، وأجاب العيني: بأن مراده إخبارها بما حصل له؛ لأنه خاف حال الإخبار فلا يكون ضعيفًا.

وقوله: "ما أنا بقارئ". أي: إني أمي، فلا أقرأ الكتب، فما نافية لا استفهامية لوجود الباء في الخبر، وإن جوزه الأخفش فهو شاذ والباء زائدة لتأكيد النفي، أي: ما أحسن القراءة. قال السهيلي: فلما قال ذلك ثلاثًا، قيل له:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1]، أي: لا بقوتك ولا

ص: 404

وقال القاضي عياض: إنما ابتدئ عليه السلام بالرؤيا، لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قوى البشر، فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة. انتهى.

فإن قلت: فلم كرر قوله: "ما أنا بقارئ" ثلاثًا؟

فأجاب أبو شامة كما في فتح الباري: بأن يحمل قوله أولا على الامتناع، وثانيًا: على.........................................................

بمعرفتك لكن بحول ربك وإعانته، فهو يعلمك كما خلقك وكما نزع علق الدم ومغمز الشيطان منك في الصغر بعدما خلقه فيك كما خلقه في كل إنسان؛ فالآيتان المتقدمتان لمحمد صلى الله عليه وسلم والأخريان لأمته، وهما:{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 4، 5] ؛ لأنها كانت أمة أمية لا تكتب، فصاروا أهل كتاب وأصحاب قلم، فتعلموا القرآن بالقلم وتعلمه نبيهم تلقيا من جبريل عليهما السلام.

"وقال القاضي عياض وغيره: إنما ابتدئ عليه السلام بالرؤيا لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة، فلا تحتملها قوى البشر، فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة" من المرائي الصادقة الصالحة الدالة على ما يئول إليه أمره.

وقد روى ابن إسحاق في مرسل عبيد بن عمير: "جاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، قال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ، فغتني حتى ظننت أنه الموت". وذكر أنه فعل به ذلك ثلاث مرات، وهو يقول:"ما أقرأ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] ، فقرأتها ثم انصرف عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتابًا". فذكر الحديث. وذكر السهيلي عن بعض المفسرين: أن الإشارة في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2] ، للذي جاء به جبريل حينئذ، "انتهى".

واعترض على المصنف بأن الأولى تقديم هذا على قوله تكلم العلماء، ورده شيخنا بأن الغرض منه بيان ما يوهم خلاف المراد، فكان الاعتناء ببيانه أهم. "فإن قلت: فلم كرر قوله: "ما أنا بقارئ" ثلاثًا، فأجاب" الأولى حذف الفاء؛ كما في الفتح.

"أبو شامة" الإمام الحافظ العلامة أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان المقدسي ثم الدمشقي، الشافعي المقرئ النحوي المتوفى تاسع عشر رمضان سنة خمس وستين وستمائة، ومولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة.

"كما في فتح الباري" بأن ذلك لحكمة "بأن يحمل قوله أولا على الامتناع، وثانيًا: على

ص: 405

الإخبار بالنفي المحض، وثالثًا: على الاستفهام.

والحكمة من الغط ثلاثًا، شغله عن الالتفات لشيء آخر، وإظهاره الشدة والجد في الأمر، تنبيهًا على ثقل القول الذي سيلقى إليه.

وقيل: إبعادًا لظن التخيل والوسوسة، لأنهما ليسا من صفات الجسم، فلما وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر الله.

فإن قلت: من أين عرفه صلى الله عليه وسلم أن جبريل ملك من عند الله، وليس من الجن؟ فالجواب من وجهين:

أحدهما: أن الله تعالى أظهر على يدي جبريل عليه السلام معجزات عرفه بها............

الإخبار بالنفي المحض، وثالثًا: على الاستفهام" بدليل روايتي: "كيف أقرأ"؟. "وماذا أقرأ"؟. كما مر، فهو حجة للأخفش في جواز دخول الباء في الخبر المثبت، وبه جزم بعض الشراح ومرت حكمة تكرير اقرأ، "والحكمة من الغط ثلاثًا شغله عن الالتفات لشيء آخر، وإظهاره الشدة والجد في الأمر" وأن يأخذ الكتاب بقوة "تنبيهًا على ثقل القول" القرآن "الذي سيلقى إليه" فإنه لما فيه من التكاليف ثقيل على المكلفين، سيما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يتحملها ويحملها أمته، قاله البيضاوي.

"وقيل: إبعادًا لظن التخيل والوسوسة" اللذين ظنهما عليه الصلاة والسلام قبل؛ كما في رواية يونس عن ابن إسحاق بسنده إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: أنه صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر"، قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك ذلك، إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث. "لأنهما ليسا من صفات الأجسام، فلما وقع ذلك" الغط ثلاثًا "بجسمه علم أنه من أمر الله" فاطمأن، وقيل: الغطة الأولى للتخلي عن الدنيا، والثانية: لما يوحى إليه، والثالثة: للمؤانسة.

وقيل: إشارة إلى الشدائد الثلاث التي وقعت له وهي الحصر في الشعب وخروجه إلى الهجرة وما وقع يوم أحد، وفي الإرسالات الثلاث إشارة إلى حصول الفرج والتيسير له عقب الثلاث أو في الدنيا والبرزخ والآخرة. وقيل: للمبالغة في التنبيه، ففيه أنه ينبغي للمعلم الاحتياط في تنبيه المتعلم وأمره بإحضار قلبه. "فإن قلت: من أين عرف صلى الله عليه وسلم أن جبريل ملك من عند الله، وليس من الجن" وبم عرف أنه حق لا باطل؟ "فالجواب من وجهين أحدهما" يجوز "أن الله تعالى أظهر على يدي جبريل عليه السلام معجزات عرفه بها" ولم تذكر لأنها مما لا تحيط

ص: 406

كما أظهر الله تعالى على يدي محمد صلى الله عليه وسلم معجزات عرفناه بها.

