المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌شرح مقدمة المواهب ‌ ‌مدخل … بسم الله الرحمن الرحيم شرح مقدمة المواهب: - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌باب مقدمة

- ‌ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني مؤلف المواهب اللدنية

- ‌التعريف بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية:

- ‌ترجمة الزرقاني شارح المواهب:

- ‌المقدمة:

- ‌شرح مقدمة المواهب

- ‌مدخل

- ‌المقصد الأول:

- ‌المقصد الثاني:

- ‌المقصد الثالث:

- ‌المقصد الرابع، المقصد الخامس

- ‌المقصد السادس:

- ‌المقصد السابع:

- ‌المقصد الثامن، المقصد التاسع

- ‌المقصد العاشر:

- ‌المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام

- ‌مدخل

- ‌عام الفيل وقصة أبرهة

- ‌ذكر تزوج عبد الله آمنة

- ‌وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال:

- ‌وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم:

- ‌ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه

- ‌ذكر خاتم النبوة

- ‌ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم

- ‌تزوجه عليه السلام من خديجة:

- ‌بنيان قريش الكعبة:

- ‌باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌مراتب الوحي:

- ‌ذكر أول من آمن بالله ورسوله

- ‌إسلام حمزة

- ‌الهجرة الأولى إلى الحبشة

- ‌باب الفهرس:

الفصل: ‌ ‌شرح مقدمة المواهب ‌ ‌مدخل … بسم الله الرحمن الرحيم شرح مقدمة المواهب:

‌شرح مقدمة المواهب

‌مدخل

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح مقدمة المواهب:

قال رحمه الله: "بسم الله الرحمن الرحيم" بدأ بها عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أقطع". رواه الخطيب وغيره من حديث أبي هريرة وأصله في سنن أبي داود، وابن ماجه، والنسائي في عمل يوم وليلة، وابن حبان في صحيحه، بلفظ بالحمد، وفي لفظ أبتر، وآخر أجذم بجيم وذال معجمة، تشبيه بليغ في العيب المنفر.

واقتداء بأشرف الكتب السماوية، فإن العلماء متفقون على استحباب ابتدائه بالبسلمة في غير الصلاة وإن لم يقل بأنها منه، كما قاله الخطاب، فسقط اعتراض مالكي على من قال ذلك من المالكية، والأصح أنها بهذه الألفاظ العربية، على هذا الترتيب من خصائص المصطفى وأمته المحمدية، مما في سورة النمل جاء على جهة الترجمة عما في ذلك الكتاب، فإنه لم يكن عربيًا، كما أتقنه بعض المحققين وعند الطبراني عن بريدة رفعه:"أنزل عليّ آية لم ينزل على نبي بعد سليمان غيري {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] ".

وحديث: " {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كل كتاب"، رواه الخطيب في الجامع معضلا فيه وجهان أحدهما: لفظ البسملة قد افتتح به كل كتاب من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء، والثاني: إن حقها أن تكون في مفتتح كل كتاب، استعانة وتيمنا بها وهذا أقرب، وإن زعم أن المتبادر الأول، فلا ينافي الخصوصية، ولئن سلم فهو معضل لا حجة فيه.

وفي الاسم لغات معلومة، وفي أنه عين المسمى أو غيره كلام سيجيء إن شاء الله تعالى في أول المقصد الثاني، وإضافته إلى الله من إضافة العام للخاص كخاتم حديد، واتفق على أنه أعرف المعارف، وإن كان علمًا انفرد به سبحانه فقال:{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] وهو عربي، ونطق غير العرب به من توافق اللغات، مرتجل جامد عند المحققين وقيل مشتق، وعليه جمهور النحاة وهو اسم الله العظيم، كما قاله جماعة، لأنه الأصل في الأسماء الحسنى، لأن سائر الأسماء تضاف إليه، وعدم إجابة الدعاء به لكثير، لفقد شروط الدعاء التي منها أكل الحلال البحت وحفظ اللسان والفرج.

