الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
ذكر تزوج عبد الله آمنة
":
ولما انصرف عبد الله مع أبيه من نحر الإبل، مر على امرأة من بني أسد بن عبد العزى، وهي عند الكعبة، واسمها قتيلة -بضم القاف وفتح المثناة الفوقية- ويقال رقيقة بنت نوفل، فقالت له حين نظرت إلى وجهه، وكان أحسن رجل رئي في قريش: لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع عليّ الآن، لما رأت في وجهه من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.............................
وقال: إنه يقتل أمي "ولروايته وجه وهو أن يكون" عبد الله "أصغر ولد أبيه حين أراد نحره، ثم ولد له بعد ذلك حمزة" من هالة "والعباس" من نثلة أو نثيلة، قال الخميس: وهذا أيضًا على تقدير أن أولاد عبد المطلب اثنا عشر. ا. هـ. أي: فتكون أعمامه حين أراد نحره تسعة وأبوه عاشرهم. وقد سبق السهيلي إلى ذا الجمع أبو ذر الخشني، فقال له قوله: أصغر بني أبيه، يعني في ذلك الوقت. قال شيخنا: وهو لا يأتي على أن الأعمام اثنا عشر، فأولاده ثلاثة عشر، فالموجودون حينئذ أحد عشرة لا عشرة، إلا أن يكون المراد دفع النقص عن العشرة، فلا ينافي ولادة واحد بعدهم غير حمزة والعباس.
ذكر تزوج عبد الله آمنة:
"ولما انصرف" أي: فرغ "عبد الله مع أبيه من نحر الإبل مر على امرأة من بني أسد بن عبد العزى، وهي عند الكعبة واسمها" فيما صدر به مغلطاي "قتيلة بضم القاف وفتح المثناة الفوقية" فتحتية ساكنة فلام فهاء تأنيث، "ويقال" اسمها "رقيقة بنت نوفل" صدر به السهيلي، قال: وهي أخت ورقة بنت نوفل وتكنى أم قتال، وبهذه الكنية ذكرها ابن إسحاق في رواية يونس. قال في العيون: وكانت تسمع من أخيها أنه كائن في هذه الأمة نبي "فقالت له حين نظرت إلى وجهه" وفيه نور المصطفى، وظنت أن النبي الكائن في هذه الأمة منه، "وكان أحسن رجل رئي" بكسر الراء ثم همزة مفتوحة ويجوز ضم الراء وكسر الهمزة ثم ياء، أي: شوهد "في قريش" أدفع "لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع علي الآن" أي: جامعني، ولعله كان من شرعهم أن المرأة تزوج نفسها بلا ولي وشهود؛ لأنها لم تكن زانية ولا مريدة له بل كانت عفيفة. قالت ذلك "لما رأت في وجهه من نور النبوة ورجت أن تحمل بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم" فأبى الله أن
فقال لها: أنا مع أبي، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، وقيل: أجابها بقوله:
أما الحرام فالممات دونه
…
والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه
…
يحمي الكريم عرضه ودينه
وعند أبي نعيم والخرائطي وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس: لما خرج عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه، مر به على كاهنة من تبالة متهودة قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مر..............................
يجعله إلا حيث شاء، "فقال لها: أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه" ولو لم أكن معه لوقعت عليك لوجه جائز كتزوجي بك أو مراده دفع كلامها، وإن لم يرد البغي بها ولا هم بها فلا يفهم أن المانع له مجرد كونه مع أبيه، "وقيل: أجابها بقوله: أما الحرام فالممات" وأنشده السهيلي بلفظ فالحمام "دونه" ومعرفته كالحلال مما بقي عندهم من شرائع إبراهيم؛ كغسل الجنابة والحج، فلا يرد أنهم كانوا في جاهلية لا يعرفون حلالا ولا حرامًا.
"والحل لا حل" موجود لعدم تزوجي بك "فأستبينه" بالنصب في جواب النفي، أي: أطلب ظهوره وأعمل بمقتضاه، "فكيف بالأمر الذي تبغينه" أي: تطلبينه لا يكون ذلك، فاستعمل كيف بمعنى النفي وهو أحد مواقعها، "يحمي الكريم عرضه" هي أموره كلها التي يحمد بها ويذم من نفسه وأسلافه وكل ما لحقه نقص يعيبه خلافًا لابن قتيبة في قوله: عرض الإنسان هو نفسه لا أسلافه؛ لأن حسان ذكر عرض وأسلافه بالعطف في قوله:
فإن أبي ووالده وعرضي
…
لعرض محمد منكم وقاء
"ودينه" يصونهما فلا يفعل شيئًا يدنسهما، "وعند أبي نعيم والخرائطي وابن عساكر، من طريق عطاء" ابن أبي رباح أسلم الجمحي مولاهم المكي أبي محمد التابعي الوسط الحافظ الثقة العالم الفقيه إليه انتهت فتوى أهل مكة وكان أسود أفطس أشل أعرج أعور، ثم عمي وشرفه الله بالفقه وكثرة الحديث وإدراك مائتين من الصحابة، قدم ابن عمر مكة فسألوه، فقال: تسألوني وفيكم ابن أبي رباح، مات سنة إحدى أو خمس أو سبع ومائة.
"عن ابن عباس: لما خرج عبد المطلب" من مكة بعد نحر الإبل على ظاهر سياق المصنف، "بابنه عبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من تبالة" بفتح الفوقية فموحدة خفيفة وألف فلام مفتوحة فتاء تأنيث: موضع باليمن وآخر بالطائف، فيحتمل إرادته هذه وإرادة تلك، قاله البرهان وتبعه الشامي في الضبط، وجزم بأنه موضع باليمن وضبط بعضهم تبالة بضم التاء، سبق قلم، "متهودة" متمسكة بدين اليهود، "قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مر" بضم الميم
الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت له
…
وذكر نحوه.
ثم خرج به عبد المطلب، حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة -وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا- فزوجه ابنته آمنة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا.
فزعموا: أنه دخل..................................................
وراء مهملة ثقيلة، زاد البرقي عن هشام الكلبي: وكانت من أجمل النساء وأعفهن "الخثعمية" بفتح المعجمة وسكون المثلثة فعين مهملة نسبة إلى خثعم؛ كجعفر جبل وابن أنمار أبو قبيلة من معد، ذكره المجد. وظاهره: أن هذه الأوصاف وهي أنها من تبالة ومتهودة وخثعمية لامرأة واحدة، ووقع في سيرة مغلطاي اسمها قتيلة، وقيل: رقيقة، ويقال: فاطمة بنت مر، ويقال: ليلى العدوية، ويقال: امرأة من تبالة، ويقال: من خثعم، ويقال: كانت يهودية، "فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت له وذكر نحوه" نحو ما تقدم من دعائه إلى نكاحها وإبائه، زاد البرقي عن هشام الكلبي: فلما أبى، قالت:
إني رأيت مخيلة نشأت
…
فتلألأت بجناثم القطر
فسماتها نور يضيء به
…
ما حوله كإضاءة الفجر
ورأيت سقياها حيا بلد
…
وقعت به وعمارة القفر
ورأيتها شرفًا ينوء به
…
ما كل قادح زنده يوري
لله ما زهرية سلبت
…
منك الذي استلبت وما تدري
وفي غريب ابن قتيبة: أن التي عرضت نفسها عليه ليلى العدوية، ذكره في الروض.
"ثم خرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة" بضم الزاي وسكون الهاء زعم ابن قتيبة والجوهري أنها أمه وأبوه كلاب. قال السهيلي: وهذا منكر غير معروف، وفي الفتح المشهور عند جميع أهل النسب أن زهرة اسم الرجل، وشذ ابن قتيبة فزعم أنه اسم امرأته وأن ولدها غلب عليهم النسبة إليها، وهو مردود بقول إمام أهل النسب هشام الكلبي اسم زهرة المغيرة، "وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه ابنته آمنة" قاله ابن عبد البر وجماعة منهم عبد الملك بن هشام عن البكائي عن ابن إسحاق، وقيل: كانت في حجر عمها وهيب وهو المزوج لها. قاله ابن إسحاق في رواية واقتصر عليه اليعمري. "وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا" من جهة الأب، "وموضعًا" من جهة الأم، فأمها بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي وأم أمها أم حبيب بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي؛ كما فصله ابن إسحاق، فليس قوله: وموضعًا عطف تفسير، كما زعم. "فزعموا" كما قال ابن إسحاق "أنه دخل
عليها عبد الله حين ملكها مكانه، فوقع عليها يوم الاثنين من أيام منى، في شعب أبي طالب عند الجمرة، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم ما عرضت عليّ بالأمس؟ فقالت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة، إنما أردت أن يكون النور فيّ فأبى الله، إلا أن يجعله حيث شاء.
تنبيه...............................................
عليها عبد الله حين ملكها" أي: تزوج بها "مكانه فوقع عليها" جامعها، زاد الزبير بن بكار "يوم الاثنين من أيام منى" وقيل من شهر رجب، "في شعب أبي طالب عند الجمرة" أي: الوسطى، كما هو المنقول عن الزبير، قال النجم: وهذا موافق لمن ذهب إلى أن ميلاده في رمضان، وأما القول بأنه في رجب، فمنطبق على أن ميلاده في ربيع، "فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم" وزعم الحاكم أبو أحمد أن سن عبد الله حينئذ كان ثلاثين سنة، ويأتي أن الصحيح خلافه، وقد جزم السهيلي بما لفظه: وكان بينه صلى الله عليه وسلم وبين أبيه ثمانية عشر عامًا. ا. هـ. "ثم خرج من عندها" بعدما أقام عندها ثلاثًا، وكان بينه صلى الله عليه وسلم وبين أبيه ثمانية عشر عامًا. ا. هـ. "ثم خرج من عندها" بعدما أقام عندها ثلاثًا، وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته في أهلها، نقله اليعمري عن محمد بن السائب الكلبي، "فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت" قال في النور: تقدم الكلام على هذه المرأة. ا. هـ. فهو صريح في أنها المختلف فيها الاختلاف السابق. "فقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم ما عرضت علي بالإمس؟ قالت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك" بوقاعك "اليوم حاجة" لأنني "إنما أردت أن يكون النور في" بشد الياء، "فأبى الله إلا أن يجعله حيث شاء" وقد روي عن العباس: أنه لما بنى عبد الله بآمنة أحصوا مائتي امرأة من بني مخزوم وبني عبد مناف متن ولم يتزوجن أسفًا على ما فاتهن من عبد الله، وأنه لم تبق امرأة في قريش إلا مرضت ليلة دخل عبد الله بآمنة.
تنبيه:
ما أفاده ظاهر المصنف من أن تزوجه بآمنة عقب انصرافه من نحر الإبل هو مفاد ابن إسحاق. وفي تهذيب ابن هشام واليعمري في العيون هنا. لكن روى ابن سعد وابن البرقي والطبراني والحاكم عن ابن عباس عن أبيه: أن عبد المطلب لما سافر إلى اليمن في رحلة الشتاء، نزل على حبر من اليهود يقرأ الزبور، فقال: يا عبد المطلب بن هشام ائذن لي أنظر إلى بعضك، قلت: انظر ما لم تكن عورة، قال: ففتح إحدى منخريه فنظر فيه ثم نظر في الآخر، فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكًا وفي الأخرى نبوة، وإنا نجد ذلك في بني زهرة، قال:
ولما حملت آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر لحمله عجائب، ووجد لإيجاده غرائب.
فذكروا أنه لما استقرت نطفته الزكية، ودرته المحمدية في صدفة آمنة القرشية نودي في الملكوت.............................
ألك زوجة؟ قلت: أما اليوم فلا، فقال: فإذا رجعت فتزوج منهم، فلما رجع تزوج بهالة فولدت له حمزة وصفية، وزوج عبد الله بآمنة، أي: ابنة عمها، فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: فلج عبد الله على أبيه، وهو بفتح الفاء واللام والجيم، أي: ظفر بما طلب، وفيه شيئان: أحدهما ظاهره قوله: نجد ذلك في بني زهرة، ورجوع اسم الإشارة للملك والنبوة مع أن الملك إنما كان في بني العباس وأمه ليست بزهرية، بل من بني عمرو بن عامر؛ كما مر، فيتعين عود الإشارة إلى النبوة فقط.
الثاني: قوله: أما اليوم فلا، مع ما ذكره اليعمري وغيره أن ضرارًا كان شقيق العباس المفيد وجود أمه قبل قصة الذبح، فيمكن أن قوله: أما اليوم، أي: هذا الزمن فلا زوج معي بهذه الأرض، فلا ينافي أن له زوجة بغيرها، ثم لا ينافي هذا مفاد المصنف والجماعة لجواز أنه لما رجع من اليمن رأى الرؤيا ووقعت قصة الذبيح، فلما انصرف منها تزوج وزوج ابنه، والعلم عند الله.
ولما ذكر المصنف أنه حين بنى بها حملت به صلى الله عليه وسلم، أراد ذكر بعض ما حصل في حملها إظهارًا لشرف المصطفى مصدرًا ذلك بشذا عقبة صوفية، فقال:"ولما حملت آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم ظهر لحمله" اللام للتوقيت، أي: في مدته كلها "عجائب" فليس المراد عند ابتدائه فقط "و" لما وجد "وجد لإيجاده" أي: ظهوره في العالم بولادته وغاير تفننًا "غرائب" وإذا أردت معرفتها "فـ" نقول: "ذكروا أنه لما استقرت نطفته" التي خلق منها، فالإضافة لأدنى ملبسة "الزكية" الطاهرة النامية الممدوحة "ودرته" بضم الدال عطف تفسير إشارة إلى أن نطفته كالدرة التي هي اللؤلؤة العظيمة في النفاسة، ووصفها بقوله:"المحمدية" بمعنى المحمودة مبالغة في كمالها "في صدفة" بفتحتين غشاء الدر جمعها صدف، أي: رحم "آمنة القرشية" فشبه رحمها لاشتماله على نطفته بالصدفة المشتملة على اللؤلؤ استعارة تصريحية، وفي نسخة: صدف بدون هاء، فجعل كل جزء من أجزاء نطفته درة وكل جزء من أجزاء محلها صدفة مبالغة وتعظيمًا، أو جعل محل الولد لكونه مبدأ أو محلا لمن هو بمنزلة جميع العالم بل أعظم أرحامًا كثيرة فشبهها بالصدف، واستعار لها اسمه استعارة تصريحية.
"نودي" المنادي ملك على ما يأتي "في الملكوت" اسم مبني من الملك؛ كالجبروت والرهبوت من الجبر والرهبة، قاله في النهاية. وقال الراغب: أصل الجبر إصلاح الشيء يضرب من
ومعالم الجبروت، أن عطروا جوامع القدس الأسني، وبخروا جهات الشرف الأعلى، وافرشوا سجادات العبادات في صفف الصفاء لصوفية الملائكة المقربين، أهل الصدق والوفاء، فقد انتقل النور المكنون إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر، والفخر المصون، قد خصها الله تعالى القريب المجيب بهذا السيد المصطفى الحبيب، لأنها أفضل قومها حسبًا، وأنجب وأزكاهم أخلاقًا وفرعًا وأطيب.
القهر، وقد يقال الجبر في الإصلاح المجرد؛ كقول علي: يا جابر كل كسير ومسهل كل عسير، وتارة في القهر المجرد، ولعل الثالث مراد قول النهاية من الجبر.
"ومعالم" جمع معلم "الجبروت" فعلوت من التجبر، قاله الراغب. والمراد: نودي في أفق السماء بذلك؛ لأنها الذي يظهر فيها كمال ملك الله وقهره؛ لأن أهلها الملائكة عالمون بذلك فهم دائمًا في مقام الخشية والإجلال؛ كما قال تعالى: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء: 19] ، "أن عطروا جوامع القدس" بضمتين وسكون الدال الطهارة "الأسنى" الأشرف من السناء بالمد الرفعة، والمعنى: طيبوا أماكن الطهارة الشريفة، "وبخروا جهات الشرف الأعلى" عطف تفسير على سابقه، والمراد منهما: أظهروا علامات التعظيم في السماوات وما حولها فرحًا بمحمد صلى الله عليه وسلم. "وأفرشوا" بضم الراء وكسرها، كما في المصباح "سجادات" جمع سجادة، قال الجوهري: خمرة بالضم صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط، "العبادات في صفف" بضم الصاد وفتح الفاء جمع صفة "الصفاء" بالمد، ضد الكدر "لصوفية" كلمة مولدة؛ كما في المصباح، نسبة للتصوف وهو تجريد القلب لله واحتقار ما سواه بالنسبة لعظمته سبحانه، وإلا فاحتقار نحو نبي كفر، وقيل غير ذلك حتى أوصلها بعضهم زهاء ألف قول، "الملائكة المقربين أهل الصدق والوفاء" والمراد: تهيئوا للعبادة وإظهار السرور بالمصطفى؛ لأنه يظهر الحق ويبطل الباطل "فقد" الفاء تعليلية، أي: افعلوا ذلك؛ لأنه قد انتقل النور المكنون" المستور المخفي عن الأعين المدخر في الأصلاب من آدم إلى عبد الله "إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر" الظاهر الغالب لغيره، بحيث قيل: أعطاها الله من الجمال والكمال ما كانت تدعي به حكيمة قومها، "والفخر" المباهاة بالمكارم من حسب ونسب، "المصون" بوزن مفعول على نقص العين؛ كما في المصباح، أي: المحفوظ عما يشينه "قد خصها الله تعالى القريب المجيب" من بين النساء التي تعلقن بتزويج عبد الله "بهذا السيد المصطفى الحبيب" وعلل تخصيصها بذلك؛ "لأنها أفضل قومها حسبًا وأنجب وأزكاها أخلاقًا وفرعًا وأطيب" فلم تنجب امرأة قط مضارع من أنجبت، ولا فرعت في نساء الدنيا مشابه من فرعت:
من لحواء أنها حملت أحمـ
…
ـد أو أنها به نفساء
وقال سهل بن عبد الله التستري فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ: لما أراد الله تعالى خلق محمد صلى الله عليه وسلم في بطن آمنة، ليلة رجب، وكانت ليلة جمعة، أمر الله تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان، أن يفتح الفردوس..................................
