المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال: - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌باب مقدمة

- ‌ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني مؤلف المواهب اللدنية

- ‌التعريف بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية:

- ‌ترجمة الزرقاني شارح المواهب:

- ‌المقدمة:

- ‌شرح مقدمة المواهب

- ‌مدخل

- ‌المقصد الأول:

- ‌المقصد الثاني:

- ‌المقصد الثالث:

- ‌المقصد الرابع، المقصد الخامس

- ‌المقصد السادس:

- ‌المقصد السابع:

- ‌المقصد الثامن، المقصد التاسع

- ‌المقصد العاشر:

- ‌المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام

- ‌مدخل

- ‌عام الفيل وقصة أبرهة

- ‌ذكر تزوج عبد الله آمنة

- ‌وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال:

- ‌وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم:

- ‌ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه

- ‌ذكر خاتم النبوة

- ‌ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم

- ‌تزوجه عليه السلام من خديجة:

- ‌بنيان قريش الكعبة:

- ‌باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌مراتب الوحي:

- ‌ذكر أول من آمن بالله ورسوله

- ‌إسلام حمزة

- ‌الهجرة الأولى إلى الحبشة

- ‌باب الفهرس:

الفصل: ‌وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال:

‌وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال:

الأول: أنه ولد مختونًا كما تقدم.

"وموسى" بن عمران، "وسليمان" بن داود، "وشعيب، ويحيى، وهود صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين" وزاد محمد بن حبيب: زكريا وصالحًا وعيسى وحنظلة بن صفوان، فاجتمع من ذلك سبعة عشر نظمهم الحافظ السيوطي في قلائد الفوائد فقال:

وسبعة مع عشر قدروا خلقوا

وهم ختان فخذ لا زلت مأنوسا

محمد آدم إدريس شيث ونو

ح سام هود شعيب يوسف موسى

لوط سليمان يحيى صالح زكريْ

يَا وحنظلة الرسى مع عيسى

"وفي هذه العبارة" وهي تسمية من ولد بلا قلفة مختونًا "تجوز؛ لأن الختان هو القطع وهو غير ظاهر" هنا "لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع" فيما مضى ويأتي. قال ابن القيم: حدثنا صاحبنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس، أنه ولد كذلك وأن أهله لم يختنوه، انتهى. ولذا عبر بيوجد المضارع دون الماضي إشارة إلى أن الإيجاد لا يقصر على من كان قبل المصطفى، فلا يقال الأولى التعبير بالماضي؛ لأنهم وجدوا كذلك وتم أمرهم. "فيحمل الكلام" على المجاز "باعتبار أنه على صفة المقطوع" فهو علة لمقدور وحاصله أنه لما كانت صورته صورة لمختون أطلق عليه اسمه مجازًا لعلاقة المشابهة في الصورة، "وقد حصل من الاختلاف" المذكور في كلامهم "في ختنه" صلى الله عليه وسلم "ثلاثة أقوال:

"الأول": منها في الذكر "أنه ولد مختونًا، كما تقدم" وقال الحاكم، وبه تواترت الأخبار، وابن الجوزي: لا شك أنه ولد مختونًا، قال القطب الخيضري: وهو الأرجح عندي، وأدلته مع ضعفها أمثل من أدلة غيره، انتهى. وقد مر أن طريقًا جيدا صححه الضياء، وحسنه مغلطاي، مع أنه أوضح من جهة النظر؛ لأنه في حقه صلى الله عليه وسلم كما قال الخيضري: غاية الكمال؛ لأن القلفة قد تمنع كمال النظافة والطهارة واللذة، فأوجده ربه مكملا سالمًا من النقائص والمعايب، ولأن

ص: 236

الثاني: أنه ختنه جده عبد المطلب يوم سابعه، وصنع له مأدبة وسماه محمدًا. رواه الوليد بن مسلم بسنده إلى ابن عباس وحكاه ابن عبد البر في التمهيد.

الختان من الأمور الظاهرة المحتاجة إلى فعل آدمي فخلق سليمًا منها لئلا يكون لأحد عليه منة، وبهذا لا ترد العلقة التي أخرجت بعد شق صدره؛ لأن محلها القلب ولا إطلاع عليه للبشر، فأظهره الله على يد جبريل ليتحقق الناس كمال باطنه كظاهره، انتهى ملخصًا.