وثانيهما: أن الله خلق في محمد صلى الله عليه وسلم علمًا ضروريًا بأن جبريل من عند الله ملك لا جني ولا شيطان، كما أن الله تعالى خلق في جبريل علمًا ضروريًا بأن المتكلم معه هو الله تعالى، وأن المرسل له ربه تعالى لا غيره.

وقول ورقة: يا ليتني فيها جذعًا. الضمير للنبوة، أي: ليتني كنت شابًا عند ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها. وأصل الجذع:.........................

بها عقولنا أو لا يتعلق لنا بها غرض.

"كما أظهر الله تعالى على يدي محمد صلى الله عليه وسلم معجزات عرفناه بها" وعلى هذا اقتصر في الكوكب وعمدة القارئ "وثانيهما: أن الله خلق في محمد صلى الله عليه وسلم علمًا ضروريًا بأن جبريل من عند الله ملك لا جني ولا شيطان" عطف مباين بالصفة على ما ذكر الحافظ: أن من كان كافرًا سمي شيطانًا وإلا فهو جني أو بالذات على ما في المقاصد أن الغالب على الجن عنصر الهواء وعلى الشياطين عنصر النار، "كما أن الله تعالى خلق في جبريل علمًا ضروريًا بأن المتكلم معه هو الله تعالى، وأن المرسل له ربه تعالى لا غيره" ولعل الثاني أولى "وقول ورقة: يا ليتني فيها جذعًا الضمير للنبوة" أي: مدة النبوة، زاد الحافظ: أو الدعوة والعيني أو الدولة، واستشكل هذا النداء، بأن لا منادى ثم يطلب إقباله بيا وبأن ليت حرف النداء، لا يدخل على، فجعل أبو البقاء والأكثر المنادى محذوفًا، أي: يا محمد! وضعفه ابن مالك بأن قائل ليتني قد يكون وحده، فلا يكون معه منادى؛ كقول مريم:{يَا لَيْتَنِي مِتُّ} ، وأجيب بأنه يجوز أن يجرد من نفسه نفسًا يخاطبها كأن مريم قالت: يا نفسي ليتني، فكذا يقدر هنا.

وضعف ابن مالك دعوى الحذف أيضًا؛ بأنه إنما يجوز إذا كان الموضع الذي ادعى فيه حذفه مستعملا فيه ثبوته كحذف المنادى قبل أمر، نحو:"ألا يا اسجدوا". في قراءة الكسائي، أي: يا قوم أو دعاء، نحو: ألا يا سلمى، أي: ألا يا دار فحسن حذف المنادى قبلها اعتياد ثبوته، نحو:{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} ، {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} ، بخلاف ليت فلم تستعمله العرب ثابتًا قبلها، فادعاء حذفه باطل ورده العيني بأنه لا ملازمة بين جواز الحذف وبين ثبوت استعماله، قلت: وهو رد لين والذي اختاره ابن مالك أن يا هذه لمجرد التنبيه مثل: ألا في: ألا ليت شعري، هو الوجيه.

وفسر جذعًا بقوله: "أي: ليتني كنت شابًا عند ظهورها حتى أبالغ في نصرتها وحمايتها" بنصرك وحمايتك، وفي مرسل عبيد بن عمير: لئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرًا يعلمه، "وأصل الجذع" قال ابن سيده: مفرد جذعان وجذاع بالكسر والضم وأجذاع، قال

ص: 407

من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابًا فتيا.

وأخرج البيهقي من طريق العلاء بن جارية الثقفي عن بعض أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة، وهي تحية بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله. الحديث.

الأزهري: ويسمى الدهر جذعًا؛ لأنه شاب لا يهرم. "من أسنان الدواب" واستعير للإنسان، ومعناه على التشبيه حيث أطلق الجذع الذي هو الحيوان المنتهي إلى القوة، وأراد به الشاب الذي فيه قوة الرجل وتمكنه من الأمور، "وهو ما كان منها شابًا فتيًا" قال ابن سيده: قيل الجذع من المعز الداخل في السنة الثانية، ومن الإبل فوق الحق، وقيل: منها لأربع، ومن الخيل لسنتين، ومن الغنم لسنة، وقيل معناه: يا ليتني أدرك أمرك فأكون أول من يقوم بنصرك؛ كالجذع الذي هو أول الأسنان، قال صاحب المطالع: والقول الأول أبين.

"وأخرج البيهقي من طريق العلاء بن جارية" بجيم وراء وتحتية "الثقفي" صحابي؛ كما في الإصابة وغيرها، لكن الراوي هنا إنما هو حفيده فالذي عند البيهقي من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان العلاء بن جارية الثقفي وكان واعية، أي: للعلم فسقط على المصنف اسمه واسم أبيه وكنية جده المسمى بالعلاء وأتى باسمه وليس هو الراوي؛ لأن ابن إسحاق ليس تابعيًا بل من صغار الخامسة، وقد قال: حدثني، فإنما الراوي حفيد العلاء وهو عبد الملك.