وحاصل المعنى: أنه تعالى لما اختار لصفوة خلقه من أصوله في كل عصر أشرفه، وكانت آمنة أفضل قومها جعلها معدنًا لظهور نوره وتكونه.
وقال" بواو الاستئناف المبينة لما أخبر به في قوله: فذكروا، فلا يرد أنه دليل على ما قدمه فيجب حذف الواو؛ لأن الدليل لا يعطف. "سهل ابن عبد الله" بن يونس بن عبد الله بن رفيع "التستري" الصالح المشهور الذي لم يسمع بمثله الدهر علمًا وورعًا، صاحب الكرامات الشهرية المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين بالبصرة، وولد سنة مائتين أو إحدى ومائتين بتستر بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة آخره راء مهملة، كما ضبطه النووي وغيره، وحكي ضم الفوقيتين، وفتح الأولى وضم الثانية بالأهواز أو بجوزستان، ويقال أيضًا: شيشتر بمهملتين ومعجمتين.
"فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ" أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت صاحب التصنيف الإمام الكبير محدث الشام والعراق المتقن الضابط العالم بصحيح الحديث وسقيمه المتعنت في علله وأسانيده، ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وعني بالحديث ورحل فيه إلى الأقاليم، وسمع أبا الصلت الأهوازي وأبا عمر بن مهدي وخلقًا، وحدث عنه البرقاني أحد شيوخه وابن ماكولا وخلق وقرأ البخاري على كريمة بمكة في خمسة أيام، وعلى إسماعيل الحيري في ثلاثة مجالس ذكره الذهبي، وقال: هو أمر عجب، وتوفي ببغداد سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، ودفن عند بشر الحافي؛ لأنه شرب ماء زمزم على ذلك، وإملائه بجامع المنصور، وتحديثه بتاريخ بغداد، فقضي له بالثلاثة.
"لما أراد الله تعالى خلق حمد صلى الله عليه وسلم في بطن آمنة ليلة" أول "رجب"، وهذا كما مر عن النجم منطبق على أن ميلاده في ربيع، يعني: على أحد الأقوال الآتية أن مدة الحمل ثمانية أشهر، ورجب من الشهور مصروف؛ كما في المصباح، وذكر التفتازاني منعه أن أريد به معين كصفر ووجه بأنه معدول عن الصفر والرجب فمنعا للعلمية والعدل أو العلمية والتأنيث باعتبار المدة. "وكانت ليلة جمعة" لا ينافي ذلك أن أطواره يوم الاثنين؛ لأن ذلك في الأطوار الظاهرة، كالولادة وما هنا فيما قبلها.
"أمر الله تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان أن يفتح الفردوس" الذي هو أعلى
ونادى مناد في السماوات والأرض: ألا إن النور المخزون المكنون الذي يكون منه النبي الهادي، في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة الذي يتم فيه خلقه ويخرج إلى الناس بشيرًا ونذيرًا.
وفي رواية كعب الأحبار: أنه نودي تلك الليلة في السماء وصفاحها، والأرض وبقاعها، أن النور المكنون الذي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بطن آمنة، فيا طوبى لها ثم يا طوبى، وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا منكوسة، وكانت قريش في جدب شديد، وضيق عظيم، فاخضرت الأرض وحملت الأشجار، وأتاهم الرفد من كل جانب، فسميت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الفتح والابتهاج.
وطوبى: الطيب والحسنى والخير والخيرة......................
درجات الجنة، وأعلاه الوسيلة إظهارًا لكرامته صلى الله عليه وسلم، "ونادى مناد في السماوات والأرض: ألا إن النور المخزون المكنون" صفة لازمة "الذي يكون منه النبي الهادي" بإثبات الياء أصح من حذفها، "في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة الذي يتم فيه خلقه" أي: في البطن وهو خلاف الظهر مذكر؛ كما في القاموس. "ويخرج إلى الناس بشيرًا ونذيرًا" أي: موصوفًا بهما عند الله وإن تأخر وقوعهما في الخارج إلى بعثته أو حال منتظرة، فلا يرد أنهما إنما يكونان بعد البعثة وليست مقارنة لخروجه.
"وفي رواية كعب الأحبار: أنه نودي تلك الليلة" التي حمل فيها بالمصطفى "في السماء وصفاحها" أي: جوانبها، "والأرض وبقاعها" أي: أجزائها وكأن الغرض من عطف الصفاح والبقاح الإشارة إلى تعميم مواضع النداء، "أن النور المكنون الذي منه رسول الله"، أي: تصور منه جسده "صلى الله عليه وسلم" انتقل "في بطن أمه، فيا طوبى لها، ثم يا طوبى" تأكيد لما قبله، "وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا" جميعها "منكوسة" أي: مقلوبة على رءوسها "وكانت قريش في" زمن "جدب" بدال مهملة ضد الخصب، "شديد وضيق عظيم" شدة وكرب عطف مسبب على سبب، أي: إن عدم الخصب كان سببًا في شدة أمرهم، "فاخضرت الأرض وحملت الأشجار وأتاهم" بالقر "الرفد" بكسر الراء: الخير الكثير، "من كل جانب، فسميت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم سنة الفتح" وسنة "الابتهاج" أي: السرور "وطوبى" في قوله: فطوبى لها ثم يا طوبى، المراد بها هاهنا "الطيب" فواوها بدل من الياء، "والحسنى والخير والخيرة" قال المصباح: بكسر الخاء وفتح الياء التخير، وبفتح الخاء وسكون الياء الفاضلة من كل شيء، وبكسر الخاء وسكون الياء:
قاله في القاموس.
وقال غيره: فرح وقرة عين.
وقال الضحاك: عطية.
وقال عكرمة: نعم.
وفي الحديث: "طوبى للشام فإن الملائكة باسطة أجنحتها عليها". فالمراد بها هنا: "فعلى" من الطيب وغيره مما ذكر، لا الجنة ولا الشجرة.
وفي حديث ابن إسحاق: أن آمنة كانت تحدث: أنها أتيت............................
الاختيار، "قاله في القاموس" المحيط، أي: البحر في جملة معان ذكرها، اقتصر منها المصنف على ما نقله؛ لأنه المناسب عنده.
"وقال غيره" المراد بها "فرح وقرة عين وقال الضحاك" بن مزاحم الهلالي البلخي نسبة إلى بلخ مدينة بخراسان المفسر ضعفه يحيى بن سعد ووثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وغيرهم، وفي التقريب: صدوق كثير الإرسال، روى له أصحاب السنن الأربعة توفي سنة خمس، وقيل: ست ومائة. "عطية، وقال عكرمة" بن عبد الله البربري مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدني المفسر الحافظ المتوفى سنة خمس أو ست أو سبع ومائة، "نعم" جمع نعمة، "وفي الحديث" الذي رواه الترمذي عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم:"طوبى للشام" بهمزة ساكنة يخفف بحذفها وفي لغة شآم بالمد، حكاها جماعة. قال في المطالع: وأباها أكثرهم والمشهور أنه مذكر، وقال الجوهري: يذكر ويؤنث.
وفي تاريخ ابن عساكر: دخل الشام عشرة آلاف عين رأت النبي صلى الله عليه وسلم "فإن الملائكة باسطة أجنحتها عليها" استدلال على أن طوبى تطلق على غير الجنة والشجرة؛ "فالمراد بها هنا" في قوله: فيا طوبى لها "فعلى من الطيب، وغيره مما ذكر" من فرح وقرة عين وعطية ونعم "لا الجنة ولا الشجرة" لأنها كانت زمن حملها في جاهلية، وإنما الجنة والشجرة للمؤمنين، قال صاحب الخميس: ويحتمل أن تفسر بالجنة والشجرة، انتهى. أي: لأنها من أهل الفترة وليسوا كلهم بمعذبين، ولأن المختار أن أبويه صلى الله عليه وسلم ناجيان، فما آل أمرهما إلى الجنة والشجرة وهذه البشارة من الملك فلا مانع أن الله أعلمه بمآل أمرها، فبشرها بذلك.
"وفي حديث ابن إسحاق" إمام المغازي في سيرته بلفظ: ويزعمون فيما يتحدث الناس "أن آمنة كانت تحدث أنها أتيت" بضم الهمزة مبني لما لم يسم فاعله، أي: رأت في امنام، قاله في النور ونحوه قول الشامي هي رؤيا منام وقعت في الحمل، وأما ليلة المولد فرأت ذلك
حين حملت به صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، وقالت: ما شعرت بأني حملت به، ولا وجدت له ثقلا، ولا وحمًا، كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي، وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة فقال: هل شعرت بأنك قد حملت بسيد الأنام، ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني فقال لي: قولي:
أعيذه بالواحد
…
من شر كل حاسد
ثم سميه محمدًا.
وفي رواية غير ابن إسحاق: وعلقي عليه هذه التميمة..........................
رؤية عين. "حين حملت بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة" بل بسيد الأولين والآخرين وقصره على هذه الأمة؛ لأن سيادته بالأمر والنهي إنما وجدت فيها، "وقالت" آمنة أيضًا مما رواه ابن إسحاق مسندًا لا من تتمة ما قبله، ومن ثم لم يعطفه المصنف بالفاء، "ما شعرت" قال النور: بفتح أوله وثانيه، أي: علمت "بأني حملت به ولا وجدت له ثقلا" بكسر المثلثة وفتح القاف وتسكن للتخفيف؛ كما في المصباح والقاموس، وعند الواقدي كما في العيون: ثقلة، قال في النور: بفتح المثلثة والقاف، تقول: وجدت ثقلة في جسدي: أي: ثقلا وفتورًا، حكاه الكسائي. "ولا وحمًا" بفتحتين مصدر وحم بسكر الحاء؛ كما في المختار، أي: شهوة الحبلى. "كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي" بكسر الحاء هنا الاسم من الحيض والحالة التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة، وأما بالفتح فالمرة الواحدة من دفع الحيض ونوه به، قاله البرهان وتبعه الشامي وهو ظاهر؛ لأن الإنكار للهيبة الحاصلة للحائض عند نزول الدم من الضعف المقارن لنزوله أو المتقدم عليه الدال على حصوله، "وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة" بفتح الياء وسكون القاف، والذي عند ابن إسحاق: وأنا بين النوم واليقظة، أو قالت: بين النائمة واليقظانة، ورواه الواقدي كما في العيون بلفظ: بين النائم واليقظان، قاله الشامي تبعًا للبرهان: ذكرت آمنة اللفظين على إرادة الشخص. "فقال: هل شعرت" علمت "بأنك قد حملت بسيد الأنام، ثم أمهلني حتى إذا دنت" قربت "ولادتي أتاني، فقال لي: قولي" إذا وضعتيه "أعيذه" أطلب عصمته وحفظه "بالواحد" في ذاته وأسمائه وصفاته "من شر كل حاسد، ثم سميه محمدًا" ولا يلزم من أمرها بالتسمية أن لها ولايتها بل وافقها جده حين أخبرته؛ كما صرح به المصنف في المقصد الثاني تبعًا للسهيلي هنا، فقال ما حاصله: سماه جده محمدًا لرؤيا رآها مع ما حدثته به أمه حين قيل لها: إذا وضعتيه فسميه محمدًا، ثم هذا الذي قلناه كله رواية ابن إسحاق.
"وفي رواية غير ابن إسحاق: وعلقي عليه هذه التميمة" سماها تميمة لمشابهتها لها في
قالت فانتبهت وعند رأسي صحيفة من ذهب مكتوب فيها هذه النسخة.
أعيذه بالواحد
…
من شر كل حاسد
وكل خلق رائد
…
من قائم وقاعد
عن السبيل حائد
…
على الفساد جاهد
من نافث وعاقد
…
وكل خلق مارد
يأخذ بالمراصد
…
في طرق الموارد
قال الحافظ عبد الرحيم العراقي:.......................................
التعليق وإلا فأصلها كما في القاموس: خرزة رقطاء تنظم في السير ثم تعقد في العنق، جمعها تمائم وتميم. "قالت: فانتبهت وعند رأسي صحيفة" قطعة "من ذهب مكتوب فيها هذه النسخة" هي لغة الكتاب المنقول، لكن المراد هنا مكتوب فيها أحرف قوله: "أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، وكل خلق" مخلوق "رائد" طالب للسوء، وأصله المرسل لطلب الكلأ "من قائم وقاعد" تعميم لرائد "عن السبيل" الطريق السوي "حائد" مائل صفة ثانية الخلق "على الفساد" صفة ثالثة "جاهد" متحمل للمشقة في تحصيله، حتى كأنه استعلى عليه "من نافث" ساحر "وعاقد" يعقد عقدًا في خيط وينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق أو معه، وهذا بيان لجاهد فلا يرد أن الأولى الإتيان بالواو، أي: وأعيذه من كل نافث، "و" أعيذه من "كل خلق مارد" عاب متجبر "يأخذ بالمراصد" جمع مرصد كمذهب موضع الرصد والراصد للشيء الراقب له، وبابه نصر كما في المختار والجملة صفة مارد أو خلق، "في طرق الموارد" المواضع التي يجتمع فيها الناس وطرق المياه المقصودة للاستقاء.
"وقال الحافظ عبد الرحيم العراقي" أبو الحسين الأثري الإمام الكبير العلم الشهير، ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وعني بالفن فبرع فيه وتقدم بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة؛ كالسبكي وابن كثير والعلائي وغيرهم، ونقل عنه الجمال الإسنوي في المهمات ووصفه بحافظ العصر وله مؤلفات في الفن بديعة، قال تلميذه الحافظ ابن حجر: وشرع في إملاء الحديث من سنة ست وتسعين فأحيا الله به السنة بعد أن كانت دائرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس غالبها من حفظه متقنة مهذبة، محررة كثيرة الفوائد الحديثية، قال: وكان جميل الصورة، منور الشيبة، كثير الوقار، نزر الكلام، سليم الصدر، كثير الحياء لا يواجه أحدًا بما يكره ولو آذاه، صالحًا متواضعًا، ضيق المعيشة، كثير التلاوة إذا ركب، حسن النادرة والفكاهة، لا يترك قيام الليل بل صار له كالمألوف، مات في شعبان سنة ست
هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير، وجعلها من حديث ابن عباس ولا أصل لها. انتهى.
نعم عند البيهقي من حديث ابن إسحاق أعيذه بالواحد من شر كل حاسد في كل بر عاهد وكل عبد رائد يرود غير رائد فإنه عبد حميد ماجد حتى أراه أثر المشاهد.
وعن شداد بن أوس أن رجلا من بني عامر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حقيقة أمرك، فقال:"بدو شأني أني دعوة "أبي" إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، وأني كنت بكر أبي وأمي
وثمانمائة. "هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير وجعلها من حديث ابن عباس، ولا أصل لها" يعتد به "انتهى".
وقد رواه أبو نعيم وزاد عقب الأبيات: أنها هم عنه بالله الأعلى، وأحوطه منهم باليد العليا، والكنف الذي لا يرى، يد الله فوق أيديهم، وحجاب الله دون عاديهم، لا يطردونه ولا يضرونه في مقعد، ولا في منام، ولا مسير، ولا مقام أول الليل وآخر الأيام. قال الشامي: وسنده واه جدًا، وإنما ذكرته لأنبه عليه لشهرته في كتب المواليد. ويقع في بعض النسخ زيادة هي:
"نعم عند البيهقي من حديث ابن إسحاق: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد في كل بر" ضد بحر "عاهد" اسم فاعل من عهد صفة لحاسد، أي: يتعهده بالحسد أينما سار كأنه لا ينفك عن حسده "و" أعيذه من "كل عبد رائد" طالب السوء "يرود" يطلبه له "غيره رائد" غير طالب له الكلأ كناية عن أنه لا ينفعه بوجه، "فإنه عبد حميد ماجد" اسمان له سبحانه "حتى أراه أثر المشاهد" وهو استدراك على قوله السابق.