"الثاني: أنه خنته جده عبد المطلب" الظاهر: أن المراد أمر بختنه وأنه بالموسى إذ لو ختن بغيره لنقل لخرقه للعادة، والخوارق إذا وقعت توفرت الدواعي على نقلها، "يوم سابعه" لأن العرب كانوا يختنون؛ لأنها سنة توارثوها من إبراهيم وإسماعيل لا لمجاورة اليهود؛ كما أشار له في قوله في حديث هرقل:"أرى ملك الختان قد ظهر"، "وصنع له مأدبة" بضم الدال وفتحها اسم لطعام الختان، كما أفاده القاموس والمصباح، وأفاد الثاني: أنه يسمى إعذارًا أيضًا، "وسماه محمدًا.

وفي الخميس: روى أنه لما ولد صلى الله عليه وسلم أمر عبد المطلب بجزور فنحرت ودعا رجالا من قريش فحضروا وطعموا، وفي بعض الكتب: كان ذلك يوم سابعه، فلما فرغوا من الأكل قالوا: ما سميته فقال سميته محمدًا، فقالوا: رغبت عن أسماء آبائه، فقال: أردت أن يكون محمودًا في السماء لله وفي الأرض لخلقه، وقيل: بل سمته بذلك أمه لما رأته، وقيل لها في شأنه ويمكن الجمع بأن أمه لما نقلت ما رأته لجده سماه، فوقعت التسمية منه، وإذا كان بسببها يصح القول بأنها سمته به، انتهى.

"رواه الوليد بن مسلم" القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي عن مالك والأوزاعي والثوري وابن جريج وخلق، وعنه الليث أحد شيوخه وابن وهب وأحمد وابن راويه وابن المديني متفق على توثيقه، وإنما عابوا عليه كثرة التدليس والتسوية، أخرج له الستة مات أول سنة خمس وتسعين ومائة "بسنده إلى ابن عباس وحكاه" شيخ الإسلام أبو عمر الحافظ يوسف بن عبد الله بن محمد "بن عبد البر" بن عاصم النمري، بفتح النون والميم القرطبي الفقيه المكثر العالم بالقراءات والحديث والرجال والخلاف الدين الصين، صاحب السنة والاتباع والتصانيف الكثيرة، ساد أهل الزمان في الحفظ والإتقان وانتهى إليه مع إمامته علو الإسناد. توفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن خمس وتسعين سنة وخمسة أيام، "في" كتاب "التمهيد" لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ولمؤلفه فيه شعر:

ص: 237

الثالث: أنه ختن عند حليمة، كما ذكره ابن القيم والدمياطي ومغلطاي وقالا: إن جبريل عليه السلام ختنه حين طهر قلبه.

وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من حديث أبي بكرة.

قال الذهبي: وهذا منكر.

سمير فؤادي مذ ثلاثين حجة

وصقيل ذهني والمفرج عن همي

بسطت لكم فيه كلام نبيكم

لأني معانيه من الفقه والعلم

وفيه من الآثار ما يهتدى به

إلى البر والتقوى وينهى عن الظلم

"الثالث: أنه ختن عند حليمة" السعدية مرضعته صلى الله عليه وسلم، "كما ذكره ابن القيم" مع القولين السابقين، "والدمياطي" بكسر الدال المهملة وبعضهم أعجمها وسكون الميم وخفة التحتية نسبة إلى دمياط بلد مشهور بمصر؛ كما في اللب الحافظ الإمام العلامة الحجة الفقيه النسابة شيخ المحدثين شرف الدين، أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الشافعي. ولد سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتفقه وبرع وطلب الحديث فرحل وجمع فأوعى وألف وتخرج بالمنذري، وبلغت شيوخه ألفًا وثلاثمائة شيخ ضمنهم معجمه، قال المزي: ما رأيت في الحديث أحفظ منه، وكان واسع الفقه رأسًا في النسب جيد العربية غزيرًا في اللغة، مات فجأة سنة خمس وسبعمائة.