"عن بعض أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه" عطف تفسير "بالنبوة كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه" ذكره لأنه لا يلزم من السلام أن يسمعه وكان ابتداء ذلك قبل النبوة بسنتين على ما روى ابن الجوزي، عن ابن عباس، قال: أقام صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة سبعًا يرى الضوء والنور ويسمع الصوت، وثمان وستين يوحى إليه، قال الخازن: وهذا إن صح يحمل على سنتين قبل النبوة فيما كان يراه من تباشيرها وثلاث سنين بعدها قبل إظهار الدعوة، وعشر سنين معلن بالدعوة بمكة، انتهى. وهو حمل مناف لقوله ثمانية، اللهم إلا أن يقال الحق سنتين من ابتداء العشر بما قبلها؛ لعدم ظهور الدعوة فيهما كل الظهور.

"فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه وعن يمينه وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة، وهي تحية بتحية النبوة" التي لم تكن معروفة قبلها إكرامًا وإعلامًا بأنه سيوحى إليه بالرسالة، تقول: "السلام عليك يا رسول الله

الحديث" وأفاد المصنف فيما يأتي استمرار.

ص: 408

وعن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا فلم أثبت له، فأتيت خديجة فقلت: دثروني دثروني وصبوا عليّ ماء باردًا"، فنزلت: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ

السلام بعد النبوة، قال السهيلي: الأظهر أنهما نطقا بذلك حقيقة وليست الحياة والعلم والإرادة شرطًا له؛ لأنه صوت وهو عرض عند الأكثر لا جسم؛ كما زعم النظام، وإن قدر الكلام صفة قائمة بنفس الشجر والحجر فلا بد من شرط الحياة والعلم مع الكلام فيكونان مؤمنين به، ويحتمل أنه مضاف في الحقيقة إلى ملائكة يسكنون تلك الأماكن، فهو مجاز؛ كاسأل القرية، وفي كلها علم على النبوة لكن لا يسمى معجزة إلا ما تحدى به الخلق، فعجزوا عن معارضته، انتهى ملخصًا.

"وعن جابر" بن عبد الله الأنصاري الخزرجي الصحابي ابن الصحابي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"جاورت بحراء" أقمت فيه، والفرق بينه وبين الاعتكاف أنه لا يكون إلا داخل المسجد، والجوار قد يكون خارجه، قاله ابن عبد البر وغيره ولذا لم يسمه اعتكافًا؛ لأن حراء ليس من المسجد. "شهرًا" في مدة الفترة غير الشهر الذي نزل عليه فيه جبريل بسورة {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، ففي مرسل عبيد بن عمير عند البيهقي أنه كان يجاور في كل سنة شهرًا وهو رمضان، فلا حجة في الحديث على أن أول ما نزل المدثر.

"فلما قضيت جواري" بكسر الجيم وخفة الواو، أي: مجاورتي، "هبطت" وفي مسلم:"نزلت، فاستبطنت بطن الوادي"، أي: صرت في باطنه، "فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا" هو جبريل؛ كما قال في بدء الوحي. والتفسير: فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، وهو معنى رواية التفسير أيضًا: وهو جالس على عرش بين السماء والأض، "فلم أثبت له" وفي بدء الوحي: فرعبت منه، قال الحافظ: فدل على بقية بقيت معه من الفزع الأول، ثم زالت بالتدريج، "فأتيت خديجة، فقلت: دثروني دثروني" مرتين هكذا في الصحيحين في التفسير. وفي البخاري في بدء الوحي: "زملوني زملوني" والأول أولى، لاتفاقهما عليه ولأنها، كما قال الزركشي: أنسب بنزول المدثر.

"وصبوا علي ماء باردًا" أي: على جميع بدني على ظاهره "فنزلت" أيناسا له وإعلامًا بعظيم قدره وتلطفًا، {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، بثيابه، قاله الجمهور. وعن عكرمة: بالنبوة وأعبائها، {قُمْ} [المدثر: 2] من مضجعك أو هو مجاز، أي: قم مقام تصميم،

ص: 409

فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} الآية، وذلك قبل أن تفرض الصلاة. رواه البخاري ومسلم والترمذي.

ولم يكن جواره عليه الصلاة والسلام لطلب النبوة، لأنها أجل من أن تنال بالطلب أو الاكتساب، وإنما هي موهبة من الله، وخصوصية يخص بها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.

{فَأَنْذِرْ} [المدثر: 2] ، حذر من العذاب من لم يؤمن بك، وحذف المفعول تفخيمًا، وفيه: أنه أمر بالإنذار عقب نزول الوحي للإتيان بفاء التعقيب، واقتصر على الإنذار وإن كان بشيرًا ونذيرًا؛ لأن التبشير إنما يكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن حينئذ من دخل فيه.

{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] ، عظمه ونزهه عما لا يليق به، وقيل: المراد تكبير الصلاة واعترض. "الآية" أل للجنس، بدليل رواية بدء الوحي: فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1، 2] إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] يعني: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} من النجاسة أو قصرها أو طهر نفسك من كل نقص، أي: اجتنب النقائص، {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ، الرجز: لغة العذاب وفسر في الحديث بالأوثان؛ لأنها سبب العذاب، وقيل: الشرك، وقيل: الظلم، وكلها أفراد، فالمراد ما ينافي التوحيد ويئول إلى العذاب.