وفي رواية غير ابن إسحاق: كأنه قال: لكن جاء قريب منه عن ابن إسحاق في غير السيرة عند البيهقي: "وعن شداد بن أوس" بن ثابت الأنصاري، أبي يعلى الصحابي ابن أخي حسان بن ثابت المتوفى بالشام قبل الستين، وقيل: بعدها رضي الله عنه: "أن رجلا من بني عامر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم" فقال له: "ما حقيقة أمرك؟ " حالك "فقال: "بدو شأني" ظهور أمري "أني دعوة أبي إبراهيم" في قوله تعالى حكاية عنه وعن إسماعيل: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129] ، ولعله خص إبراهيم بالذكر لمزيد شرفه، أو لأنه الأصل أو الداعي، وإسماعيل أمن "وبشرى أخي عيسى" قال تعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] ، "وأني كنت بكر أبي وأمي" أول أولادهما، ومقصوده: أنهما ما ولدا قبله ولا يلزم منه وجود ثان،
وأنها حملت بي كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد، ثم إن أمي رأت في منامها أن الذي في بطنها نور". الحديث.
ففيه: أن أمه عليه الصلاة والسلام وجدت الثقل في حمله، وفي سائر الأحاديث أنها لم تجد ثقلا وجمع أبو نعيم الحافظ بينهما بأن الثقل به كان في ابتداء علوقها به، والخفة عند استمرار الحمل به، فيكون على الحالين خارجًا عن المعتاد المعروف، انتهى.
وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان من دلالة حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة...................
فلا ينافي أنهما لم يلدا غيره، "وأنها حملت بي كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد" من ذلك الحمل "ثم إن أمي رأت في منامها أن الذي في بطنها نور" الحديث، ففيه" تصريح "أن أمه عليه الصلاة والسلام وجدت الثقل في حمله، وفي سائر الأحاديث أنها لم تجد ثقلا" فحصل التعارض، "وجمع أبو نعيم الحافظ" أحمد بن عبد الله الأصفهاني الصوفي "بينهما" بين حديث شداد وبين سائر الأحاديث، "بأن الثقل به كان في ابتداء علوقها به" ولعلها حملته على أنه مرض أصابها، فلا ينافي أنها ما علمت به أو الابتداء نسبي وهو ما قرب من أول مدة الحمل لا حقيقي، ولم يفهم هذا من اعترض جمعه بأن عدم علمها به يقتضي أن الثقل لم يكن في ابتدائه، "والخفة عند استمرار الحمل به، فيكون" أمر حمله "على الحالين خارجًا عن المعتاد المعروف" عند النساء، فإنه في ابتدائه خفيف، فإذا استمر اشتد، "انتهى".
جمع أبي نعيم: وبه يشعر قولها السابق كما تجد النساء، فإن الكلام إذا اشتمل على قيد زائد كان هو المقصود، كما قال عبد القاهر: فكأنها قالت: وجدت له ثقلا ليس كالثقل الذي تجده النساء، وجمع غيره: بأن المنفي الثقل المعنوي وهو الوجع والألم الحاصل للحوامل والمثبت لحسي وهو رزانته وزيادة مقداره من غير ألم ولا تعب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم وزن بجميع أمته فرجحهم، وعندي: أن هذا تعسف لا دليل عليه وعلته لا تفيد دعواه، وإن زعم صاحبه أنه خير من جمع أبي نعيم.
"وروى أبو نعيم" المذكور في الدلائل "عن ابن عباس رضي الله عنهما" أنه "قال: كان من دلالة حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم" وهذا موقوف لفظًا وحكمه الرفع، إذ لا يقال رأيًا "أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة" وتخصيص دوابهم بالنطق لعله لإعلامهم فضله من أول الأمر فلا يكون لهم شبهة ولا عذر وقت دعوته لكن لا تتم هذه النكتة إلا إن كانوا سمعوا نطق الدواب
وقالت: حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضًا، وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء: أن أبشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ميمونًا مباركًا
…
الحديث. وهو شديد الضعف.
"وقالت: حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة" وقالت: "هو" صلى الله عليه وسلم "إمام الدنيا" بالميم: قدوة أهلها، ورأيته في خصائص السيوطي الكبرى عن أبي نعيم أمان بالنون، أي: أمانها من العاهات العامة، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، "و" قالت: هو "سراج أهلها" فهذا من جملة نطق الدواب الذي أخبر به ابن عباس، وتجويز أن الضمير له وأن المصنف قصد به جواب سؤال هو: أن ابن عباس ما شاهد ذلك ولا نقله، فمن أين علمه حتى أخبر به؟ خطأ باطل، فهذا موجود في كتاب أبي نعيم الدلائل، ونقله عنه السيوطي وغيره، وتشبث مجوزه بأن شيخه اقتصر على قوله: ورب الكعبة، وعقبه بقوله: ومثله لا يقال رأيًا لا يجدي، فلا حجة في الترك.
وأما جواب السؤال، فهو قوله: لا يقال رأيًا، فقصد بذلك أن حكمة الرفع؛ كما قدمنا ومن العجيب أني لما أوردت على مبدئ هذا الاحتمال قول المصنف بعد الحديث، قال: نعم، لكن يجوز أن جملة معترضة بين أجزاء الحديث وهو فاسد نشأ من الاحتمال العقلي، فليس الإدراك بالتشهي؛ كما صرح به في فتح الباري. وإنما يعرف بورود رواية أخرى مبنية للقدر المدرج أو بالنص عليه من الراوي، أو من إمام مطلع؛ كما في شرح النخبة وغيرها على أن هذا مغلطة؛ لأن الإدراك من قول راو، والدعوى أنه من كلام المصنف، ثم لا يصح إطلاق أن ابن عباس إمام الدنيا وسارج أهلها، فإنهما هما وصفان للنبي صلى الله عليه وسلم.
"ولم يبق سرير ملك" بكسر اللام "من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا" مقلوبًا عن الهيئة التي كان عليها بأن صار أعلاه أسفله فهو مجاز إذ نكس قلبه على رأسه على ظاهر المختار إن لم يكن تجوز بالرأس عن الأعلى، وفي الخميس: وكلت الملوك حتى لم يقدروا في ذلك اليوم على التكلم، "وفرت" حقيقة، ولا مانع منه "وحوش" جمع وحش حيوان البر "المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات" بما حصل لها من الفرح والسرور، وكأنها لقربها من موضع الحمل علمت ذلك بنداء الملائكة أو سماع دواب قريش أو بما شاء الله. "وكذلك أهل البحار" صار "يبشر بعضهم بعضًا، وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء" هو "أن أبشروا فقد آن" قرب "أن يظهر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم" حال كونه "ميمونًا مباركًا
…
الحديث، وهو شديد الضعف
وعن غيره: لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت ولا مكان إلا دخله النور، ولا دابة إلا نطقت.
وعن أبي زكريا يحيى بن عائذ: بقي صلى الله عليه وسلم في بطن أمه تسعة أشهر كملا، لا تشكو وجعًا ولا مغصًا ولا ريحًا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء، وكانت تقول: والله ما رأيت من حمل هو أخف منه ولا أعظم بركة.
ولما تم لها من حملها شهران توفي عبد الله.....................
و" روي "عن غيره" عن غير ابن عباس "لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت" أضاءت. "ولا مكان" أعم من الدار "إلا دخله النور" لهذه الزيادة أتى به "ولا دابة" ظاهره: عموم الدواب إلا أن يحمل على قوله في الرواية السابقة من دواب قريش "إلا نطقت" ولم يبين في هذه الرواية ما نطقت به، وبينه في السابقة، بقوله: وقالت: حمل برسول الله
…
إلخ.
ومن العجائب نقله من كلام غير المتن مع كونه قطعة منه، وينادي على ناقله بإبطال ذلك الاحتمال. "وعن أبي زكريا يحيى" بن مالك "بن عائذ" بتحتية وذال معجمة نسبة لجده لشهرته به الحافظ الكبير الأندلسي سمع أبا سهل القطان ودعلج بن أحمد وابن قانع، وأملى الحديث بجامع قرطبة، صعد المنبر يوم الجمعة ليخطب فمات في الخطبة فجأة في شعبان سنة ست وتسعين وثلاثمائة، فأنزل وطلب في الحال من يخطب.
"بقي صلى الله عليه وسلم في بطن أمه تسعة أشهر كملا" بفتحتين مخفف الميم، أي: كاملة، وهذا أحد أقوال خمسة في مدة الحمل تأتي في المصنف، وذكره هنا لما بعده لا مقصود "لا تشكو وجعًا" في رأسها من نحو الدوخة التي تعرض للحامل ولا في بدنها من استرخاء الأعضاء والمفاصل "ولا" تشكو "مغصًا ولا ريحًا" في بطنها "ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء" من حب بعض المأكول وبغض بعضه؛ كما مر في قولها: لم أجد لحمله وحمًا فليس فسيريًا، كما زعم "وكانت تقول: والله ما رأيت" ما علمت "من حمل" لواحدة من النساء؛ لأنها ما حملت بغيره صلى الله عليه وسلم "هو أخف منه، ولا أعظم بركة" كناية عن كونه أخف ما يوجد من الحمل بناء على الاستعمال لا اللغة، فلا يرد أنه لا ينفي رؤيتها من يساويه مع أن قصدها أنه أخف ما يوجد، فهو كقولهم: ليس في البلد أعلم من زيد، يريدون أنه أعلم أهلها، ثم ذكر المصنف وفاة والده صلى الله عليه وسلم توطئة لما يأتي من امتناع الرضعاء من أخذه لموت أبيه، فقال: "ولما تم لها" لآمنة "من حملها شهران" وقيل: قبل ولادته بشهرين "توفي عبد الله" بن عبد المطلب عن خمس وعشرين سنة، قال الواقدي: وهو الأثبت أو عن ثلاثين سنة، قاله أبو أحمد الحاكم، أو عن ثمان وعشرين، أو عن ثمان عشرة سنة، وهو الذي صححه الحافظ العلائي، والحافظ ابن حجر، واختاره السيوطي
وقيل: توفي وهو في المهد، قاله الدولابي.
وعن ابن أبي خيثمة: وهو ابن شهرين.
وقيل: وهو ابن سبعة أشهر وقيل: وهو ابن ثمانية وعشرين شهرًا.
والراجح المشهور: الأول.
"وقيل توفي" عبد الله "وهو" صلى الله عليه وسلم "في المهد".
قال السهيلي: وهو قول أكثر العلماء، واحتج له بقول عبد المطلب لأبي طالب: أوصيك يا عبد مناف بعدي بمؤتم بعد أبيه، فرد: فارقه وهو ضجيع المهد، انتهى. قال السمين: المهد ما يمهد للصبي ليربى فيه من مهدت له المكان، أي: وطأته ولينته، وفيه احتمالان:
أحدهما: أن أصله المصدر فسمي به المكان وأن يكون بنفسه اسم مكان من غير مصدر، وقد قرئ مهدًا ومهادًا في طه. "قاله" الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد بن حامد بن سعيد الأنصاري الرازي "الدولابي" سمع محمد بن بشار وهارون بن سعيد وطبقتهما، ورحل وصنف، وعنه ابن أبي حاتم وابن عدي وابن حبان والطبراني وغيرهم.
قال الدارقطني: تكلموا فيه وما يظهر من أمره الأخير، وقال ابن يونس: ضعيف ولد سنة أربع وعشرين ومائتين ومات بالعرج بين مكة والمدينة سنة عشر وثلاثمائة، قال في اللب: كأصله الدولابي صوابه بفتح أوله والناس يضمونه إلى عمل الدولاب، ودولاب قرية بالري، قال ابن السمعاني: وظني أن بعض أجداده نسب إلى عمل الدولاب، قال: وأصله من الري، فيمكن أن يكون من قرية دولاب، انتهى.
وفي النور والقاموس: الدولاب القرية بالضم والذي كالناعورة بالضم ويفتح، "و" على كونه توفي وهو في المهد اختلف كم كان سنه صلى الله عليه وسلم، فنقل "عن" الحافظ أحمد "بن أبي خيثمة" زهير بن حرب الحافظ ابن الحافظ الإمام الثابت أبي بكر النسائي ثم البغدادي، قال الخطيب: ثقة عالم متقن حافظ بصير بأيام الناس، راوية للأدب، أخذ علم الحديث عن أحمد وابن معين، وعلم النسب عن مصعب، وأيام الناس عن المدائني، والأدب عن محمد بن سلام الجمحي، ولا أعرف أغزر فوائد من تاريخه بلغ أربعًا وتسعين سنة، ومات في جمادى الأولى ستة تسع وسبعين ومائتين؛ "وهو ابن شهرين، وقيل" مات "وهو" عليه الصلاة والسلام "ابن سبعة أشه" بموحدة بعد السين، حكاه في العيون، وقيل: ابن تسعة "وقيل" مات "وهو" صلى الله عليه وسلم "ابن ثمانية وعشرين شهرًا" فكل هذه الأقوال مبنية على أنه مات وهو في المهد، وهو صريح العيون والسبل، "والراجح المشهور" كما قال ابن كثير ورجحه الواقدي وابن سعد والبلاذري والذهبي: هو
وكان عبد الله قد رجع ضعيفًا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم، ورموا بالمدينة يثرب، فتخلف عند أخواله بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضًا شهرًا، فلما قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه فقالوا: خلفناه مريضًا، فبعث إليه أخاه الحارث فوجده قد توفي، ودفن في دار التابعة، وقيل دفن بالأبواء.
وقالت آمنة زوجته ترثيه:
عنا جانب البطحاء من آل هاشم
…
وجاور لحدًا خارجًا في الغماغم
"الأول" يعني أنه مات وهو حمل، والحجة له ما في المستدرك عن قيس بن مخرمة: توفي أبو النبي صلى الله عليه وسلم وأمه حبلى به، قال الحاكم: على شرط مسلم، وأقره الذهبي.
"وكان عبد الله" فيما رجحه الواقدي، وقال: هو أثبت الأقاويل، "قد رجع" من غزة "ضعيفًا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم ومروا بالمدينة يثرب" بدل أتى به لدفع توهم أن المراد غيرها؛ لأنها حينئذ ما كانت معروفة إلا بيثرب لا المدينة، سميت بيثرب بن قابل بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها، وقد غيره صلى الله عليه وسلم إلى طيبة وسماها الله طابة، رواه مسلم، قال عيسى بن دينار: من سماها يثرب كتبت عليه خطيئة، وفي مسند أحمد عن البراء بن عازب، قال: قال صلى الله عليه وسلم: "من سمى المدينة بيثرب فليستغفر الله عز وجل، وهي طابة وإنما سميت في القرآن حكاية".
"فتخلف عن أخواله بني عدي بن النجار" أي: أخوال أبيه؛ لأن هاشمًا تزوج من بني عدي فولدت له عبد المطلب، أما أخوال عبد الله فإنما هم من قريش من بني مخزوم "فأقام عندهم مريضًا شهرًا، فلما قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه، فقالوا: خلفناه مريضًا" عند أخواله "فبعث" عبد المطلب "إليه أخاه" أخا عبد الله "الحارث" وقال ابن الأثير: الزبير، "فوجده قد توفي" بالمدينة "ودفن" بها "في دار التابعة" بفوقية فموحدة فعين مهملة؛ كما في الزهر الباسم، قال الخميس: وهو رجل من بني عدي بن النجار. "وقيل: دفن بالأبواء" بفتح أوله ومد آخره قوية من عمل الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، والصحيح: أنها سميت بالأبواء لتبويء السيول بها، قاله ثابت بن حزم الحافظ، وقيل: لما فيها من الوباء.
قال البرهان وغيره: ولو كان كذلك لقيل الأوباء، أو يكون مقلوبًا منه. "وقالت: آمنة زوجته ترثيه" شعرًا "عنا جانب البطحاء" المختار: عفا المنزل درس وضمنته معنى خلا، فعدته بمن في "من آل هاشم" وجعلت خلوها منه خلوا من آل هاشم مبالغة لعدم قيام غيره منهم مقامه، أو الإضافة عهدية والمعهود زوجها أطلقت عليه آل؛ لأنه اسم لأهل الرجل وعياله، فيطلق على الكثير الواحد. "وجاور" من المجاورة "لحدًا خارجًا في الغماغم" بغينين معجمتين وميمين، أي:
دعته المنايا دعوة فأجابها
…
وما تركت في الناس مثل ابن هاشم
عشية راحوا يحملون سريره
…
تعاوره أصحابه في التزاحم
فإنك تك غالته المنون وريبها
…
فقد كان معطاء كثير التراحم
ويذكرعن ابن عباس، أنه لما توفي عبد الله قالت الملائكة إلهنا وسيدنا، بقي نبيك يتيمًا، فقال الله تعالى: أنا له حافظ ونصير.