والرحمن المبالغ في الرحمة والإنعام، صفة الله تعالى؛ وعورض بوروده غير تابع لاسم قبله. قال تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: 1/ 2] ، وأجيب بأنه وصف يراد به الثناء، وقيل عطف بيان، ورده السهيلي، بأن اسم الجلالة الشريفة غير مفتقر، لأنه أعرف المعارف كلها؛ ولذا قالوا:"وما الرحمن"، ولم يقولوا: وما الله.

والرحيم: فعيل، حول من فاعل للمبالغة، والاسمان مشتقان من الرحمة، وقرن بينهما

ص: 11

الحمد لله................................................................

للمناسبة، ومعناهما واحد عند المحققين، إلا أن الرحمن مختص به تعالى، ولذا قدم على الرحيم لأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره، وقول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة، وقول شاعرهم: لا زلت رحمانا. عنت في الكفر أو شاذ، أو المختص بالله تعالى، أو المعرف باللام، فالرحمن خاص لفظًا لحرمة إطلاقه على غير الله، عام معنى من حيث إنه يشمل جميع الموجودات، والرحيم عام من حيث الاشتراك في التسمي به خاص معنى لرجوعه إلى اللطف والتوفيق، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"الله رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما". رواه الحاكم. وقيل: اسم الله الأعظم هو الأسماء الثلاثة: الله الرحمن الرحيم.

وروى الحاكم في المستدرك وصححه عن ابن عباس، أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقال: "هو اسم من أسماء الله تعالى، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب". ولكون الحمد من أفرادها اقتصر عليها إمامنا في الموطأ والبخاري وأبو داود، ومن لا يحصى، وأيده الحافظ بأن أول ما نزل:{قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، فطريق التأسي به الافتتاح بها والاقتصار عليها، وبأن كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم مفتتحة بها دون حمدلة وغيرها، لكن المصنف كالأكثر أردفها به، لأن المقتصر عليها لا يسمى حامدًا عرفًا، فقال:"الحمد لله" وللاقتداء بالكتاب العزيز ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يحب أن يحمد"، رواه الطبراني وغيره.

وروى الشيخان وغيرهما مرفوعًا: لا أحد أحب إليه الحمد من الله عز وجل، وقوله صلى الله عليه وسلم:"فإن الله يحب الحمد يحمد به ليثيب حامده، وجعل الحمد لنفسه ذكرًا ولعباده ذخرًا". رواه الديلمي عن الأسود بن سريع. وقوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع". رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وصححه ابن حبان وأبو عوانة، وإن كان في سنده قرة بن عبد الرحمن تكلم فيه، لأنه لم ينفرد به، بل تابعه سعيد بن عبد العزيز، وأخرجه النسائي. وفي رواية أحمد: لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع. تشبيه بليغ في العيب المنفر بحذف الأداة والأصل هو كالأبتر أو الأقطع في عدم حصول المقصود منه، أو استعارة ولا يضر الجمع فيه بين المشبه والمشبه به، لأن امتناعه إذا كان على وجه ينبئ عن التشبيه لا مطلقًا للتصريح بكونه استعارة في نحو:

قد زر ازراره على القمر

على أن المشبه في هذا التركيب محذوف، والأصل هو ناقص، كالأقطع، فحذف المشبه وهو الناقص وعبر عنه باسم المشبه به، فصار المراد من الأقطع الناقص، وعليه فلا جمع بين

ص: 12

الذي أطلع في سماء الأزل شمس أنوار معارف النبوة المحمدية، وأشرق من أفق أسرار مظاهر الرسالة تجلي صفات.................................................

الطرفين بل المذكور اسم المشبه به فقط.