"وذلك قبل أن فرض الصلاة" التي هي ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي؛ لأنها المحتاجة للتنبيه عليها، وأما الخمس فمتأخرة عن ذلك؛ لكونها ليلة الإسراء، "رواه البخاري" في التفسير والأدب وبدء الوحي، "ومسلم" في التفسير "والترمذي والنسائي ولم يكن جواره عليه الصلاة والسلام لطلب النبوة" لأنه ولو علم بالبشارات الحاصلة قبل ولادته، وإخبار الكهنة وبحيرا وغيرهم بأنه نبي آخر الزمان لكن صانه الله سبحانه عن اعتقاد ما يخالف ما عنده تعالى من أنها لا تنال بطلب فإنه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة منشرح الصدر بالتوحيد والإيمان وكذلك الأنبياء فإنهم، كما قال عياض: معصومون قبلها من الشك في ذلك والجهل به اتفاقًا، فإنما كان جواره مجرد عبادة وانعزال عن الناس واقتفاء لآثار جده، فإنه كما مر أول من تحنث بحراء لا للنبوة؛ "لأنها أجل من أن تنال بالطلب والاكتساب" عطف تفسير "وإنما هي موهبة" بكسر الهاء "من الله وخصوصية يخص بها من يشاء من عباده" ولو كانت تنال بذلك لنالها كثير من العباد سنين كثيرة.

"و" قد قال سبحانه: "الله أعلم حيث يجعل رسالاته" أي: المكان الذي يضعها فيه، وغرض المصنف دفع ما يتوهم أن الجواز للنبوة التي الكلام فيها: فأين إشعاره بأن الولاية مكتسبة حتى يعترض عليه بنص بعض المحققين على امتناع اكتساب الولاية أيضًا، لكن لا يكفر إلا

ص: 410

ولم تكن الرجفة المذكورة خوفًا من جبريل عليه السلام، فإنه صلى الله عليه وسلم أجل من ذلك وأثبت جنانًا، وإنما رجف غبطة بحاله وإقباله على الله عز وجل، فخشي أن يشغل بغير الله عن الله.

وقيل: خاف من ثقل أعباء النبوة.

وفي رواية البيهقي في الدلائل: أن خديجة قالت لأبي بكر: يا عتيق اذهب به إلى ورقة، فأخذه أبو بكر، فقص عليه ما رأى، فقال عليه الصلاة والسلام:"إذا خلوت وحدي سمعت نداء: يا محمد، فأنطلق هاربًا"، فقال: لا تفعل إذا قال: فاثبت

مجوزًا اكتساب النبوة، نعم لا يقصر كما قال بعض المتأخرين شأن مجوز اكتساب الولاية عن التبديع، "ولم تكن الرجفة المذكورة" في قوله: فلم أثبت له، وفي رواية: فرعبت منه، وفي أخرى: فجئت بضم الجيم وكسر الهمزة وسكون المثلثة ففوقية، وفي أخرى: فجثثت بمثلثتين من جثى كعنى، وفيه روايات أخر والكل في الصحيح. "خوفًا من جبريل عليه السلام، فإنه صلى الله عليه وسلم أجل من ذلك وأثبت جنانًا" بفتح الجيم، أي: قلبًا، "وإنما رجف" بفتحتين "غبطة" بكسر الغين: فرحًا، "بحاله" وهي في الأصل حسن الحال؛ كما في القاموس. "وإقباله على الله عز وجل فخشي أن يشغل بغير الله عن الله" وقد أمن الله خوفه فلم يكن يشغله عن الله شيء، "وقيل" لم يخش ذلك بل "خاف من ثقل أعباء النبوة" أثقالها جمع عبء مهموز، فالإضافة بيانية.

"وفي رواية البيهقي في الدلائل أن خديجة قالت لأبي بكر" الصديق، قال الزمخشري: لعله كنى بذلك لابتكاره الخصال الحميدة، "يا عتيق" ظالهر في القبول بأنه اسمه الأصلي؛ لأن أمه استقبلت به الكعبة لما ولد وقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت؛ لأنه كان لا يعيش لها ولد، وقيل: سمي به لقول المصطفى: "من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر"، وبينهما تناف، فإن قول خديجة قبل ظهور النبوة وقد يتعسف التوفيق بأنه اسمه ابتداء لكن لم يشتهر به إلا بعد قول المصطفى، والصحيح ما جزم به البخاري وغيره أن اسمه عبد الله بن عثمان. "اذهب به إلى ورقة، فأخذه أبو بكر فقص عليه ما رأى" ووفق العيني بين هذا ونحوه وبين ما في الصحاح: أنها ذهبت معه إلى ورقة بأنها أرسلته مع الصديق مرة وذهبت به أخرى، وسألت عداسًا بمكة وسافرت إلى بحيرا؛ كما رواه التيمي كل ذلك من شدة اعتنائها به صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، انتهى.

وبين ما قصه بقوله: فقال عليه الصلاة والسلام: "إذا خلوت وحدي سمعت نداء: يا محمد فأنطلق هاربًا" ، خوفًا أن يكون من الجن، "فقال: لا تفعل، إذا قال" المنادي ذلك "فاثبت

ص: 411

حتى تسمع، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد فثبت فقال: قل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1، 2] إلى آخرها. ثم قال: قل لا إله إلا الله

الحديث.

واحتج بذلك من قال بأولية نزول الفاتحة.

والصحيح أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن {اقْرَأْ} كما صح ذلك عن عائشة، وروي عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير.

قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف.

وأما ما روي عن جابر وغيره: أن أول ما نزل {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} فقال النووي: ضعيف، بل باطل، وإنما نزلت بعد فترة الوحي.

حتى تسمع" ما بعد يا محمد، "ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه" على عادته التي كان يفعلها معه، "يا محمد، فثبت فقال: قل: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1، 2] إلى آخرها" أي: الفاتحة، "ثم قال: قل: لا إله إلا الله

الحديث" وغرضه من سياقه أنه معارض بحديث الصحيح في أن أول ما نزل اقرأ، كما أرشد إلى ذلك قوله الآتي، فقال البيهقي: هذا منقطع

إلخ، وكذا قوله:"واحتج بذلك من قال بأولية نزول الفاتحة" أولية مطلقة، "والصحيح أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن" أول سورة {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، إلى قوله:{مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] ، "كما صح ذلك عن عائشة" مرفوعًا.