وقيل لجعفر الصادق: لم يتم النبي صلى الله عليه وسلم قال: لئلا...................
الأغطية، قاله الشامي.
وكان المراد الأكفان التي لف فيها؛ فكأنها قالت: جاور حال كونه مدرجًا في أكفانه لحدًا بعيدًا عن أماكن أهله، "دعته المنايا" جمع منية بشد الياء: الموت، "دعوة" ويروى بغتة "فأجابها" وإسناد الدعوة إلى المنايا تجوز؛ وكأنها أرادت: ناداه ملك الموت حيث أراد قبض روحه، فأجابه بمعنى قام به الموت أو أسبابه حتى توفي، "وما تركت" المنايا "في الناس مثل ابن هاشم" عبد الله؛ لأنه كان يتلألأ نورًا في قريش وكان أجملهم فشغفت به نساؤهم وكدن أن تذهل عقولهن، قال أهل السير، فلقي عبد الله في زمنه من النساء ما لقي يوسف في زمنه من امرأة العزيز، "عشية راحوا" أي: ذهب المشيعون له حال كونهم "يحملون" في الوقت المسمى عشية، وهي آخر النهار، "سريره" النعش الذي هو عليه "تعاوره" تداوله "أصحابه في التزاحم" أي: مع التزاحم عليه، ففي بمعنى: مع؛ كقوله: ادخلوا في أمم "فإن تلك غالته" أي: أخذته على غفلة، أي أهلكته "المنون وريبها" أي: حوادثها، أي: الأسباب المؤدية للموت، وعبرت بأن التي للشك لاستبعاد وقوع الموت به استعظامًا له، وجواب الشرط محذوف، أي: أسف الناس لموته، والفاء للتعليل في قولها:"فقد كان معطاء" كثير الإعطاء، "كثير التراحم".
"ويذكر عن ابن عباس: أنه لما توفي عبد الله، قالت الملائكة" يا "إلهنا" ويا "سيدنا بقي نبيك يتيمًا" لا أب له، قال الخميس: أعلى اليتم ما توفي الوالد والولد في بطن الأم، "فقال الله تعالى" جوابًا لهم:"أنا له حافظ ونصير" ومن كنت له كذلك لا يضيع، وهذا حكمه الرفع لو صح، لكن مرضه المصنف على عادتهم في نقل التضعيف بيروى ويذكر، وفي لفظ: قالت الملائكة: صار نبيك بلا أب، فبقي من غير حافظ ومرب، فقال الله؛ أنا وليه وحافظه وحاميه وربه وعونه ورازقه وكافيه، فصلوا عليه وتبركوا باسمه.
"وقيل لجعفر الصادق" لقب به لأنه ما كذب قط، "لم يتم" بكسر التاء؛ كما اقتصر عليه الجوهري، وزاد المجد فتحها، والمصباح ضمها، "النبي صلى الله عليه وسلم" أي: ما حكمة ذلك "قال: لئلا
يكون عليه حق لمخلوق. نقله عنه أبو حيان في البحر.
وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال: سمعت أبي -وكان من أوعية العلم- قال: لما حضرت آمنة الولادة قال للملائكة: افتحوا أبواب السماء كلها، وأبواب الجنان، وألبست الشمس يومئذ نورًا عظيمًا، وكان قد أذن الله تعالى تلك السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكورًا.
يكون عليه حق لمخلوق" ولا يرد عليه بقاء أمه حتى بلغ ست سنين أو أكثر؛ لأن تعلق الحقوق إنما هو بعد البلوغ "نقله عنه أبو حيان" الإمام أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الأندلسي الغرناطي نحوي عصره ولغويه ومقريه، ولد في شوال سنة أربع وخمسين وستمائة، وأخذ عن ابن الصائغ وابن النحاس وغيرهما، وتقدم في النحو في حياة شيوخه واشتهر اسمه وألف الكتب المشهورة، وأخذ عنه أكابر عصره مات في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
"في البحر" هو تفسيره الكبير، وقال ابن العماد في كشف الأسرار: إنما رباه يتيمًا؛ لأن أساس كل صغير كبير، وعقبى كل حقير حظير، ولينظر صلى الله عليه وسلم إذا وصل إلى مدارج عزه إلى أوائل أمره ليعلم أن العزيز من أعزه الله تعالى، وأن قوته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال، بل قوته من الله تعالى وأيضًا ليرحم الفقير والأيتام.
"وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة" الصوري الصدوق، روى عن الوليد بن مسلم وغيره وعنه النسائي وأحمد بن المعلى، "قال سمعت أبي وكان من أوعية العلم، قال: لما حضرت آمنة الولادة" وفي نسخة: حضرت ولادة آمنة، أي: دخل وقت ولادتها، "قال للملائكة" أي: للخزان، وفي نسخ: قال الله لملائكته "افتحوا أبواب السماء كلها" هو ظاهر في أنها مغلقة وإنما تفتح لأسباب وهو ما صرحت به النصوص وبه تشهد الأخبار، "و" افتحوا "أبواب الجنان" السبع، وهي على ما روي عن ابن عباس: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون؛ لكن قال السيوطي: لم أقف عليه، يعني مسندًا عن ابن عباس، فلا ينافي ذكره في البدور عن القرطبي أنها سبع وعد هذا، إلا أنه قال بدل عليون: دار الجلال، وقيل: الجنة واحدة مسماة بهذه الأسماء، وقيل: أربع، ورجح بما في سورة الرحمن، وقال السبكي: هذه الأربع أنواع تحتها أفراد كثيرة؛ كما في الحديث: أنها جنان كثيرة.
"وألبست الشمس يومئذ" أي: زادت "نورًا عظيمًا" على نورها، "وكان قد أذن الله تعالى" أراد "تلك السنة" التي حمل فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم "لنساء الدنيا" أي: الحاملات منهن "أن يحملن ذكورًا" وليس المراد: أن جميع نساء الدنيا حملن إذ فيهن العزباء والكبيرة والصغيرة،
كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم، الحديث وهو مطعون فيه.
وذكر أبو سعيد عبد الملك النيسابوري في كتابه المعجم الكبير كما نقله عنه صاحب كتاب السعادة والبشرى عن كعب في حديثه الطويل، ورواه أبو نعيم من حديث ابن عباس قال: كانت آمنة تحدث وتقول: أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر في المنام وقال لي يا آمنة إنك حملت بخير العالمين فإذا ولدته فسميه محمدًا واكتمي شأنك قالت ثم أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد لا ذكر ولا أنثى، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه، فسمعت وجبة عظيمة وأمرًا عظيمًا هالني، ثم رأيت كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني الرعب وكل وجع أجده، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء
ومن لم تتزوج أصلا، ومن زوجها غائب عنها. كل ذلك "كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم" فهو راجع لجميع ما قبله "الحديث وهو مطعون فيه، وذكر أبو سعيد عبد الملك النيسابوري" مر أنه بفتح النون نسبة إلى نيسابور أشهر مدن خراسان، "في كتابه المعجم الكبير" وصريح المصنف أنه غير صاحب شرف المصطفى، فإن اسمه عبد الرحمن كما مر، والمصنف سماه عبد الملك؛ "كما نقله عنه صاحب كتاب السعادة، والبشرى عن كعب في حديثه الطويل، ورواه" أي: روى ما ذكره أبو سعيد عن كعب، "أبو نعيم من حديث ابن عباس" أنه "قال: كانت آمنة تحدث، وتقول" ومعلوم أنه ما سمعها، فيحتمل على أنه سمعه ممن سمعها. "أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر في المنام، وقال لي: يا آمنة، إنك قد حملت بخير العالمين" الماضين والموجودين والآتين، "فإذا ولدته" بتاء وهاء، وفي نسخة بينهما ياء على لغة قليلة للإشباع، "فسميه محمدًا واكتمي شأنك" حتى تضعي، فلا ينافي إخبارها به. "قالت: ثم أخذني ما يأخذ النساء" من الطلق "ولم يعلم بي أحد، لا ذكر ولا أنثى" أتت به بعد أحد لدفع توهم أن المراد الذكور فقط، "وإني لوحيدة" منفردة "في المنزل وعبد المطلب في طوافه" بالبيت الحرام، "فسمعت وجبة" بسكون الجيم وفتح الموحدة، أي: هدة "عظيمة" وهي سقوط وقع نحو الحائط "وأمرًا عظيمًا هالني" أفزعني، وهو تفسيري "ثم رأيت" رؤية عين بصرية شيئًا، "كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي" هو القلب عند الجوهري وغشاؤه عند غيره، قال الزركشي: وهو أحسن لحديث: "ألين قلوبًا وأرق أفئدة"، "فذهب عني الرعب" الخوف الحاصل من تلك الوجبة، "وكل وجع أجده" بسبب الطلق فلا ينافي أنها لم تشك ما يعرض للحوامل، "ثم التفت، فإذا أنا بشربة بيضاء" أي: بآنية شربة أو أطلق الشربة على محلها وهو المشربة بكسر الميم
فتناولتها فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا كأنهن من بنات عبد مناف، يحدقن بي فبينما أتعجب وأنا أقول واغوثاه من أين علمن بي. قال في غير هذه الرواية فقلن لي نحن آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وهؤلاء من الحور العين واشتد بي الأمر وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول مما تقدم فبينما أنا كذلك إذ بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض، وإذ بقائل يقول خذاه عن أعين الناس، قالت ورأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق من فضة، ثم نظرت فإذا أنا بقطعة من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي، مناقيرها............
مجازًا من تسمية المحل باسم الحال فيه، إذ الشربة المرة من الشرب، "فتناولتها" فشربتها، وفي رواية: فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنًا، وكنت عطشى فشربتها، فإذا هي أحلى من العسل، "فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا" بكسر الطاء جمع طويلة وأما بضمها ففرد كرجل طوال، وقال ابن الأثير: جمع طولى مثل الكبر في الكبرى، وهذا البناء يلزمه أل أو الإضافة؛ "كأنهن من بنات عبد مناف" شبهت بهن لاشتهارهن بين النساء بالطول والجمال، "يحدقن" بضم الياء وكسر الدال مخففة فقاف ساكنة، وبفتح الياء وكسر الدال، أي: يحطن بي "فبينما أتعجب وأنا أقول: واغوثاه! من أين علمن بي؟ قال في غير هذه الرواية: فقلن لي" أي: اثنتان منهن على أن أقل الجمع اثنان، أو مجاز "نحن آسية" بالمد وكسر السين المهملة؛ كما في التبصير بنت مزاحم، قيل: إنها إسرائيلية، وإنها عمة موسى، وقيل: إنها ابنة عم فرعون وإنها من العمالقة، "امرأة فرعون" ذات الفراسة الصادقة في موسى حين قالت: قرة عين لي ومن فضائلها: أنها اختارت القتل على الملك وعذاب الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، "ومريم ابنة عمران" أم عيسى عليه السلام، قيل: إنهما نبيتان، بل قال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية، لكن قال عياض: الجمهور على خلافه، وبعضهم نقل الإجماع على عدم نبوة النساء، وعن الأشعري: نبئ منهن ست: هاتان، وحواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى واستعمال نحن فيهما حقيقة؛ لأنها للمتكلم ومعه غيره واحد أو أكثر. "وهؤلاء من الحور العين" ولعل حكمة شهودهم كثرة الحور له في الجنة، كما أن مريم وآسية من نسائه في الجنة؛ كما في الحديث، "واشتد بي الأمر، وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول مما تقدم، فبينما أنا كذلك إذ بديباج" بكسر الدال ويجوز فتحها: نوع من الحرير، قاله في التوشيح "أبيض قد مد بين السماء والأرض" تعظيمًا لولادته عليه السلام، "وإذا بقائل يقول: خذاه" إذا ولد "عن عين الناس، قالت: ورأيت رجلا قد وقفوا في الهواء" أي: ملائكة تشكلوا بصورة الرجال، "بأيديهم أباريق من فضة، ثم نظرت، فإذا أنا بقطعة" جماعة "من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي" لكثرتها "مناقيرها"
من الزمرد وأجنحتها من الياقوت فكشف الله عن بصري فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات، علمًا بالمشرق وعلمًا بالمغرب، وعلمًا على ظهر الكعبة فأخذني المخاض فوضعت محمدًا صلى الله عليه وسلم فنظرت إليه فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني، ثم سمعت مناديًا ينادي طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلمون أنه سمي فيها الماحي، لا يبقي شيء من الشرك إلا محي في زمنه.......................
مبتدأ خبره "من الزمرد" بزاي معجمة فميم فراء مضمومات فدال معجمة؛ كما صوبه الأصمعي، وجزم به المجد، وقال ابن قتيبة: مهملة الزبرجد فارسي معرب، "وأجنحتها من الياقوت، فكشف الله عن بصري، فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت أعلام مضروبات علمًا بالمشرق وعلمًا بالمغرب وعلمًا على ظهر الكعبة" ولعل حكمة ذلك الإشارة إلى أن شرعه يعم المشارق والمغارب ويعلو على مكة ويصير بينا واضحًا؛ كالأعلام، "فأخذني المخاض" قال البيضاوي: بفتح الميم وكسرها مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج، "فوضعت محمدًا صلى الله عليه وسلم" الظاهر أن الصلاة من الراوي "فنظرت إليه فإذا هو ساجد" حقيقة "قد رفع أصبعيه" أي: سبابتيه قابضًا بقية أصابعه؛ كما يأتي في رواية الطبراني "إلى السماء؛ كالمتضرع" المتذلل "المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني، ثم سمعت مناديًا ينادي: طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها" خصت الأرض بذلك دون السماء؛ لأنها محل بعثته وظهور رسالته، والمناسب لقوله السابق: خذاه أن يقال طوفا به، فيحتمل أن معهما غيرهما تعظيمًا له، أو على أن الجمع ما فوق الواحد، "وأدخلوه البحار" جميعها وهي سبعة، أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس ووهب، وأخرج أيضًا عن حسان بن عطية، قال: بلغني أن مسيرة الأرض خمسمائة سنة بحورها منها مسيرة ثلاثمائة سنة، والخراب منها مسيرة مائة سنة، والعمران مسيرة مائة سنة. "ليعرفوه باسمه" فيها وهو الماحي؛ كما يأتي على الأثر، ولا تفهم أنه عام فتتعب، "ونعته وصورته" أي: لتعرفه البحار نفسها ولا مانع، فالله على كل شيء قدير، أو أهلها أو هما جميعًا، "و" حين إذ عرفوه بالثلاثة "يعلمون" قالوا: واستئنافية بدليل النون، "أنه سمي فيها" في البحار "الماحي" لأنه "لا يبقى شيء من الشرك إلا محي في زمنه" قال المصنف في أسمائه صلى الله عليه وسلم: ولما كانت البحار هي الماحية للأدران كان اسمه فيها
ثم انجلت عنه في أسرع وقت. الحديث. وهو مما تكلم فيه.
وروى الخطيب البغدادي بسنده كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى أيضًا أن آمنة قالت لما وضعته عليه الصلاة والسلام رأيت سحابة عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة وكلام الرجال، حتى غشيته وغيب عني فسمعت مناديًا طوفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض واعرضوه على كل روحاني من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلة إبراهيم.............................
الماحي، انتهى. وهي مناسبة لطيفة، "ثم انجلت عنه" تلك السحابة "في أسرع وقت
…
الحديث، وهو مما تكلم فيه" فذكره لينبه عليه؛ لشهرته في المواليد.
"وروى" الخطيب "البغدادي" الحافظ أحمد بن علي بن ثابت "بسنده" إيضاح فهو عندهم مدلول، روى "كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى أيضًا" كما ذكر الأول:"أن آمنة قالت: لما وضعته عليه الصلاة والسلام" الظاهر: أن التصلية من الراوي؛ كما مر، "رأيت سحابة عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل" كأمر أصواتها كما في القاموس.
"وخفقان الأجنحة" مصدر خفق؛ كضرب، أي: اضطرابها "وكلام الرجال" الملائكة المتشكلين بصفتهم "حتى غشيته" تلك السحابة متعلق بمقدر، أي: أقبلت "وغيب عني، فسمعت مناديًا ينادي: طوفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض" متعلق بيعرفوه "واعرضوه" بهمزة وصل: أظهروه "على كل روحاني" بضم الراء، أي: من فيه روح بدليل قوله: "من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش، وأعطوه خلق آدم" بفتح الخاء وسكن اللام ففي حديث: "أنا أشبه الناس بأبي آدم، وكان أبي إبراهيم خليل الرحمن أشبه الناس بي خَلقًا وخُلقًا"، "ومعرفة شيث" بن آدم. نقل الثعلبي وغيره: أن الله علمه ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الحق في كل ساعة منها، فلعل هذا هو المراد بالمعرفة هنا، "وشجاعة نوح" ولو لم يكن من شجاعته إلا مكثه في قومه ألف سنة إلا خمسين مع تعنتهم عليه، وكفرهم وقلة من آمن معه، وهو لا يبالي بهم ويقاومهم كلهم ومواطن شجاعة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تحصر، "وخلة" بشد اللام "إبراهيم" لله عز وجل في قوله:{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125]، وفي الصحيح: قوله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذًا خليلا غير ربي، لاتخذت أبا بكر خليلا" وأخرج أبو يعلى في حديث المعراج: "فقال له ربه: اتخذتك خليلا وحبيبًا"،
ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق، وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وشدة موسى، وصبر أيوب، وطاعة يونس............................