"الذي أطلع" نعت لله، والجملة الفعلية صلة الموصول، وهو وصلته كالشيء الواحد، وهما في معنى المشتق؛ لأن الصلة هي التي حصلت بها الفائدة، وترتيب الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، فكأنه قال الاطلاع إلى آخره، فيكون حمده تعالى لذاته ولصفاته فهو واجب، أي يثاب عليه ثوابه لا أنه يأثم بتركه لا لفظًا ولا نية. وقد قام البرهان عقلا ونقلا على وجوب حمده سبحانه، لأن شكر المنعم واجب به للآيات والأخبار الآمرة بالتدبر الموجبة للتفكر، وهو سبحانه وتعالى، قد أفاض نعمه على كل موجود ظاهره وباطنه وإن كان قد فاوت بينهم فيها، ولذا قيل: نعمتان ما خلا موجود عنهما: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد.

"في سماء الأزل،" بالتحريك القدم؛ فهو استعارة بالكناية شبه الأزل من حيث وجوده قبل العالم بمكان يعلوه سماء، وأثبت له السماء استعارة تخييلية، والسماء المظلة للأرض. قال بن الأنباري: تذكر وتؤنث، وقال الفراء: التذكير قليل، وهو على السقف وكأنه جمع سماوة كسحاب، وسحابة وجمعت على سموات.

"شمس الأنوار:" جمع نور، أي: أضواء.

"معارف النبوة المحمدية،" ولكونها قبل العالم عبر باطلع المشعر بأنها لم تكن موجودة، ثم كانت لانتفاء القدم لغير الباري، ثم بعد وجوده وإشراقه، بمظاهر الصفات، وهي كائنة في عالم المشاهدة عبر بالإشراق الذي هو الإضاءة لهذا العالم، فقال:"وأشرق" أي: أضاء، وهو لازم؛ كما قال تعالى:{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} ويعد في كلام المولدين حملا على أضاء، لأنه بمعناه والشيء يحمل على نظيره وضده. وأضاء جاء متعديًا وازمًا بتضمين معناه، أو بمعنى التصيير كما قيل به في ثلاثة: تشرق الدنيا ببهجتها، واستعماله مزيدًا أكثر، وثبت ثلاثية، فقيل هما بمعنى، وقيل أشرقت: أضاءت، وشرقت، طلعت.

"من أفق" بضم فسكون وبضمتين؛ كما في القاموس وغيره، أي: ناحية.

"أسرار مظاهر الرسالة" جمع مظهر، اسم موضع الظهور، وقال في لطائف الأعلام: الأفق في اصطلاح القوم، يكنى به عن الغاية التي ينتهي إليها سلوك المقربين، وكل من حصل منهم إلى الله على مرتبة قرب إليه، فتلك المرتبة هي أفقه ومعراجه.

"تجلي الصفات" هو عند الصوفية ما يكون مبدؤه من الصفات، من حيث تعيينها وامتيازها عن الذات، كذا في التوقيف. وقال صاحب لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام،

ص: 13

الأحمدية، أحمده على أن وضع أساس نبوته على سوابق أزليته، ورفع دعائم رسالته

يعنون بالتجلي تجريد القوى والصفات عن نسبتها إلى الخلق بإضافتها إلى الحق، وذلك أن العبد إذا تحقق بالفقر الحقيقي، وهو انتفاء الملك بشهود العز له تعالى، صار قبلة للتجلي الصفاتي، بحيث يصير هذا القلب التقي النقي مرآة ومجلى للتجلي الوحداني الصفاتي الشامل حكمه لجميع القوى والمدارك، كما إليه الإشارة بالحديث القدسي:"فإذا أحببته كنت سمعه" الحديث، وأطال في بيان ذلك.

"الأحمدية" المنسوبة إلى أحمد صلى الله عليه وسلم وهو اسم لم يتسم به أحد قبله، قال الحافظ: والمشهور أن: "أول من سمي به بعده صلى الله عليه وسلم والد الخليل بن أحمد". لكن زعم الواقدي أنه كان لجعفر بن أبي طالب ابن اسمه أحمد. وحكى ابن فتحون في ذيل الاستيعاب أن اسم أبي حفص بن المغيرة الصحابي أحمد، ويقال في والد أبي السفر أن اسمه أحمد. قال الترمذي: أبو السفر هو سعيد بن يحمد، ويقال: ابن أحمد، انتهى.