"وروي عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير" بن قتادة بن سعد، أبي عاصم الليثي المكي قاضيها الثقة الحافظ أحد كبار التابعين، "قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، وأما ما روي عن جابر وغيره أن أول ما نزل" مطلقًا أول سورة {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، إلى قوله:{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]، "فقال النووي: ضعيف بل باطل" بطلانًا ظاهرًا ولا تغير بجلالة من نقل عنه فإن المخالفين له هم الجماهير ثم ليس إبطالنا قوله تقليد للجماهير بل تمسكًا بالدلائل الظاهرة، ومن أصرحها حديث عائشة. "وإنما نزلت" {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، "بعد فترة الوحي" بعد نزول {اقْرَأْ} [العلق: 1] ؛ كما صرح به في مواضع من حديث جابر نفسه؛ كقوله وهو يحدث عن فترة الوحي إلى أن قال: فأنزل الله {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1] ، وقوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيه بين السماء والأرض". وقوله: "فحمى الوحي وتتابع"، أي: بعد فتراته، انتهى كلام النووي كله في شرحه للبخاري، وهو قطعة من أوله فلا حجة في حديث جابر على الأولية المطلقة، وإن استدل

ص: 412

وأما حديث البيهقي أنه الفاتحة -كقول بعض المفسرين- فقال البيهقي: هذا منقطع، فإن كان محفوظًا فيحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعدما نزلت عليه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] و {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] .

وقال النووي -بعد ذكر هذا القول- بطلانه أظهر من أن يذكر. انتهى.

به جابر عليه. ففي البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة ابن عبد الرحمن: أي القرآن أنزل أول؟ فقال: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]، فقلت: أنبئت أنه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1]، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول؟ فقال: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]، فقلت: أنبئت أنه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1]، قال: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"جاورت بحراء" الحديث المتقدم في المصنف، ولذا قال الكرماني: استخرج جابر أن أول ما أنزل {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] باجتهاده، وليس هو من روايته، فالصحيح ما في حديث عائشة: من أول ما نزل {اقْرَأْ} [العلق: 1] ، انتهى.

لأنها رفعته والمرفوع مقدم على الاستنباط ولا سيما مع قبوله للتأويل، بل هو الظاهر منه وبهذا علمت صعوبة قول السيوطي والمصنف مراد جابر أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي، أو بالأمر بالإنذار، أو بقيد السبب، وهو ما وقع من التشديد. وأما {اقْرَأْ} [العلق: 1] فنزلت ابتداء بغير سبب، انتهى. لأن هذا إنما يصح لو لم يقل له السائل أنبئت أن أوله:{اقْرَأْ} [العلق: 1] ، نعم هي أجوبة عن دليله.

فإن قلت: كيف حكم النووي وغيره بالضعف بل بالبطلان على المروي عن جابر مع صحة الطريق إليه، كيف وهو أرفع الصحيح مروي الشيخين؟

قلت: حكمه إنما هو على نفس القول الذي صحت نسبته لقائله بصحة إسناده، ونظير هذا في القرآن كثير، وقالوا: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، فلا شك أن قولهم باطل، ولا في القطع بأنهم قالوه.

"وأما حديث البيهقي" المار "أنه الفاتحة؛ كقول بعض المفسرين، فقال البيهقي: هذا منقطع"، فلا حجة فيه؛ لأنه من أقسام الضعيف، "فإن كان محفوظًا" من غير هذا الوجه، "فيحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعد ما نزلت عليه:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] و {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] ، فلا حجة فيه للأولية المطلقة، وبهذا يسقط زعم أن رواية البيهقي قبل أن يرى المصطفى جبريل بالمرة. "وقال النووي: بعد ذكر هذا القول: بطلانه أظهر من أن يذكر لمخالفته للمرفوع مع صحته وعدم تطرق الاحتمال إليه لصراحته، ولذا جزم به الجمهور، "انتهى".

فتحصل ثلاثة أقوال في أول ما نزل: {اقْرَأْ} ، "المدثر"، "الفاتحة"، وقيل:

ص: 413

وقد روي أن جبريل عليه السلام أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن أمره بالاستعاذة، كما رواه الإمام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس قال: أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد، استعذ، قال: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، قال: قل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]، ثم قال:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1] . قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ عماد الدين بن كثير بعد أن ذكره: وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا، والله أعلم.

وقد أورد ابن أبي جمرة سؤالا، وهو أنه: لم اختص صلى الله عليه وسلم بغار حراء، فكان يخلو فيه ويتحنث دون غيره من المواضع؟

وأجاب: بأن هذا الغار له فضل زائد على غيره من جهة أنه منزو مجموع

"المزمل"، وقيل:{ن وَالْقَلَمِ} ، وهما ضعيفان أيضًا.

"وقد روي أن جبريل عليه السلام أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن أمره بالاستعاذة؛ كما رواه الإمام" المجتهد المطلق "أبو جعفر" محمد "بن جرير" الطبري البغدادي الحافظ، "عن ابن عباس، قال: أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، قال: يا محمد، استعذ، قال: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم" يحتمل أنه فهم منه هذا اللفظ أو قال له: قال ذلك، كما "قال" له "قل: بسم الله الرحمن الرحيم" فقالها: "ثم قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، "قال عبد الله" بن عباس:"وهي أول سورة أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم"، ولو صح لكان حكمه الرفع، إذ لا مجال للرأي فيه، لكن "قال الحافظ عماد الدين بن كثير، بعد أن ذكره: وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا" ولا يقدح ذلك في جلالة مخرجه ابن جرير؛ لأن المحدثين إذا أرادوا الحديث بسنده برئوا من عهدته، "والله أعلم بصحته في نفس الأمر وضعفه".