فثبت أنه خليل كإبراهيم، وزاد كونه حبيبًا "و" أعطوه "لسان إسماعيل" أي: لغته، نحو:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] ، أخرج الزبير بن بكار بسند جيد عن علي مرفوعًا، "أول من فتق الله لسانه بالعربية البينة إسماعيل"، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أفصح الخلق على الإطلاق.
وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن ابن عمر، قال: قال عمر: يا نبي الله! ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاءني بها جبريل فحفظتها" بل زاد على ذلك فكان يخاطب كل ذي لغة بلغته، اتساعًا في الفصاحة.
"ورضا إسحاق" بالذبح على أنه الذبيح في حديث: "أن داود سأل ربه مسألة، فقال: اجعلني مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه: إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر" الحديث، وقد رضي نبينا صلى الله عليه وسلم بما هو أقوى من ذلك، فقد أدمى الكفار رجليه، وكسروا رباعيته، وشجوا وجهه، واجتمعوا على قتله، وحاربوه وهو مع ذلك كله راض، ويقول:"اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون".
"وفصاحة صالح" ذكر الثعلبي أنه كان من أفصح أهل زمانه وأحسنهم منطقًا، قال: وكان له من الحسن والجمال ما لا يقدر أحد أن يتمتع بالنظر إليه من نور وجهه، وكان أشبه الناس بشيث، وأعطاه الله من العلم والحلم والوقار والسكينة شيئًا كثيرًا، وكان لباسه الصوف، ونعلاه من خوص النخل، انتهى. والمصطفى لا يدانيه في الفصاحة أحد.
"وحكمة لوط" المشار لها بقوله تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 74]، قال البيضاوي: أي حكمة أو نبوة أو فصلا بين الخصوم، واقتصر الجلال على الثالث، وما بلغه نبينا من ذلك لا مضارع له فيه.
"وبشرى يعقوب" لعلها بسلامة ولده أو بالفوز بدعوة أبيه دون أخيه عبصو، وقد بشر نبينا صلى الله عليه وسلم من ربه بأمور كثيرة.
"وشدة موسى" في دين الله وفي القوة، فقد حكي عنه قتل ذلك الرجل بوكزة وغير ذلك، ونبينا أعطي فوق ذلك فقد قتل أبي بن خلف بأدنى شيء حتى عيره قومه، فقال: لو بصق علي محمد لقتلني، وصارع بمكة رجلا كان لا يقدر على صرعه أحد فصرعه، إلى غير ذلك.
"وصبر أيوب" الممدوح عليه بقوله: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص: 44] ، وأحوال المصطفى في الصبر لا يضبطها الحصر.
"وطاعة يونس" لله تعالى من الصغر، روي: أنه لما بلغ سبع سنين قال لأمه: أريد كسوة
وجهاد يوشع، وصوت داود وحب دانيال ووقار إلياس وعصمة يحيى...............
الصوف حتى ألحق بالعباد، فلم تجبه فلم يزل بها حتى كسته، وكان معهم حتى تم خمس عشرة سنة، ذكره الثعلبي، وطاعة المصطفى لربه من قبل السبع، فكان يخرج هو وأخوه من الرضاعة في بني سعد، فيمران بالغلمان يلعبون فيلعب أخوه، فإذا رآهم عليه الصلاة والسلام أخذ بيد أخيه، وقال:"إنا لم نخلق لهذا".
"وجهاد يوشع" بن نون قاتل الجبارين بعد موسى يوم الجمعة، ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم، وقد جاهد صلى الله عليه وسلم الجبارين ببدر يوم الجمعة ونصره الله عليهم، ثم استمر مجاهدًا في الله حق جهاد حتى توفاه الله، واستمر في شرعه الجهاد إلى يوم القيامة، ولله الحمد.
"وصوت داود" المشار له بحديث: "لقد أوتي أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود"، يعني: داود نفسه، ولا ريب في أن المصطفى فاقه لما رواه الترمذي من حديث أنس:"ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا".
"وحب دانيال" آتاه الله النبوة والحكمة، روى ابن أبي الدنيا:"أن بختنصر ضرى أسدين وألقاهما في جب وأمر بدانيال فألقي عليهما" الحديث. وروى البيهقي: "أن دانيال طرح في الجب وألقيت عليه السباع، فجعلت تلحسه وتبصبص إليه، وأرسل الله له ملكًا بطعام" وروى ابن أبي الدنيا: "أن الملك الذي كان دانيا في سلطانه، قال له منجموه: يولد ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك، فأمر بقتل من يولد تلك الليلة، فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه ونجاه الله"، وأقوى من ذلك: مكث نبينا صلى الله عليه وسلم في الغار ليلة الهجرة، وحفظ اللهِ له من الكفار الذين هم أشد من الأسد مع أن أحدهم لو نظر إلى عقبه لرآه وقد حفظه الله حين ولد من اليهودي ومكره به وتحريضه على قتله، بقوله:"يا معشر قريش، ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب"؛ كما يأتي قريبًا.
"ووقار إلياس" من ذرية هارون كان على صفة موسى في الغضب والقوة، ونشأ نشأة حسنة يعبد الله وجعله الله نبيًا ورسولا وآتاه آيات، وسخر له الجبال والأسود وغيرها، وأعطاه قوة سبعين نبيًا، ذكره الثعلبي. والمصطفى صلى الله عليه وسلم لا يقارنه أحد في الوقار، وقد كان أصحابه لا يستطيعون إمعان النظر فيه لقوة مهابته ومزيد وقاره، ومن ثم لم يصفه إلا صغارهم أو من كان في تربيته قبل النبوة؛ كهند وعلي.
"وعصمة يحيى" بن زكريا من اللعب ونحوه من الصغر، قال الثعلبي: روي في قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12]، قيل: تعلم التوراة في صغره، وقيل: نزل عليه الوحي لثلاثين
وزهد عيسى، واغمسوه في أخلاق النبيين قالت: ثم انجلي عني فإذا به قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدًا ينبع من تلك الحريرة ماء وإذا قائل يقول: بخ بخ قبض محمد على الدنيا كلها لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعًا في قبضته، قالت ثم نظرت إليه صلى الله عليه وسلم فإذا هو كالقمر ليلة البدر وريحه يسطع..............
سنة، وقيل: إن صبيانًا دعوه في صغره للعب، فقال:"أو للعب خلقنا"، وقد حكي أن زكريا قال: إن كان هذا الولد يريد الدنيا فلا حاجة لنا فيه، وإن كان يريد الآخرة فمرحبًا به، فقال جبريل: إنه لا يريد إلا الآخرة، فظهر يحيى ونشأ نشوأ حسنًا، انتهى. وقد عصم نبينا من كل شيء من أول أمره ومر اجتنابه اللعب عقب فطامه، وقوله:"إنا لم نخلق لهذا" وكانت همته وإرادته كلها في مرضاة ربه.
"وزهد عيسى" ابن مريم المشهور، وقد فاق المصطفى كل زاهد حتى منع بعضهم من إطلاق الزهد عليه معللا بأنه لا قيمة للدنيا عنده حتى يزهد فيها، وقد عرض عليه أن تسير معه الجبال ذهبًا وفضة فأبى، وخير بين الملك والعبودية، فاختار العبودية.
"واغمسوه في أخلاق النبيين" كلها ليجتمع فيه ما تفرق في غيره، كيف وقد كان خلقه القرآن.
"قالت" آمنة: "ثم انجلى عني" ما رأيته من السحابة وما فيها، "فإذا به" صلى الله عليه وسلم "قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدًا ينبع" مثلث الموحدة؛ كما في القاموس والإرشاد وغيرهما، أي: يخرج "من تلك الحريرة ماء، وإذا بقائل يقول: بخ بخ" الأول منون والثاني مسكن، وبتسكينهما وبتنوينهما وبتشديدهما، وتفرد ساكنة ومكسورة ومنونة مضمومة، كلمة تقال عند الرضا، أي: عظم الأمر وفخم؛ كما في القاموس. "قبض محمد على الدنيا كلها" والإشارة إلى ذلك قبضه على الحريرة بيده، "لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعًا في قبضته" حقيقة أو حكمًا؛ لظهور ما معهم من البراهين الدالة على أن امتناعهم من الإيمان مجرد عناد وظلم، فلا يرد أن كثر ما آمنوا به، أو باعتبار مبدأ الخلق لولادة الجميع على الفطرة.
"قالت: ثم نظرت إليه صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كالقمر" كذا في نسخة وهي ظاهرة؛ لأن إذا الفجائية تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء ومعناها الحال لا الاستقبال؛ كما في المغني. وفي نسخة: فإذا به كالقمر فيه خبر مقدم، وكالقمر صفة لمحذوف، أي: نور، والكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو من الوصف بمفرد أو الباء مزيدة في المبتدأ على أن زيادتها فيه مقيسة، والأصل: فإذا هو كالقمر، فانقلب الضمير. "ليلة البدر ريحه يسطع"
كالمسك الأذفر، وإذا بثلاثة نفر في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الآخر طست من زمرد أخضر وفي يد الثالث حريرة بيضاء فنشرها فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه فغسله من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ولفه في الحريرة ثم احتمله فأدخله بني أجنحته ساعة ثم رده إلي ورواه أبو نعيم عن ابن عباس وفيه نكارة.
وروى الحافظ أبو بكر بن عائذ في كتابه المولد -كما نقله عنه الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح بردة المديح- عن ابن عباس: لما ولد صلى الله عليه وسلم قال في أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته، فأنت أكثرهم
بفتح الطاء يظهر "كالمسك الأذفر" بذال معجمة الذكي "وإذا بثلاثة نفر" بالتنوين، ونفر بدل منه وبالإضافة بيانية عند البصرة، أو من إضافة الصفة لموصوفها عند الكوفة؛ كما صرح به الرضي خلافًا لزعم أبي البقاء: أن الصواب التنوين في مثله.
"في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الآخر طست" بفتح الطاء وكسرها وسكون السين المهملة وبمثناة، وقد تحذف وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيئ، وأخطأ من أنكرها قاله الحافظ:"من زمرد" بضمات والراء مشددة والذال معجمة على الأفصح، وقد مر. "أخضر، وفي يد الثالث حريرة بيضاء، فنشرها" أي: فردها، "فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه" أي: في مكان أقرب منه، والمراد: تتحير فيما دون ذلك الخاتم لصفته الخارقة للعادة. "فغسله" أي: غسل الملك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه المحدث عنه "من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم، ولفه" أي: لف الملك النبي صلى الله عليه وسلم "في الحريرة، ثم احتمله فأدخله بين أجنحته ساعة" الظاهر: أن المراد مدة من الزمن لا الفلكية، "ثم رده إلي، وراه" أي: هذا الحديث "أبو نعيم عن ابن عباس، وفيه نكارة، وروى الحافظ أبو بكر ابن عائذ في كتابه المولد؛ كما نقله عنه الشيخ بدر الدين" محمد بن عبد الله "الزركشي" الشافعي العلامة البارع، ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الأسنوي ومغلطاي وابن كثير وغيرهم، وألف تصانيف كثيرة في عدة فنون، مات في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى. "في شرح بردة المديح" للبوصيري التي أولها:
أمن تذكر جيران بذي سلم
"عن ابن عباس" رضي الله عنه، أنه قال:"لما ولد صلى الله عليه وسلم قال في أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته" وإذا كان كذلك "فأنت أكثرهم
علمًا، وأشجعهم قلبًا.
وروى محمد بن سعد من حديث جماعة منهم عطاء وابن عباس: أن آمنة بنت وهب قالت: لما فصل مني -تعني النبي صلى الله عليه وسلم خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع إلى الأرض معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء.
وروى الطبراني: أنه لما وقع إلى الأرض وقع مقبوضة أصابع يديه مشيرًا بالسبابة كالمسبح بها.
علمًا وأشجعهم قلبًا" وهذا أرسله ابن عباس ومرسل الصاحب وصل في الأصل وحكمه الرفع إذ لا مجال فيه للرأي.
"وروى محمد بن سعد" بن منيع الهاشمي مولاهم البصري، الصدوق، الحافظ، نزيل بغداد، كاتب الواقدي، مات سنة ثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وستين سنة. "من حديث جماعة منهم عطاء" بن أبي رباح، "وابن عباس: أن آمنة بنت وهب" بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب والدته صلى الله عليه وسلم، "قالت: لما فصل" أي: خرج "مني، تعني" تريد آمنة "النبي صلى الله عليه وسلم خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع" عليه السلام "إلى الأرض" زاد ابن سعد عن الواقدي: جاثيًا على ركبتيه، "معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها" إشارة إلى أنه يغلب أهل الأرض، ويكون التراب من جملة معجزاته، ألا ترى أنه حثا في وجوه أعدائه قبضة من تراب ليلة الهجرة ويوم بدر وأحد وحنين، وللإشارة إلى الإعراض عن الدنيا؛ فكأنه حين رفع رأسه يقول: لا ألتفت إلى الدنيا وما فيها، فإنها كهذا التراب.
"ورفع رأسه إلى السماء" ينظر ببصره إليها، قال الجوهري: وفيه إشارة دائمًا إلى ارتفاع شأنه وقدره وأنه يسود الخلق أجمعين، وكان هذا من آياته، وهو أنه أول فعل وجد منه في أول ولادته، وفيه إشارة وإيماء لمن تأمل إلى أن جميع ما يقع له من حين ولد إلى حين يقبض دال على العقل، فإنه لا يزال متزايد الرفعة في كل وقت وحين، عالي الشأن على المخلوقات، وفي رفعه رأسه إشارة وإيماء إلى كل سؤدد، وأنه لا يتوجه قصده إلا إلى جهات العلو دون غيرها، مما لا يناسب قصده.
"وروى الطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب الحافظ "أنه" صلى الله عليه وسلم "لما وقع إلى الأرض" حال كونه "مقبوضة أصابع يديه ميرًا بالسبابة" اللام للاستغراق أو الجنس، فشمل السبابتين ليوافق قوله السابق أصبعيه، "كالمسبح بها" وفي السابقة: كالمتضرع المبتهل.
وروي عن عثمان بن أبي العاصي عن أمه أم عثمان الثقفية -واسمها فاطمة بنت عبد الله- قالت: لما حضرت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت البيت حين وقع قد امتلأ نورًا، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع عليّ. رواه البيهقي.
وأخرج أحمد والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، إني دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين"..........................
"وروي عن عثمان بن أبي العاص" الثقفي ولي الطائف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقره أبو بكر، ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها سنة خمس أو إحدى وخمسين. "عن أمه أم عثمان الثقفية" الصحابية "واسمها فاطمة بنت عبد الله" ذكرها أبو عمر وغيره في الصحابة: أنها "قالت: لما حضرت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت البيت" الذي ولد فيه "حين وقع" أي: نزل من بطن أمه "قد امتلأ نورًا، ورأيت النجوم تدنو" تقرب مني "حتى ظننت أنها ستقع علي، رواه البيهقي" والطبراني وابن عبد البر، قال في الفتح: وشاهده حديث العرباض فذكره وتبعه المصنف، فقال:"وأخرج أحمد" بن محمد ب حنبل الإمام المشهور "والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي، عن العرباض" بكسر العين "ابن سارية" السلمي رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إني عند الله" بالنون مكتوب "لخاتم النبيين" باللام، ويقع محرفًا في بعض نسخ: "إني عبد الله وخاتم النبيين" ، بباء وواو وهو تحريف لا شك فيه، فقد قدم المصنف نفسه الحديث في أول الكتاب على الصواب، وكذا الشامي، وليس القصد الإخبار في هذا الحديث بأنه عبد الله بل بأنه مكتوب عنده خاتم النبيين "و" الحال "إن آدم لمنجدل" أي: مطروح على الأرض "في طينته" خبر ثان؛ لأن لا متعلق بمنجدل، كما مر.