"ومغلطاي" الإمام الحافظ علاء الدين بن قليج بن عبد الله بن الحنفي، ولد سنة تسع وثمانين وستمائة وكان حافظًا عارفًا بفنون الحديث، علامة في الأنساب وله أكثر من مائة مصنف؛ كشرح البخاري، وشرح ابن ماجه، وشرح أبي داود ولم يتما، مات سنة اثنتين وستين وسبعمائة وهو بضم الميم وسكون الغين وفتح اللام، كما ضبطه الحافظ بالقلم في كلام نثر، وأما ابن ناصر فضبطه بفتح الغين وسكون اللام في قوله:

ذلك مغلطاي فتى قليجي

ولعله للضرورة فلا تخالف

وقليجي بقاف وجيم نسبة إلى القليج: السيف، بلغه الترك.

"وقالا: إن جبريل عليه السلام ختنه" بآلة ولم يتألم منها على الظاهر، "حين طهر قلبه" بعد شقه، "وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من حديث أبي بكرة" نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه، "قال الذهبي: وهذا" الحديث "منكر" وهو ما رواه غير الثقة مخالفًا لغيره؛ كما في النخبة، ولا يعود اسم الإشارة على القول الثالث؛ لأنه إخراج لألفاظ الحفاظ عن معناها عندهم، وقد احتج للقول بأنه لم يولد مختونًا بأنه الأليق بحاله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم فأتمهن وأشد الناس بلاء الأنبياء والابتلاء به مع الصبر عليه مما يضاعف الثواب، فالأليق بحاله أن لا يسلب هذه الفضيلة، وأن يكرمه الله بها كما أكرم خليله، وأجيب بأنه إنما

ص: 238

واعلم أن الختان: هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى الفرج من المرأة، ويسمى ختان الرجل: إعذارًا -بالعين المهملة والذال المعجمة والراء- وختان المرأة خفاضًا -بالخاء المعجمة والفاء والضاد المعجمة أيضًا.

واختلف العلماء: هل هو واجب؟

فذهب أكثرهم إلى أنه سنة وليس بواجب، وهو قول مالك وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي.

وذهب الشافعي إلى وجوبه، وهو مقتضى قول سحنون من المالكية.

وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء.

ولد مختونًا لئلا يرى أحد عورته؛ كما صرح به في الخبر.

واعلم: أن الختان هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى الفرج من المرأة، ويسمى ختان الرجل إعذارًا بالعين المهملة" الساكنة قبلها ألف وحذفها في بعض النسخ تحريف، لا يوافق القاموس.

"والذال المعجمة والراء" بعدها ألف ويسمى أيضًا عذرًا، كما في القاموس. "وختان المرأة خفاضًا" كذا في نسخ "بالخاء المعجمة" المكسورة "والفاء والضاد المعجمة أيضًا" فهو كقول القاموس: خفاض كختان وزنا، ومعنى فما في نسخ ختان المرأة خفضًا تحريف، "واختلف العلماء" في جواب قول السائل "هل هو" أي: الختان، لكل من الرجل والمرأة "واجب" أو سنة "فذهب أكثرهم إلى أنه سنة وليس بواجب" أتى به لدفع توهم أن المراد بالسنة الطريقة، "وهو قول مالك وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وذهب الشافعي إلى وجوبه" لكل من المرأة والرجل، "وهو مقتضى قول سحنون" بفتح السين وضمها "من" أئمة "المالكية" واسمه عبد السلام بن سعيد التنوخي القيرواني لقب باسم طائر حديد الذهن ببلاد المغرب، لكونه كان كذلك، ولد في شهر رمضان سنة ستين ومائة، وتلمذ لابن القاسم وغيره وصنف المدونة التي عليها العمل ومات في رجب سنة أربعين ومائتين.

"وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء" وهو مذهب أحمد، وعنه الوجوب فيهما، وعن أبي حنيفة: واجب ليس بفرض، وعنه أيضًا: سنة يأثم بتركه، وعن الحسن: الترخيص فيه.

ص: 239

واحتج من قال: إنه سنة، بحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء". رواه أحمد في مسنده والبيهقي.

وأجاب من أوجبه بأن ليس المراد بالسنة هنا خلاف الواجب، بل المراد الطريقة، واحتجوا على وجوبه بقوله تعالى:{أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] وثبت في.......................