"وقد أورد" الإمام "ابن أبي جمرة" بجيم وراء "سؤالا وهو أنه: لم اختص صلى الله عليه وسلم بغار حراء" الباء داخلة على المقصور عليه، أي: لم قصر نفسه على الخلوة به دون غيره؟ وفي نسخة: لم خص غار حراء؟، أي: لم ميزه؟ والمعنى واحد. "فكان يخلو فيه ويتحنث دون غيره من الواضح وأجاب بأن" المصطفى خصه لأن "هذا الغار له فضل زائد على غيره من جهة أنه منزو مجموع" صفة كاشفة، ففي المختار: زوى الشيء جمعه، ولعل المعنى هنا منعطف مائل عن

ص: 414

لتحنثه وهو يبصر بيت ربه، والنظر إلى البيت عبادة، فكان له فيه اجتماع ثلاث عبادات: الخلوة والتحنث والنظر إلى البيت. وغيره ليس فيه هذه الثلاث.

ولله در المرجاني حيث قال في فضائل حراء وما اختص به:

تأمل حراء في جمال محياه

فكم من أناس من حلا حسنه تاهوا

فمما حوى من جا لعلياه زائرا

..............................

مرور الناس عليه فيتمكن من عدم مخالطتهم، فيتخلى للعبادة صالح "لتحنثه" فهو متعلق بمحذوف أو بمجموع على أنه نعت سببي، أي: مجموع حواس من يختلى به، "وهو يبصر" فيه "بيت ربه" الكعبة "والنظر إلى البيت عبادة" كما في الخبر:"إن الله ينزل عليه عشرين رحمة""فكان له فيه اجتماع ثلاث عبادات: الخلوة" هي أن يخلو عن غيره بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يكون خليقًا بأن يكون قالبه ممر الواردات من علوم الغيب وقلبه مقرًا لها، قاله المصنف.

"والتحنث والنظر إلى البيت، وغيره ليس فيه هذه الثلاث" وناهيك بالخلوة من عبادة؛ لأنها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق والراحة من أشغال الدنيا والتفرغ لله فيجد الوحي فيه متمكنًا؛ كما قيل:

وصادف قلبًا خاليًا فتمكنا

ولذا حببت للمصطفى

ثم هذا الجواب أولى من قول المصنف في شرح البخاري، إنما كان يخلو بحراء دون غيره؛ لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش وكانوا يعظمونه لجلالته وسنه، فتبعه على ذلك فكان يخلو بمكان جده وكان الزمن الذي يخلو فيه شهر رمضان فإن قريشًا كانت تعظمه، كما كانت تصوم شهر عاشوراء، انتهى.

"ولله در المرجاني" عبد الله بن محمد القرشي الإمام القدوة الواعظ المفسر أحد الأعلام في الفقه والتصوف، قدم مصر ووعظ بها واشتهر في البلاد وامتحن وأفتى العلماء بتكفيره ولم يؤثروا فيه، فعملوا عليه الحيلة فقتل بتونس سنة تسع وستمائة، ذكره في اللواقح "حيث قال في فضائل حراء وما اختص به" أبياتًا، هي:"تأمل حراء" بالمد على اللغة الفصحى فيه، ولا يقصر هنا للوزن، "في جمال محياه" هو الوجه، "فكم من أناس من حلا" بضم الحاء، "حسنه تاهوا" بإشباع الهاء للروي.

"فمما حوى" الظاهر: أنه مبتدأ بمعنى بعض على حد ما قيل في نحو قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8] ، وما موصول وصلته جملة حوى والعائد محذوف، أي: فبعض الذي حواه، "من" فاعل حوى "جا" صلته "لعلياه" متعلق به "زائرًا" حال من الفاعل للتبرك

ص: 415

........................

يفرج عنه الهم في حال مرقاه

به خلوة الهادي الشفيع محمد

وفيه له غار له كان يرقاه

وقبلته للقدس كانت بغاره

وفيه أتاه الوحي في حال صبراه

وفيه تجلى الروح بالموقف الذي

به الله في وقت البداءة سواه

وتحت تخوم الأرض في السبع أصله

ومن بعد هذا اهتز بالسفل أعلاه

ولما تجلى الله قدس ذكره

لطور تشظى فهو إحدى شظاياه

ومنها ثبير...................

............................

بحلول المصطفى وجبريل فيه؛ كما نزل صلى الله عليه وسلم في أماكن حل بها أنبياء ليلة الإسراء، والخبر هو قوله:"يفرج عنه الهم في حال مرقاه" بالبناء للمفعول، أي: يفرج الله كل همه في حال صعوده ذلك الجبل فضائله أنه كانت "به خلوة الهادي الشفيع محمد" قبل النبوة وبعدها في مدة الفترة، "وفيه له غار له" كررها للتقوية والإشارة إلى اختصاصه به حتى كأنه ملكه "كان يرقاه" فجاءه فيه جبريل "وقبلته للقدس كانت بغاره" فه نظر، فإنه إنما صلى للقدس بعد الإسراء وفرض الصلاة، وأول ما صلى إلى الكعبة؛ كما يجيء مبينًا في تحويل القبلة، ويحتمل أنه بناه على أنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدًا قبل النبوة بشرع موسى وكانت قبلته للقدس.