"وسأخبركم عن ذلك: إني دعوة أبي إبراهيم" في قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129]، "وبشارة" قال في النور: بكسر الموحدة وضمها: الاسم، "عيسى" هي قوله:{وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] ، "ورؤيا أمي التي رأيت"، رؤي2ة عين بصيرة، قال مغلطاي: وذكر ابن حبان أن ذلك كان في المنام، وفيه نظر "وكذلك أمهات النبيين" جمع نبي "يرين" ذلك الذي رأته أمه صلى الله عليه وسلم، فهو من خصائصه على الأمم لا على الأنبياء، كما نصوا عليه. وفي نسخة: وكذلك أمهات الأنبياء، وفي بعض النسخ من المصنف ومن الشامية: وكذلك أمهات المؤمنين، وهو تحريف لا شك فيه ولا ريب، فالحديث في
وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام. قال الحافظ ابن حجر: صححه ابن حبان والحاكم.
وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار عن أم سلمة عن آمنة: قالت: لقد رأيت ليلة وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام حتى رأيتها.
وأخرج أيضًا، عن بريدة عن مرضعته في بني سعد أن آمنة قالت: رأيت كأنه خرج من فرجي شهاب........................................
الجامع الكبير والخصائص وغيرهما من الدواوين: أمهات النبيين، وذكر ما رأته أمه، بقوله:"وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام" أي: أضاء النور وانتشر حتى رأيت قصور الشام، وأضاءت تلك القصور من ذلك النور. "قال الحافظ" أبو الفضل "ابن حجر: صححه" أي: الحديث "ابن حبان" بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة المشددة الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي بضم الموحدة وسكون السين المهملة نسبة إلى بست بلد كبير من بلاد الغور بطرف خراسان؛ كما في التبصير، العلامة صاحب التصانيف، قال الحاكم: كان من أوعية العلم. "والحاكم" أبو عبد الله الحافظ زاد في الفتح وفي حديث أبي أمامة عند أحمد نحوه، وأخرجه ابن إسحاق عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال فيه: "أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام".
"وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار" ضد يمين الهلالي الثقة، كثر الحديث، القاص، مولى ميمونة عن مولاته، وأبي ذر وزيد بن ثابت وأبي وعدة، وعنه زيد بن أسلم وشريك بن أبي نمر وخلق، قال في الكاشف: كان من كبار التابعين وعلمائهم وخالف ذلك في طبقات الحافظ، فعده في أواسط التابعين مات سنة أربعمائة، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: تسع وتسعين، عن أربع وثمانين سنة، قيل: بالإسكندرية.
"عن أم سلمة" هند بنت أبي أمية أم المؤمنين، ستأتي في الزوجات. "عن آمنة" والدته صلى الله عليه وسلم "قالت: لقد رأيت" رؤية عين بصرة "ليلة وضعه" عليه السلام "نورًا أضاءت له قصور الشام، حتى رأيتها. وأخرج" أبو نعيم "أيضًا" وكذا ابن سعد "عن بريدة" تصغير بردة ابن الحصيب بحاء وصاد مهملتين فتحتية فموحدة مصغر، قال الغساني: وصحف من قاله بخاء معجمة الصحابي الأسلمي شهد خيبر، وروى عنه ابناه والشعبي وعدة، توفي سنة اثنتين وستين.
"عن مرضعته في بني سعد" هي امرأة مبهمة غير حليمة المشهورة، قاله الشامي. "أن آمنة، قالت: رأيت" رؤيا نوم "كأنه خرج من فرجي شهاب" ككتاب شعلة من نار، ساطعة؛ كما
أضاءت له الأرض حتى رأيت قصور الشام.
وعن همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لما ولدته خرج من فرجي نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفًا ما به قذر، رواه ابن سعد.
وإلى هذا أشار العباس بن عبد المطلب في شعره، حيث قال:
وأنت لما ولدت أشرقت الـ
…
أرض وضاءت بنورك الأفق
في القاموس. "أضاءت له الأرض، حتى رأيت قصور الشام" فأول ولد يخرج منها تنور به الدنيا ويحرق أعاديه، قال في شرح الخصائص: بعدما قرر أن الرؤية الواقعة في الأحاديث الأول بصرية، ما لفظه: وأما الرؤيا الواقعة في رواية ابن سعد، يعني هذا فرؤيا منام؛ لأنها حين حملت به كانت ظرفًا للنور المنتقل إليها من أبيه، وقد خلط من جعل كلا منهما في النوم وجعل كلا منهما في اليقظة، انتهى.
"وعن همام بن يحيى" بن دينار العوذي الحافظ البصري: قال أبو حاتم: ثقة صدوق، في حفظه شيء، مات سنة ثلاث وستين ومائة، "عن إسحاق بن عبد الله" بن أبي طلحة الأنصاري، أو هو ابن الحارث بن نوفل الهاشمي أو غيرهما "أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت لما ولدته خرج من فرجي نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفًا ما به قذر" صفة موضحة للمبالغة في نظافته، إذ القذر ضد النظافة.
"رواه ابن سعد" محمد قال ابن إسحاق: فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده أنه ولد لك غلام، فائته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت، وما قيل لها: وما أمرت أن تسميه؟ فيزعمون أن جده أخذه فدخل به الكعبة وقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه ثم خرج به فدفعه إلى أمه، وذكر ابن دريد: أنه ألقيت عليه جفنة لئلا يراه أحد قبل جده، فجاء جده والجفنة قد انفلقت عنه.
"وإلى هذا" الواقع ليلة الميلاد من إضاءة القصور، وامتلاء البيت بالنور "أشار العباس بن عبد المطلب" عمه صلى الله عليه وسلم على الصحيح، وقيل: حسان بن ثابت ذكره ابن عساكر في حديث ضعيف جدًا، ووهم من زعم أنه العباس بن مرداس الأسلمي؛ كما أشار له المصنف "في شعره" الذي سيذكره المصنف كله في غزوة تبوك، "حيث قال" يخاطبه صلى الله عليه وسلم:"وأنت لما ولدت" ويروى: وأنت لما ظهرت "أشرقت الأرض" من إشراق نورك "وضاءت بنورك الأفق" بضم الفاء وسكونها: الناحية جمعه آفاق مذكر أنثه العباس على تأويله بالناحية، فاعتبر معناه دون لفظه ولا
فنحن في ذاك الضياء وفي النو
…
ر وسبل الرشاد نخترق
قال في اللطائف: "وخروج هذا النور عند وضعه، إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك. قال تعالى:{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} الآية: [المائدة: 15، 16] ، وأما إضاءة قصور بصرى................................
يبعد أنه جمع فيكون للمفرد والجمع كالفلك، وأن يكون مضموم الفاء جمعًا لساكنها، وكل هذا احتمال؛ كذا قال أبو شامة، وفيه: أن اللغة لا تثبت بالاحتمال، فتعين الأول.
"فنحن في ذلك الضياء، وفي النور وسبل الرشاد نخترق" والبيتان، من المدرج عند العروضيين، أي: الذي أدرج عجزه في الكلمة التي فيها آخر الصدر فلم ينفرد أحدهما من الآخر بكلمة تخصه ويمتاز بها، "قال" الحافظ عبد الرحمن بن رجب "في اللطائف" أي: في كتاب لطائف المعارف: فهو من التصرف في العلم والراجح جوازه.
"وخروج هذا النور" الحسي المدرك بالبصر حال كونه "عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور" أي الأحكام والمعارف، سميت نورًا مجازًا للاهتداء بها؛ كالنور الحسي "الذي اهتدى به أهل الأرض" حقيقة؛ كالمؤمنين أو حكمًا بمعنى أنهم عرفوا الحق وامتنعوا منه عنادًا؛ كما قال تعالى:{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14] والجاهلون منهم تابعون لكبرائهم المعاندين أو نزول المشركين منزلة العدم.
"وزال به ظلمة الشرك" جهالاته؛ لأن الجهل يطلق عليه الظلمة مجازًا لأن الجاهل متحير في أمره لا يعلم ما يذهب إليه، كما أن الماشي في ظلمه متحير لا يهتدي لما بين يديه وخص الشرك لشدة قبحه أو لغلبته بمكة حين البعث أو أراد به الكفر؛ لأنه إذا أفرد أريد مطلق الكفر وإذا جمع أريد به عبارة الأوثان نحو لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، فهما كالفقير والمسكين.
"كما قال تعالى" إخبارًا عما جاء به من الأحكام حيث جعله نورًا {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15] قال البيضاوي: يعني القرآن، فإنه الكاشف لظلمات الشك والضلال والكتاب الواضح الإعجاز، وقيل: يريد بالنور محمدًا صلى الله عليه وسلم، انتهى. فما ذكره بناء على الأول والصحيح الثاني، كما قال المصنف كغيره.
" {يَهْدِي بِهِ} " بالكتاب " {اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} " بأن آمن به " {سُبُلَ السَّلَامِ} " طريق السلامة " {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ} " الكفر " {إِلَى النُّورِ} " الإيمان " {بِإِذْنِهِ} " إرادته "الآية" أتلها "وأما إضاءة قصور بصرى".
بالنور الذي خرج معه فهو إشارة إلى ما خص الشام من نور نبوته، فإنها دار ملكه -كما ذكر كعب: أن في الكتب السالفة: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مولده بمكة ومهاجره بيثرب وملكه بالشام- فمن مكة بدت نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وإلى الشام انتهى ملكه، ولهذا أسري به صلى الله عليه وسلم إلى الشام، إلى بيت المقدس، كما هاجر قبله إبراهيم عليه السلام إلى الشام، وبها ينزل عيسى بن مريم عليه السلام، وهي أرض المحشر والمنشر.
بضم الموحدة وسكون الصاد المهملة وراء فألف مقصورة بلد بالشام من أعمال دمشق وهي حوران، قاله السيوطي. وفي الفتح: مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران. "بالنور الذي خرج معه" فيما رواه ابن إسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما مر.
ورواه ابن سعد عن أبي العجفاء مرفوعًا: "رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاء له قصور بصرى"، فهو "إشارة إلى ما خص الشام من نور نبوته" وفي تخصيص بصرى لطيفة هي أنها أول موضع من بلاد الشام، دخله ذلك النور المحمدي، ولذا كانت أول ما فتح من الشام، قاله في المسكة الفائحة. وقال غيره إشارة إلى أنه ينور البصائر، ويحيي القلوب الميتة. "وأنها دار ملكه، كما ذكر كعب" بن مانع المعروف بكعب الأحبار، "أن في الكتب السالفة" ثابت من جملة ما يميزه عن غيره ويحقق نبوته، لفظ:"محمد رسول الله مولده" يكون "بمكة، ومهاجره" أي: هجرته "بيثر" الباء بمعنى إلى، وفي نسخة حذف الباء، أي: مكان هجرته هو يثرب؛ لأنه اسم مكان من هاجر بزنة اسم المفعول من المزيد يشترك فيه اسم المفعول والمصدر الميمي واسم الزمان والمكان، وهو المناسب هنا.
"وملكه بالشام" وروى البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رفعه: "الخلافة بالمدينة والملك بالشام"، "فمن مكة بدت" ظهرت "نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وإلى الشام انتهى ملكه" أي: أولا، قاله النجم وغيره زاد شيخنا أو إنه صار مقرًا له؛ لأنه كان محلا للخلفاء والأول أولى، لأنه لم يكن محل الملوك إلا في مدة بني أمية، ثم انتقل في البلدان بحسب الملوك "ولهذا أسري" به "صلى الله عليه وسلم إلى الشام إلى بيت المقدس" وقيل غير ذلك في حكمة الإسراء؛ كما تقرر.
"كما هاجر قبله إبراهيم عليه السلام" من حران بتشديد الراء آخره نون، "إلى الشام" إلى بيت المقدس منها، ففي تاريخ ابن كثير ولما كان عمر تأرخ خمسًا وسبعين سنة ولد إبراهيم بأرض بابل على الصحيح المشهور عند أهل السير، ثم هاجر إبراهيم إلى حرام ومات بها أبوه، ثم إلى بيت المقدس واستقر بها. "وبها ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، وهي أرض المحشر" بكسر الشين وتفتح موضع الحشر؛ كما في القاموس وغيره وسوى بينهما في العين، قال شيخنا: والقياس الفتح؛ لأن فعله كنصر وضرب. "والمنشر" بالفتح اسم مكان من نشر الميت فهو ناشر
وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم في صحيحيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده" انتهى ملخصًا.
إذا عاش بعد الموت، والمراد هنا خروج الموتى من قبورهم وانتشارهم إلى الشام، أي: أنها التي يساق إليها الموتى ويجتمعون بها.
"وأخرج أحمد" بن محمد بن حنبل الإمام المشهور، قال ابن راهويه: هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه، "وأبو داود "سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني الحافظ الكبير والعلم الشهير، روى عن أحمد والقعنبي وابن الحديد، وقال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وحفظًا وعلمًا وإتقانًا ونسكًا وورعًا جمع وصنف وذب عن السنن، وقال ابن داسه: سمعته يقول كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب، يعني السنن، ولد سنة اثنتين ومائتين وتوفي لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة، وقيل غير ذلك.
"ابن حبان" الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي البستي، قيل: كتب عن أكثر من ألفي شيخ منهم النسائي وأبو يعلى والحسن بن سفيان، قال تلميذه الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه والحديث واللغة والوعظ ومن عقلاء الرجال وكانت إليه الرحلة، زاد غيره: وكان عالمًا بالطب والنجوم وفنون العلم، وقال الخطيب: كان ثقة نبيلا فهمًا مات في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو في عشر الثمانين.
"والحاكم" أبو عبد الله الحافظ مر بعض ترجمته دخل الحمام بنيسابور ثم خرج، فقال: آه وقبض وهو متزر ولم يلبس قميصه في صفر سنة خمس وأربعمائة. "في صحيحيهما" أي: صحيح ابن حبان وصحيح الحاكم المستدرك كلهم عن عبد الله بن حوالة الصحابي.
"عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "عليكم بالشام" " أي: الزموا سكناها "فإنها خيرة الله من أرضه" ، على معنى من خيرته أو من حيث الخصب ونمو البركات فيطلب سكناها، قيل: مطلقًا لكونها أرض المحشر والمنشر، وهو ظاهر سوق المصنف هنا لهذا الحديث، وقيل: المراد آخر الزمان عند اختلال أمر الدين وغلبة الفساد؛ لأن جيوش الإسلام تنزوي إليها، وفي حديث واثلة عند الطبراني فإنها صفوة بلاد الله، "يجتبي" يفتعل من جبوت الشيء وجبيته جمعته، أي: يجمع، "إليها خيرته من عباده" فهي أفضل البلاد بعد الحرمين ومسجد القدس يلي الحرمين في الفضل حتى المساجد المنسوبة له صلى الله عليه وسلم، "انتهى" كلام اللطائف "ملخصًا" حال.
وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف عن أمه الشفا قالت: لما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي فاستهل، فسمعت قائلا يقول: رحمك الله، قالت الشفاء: وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب، حتى نظرت إلى بعض.................
"وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف" بن عبد مناف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري أحد العشرة ذي الهجرتين البدري الذي صلى خلفه المصطفى المتصدق بأربعين ألف دينار الحامل على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة، أخرجه ابن المبارك عن معمر عن الزهري، وفي الحلية لأبي نعيم: أنه أعتق ثلاثين ألف نسمة، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين على الأشهر، وله اثنتان وسبعون سنة على الأثبت، مناقبه جمة رضي الله عنه.
"عن أمه الشفا" بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة، وهي بنت عم أبيه، قاله ابن الأثير؛ أي: عم أبي ابنها عبد الرحمن أسلمت وهاجرت قال ابن سعد: ماتت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الرحمن: يا رسول الله! أعتق عن أمي، قال:"نعم" فأعتق عنها وهي بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء والقصر؛ كما صرح به البرهان في المقتفى والحافظ في التبصير. وقال ابن الأثير في الجامع: بالتخفيف والمد، وقال الدلجي بفتح المعجمة وشد الفاء ومد، وجرى عليه البوصيري في قوله: وشفتنا بقولها الشفاء.
"قالت: لما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي" لا تعارضه الرواية السابقة، ثم وقع على الأرض لجواز أن ذاك بعد هذه بقرينة ثم "فاستهل" أي: صاح، وزعم الدلجي أن المراد عطس لا صاح بشهادة جواب لما، وهو "فسمعت قائلا" أي: ملكًا "يقول: رحمك الله" ونحا نحوه الجوجري، وهو مردود يقول الحافظ السيوطي في فتاويه: لم أقف في شيء من الأحادث على أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد عطس بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها، كطبقات ابن سعد والدلائل للبيهقي، ولأبي نعيم، وتاريخ ابن عساكر على بسطه واستيعابه، والمستدرك للحاكم، وإنما الحديث الذي روته الشفاء فيه لفظ يشبه التشميت لكن لم يصرح فيه بالعطاس، والمعروف في اللغة: أن الاستهلال صياح المولود أول ما يولد فإن أريد به هنا العطاس فمحتمل، وحمل القائل على الملك ظاهر، انتهى. فلا دلالة في رحمك الله على أنه عطس كما زعم الدلجي؛ لأنه يشبه التشميت ولا يلزم أنه تشميت بالفعل حتى يخرج به اللفظ عن مدلوله اللغوي لشيء محتمل، فتبين أن قوله رحمك الله ليس تشميتًا بل تعظيمًا بقرينة فاستهل؛ لأنه صياح المولود، كما علم.