"واحتج من قال: إنه سنة، بحديث أبي المليح" بفتح الميم وكسر اللام وتحتية وحاء مهملة عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد "بن أسامة" التابعي عن أبيه، وابن عمر وجابر وأنس وعائشة وبريدة وغيرهم، وعنه أبو قلابة وقتادة وأيوب وخلق، وثقه أبو زرعة وغيره، وروى له الستة، مات سنة ثمان وتسعين أو أربع ومائة، أو اثنتي عشرة ومائة، أقوال:

"عن أبيه" أسامة بن عمير بن عامر الهذلي البصري، صحابي تفرد بالرواية عنه ولده، أخرج له أصحاب السنن الأربعة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء" أي: إنه في حقهن دونه في حق الرجال فهو فيهم متأكد، "رواه أحمد في مسنده والبيهقي" وفي مسنده الحجاج بن أرطاة ضعيف لكن له شواهد، فرواه الطبراني في كبيره من حديث شداد بن أوس، وابن عباس، وأبو الشيخ، والبيهقي عن ابن عباس من وجه آخر، والبيهقي أيضًا عن أبي أيوب، فالحدث حسن، فقامت به الحجة.

"وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالسنة هنا" في هذا الحديث "خلاف الواجب، بل المراد الطريقة" زاعمين أن ذلك المراد في الأحاديث، ورد بأنه لما وقعت التفرقة بين الرجال والنساء، دل على أن المراد افتراق الحكم ودفعه بأنه في حق الرجال للوجوب والنساء للإباحة لما لا يسمح إذ ينبو عنه اللفظ على أنه قد ورد إطلاق السنة على خلاف الواجب في أحاديث كثيرة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله افترض رمضان وسننت لكم قيامه". رواه النسائي والبيهقي. وقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن علي فرائض ولكنه سنة: الوتر والسواك وقيام الليل". فهذا الحديث من جملتها والتبادر آية الحقيقة، ويقويه خبر الصحيحين وغيرهما مرفوعًا:"خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط". فإن انتظامه مع هذه الخصال التي ليست واجبة إلا عند بعض من شذ يفيد أن الختان ليس بواجب، إذ المراد بالفطرة بالكسر: السنة، بدليل بقية الحديث وحمله على الوجوب في الختان والسنة في باقيه تحكم بلا دليل.

"واحتجوا على وجوبه، بقوله تعالى: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] والأمر للوجوب، ومن ملته الختان، "و" ذلك لأنه "ثبت في

ص: 240

الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختتن إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم..........................

الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اختن" بهمزة وصل "إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانين سنة". وعند مالك في الموطأ والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان عن أبي هريرة موقوفًا، وابن السماك وابن حبان أيضا عنه مرفوعًا:"وهو ابن مائة وعشرين"، وزادوا:"وعاش بعد ذلك ثمانين سنة"، وأعل بأن عمره مائة وعشرون، ورد بأنه مثله عند ابن أبي شيبة وابن سعد والحاكم والبيهقي وصححاه، وأبي الشيخ في العقيقة من وجه آخر، وزادوا أيضًا:"وعاش بعد ذلك ثمانين" فعلى هذا عاش مائتين. قال الحافظ في الفتح وتبعه السيوطي: وجمع بعضهم بأن الأول حسب من منذ نبوته، والثاني حسب من مولده، انتهى. ونحوه قال الحافظ في موضع آخر: يجمع بأن المراد بقوله: وهو ابن ثمانين من وقت فراق قومه وهجرته من العراق إلى الشام، وقوله: وهو ابن مائة وعشرين، أي: من مولده، وبأن بعض الرواة رأى مائة وعشرين، فظنها إلا عشرين أو عكسه، انتهى.

والأول أولى، إذ الثاني توهيم للرواة بلا داعية مع أن الجمع أمكن بدون توهيمهم، وأم الجمع بأنه عاش ثمانين غير مختون، وعشرين ومائة مختونًا؛ فرده ابن القيم بأنه قال: أختتن وهو ابن مائة وعشرين، ولم يقل: لمائة وعشرين، وبينهما فرق.

"بالقدوم" بالتخفيف عند أكثر رواة البخاري. وقال النووي ولم يختلف فيه رواة مسلم اسم آلة البخار، يعني: الفأس؛ كما في رواية ابن عساكر، ورواه الأصيلي والقابسي بالتشديد وأنكره يعقوب بن شيبة، وقيل: ليس المراد الآلة بل المكان الذي وقع فيه الختان، وهو أيضًا بالتخفيف والتشديد قرية بالشام، والأكثر على أنه بالتخفيف، وإرادة الآلة؛ كما قاله يحيى بن سعيد أحد رواته وأنكر النضر بن شميل الموضع ورجحه البيهقي والقرطبي والزركشي والحافظ مستدلا بحديث أبي يعلى:"أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه، فأوحى الله إليه: عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك"، انتهى. وذكر الحافظ أبو نعيم نحوه، وقال: قد يتفق الأمران فيكون قد اختتن بالآلة وفي الموضع، انتهى هذا.