"وفيه أتاه الوحي في حال صبراه" من الصبر حبس النفس على الخلوة به والتعبد فيه، وفي نسخ: مبدأه، والأولى أحسن؛ لعدم الإيطاء فإنه سيقول مبدأه رابع بيت بعد هذا:"وفيه تجلى الروح بالموقف الذي به الله في وقت البداءة سواه وتحت تخوم الأرض" جمع تخم كفلس وفلوس، وهو منتهى كل قرية أو أرض أو حدودها، وقال ابن السكيت: تخوم مفرد، وجمعه: تخم، مثل صبور وصبر؛ كما في الصحاح وغيره.

"في السبع أصله" أي: أن أصله تحت الأرض السابعة، "ومن بعد هذا اهتز" تحرك طربًا بمن علاه "بالسفل" أي: بسبب تحرك أسفله وفاعل اهتز "أعلاه" معجزة، روى مسلم عن أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة، فقال صلى الله عليه وسلم:"اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" ووقع ذلك لأحد وثبير أيضًا، ويأتي إن شاء الله تفصيله في المعجزات.

"ولما تجلى الله قدس ذكره" أي: أظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر؛ كما في حديث صححه الحاكم. "لطور تشظى" أي: تفلق وتطاير منه قطع فصارت جبالا، "فهو إحدى شظاياه" جمع شظى وهو كل فلقة من شيء، وتشظى العود: تطاير شظا؛ كما في القاموس "ومنها" أي: شظاياه، "ثبير" بمثلثة فموحدة فتحتية فراء بوزن أمير، جبل مقابل حراء، وبينهما

ص: 416

........... ثم ثور بمكة

كذا قد أتى في نقل تاريخ مبداه

وفي طيبة أيضًا ثلاث فعدها

فعيرًا وورقانًا وأحدًا رويناه

ويقبل في ساعة الظهر من دعا

به وينادي من دعانا أجبناه

وفي أحد الأقوال في عقبة حرا

أتى ثم قابيل لهابيل غشاه

الوادي وهما على يسار السالك إلى منى، حراء قبلى ثبير مما يلي شمال الشمس. "ثم ثور" بمثلثة جبل "بمكة" به الغار المذكور في التنزيل دخله صلى الله عليه وسلم في الهجرة "كذا قد أتى في نقل تاريخ مبداه" أي: حراء والله أعلم بصحته.

"وفي طيبة أيضًا" تشظى الطور، "ثلاث فعدها فعيرا" أي: فتشظى عيرا بفتح العين وسكون التحتية وراء مهملة بلفظ مرادف الحمار جبلي قبلي المدينة قرب ذي الحليفة، قال فيه صلى الله عليه وسلم "وعير يبغضنا ونبغضه، وإنه على باب من أبواب النار"، ورواه البزار وغيره ولكن الناظم في عهدة: إن عيرًا منها، فالذي رواه الواحدي مرفوعًا كما يأتي، وحكاه البغوي عن بعض التفاسير بدل عير رضوى وهو بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة جبل بالمدينة على ما في الصحاح.

وفي حديث رضوى رضي الله عنه: وقدس، فهذا المناسب؛ لكونه من شظايا الطور مع أنه الوارد، لا عير المبغوض. "وورقانا" بفتح الواو وكسر الراء وسكنها للنظم فقاف، قال في القاموس: ورقان بكسر الراء جبل أسود بين العرج والرويثة بيمين المصعد من المدينة إلى مكة حرسهما الله تعالى، "وأحدًا" بضم الهمزة والحاء وسكنها للوزن، الجبل المشهور الذي قال فيه المصطفى:"أحد جبل يحبنا ونحبه".

"رويناه" أخرج الواحدي عن أنس رفعه: "لما تجلى ربه للجبل جعله دكا طار لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان ورضوى، ووقع بمكة: ثور وثبير وحراء". وقال البغوي: وفي بعض التفاسير فذكره، ولم يرفعه في فتح الباري. أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي مالك رفعه، وهو غريب مع إرساله.

"ويقبل فيه" في حراء "ساعة الظهر" دعاء "من دعا به وينادي من دعانا أجبناه وفي أحد الأقوال في عقبة حرا" بالقصر والصرف وسكون قاف عقبة للشعر، قال القاموس: العقبة بالتحريك، أي: بفتح العين والقاف مرقى صعب من الجبال والجمع عقاب، "أتى ثم" جاء هناك "قابيل" بن آدم "لهابيل" أخيه "غشاه" أي: قتله، قال الثعلبي: كان لهابيل يوم قتل عشرون سنة، واختلفوا في مصرعه وموضع قتله، فقال ابن عباس: على جبل ثور، وقال بعضهم: على عقبة حراء، وقال جعفر الصادق: بالبصرة في المسجد الأعظم، انتهى.

ص: 417

ومما حوى سرًا حوته صخوره

من التبر إكسيرا يقام سمعناه

سمعت به تسبيحها غير مرة

وأسمعته جمعًا فقالوا سمعناه

به مركز موضع النور الإلهي مثبتًا

فلله ما أحلى مقامًا بأعلاه

وروى أبو نعيم أن جبريل وميكائيل شقا صدره وغسلاه ثم قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ

وذكر السدي بأسانيده أن سبب قتله أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن من ولده بأنثى الآخر، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فأراد قابيل أن يستأثر بأخته فمنعه آدم فلما ألح عليه به أمرهما أن يقربا قربانًا، فقرب قابيل حزمة من زرع، وكان صاحب زرع، وقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب مواش، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل دون قابيل، فكان ذلك سبب الشر بينهما، قال في فتح الباري: هذا هو المشهور.