"قالت الشفاء: وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى" بلاد "بعض
قصور الروم، قالت: ثم ألبسته وأضجعته، فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة ثم غيب عني، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه الله فكنت في أول الناس إسلامًا.
ومن عجائب ولادته عليه السلام ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم عن حسان بن ثابت قال: إني لغلام ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل ما رأيت وسمعت، إذا.....................
قصور الروم، قالت: ثم ألبسته" بموحدة فسين مهملة، أي: ألبست النبي صلى الله عليه وسلم ثيابه هكذا في نسخ ولم يقف عليها الشارح فأبعد النجعة، وفي نسخ: ثم ألبنته بنون بعد الباء، أي: سقيته اللبن، لكنهم عدوا مرضعاته عشرًا وما ذكروها مع أنها كانت أولى بالذكر؛ لأنها أول من دخل جوفه لبنها ويمكن صحتها بأن معناها سقيته لبن أمه، بمعنى: قربته إلى ثديها ليشرب منه ويناسب الأولى أيضًا، قولها: "وأضجعته فلم أنشب" أي: ألبث إلا قليلا "أن غشيتني ظلمة" والمعنى أنها رأت هذا عقب ذاك وتجوزت بأنشب عن ألبث؛ لأن من لبث في مكان فقد اتصل به فكأنه أدخل نفسه فيه "ورعب" خوف "وقشعريرة" بضم القاف وفتح الشين "ثم غيب عني، فسمعت قائلا" أي: ملكًا: "يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق" وحذف من خبر أبي نعيم ما لفظه: وقشعريرة عن يميني، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المغرب، وأسفر عني ذلك، أي: انكشف ثم عاودني الرعب والقشعريرة عن يساري، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، "قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى" أي: إلى أن "بعثه الله، فكنت في أول الناس إسلامًا" أي: في جملة السابقين له، ثم لا ينافي وجود الشفاء وفاطمة الثقفية عند الولادة قول آمنة المار: وإني لوحيدة في المنزل؛ لجواز وجودهما عندها بعد تأخر خروجه عليه السلام عن القول المذكور حتى نزل على يدي الشفاء؛ لقولهم: وقع على يدي، جمعًا بين الخبرين.
"ومن عجائب ولادته عليه السلام ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم، عن حسان بن ثابت" بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصاري شاعر المصطفى المؤيد بروح القدس، سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في شعرائه عليه السلام، وجوز الجوهري فيه الصرف وعدمه بناء على أنه من الحس أو الحسن. قال ابن مالك: والمسموع فيه منع الصرف، نقله السيوطي في حواشي المغني.
"قال: إني لغلام ابن سبع سنين أو ثمان" سنين على التقريب، فقد ذكروا أنه عاش مائة وعشرين سنة كأبيه وجده وأبي جده، ومات سنة أربع وخمسين، "أعقل ما رأيت وسمعت إذا
يهودي يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود، فاجتمعوا إليه، وأنا أسمع، قالوا: يا ويلك ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة.
وعن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر قريش: هل ولد فيكم الليلة مولود، قالوا: لا نعلم، قال: انظروا، فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة. بين كتفيه علامة. فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فذهب اليهودي معهم إلى أمه، فأخرجته لهم فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيًا عليه، وقال: ذهبت النبوة من بني.........................
يهودي يصرخ" بالمدينة، ففي رواية ابن إسحاق، يصرخ على أطمة يثرب، "ذات غداة" أي: في ساعة ذات غداة "يا معشر يهود" بمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل كما في المصباح، وفي نسخة: اليهود أقبلوا "فاجتمعوا إليه، وأنا أسمع" أي: أقصد سماع ما يتكلمون به، "قالوا: يا ويلك" كلمة عذاب صرفهم الله عن كلمة الترحم. "ما" اسم استفهام مبتدأ خبره "لك" أي: أي شيء عرض لك استنكروا صراخه، "قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به" عنده أو سببية لاعتقاد اليهودي تأثير النجم، "في هذه الليلة" والغرض من سوقه كالذي بعده أن البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم جاءت من كل طريق، وعلى لسان كل فريق من كاهن أو منجم محق أو مبطل، إنسي أو جني، "و" من عجائب ولادته أيضًا ما ورد "عن عائشة، قالت: كان يهودي قد سكن مكة" زاد في رواية الحاكم يتجر فيها وهو غير اليهودي الذي أخبر عنه حسان بلا ريب؛ لأن حسان كان بالمدينة فلا تغفل "فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" اليهودي ومعلوم أنها ما أدركته فهو مما روته عن غيرها، ومعلوم أنها إنما تروي عن الثقات، فيحتمل أنها سمعته من الشفاء، أو أم عثمان أو غيرهما، "يا معشر قريش! هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلم، قال: انظروا" أي: فتشوا وتأملوا، يقال: نظرت في الأمر تدبرت، أي: انظروا في أهاليكم ونسائكم، "فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة" زاد الحاكم: الأخيرة "بين كتفيه علامة" زاد الحاكم: فيها شعرات متواترت كأنهن عرف الفرس، وأسقط المصنف من رواية يعقوب هذه، ما لفظه: لا يرضع ليلتين؛ لأن عفريتًا من الجن وضع يده على فمه، هكذا ساقه في الفتح متصلا، بقوله: "فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام فذهب اليهودي معهم" ليستكشفوا الخبر ويتحققوه بالعلامة، "إلى أمه" زاد الحاكم فقالوا: أخرجي المولود ابنك "فأخرجته لهم" زاد الحاكم وكشفوا عن ظهره، أي: ورأوا العلامة "فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيًا عليه، وقال" وفي رواية الحاكم: فلما أفاق، قالوا: يا ويلك! ما لك؟ قال: "ذهبت النبوة من بني
إسرائيل، يا معشر قريش: أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب. رواه يعقوب بن سفيان بإسناد حسن كما قاله في فتح الباري.
ومن عجائب ولادته أيضًا: ما روي من ارتجاس إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته................................
إسرائيل" قال: ذلك لما هو عندهم في الكتب أنه خاتم النبيين، "أما" بتخفيف الميم كلمته يفتتح بها الكلام، وتدل على تحقق ما بعدها، وهي من مقدمات اليمين؛ كقوله: أم والذي لا يعلم الغيب غيره، وقوله هنا: "والله ليسطون بكم سطوة" أي: ليقهرنكم ببطشه بكم، "يخرج خبرها من المشرق والمغرب" أي: ينشر في جميع الأرض حتى يتكلم به أهل المشرق والمغرب، "ورواه يعقوب بن سفيان" الفارسي الثقة المتقن الخير الصالح الحافظ، أبو يوسف الفسوي، بفاء وسين مهملة مفتوحتين فواو نسبة إلى فسا من بلاد فارس، عن القعنبي وسليمان بن حرب وأبي عاصم وأبي نعيم والفضل وغيرهم وعنه الترمذي والنسائي وعبد الله بن درستويه وخلق، قال ابن حبان: ثقة، والنسائي: لا بأس به، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل بعدها. "بإسناد حسن، كما قاله في فتح الباري" بشرح البخاري ورواه الحاكم أيضًا عن عائشة، كما سيذكره المصنف، وقد بينا ألفاظه الزائدة.
"ومن عجائب ولادته: ما روي من ارتجاس" بالسين، وهو: الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير، كما ضبطه البرهان، وهو مأخوذ من كلام الجوهري والمجد في باب السين والمهملة، وفي نسخ: ارتجاج بجيم آخره، وفي القاموس: الرج التحريك والتحرك والاهتزاز، فإن صحت تلك النسخ فكأنه لما صوت تحرك واهتز، إذ المراد هنا تصويت "إيوان" كديوان، ويقال: إوان بوزن كتاب بناء أزج غير مسدود الوجه، والأزج بفتح الهمزة والزاي بالجيم بيت يبنى طولا، "كسرى" بفتح الكاف وكسرها اسم ملك الفرس، حتى سمع صوته وانشق لا لخلل في بنائه، فقد كان بناؤه بالمدائن من العراق محكمًا مبنيًا بالآجر الكبار والجص، سمكه مائة ذراع في طول مثلها، وقد أراد الخليفة الرشيد هدمه لما بلغه أن تحته مالا عظيمًا، فعجز عن هدمه، وإنما أراد الله أن يكون ذلك آية باقية على وجه الدهر لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومن ثم أفزع ذلك كسرى ودعا بالكهنة. "وسقوط أربع عشرة" هكذا في نسخ وهو الصواب، وفي نسخة: أربعة عشر وهو تحريف؛ لأن لفظ العدد من ثلاثة إلى عشرة يؤنث مع المذكر ويذكر مع المؤنث، ولفظ العشر يجري على القياس والمعدود هنا مؤنث.
"شرفة" بضم الشين وسكون الراء "من شرفاته" بضم الراء وفتحها وسكونها جمع قلة
وغيض بحيرة طبرية، وخمود نار فارس. وكان لها ألف عام لم تخمد، كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في "الهواتف" وابن عساكر وابن جرير.
وفي سقوط الأربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه يملك منهم ملوك وملكات
لشرفه جمع سلامة، قال الشامي: إما تحقيرًا لها أو أن جمع القلة قد يقع موقع جمع الكثرة، وفي الصحاح: وشرفة وشرف، كغرفة وغرف. قال الخميس: وكانت اثنتين وعشرين، "وغيض" بغين وضاد معجمتين، أي: نقص، "بحيرة طبرية" مصغر بحرة ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، قال في ترتيب المطالع: هي بالشام لزمتها الهاء، وإنما هي تصغير بحرة لا بحر؛ لأن تصغيره بحير وهي بحيرة عظيمة يخرج منها نهر بينها وبين الصخرة ثمانية عشر ميلا، قال البكري: طولها عشرة أميال وعرضها ستة أميال، انتهى.
لكن المعروف بالغيض إنما هي بحيرة ساوة بسين مهملة وبعد الألف واو مفتوحة فهاء ساكنة من قرى بلاد فارس، كانت بحيرة كبيرة بين همذان وقم. قال الخميس: وكانت أكثر من ستة فراسخ في الطول والعرض، وكانت تركب فيها السفن، ويسافر إلى ما حولها من البلدان. انتهى. فأما بحيرة طبرية فباقية إلى اليوم وغيضها علامة لخروج الدجال، تيبس حتى لا يبقى فيها قطرة، وأجيب: بأن غيض كليهما ثابت في الأحاديث التي نقلها السيوطي وغيره.
غاية الأمر: أن بحيرة ساوة نشف ماؤها بالكلية فأصبحت يابسة كأن لم يكن بها شيء من غيضها أراد أنه ما نشف بالكلية كساوة ومن أثبته أراد أنها نقصت نقصًا لا ينقص مثله في زمان طويل، أو أن ماءها غار ثم عاد لما فيها من العيون النابعة التي تمدها الأمطار، وهو جمع حسن إلا أن المذكور في رواية من عزا له المؤلف ساوة؛ كما في الشامية، فتم الاعتراض على المصنف ووقع لبعض المتأخرين، وغاضت بحيرة ساوة وتسم بحيرة طبرية، وكان مراده الجمع أن تسمى في بعض الأحاديث بحيرة طبرية فهي واحدة، فلا يعترض عليه بأن ساوة بفارس، وطبرية بالشام.
"وخمود" مصدر خمد؛ كنصر وسمع، خمدًا وخمودًا، كما في النور. "نار فارس" التي كانوا يعبدونها "وكان لها ألف عام لم تخمد" بضم الميم وفتحها، "كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في الهواتف وابن عساكر وابن جرير" في تاريخه كلهم من حديث مخزوم بن هانئ عن أبيه، وأتت عليه مائة وخمسون سنة، قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان، فذكر الحديث بطوله:"وفي سقوط الأربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه يملك منهم" من الفرس "ملوك وملكات" هذا على أن
بعدد الشرفات، وقد ملك منهم عشرة في أربع سنين، ذكره ابن ظفر زاد ابن سيد الناس: وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله عنه.
ومن ذلك أيضًا: ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب.....................
الجمع ما فوق الواحد، فإنه ما ملك منهم سوى امرأتين موران وأزد ميدخت؛ كما قاله البدر بن حبيب في جهينة الأخبار، "بعدد الشرفات، وقد ملك منهم عشرة في أربع سنين" وأسماؤهم مذكورة في التواريخ، ولا حاجة لنا بذكرهم، "ذكره" محمد بن محمد "بن ظفر" بفتح الظاء المعجمة والفاء بعدها راء الصقلي المولود بها أحد الأدباء الفضلاء صاحب التصانيف المليحة من أهل القرن السادس، ذكر ما نقله عنه المصنف في كتاب البشر، قائلا: وملك الباقون إلى أواخر خلافة عمر، هكذا رأيته فيه في آخر حديث سطيح، وكأنه لم يقع للمصنف فيه، فقال:"زاد ابن سيد الناس" الإمام العلامة الحافظ الناقد أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد اليعمري الأندلسي الأصل المصري، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وستمائة ولازم ابن دقيق العيد وتخرج به وسمع من خلائق يقاربون الألف، وأخذ العربية عن البهاء بن النحاس، كان أحد أعلام الحفاظ أديبًا شاعرًا بليغًا صحيح العقيدة وحسن التصنيف، ولي درس الحديث بالظاهرية وغيرها وألف السيرة الكبرى والصغرى وشرح الترمذي، ولم يكمله فأتمه أبو الفضل العراقي، مات في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. "وملك الباقون إلى خلافة عثمان" ذي النورين المختص بأنه لم يتزوج أحد بنتي نبي غيره، مناقبه جمة، "رضي الله عنه" وآخر ملوكهم يزدجر هلك في سنة إحدى وثلاثين، كذا في تاريخ حماة، وفي كلام السهيلي: أنه قتل في أول خلافة عثمان، قاله في النور. فعلى الثاني: لا مخالفة بين كلام ابن ظفر وابن سيد الناس؛ لأن آخر خلافة عمر قريب من أول خلافة عثمان. أما على الأول: فبينهما خلف كبير، والله أعلم.
"ومن ذلك" أي: عجائب ولادته "أيضًا: ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب" بسبب رميهم بها، وقد اختلف في أن المرجوم يتأذى فيرجع أو يحرق به لكن قد تصيب الصاعد مرة، وقد لا تصيب كالموج لراكب السفينة، ولذلك لا يرتدعون عنه رأسًا ولا يرد أنهم من النار فلا يحترقون؛ لأنهم ليسوا من النار الصرفة، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة أهلكتها، قال البيضاوي. وأشعر قوله زيادة: بأنها حرست قبل ولادته، وقد جاء عن ابن عباس: أن الجن كانوا لا يحجبون عن السماوات فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السماوات كلها، نقله المصنف في المعجزات. وروى الزبير بن بكار في حديث طويل: أن إبليس كان يخترق السماوات ويصل إلى أربع، فلما ولد صلى الله عليه وسلم حجب من السبع، ورميت الشياطين
وقطع رصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع.
ولقد أحسن الشقراطسي حيث قال:
ضاءت لمولده الآفاق واتصلت
…
بشرى الهواتف في الإشراق والطفل
وصرح كسرى تداعى من قواعده
…
وانقص منكسر الأرجاء ذا ميل
بالنجوم، "وقطع رصد الشياطين" بسكون الصاد وفتحها مصدر رصد؛ كنصر، أي: ترقبهم، "ومنعهم من استراق السمع" أي: استراقهم لاستماع ما تقول الملائكة، فيخبرون به غيرهم فيقع، وقضيته منعهم منه رأسًا بحيث لم يقع ذلك من أحد منهم، لكن قال السهيلي: أنه بقي من استراق السمع بقايا يسيرة بدليل وجودهم على الندور في بعض الأزمنة وفي بعض البلاد، ونحوه قول البيضاوي؛ لعل المراد كثرة وقوعه أو مصيره دحورًا. "ولقد أحسن" أبو محمد عبد الله بن أبي زكريا يحيى بن علي "الشقراطسي" نسبة إلى شقراطسة ذكر لي أنها بلدة من بلاد الجريدة بأفريقيا، قاله أبو شامة في شرحه لهذه القصيدة:"حيث قال: يمدح النبي صلى الله عليه وسلم من جملة قصيدة كبيرة "ضاءت" أشرقت "لمولده" لأجل ولادته أو اللام للتوقيت؛ كقولك: جئت ليوم كذا، أي: فيه يريد ضاءت أيام مولده "الآفاق" جمع أفق بضم الفاء وسكونها وهي نواحي الأرض وأطرافها، وكذلك آفاق السماء وهي أطرافها التي يراها الرائي مع وجه الأرض، يعني بذلك ما ظهر معه عليه السلام من النور حين ولد. "واتصلت" بنا "بشرى" مصدر كالبشارة "الهواتف" جمع هاتف وهو الصالح، أو اتصل إلينا خبر ذلك أو اتصل إلينا خبر ذلك أو اتصل بعضها ببعض لكثرتها فما يبلغنا خبر إلا ويعقبه مثله، أي: كثرت وتواترت، يعني بذلك ما سمع من الجن وغيرهم من بعد ولادته إلى مبعثه من تبشيرهم به ونعيهم الكفر وإنذارهم بهلاكه يهتفون بذلك في كل ناحية، أي: ينادون به وكثر ذلك قبيل المبعث.