والاستدلال بما ذكر على وجوب الختان لا يصح؛ لأن معنى الآية كما ذكر البيضاوي والرازي وغيرهما؛ أن اتبع ملة إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه برفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى، والمجادلة، مع كل أحد بحسب فهمه، أي: لا في تفاصيل أحكام الفروع وإلا لم يكن صاحب شرع مستقل بل داعيًا إلى شرع إبراهيم كأنبياء بني إسرائيل، فإنهم كانوا داعين إلى شرع موسى، وهذا خلاف الإجماع على أنهم قد وقعوا بهذا الاستدلال في محذور، وهو أنهم لا يرون

ص: 241

وبما روى أبو داود من قوله عليه الصلاة والسلام للرجل الذي أسلم: "ألق عنك شعر الكفر واختتن".

واحتج القفال لوجوبه: بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة، ويمنع صحة الصلاة، فيجب إزالتها.

وقال الفخر الرازي: "الحكمة من الختان، أن الحشفة قوية الحبس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوي اللذة عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة فضعفت اللذة، وهو اللائق بشريعتنا تقليلا للذة لا قطعًا لها، كما تفعل المانوية،

أن شرع من قبلنا شرع لنا، وإن ورد في شرعنا ما يقرره ولا يرد هذا على مالك القائل به ما لم يرد ناسخ؛ لأنه ليس معنى الآية، كما علمت. وعلى التنزل لو سلمنا أنه من شمولها، فالأمر فيه لغير الوجوب، بدليل الحديث الناطق بالنسبة.

"و" احتجوا أيضًا "بما روى أبو داود" وأحمد والواقدي "من قوله عليه الصلاة والسلام للرجل الذي أسلم" وهو كليب الحضرمي أو الجهني: "ألق" ندبًا "عنك شعر الكفر" أزله بحلق أو غيره كقص ونورة من رأس وشارب وإبط وعانة، "واختتن" بالواو، وفي رواية:"ثم بدلها" روى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن جريج، قال: أخبرت عن عثيم، وهو مصغر عثمان بن كثير بن كليب عن أبيه عن جده، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أسلمت، فقال:"ألق عنك شعر الكفر واختتن". فأفاد الأمر الوجوب؛ لأنه الأصل فيه، والجواب: أن سنده ضعيف، صرح به الحافظ وقال الذهبي: منقطع، وقال ابن القطان: عثيم وأبوه مجهولان فلا حجة فيه، وعلى فرض حجته فليس الأمر للوجوب للحديث الناطق بالسنية؛ ولأن أوله محمول على الندب، بلا ريب.

"واحتج القفال لوجوبه بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة ويمنع صحة الصلاة، فتجب إزالتها" وهذا ممنوع مع قصوره على ختان الرجل دون المرأة، "وقال الفخر الرازي: الحكمة في الختان" سواء قلنا: بوجوبه أو سنيته "أن الحشفة قوية الحبس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوي اللذة" أي: لذة الجماع، "عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة فضعفت اللذة" وهذا يخالفه ما مر عن الخيضري: أن القلفة تمنع كمال اللذة، إلا أن يريد على بعد ما يدركه المجامع من اللذة بالفعل، ويراد بها عند الفخر قوة الشهرة المقتضية لإطالة الفعل، وكأنه لعدم ملاقاة حشفة محل الجماع يتأخر الإنزال، "وهو اللائق بشريعتنا تقليلا للذة لا قطعًا لها، كما تفعل المانوية" من تحريم النكاح وهو قطع لها، وهم أصحاب ماني بن فاتك الزنديق الذي ظهر في زمن سابور بن أردشير بعد عيسى عليه السلام، وادعى النبوة وأن للعالم أصلين النور فذلك إفراط وإبقاء القلفة تفريط، فالعدل الختان". انتهى.

وإذا قلنا بوجوب الختان، فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا، لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه سئل: مثل من أنت حيث قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وأنا يؤمئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك". وقال بعض أصحابنا: يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ، والله أعلم.

ص: 242