ونقل الثعلبي بسنده عن جعفر الصادق أنه أنكر أن يكون آدم زوج ابنا له بابنة له، وإنما زوج قابيل جنية وزوج هابيل حورية، فغضب قابيل، وقال له: يا بني ما فعلته إلا بأمر الله، فقربا قربانًا وهذا لا يثبت عن جعفر ولا عن غيره ويلزم منه أن بني آدم من ذرية إبليس؛ لأنه أبو الجن كلهم أو من ذرية الحور العين وليس لذلك أصل ولا شاهد، انتهى.

"ومما حوى" حراء "سرًا" هو لغة ما يكتم ويستعار للشيء النفيس، "حوته صخوره" أي: حراء، "من التبر" بالكسر: الذهب والفضة أو فتاتهما قبل أن يصاغا فإذا صيغا فهما ذهب وفضة، أو ما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ، قال القاموس.

"إكسيرا" بالكسر: الكيمياء؛ كما في القاموس. "يقام" يصاغ، ومعنى البيت "سمعناه" أي: روينا عن غيرنا تسبيحًا ويصدقه أنني "سمعت به" بحراء "تسبيحها" أي: صخوره "غيره مرة وأسمعته جمعًا فقالوا سمعناه" أي: نفس التسبيح بآذاننا فاندفع الإيطاء بوجه بديعي، "به مركز موضع النور الإلهي مثبتًا" ثابتًا "فلله ما أحلى" أعذب "مقامًا" بضم الميم وفتحها على ما في القاموس، أي: إقامة، "بأعلاه" وجعل الجوهري الضم للإقامة من أقام يقيم، والفتح للموضع، قال: وقوله تعالى: {لَا مُقَامَ لَكُمُ} [الأحزاب: 13]، أي: لا موضع لكم وقرئ بالضم، أي: لا إقامة لكم، انتهى.

واعلم: أن قوله: ولله در المرجاني إلى هنا ساقط في أكثر النسخ؛ لكنه ثابت في بعض النسخ القديمة المقروءة.

"وروى أبو نعيم" أحمد بن عبد الله الأصبهاني في دلائل النبوة من حديث عائشة، "أن جبريل وميكائل شقا صدره وغسلاه، ثم قال" جبريل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] .

ص: 418

رَبِّكَ} ، الآيات، الحديث، وفيه: فقال ورقة: أبشر، أشهد بأنك الذي بشر بك المسيح ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل.

وكذا روى شق صدره الشريف هنا أيضًا الطيالسي والحارث في مسنديهما. والحكمة فيه: ليتلقى النبي صلى الله عليه وسلم ما يوحى إليه بقلب قويي من أكمل الأحوال من التطهير.

قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له من الوحي مراتب عديدة:

إحداها: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

الثانية: مال كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه،......

وفي نسخة: قالا: فإن كان محفوظًا فلعله نسبة لهما وإن كان القائل جبريل لإقرار ميكائيل مقالة جبريل ورضاه بها، "الآيات" إلى قوله:{مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 5] ، "الحديث، وفيه: فقال ورقة: أبشر أشهد بأنك الذي بشر بك المسيح ابن مريم" في قوله: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} ، "وأنك على مثل" أي: صفة مماثلة لصفة "ناموس موسى" من مجيء الوحي لك كما جاء له، "وأنك نبي مرسل" وفيه دلالة ظاهرة على إيمانه.

"وكذا روى شق صدره الشريف هنا" عند مجيء الوحي، "أيضًا" وفاعل روى "الطيالسي" أبو داود سليمان بن الجارود البصري الحافظ الثقة كثير الحديث، روى عن ابن عون وشعبة وخلق، وعنه أحمد وابن المديني وغيرهما، علق له البخاري، وأخرج له مسلم والأربعة توفي سنة ثلاث أو أربع ومائتين عن اثنتين وسبعين سنة، "والحارث" بن محمد بن أبي أسامة واسمه داهر الحافظ أبو محمد التميمي البغدادي ولد سنة ست وثمانين ومائة، وسمع يزيد بن هارون وغيره وعنه ابن جرير والطبري وعدة، وثقه ابن حبان والحربي مع علمه بأنه يأخذ على الرواية، وضعفه الأزدي وابن حزم، وقال الدارقطني: صدوق، وأما أخذه على الرواية فكان فقيرًا كثير البنات، توفي يوم عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائتين.

"في مسنديهما" والبيهقي وأبو نعيم في دلائلهما كلهم عن عائشة: "أنه صلى الله عليه وسلم نذر أن يعتكف شهرًا هو وخديجة فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج ذات ليلة، فقال: "السلام عليك، قال: فظننت أنها فجأة الجن، فجئت مسرعًا حتى دخلت على خديجة، فقالت: ما شأنك؟ فأخبرتها فقالت: أبشر فإن السلام خير، ثم خرجت مرة أخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب، فهلت منه فجئت مسرعًا؛ فإذا هو بيني وبين الباب، فكلمني حتى أنست منه، ثم وعدني موعدًا فجئت له فأبطأ عليّ، فأردت أن أرجع فإذا أنا به وبميكائيل قد سد الأفق، فهبط جبريل وبقي ميكائيل بين السماء والأرض فأخذني جبريل فألقاني لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج، ثم غسله في طست من ماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه ثم كفأني كما يكفأ الإناء، ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي".

"والحكمة فيه" أي: الشق، حينئذ هي كما قال في الفتح "ليتلقى النبي صلى الله عليه وسلم ما يوحي إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير." وهذا الشق ثالث مرة، والأولى: عند حليمة، والثانية: وهو ابن عشر سنين، والرابعة: ليلة الإسراء، ولم تثبت الخامسة، كما مر ذلك مبسوطًا.

ص: 419