"في الإشراق" أول النهار عند انتشار ضوء الشمس، "والطفل" وذلك إذا اطفلت الشمس للغروب، أي: دنت منه، وهو عبارة عن كثرة الأزمان التي وقع فيها، ذلك لأنه يعبر بذلك وما في معناه عن الدوام؛ كقوله تعالى:{وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 62] ، "وصرح" القصرة، قيل: البناء المتسع الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعد "كسرى تداعى" تساقط كأن بعضه دعًا بعضًا للوقوع "من قواعده" أساسه ومن لابتداء الغاية مبالغة كأن الانهدام ابتدأ من القواعد، "وانقص" بصاد مهملة سقط من أصله وبمعجمة أسرع سقوطه، "منكسر الأرجاء" النواحي "ذا ميل" بفتح الياء ما كان خلقة، قال ابن سيده: الميل في الحادث والميل في الخلقة والبناء، وهو على الثاني ظاهر. أما الأول فلأنه لما لم يكن بفعل فاعل ولا مسببًا عن خلل بناء نزله منزلة الخلق الطبيعي.
ونار فارس لم توقد وما خمدت
…
مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل
خرت لمبعثه الأوثان وانبعث
…
ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل
"ونار فارس" اسم علم كالفرس لطائفة من العجم كانوا مجوسًا يعبدون النار، وكان لبيوتها سدنة يتناوبون إيقادها فلم يخمد لها لهب في ليل ولا نهار، إلى ليلة مولده عليه السلام، فإنه حين أوقدوها "لم توقد" بضم التاء وفتح القاف مبني للمفعول، لكنه وإن صح استعمالا إلا أنه لم ينتف إيقادهم لها بل إيقادها في نفسها مع تعاطيهم الإيقاد، فهذا موضع الآية العجيبة وأجيب بأنه لما لم تحصل فائدة إيقادها لها كأنها لم توقد؛ لأن خمودها من غير سبب يطفئها لا يكون إلا لعدم الإيقاد، ويحتمل فتح التاء وكسر القاف من وقدت النار هاجت، لكنه أصل رفضته العرب فلم تستعمله إلا أن ابن السراج ذكر أن أحسن ما استعمله الشاعر لضرورة ما رد فيه الكلام إلى أصله، فاللفظ ضعيف المخرج صحيح، قوي المعنى.
"وما خمدت" بفتح الميم وكسرها "مذ ألف" بالرفع والجر بناء على أن مد حرف ج أو اسم ملتزم حذف المضاف إليه معه وتقديره مدة عدم الخمود، ألف "عام" قبل تلك الليلة، وذلك مدة عبادتهم النار، ولا ينافيه أن مدة ملكهم ثلاثة آلاف سنة ومائة وأربع وستون سنة؛ لأنهم لم يعبدوها أول ملكهم، "ونهر القوم" يعني بحيرة ساوة عبر عنها بنهر القوم، أي: الفرس؛ لأنها في أرضهم ومن جملة أرض عراق العجم الذي هو في ملك كسرى، "لم يسل" أي ماؤه؛ لأنه غاض، أي: غار وكأنه عنى بالسيلان تحركه واضطرابه وإلا فماء البحيرة راكد غير جار، وكانت هذه الأمور أمارات لخمود دولتهم ونفاد ملكهم وظهور الحق عليهم، "خرت" سقطت "لمبعثه" لأجله "الأوثان" الأصنام على وجوهها "وانبعثت" مطاوع بعثه، "ثواقب" جمع ثاقب، وهي النجوم المتوقدة المضيئة، "الشهب" بسكون الهاء للتخفيف جمع شهاب، أي: المصابيح التي أخبر الله أنه زين بها السماء وجعلها رجومًا للشياطين والإضافة من باب سحق عمامة لقول الله: {شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 10]، والمصابيح: النجوم، جعلت راجمة للشياطين بالشهب؛ لا أن النجوم تنقض بأنفسها خلف الشياطين، ولذا قال:"ترمي الجن بالشعل" أي: المنفصلة منها ولم يجعلها رامية بأنفسها، وقد قال الحليمي: ليس في كتاب الله أن الشياطين ترمى بالكواكب أو بالنجوم، ثم أطال في تقرير: أن الرمي إنما هو بالشهب وهو شعل النار وجعل المصابيح كناية عن الشعل لا عن النجوم، قال أبو شامة، وما جاء في الأحاديث وشعر العرب القديم من التصريح بأن الرمي بالنجوم يمكن تأويله، إما بأنه على تقدير مضاف أو استعمل النجم في الشهاب مجازًا، انتهى. ولا ينافيه ما ذكره المصنف في الخصائص عن البغوي، قيل: إن النجم كان ينقض ويرمي الشياطين ثم يعود إلى مكانه، انتهى. لجواز أن صورة الشعلة النازلة رجعت إلى مكانها التي
وولد صلى الله عليه وسلم معذورًا أي مختونًا مسرورًا -أي مقطوع السرة- كما روي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عند ابن عساكر.
وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر من طرق، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي" وصححه الضياء في المختارة.
وعن ابن عمر قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم مسرورًا مختونًا، رواه ابن عساكر.
قال الحاكم في....................................
جاءت منه وهو النجم، والله أعلم.
"وولد صلى الله عليه وسلم معذورًا" هذا هو الواقع في حديث أبي هريرة وفسره المصنف، بقوله:"أي: مختونًا" لأن العذرة الختان، يقال: عذر الغلام يعذره بالكسر وأعذره بالألف، لغة إذا ختنه؛ كما في المصباح والنور وغيرهما وفيه حسن، كما في "مسرورًا" من التورية؛ لأنه من السرور أو من قطع السرة؛ كما فسره بقوله:"أي مقطوع السرة" الأولى حذف التاء إذ السر بالضم: ما تقطعه القابلة من سرة الصبي؛ كما في النهاية وغيرها، إلا أن يكون سمي السرسرة مجاز العلاقة المجاورة، أو فيه حذف، أي: مقطوعًا منه ما يتصل بالسرة؛ "كما روي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم" أي: أنه قال ذلك ورفعه إليه، وأغرب زاعم أن هذا إخبار عن صفته من غيره، "عند ابن عساكر" وابن عدي.
"وروى الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر من طرق" متعددة "عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا" أي: على صورة المختون إذ هو القطع، ولا قطع هنا؛ كما يأتي. "ولم ير أحد سوأتي" عورتي لا لختان ولا غيره، على ظاهر عموم أحد فتدخل حاضنته ويكون عدم رؤيتها مع احتياجها لذلك من جملة كرامته على ربه، "وصححه" العلامة الحجة الحافظ "الضياء" أي: ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد السعدي المقدسي الحنبلي الثقة الجبل الدين الزاهد الورع، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، "في" الأحاديث "المختارة" مما ليس في الصحيحين. وقد قال الزركشي وغيره أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، انتهى. وحسنه مغلطاي، قال: ورواه أبو نعيم بسند جيد عن ابن عباس.
"و" ورد "عن ابن عمر، قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم مسرورًا مختونًا، رواه ابن عساكر" وقد صرح الحافظ بأن أحاديث الصفات النبوية والشمائل داخلة في قسم المرفوع، "قال الحاكم في
المستدرك: تواترت الأخبار أنه عليه السلام ولد مختونًا. انتهى.
وتعقبه الحافظ الذهبي فقال: ما أعلم صحة ذلك؟! فكيف يكون متواترًا؟ وأجيب: باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السير، لا من طريق السند المصطلح عليه.
"القول بغير ذلك":
حكى الحافظ زين الدين العراقي، أن الكمال بن العديم ضعف أحاديث كونه ولد مختونًا، وقال: إنه لا يثبت في هذا شيء من ذلك.
وأقره عليه، وبه صرح ابن القيم....................
المستدرك: تواترت الأخبار أنه عليه السلام ولد مختونًا، انتهى. وتعقبه" الإمام "الحافظ" أبو عبد الله محمد بن عثمان "الذهبي" نسبة إلى الذهب؛ كما في التبصير، الدمشقي المتوفى بها سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، "فقال" في مختصر المستدرك، وفي ميزانه في ترجمة الحاكم: "ما أعلم صحة ذلك" لعله أراد على شرط الشيخين، وإلا فقد صححه الضياء وحسنه مغلطاي، كما ترى.
"فكيف يكون متواترًا؟ وأجيب باحتمال أن يكون" الحاكم "أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السير، لا من طريق السند المصطلح عليه" وهو أن المتواتر عدد كثير أحالت العادة توافقهم على الكذب ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحسن، وصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه؛ كما في شرح النخبة، وقد استبعد بعضهم هذا الجواب؛ لأنه خلاف المتبادر ولكنه أولى من التخطئة.
"وحكى الحافظ زين الدين" عبد الرحيم "العراقي: أن الكمال بن العديم" عمر بن أحمد بن هبة الله الصاحب كمال الدين الحلبي الكاتب البليغ الحنفي، ولد بحلب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وبرع وساد وصار أوحد عصره فضلا ونبلا ورئاسة، وألف في الفقه والحديث والأدب وتاريخ حلب، وتوفي بمصر، "ضعف أحاديث كونه" عليه السلام "ولد مختونًا" في مؤلف صنفه في الرد على الكمال بن طلحة حيث وضع مصنفًا في أنه ولد مختونًا، وجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام؛ كما في النور، "وقال: لا يثبت في هذا شيء، وأقره عليه وبه" أي: بتضعيف أحاديث ولادته مختونًا "صرح ابن القيم" في الهدي النبوي وليس بسديد من الثلاثة؛ لأن منها ما هو صحيح أو حسن، ومنها ما إسناده جيد؛ كما مر. اللهم إلا أن يكون حكمًا على المجموع على أنها وإن كانت ضعيفة، فقد وردت من طرق يقوي
ثم قال: ليس هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فإن كثيرًا من الناس ولد مختونًا.
وحكى الحافظ ابن حجر: أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت قلفته -أي اتسعت- فيصير كالمختون.
وفي "الوشاح" لابن دريد: قال ابن الكلبي: بلغني أن آدم خلق مختونًا واثني عشر نبيًا من بعده خلقوا مختونين..................
بعضها بعضًا، وفي مولد الحافظ ابن كثير ذكر ابن إسحاق في السيرة أنه عليه السلام ولد مسرورًا مختونًا، وقد ورد ذلك في أحاديث، فمن الحفاظ من صححها، ومنهم من ضعفها، ومنهم من رآها من الحسان.
"ثم قال" ابن القيم: "وليس هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم فإن كثيرًا من الناس" الأنبياء وغيرهم، "ولد مختونًا" وظاهره: أن كونه مسرورًا من خصائصه وهو مقتضى كلام السيوطي وغيره. "وحكى الحافظ ابن حجر" ما فيه الجمع بين إثبات الختان ونفيه ذلك، "أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر" كالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه ولد في سلطانه على القول أنه لاثنتي عشرة "فسخت قلفته" بضم القاف وسكون اللام وبفتحهما: جلدته التي تقطع في الختان، "أي: اتسعت" فتقلصت عن موضعها بحيث تصير الحشفة مكشوفة "فيصير كالمختون" كما في عبارة غيره أن أصل قول العرب ختنه القمر، أن الطفل إذا ولد في ليلة مقمرة واتصل بحشفته ضوء القمر أثر فيها فتقلصت وإن محقت، فإن ضوءه يؤثر في اللحم وغيره، إلا أنه لا يكون قاطعًا لها بالكلية، قال الشاعر:
إني حلفت يمينًا غير كاذبة
…
لأنت أقلف إلا ما جنى القمر
فغرض الحافظ من سوقه أنه بتقدير صحته في حقه صلى الله عليه وسلم يكون سببًا لوصفه بذلك؛ لكونها شابهة في ارتفاع القلفة وتقلصها أو خلقه بلا قلفة، وعبر بتزعم إشارة إلى أنه لا أصل له، فهو القول الذي لم يقم على صحته دليل، وقد قال ابن القيم: الناس يقولون لمن ولد كذلك ختنه القمر، وهذا من خرافاتهم. "وفي الوشاح لابن دريد" أبي بكر محمد بن الحسن اللغوي الثقة المتحري صاحب التصانيف المولود سنة ثلاث وعشرين ومائتين، المتوفى بعمان في رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، قال في المزهر: ولا يقبل فيه طعن نفطويه؛ لأنه كان بينهما منافرة عظيمة بحيث أن كلا منهما هجا الآخر، قال: وقد تقرر في علم الحديث أن كلام الأقران في بعضهم لا يقدح.
"قال ابن الكلبي: بلغني" وفي السبل: نقل ابن دريد في الوشاح وابن الجوزي في التلقيح، عن كعب الأحبار أنهم ثلاثة عشر، فيجوز أنه الذي بلغ ابن الكلبي "ان آدم خلق مختونًا" أي: وجد على هيئة المختون، "واثني عشر نبيًا من بعده خلقوا مختونين" أي: ولدوا
آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم: شيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى، وسليمان وشعيب ويحيى وهود صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن.
وفي هذه العبارة تجوز، لأن الختان هو القطع، وهو غير ظاهر، لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع، فيحمل الكلام باعتبار أنه على صفة المقطوع.
كذلك، ولعل هذا حكمة إفراد آدم بالذكر، "آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم" وهم "شيث" بن آدم عليهما السلام، "وإدريس" قيل عربي مشتق من الدراسة لكثرة درسه الصحف، وقيل: سرياني ابن يارد بن مهلائيل بن قنان بن أنوش بن شيث، قال ابن إسحاق: الأكثرون أن أخنوخ هو إدريس وأنكره آخرون، وقالوا: إنما إدريس هو إلياس، وفي البخاري يذكر عن ابن مسعود وابن عباس: أن إدريس هو إلياس، واختاره ابن العربي وتلميذه السهيلي؛ لقوله ليلة الإسراء مرحبًا بالأخ الصالح، ولم يقل بالابن الصالح، وأجاب النووي باحتمال أنه قال تلطفًا وتأدبًا وهو أخ وإن كان ابنًا والأبناء أخوة والمؤمنون أخوة، وقال ابن المنير: أكثر الطرق أنه خاطبه بالأخ الصالح، وقال لي ابن أبي الفضل: صحت لي طريق أنه خاطبه بالابن الصالح، قال بعض: وفي صحتها نظر.
"ونوح" بن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف، ابن متوشلخ بفتح الميم وشدة الفوقية المضمومة وسكون الواو وفتح المعجمة واللام بدها معجمة ابن خنوخ، وهو إدريس، قال المازري: كذا ذكره المؤرخون: أن إدريس جد نوح، فإن قام دليل على أنه أرسل لم يصح قولهم: أنه قبل نوح لما في الصحيحين: ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وإن لم يقم دليل جازم، قالوا: وحمل على أن إدريس كان نبيًا ولم يرسل، انتهى.
قال السهيلي: وحديث أبي ذر الطويل، أي: المروي عند ابن حبان يدل على أن آدم وإدريس رسولان، انتهى. وأجيب بأن المراد أول رسول بعثه الله بالإهلاك وإنذار قومه، فأما رسالة آدم فكانت كالتربية لأولاده، قال القاضي عياض: لا يرد على الحديث رسالة آدم وشيث؛ لأن آدم إنما أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا بل أمر بتبليغهم الإيمان وطاعة الله، وكذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض، انتهى.
"و" ابنه "سام" نبي على ما في هذا الخبر، وكذا رواه الزبير وابن سعد عن الكلبي، وقال: به أبو الليث السمرقندي، ومن قلده، والصحيح أنه ليس بنبي؛ كما قاله البرهان الدمشقي وغيره ولا حجة في أثر الكلبي؛ لأنه مقطوع مع أنه متروك متهم بالوضع.
"ولوط" ابن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم.
"ويوسف" بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكرام، قال بعضهم: هو مرسل؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} [غافر: 34] وقيل: ليس هو يوسف بن يعقوب، بل يوسف بن افرايم بن يوسف بن يعقوب، وحكى النقاش والماوردي: أن يوسف المذكور في الآية من الجن بعثه الله رسولا إليهم، وهو غريب جدًا، قاله في الإتقان.