"أحمده على أن وضع أساس" أصل "نبوته"، أي: النبي المفهوم من نبوة أو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم المستفاد من المحمدية "على سوابق أزليته"، أي: على الأمور التي اعتبرها في الأزل سابقة على غيرها. قال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي: "وليس هو الفخر" صاحب التفسير في كتابه -مختار الصحاح- الأزل: القدم يقال أزلي: ذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم الأب باختصار، فقالوا: يزلي ثم أبدلت الباء ألفًا؛ لأنها أخف، فقالوا: أزلي، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن أزني.

"ورفع دعائم رسالته" أي: المعجزات عبر عنها بذلك لمشابهتها لها في إثبات رسالته وتقويتها، كتقوية الجدار بما يدعم به، ثم هو استعارة تصريحية شبه المعجزات بالدعائم واستعار اسمها لها، أو مكنية شبه الرسالة المؤيدة، بالمعجزة ببيت مشيد الأركان مدعم بما يمنع تطرق الخلل له، وأثبت الدعائم تخييلا، ولم تزل البلغاء تستعير الدعائم، كقول ابن زيدون:

أين البناء الذي أرسوا قواعده

على دعائم من عز ومن ظفر

ويقال للسيد في قومه: هو دعامة القوم، كما يقال: هو عمادهم، قال الراغب الرسالة سفارة العبد بين الله وبين خلقه. وقيل: إزاحة علل ذوي العقول فيما تقصر عنه عقولهم من مصالح المعاش والمعاد، وجمع بعض المحققين بينهما، "فقال سفارة بين الله وبين ذوي الألباب لإزاحة عللهم فيما يحتاجونه من مصالح الدراين" وهذا حد كامل جامع بين المبدأ المقصود بالرسالة

ص: 14

على لواحق أبديته.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الفرد المنفرد في فردانيته بالعظمة والجلال.................

وهي الخصوصية، وبين منتهاها وهو إزاحة عللهم، انتهى.

"على لواحق أبديته"، أي: دهوره التي لا انقضاء لها؛ فالأبد الدهر الذي لا نهاية له أو الدهر، وعبر هنا بلواحق، لأنه محل المعجزات وهي إنما تكون بعد وجوده في ذا العالم، فناسب أن تكون على الأمور اللاحقة الخارقة للعادة. وفيما قيل بسوابق؛ لأنه مظهر لأساس النبوة وهو معتبر قبل وجود العالم.

"وأشهد" أقر وأعلم وأبين، والشهادة الإخبار عن أمر متيقن قطعًا، "أن لا إله إلا الله" لا معبود بحق، إلا الله، أتى به لخبر أبي داود والترمذي والبيهقي، وصححه مرفوعًا، كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء، أي: القليلة البركة، وأن المخففة من الثقيلة لا الناصبة للفعل إذ لا فعل هنا، ولأن أشهد من أفعال اليقين فيجب أن يكون بعدها أن المؤكدة لتناسب اليقين.

"وحده:" نصب على الحال بمعنى متوخذًا، وهو توكيد لتوحيد الذات. "لا شريك" لا مشارك "له" تأكيدًا لتوحيد الأفعال ردًا على نحو المعتزلة. وقد روى مالك وغيره مرفوعًا:"أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له".

"الفرد:" قال الراغب: الفرد الذي لا يختلط بغيره، وهو أعم من الوتر وأخص من الواحد، وجمعه فرادى. قال تعالى:{لا تَذَرْنِي فَرْدًا} [الأنبياء: 89] أي: وحيدًا. ويقال في الله فرد تنبيها على أنه مخالف للأشياء كلها في الازدواج، المنبه عليها بقوله تعالى:{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} [الذاريات: 49] ، معناه أنه المستغني عما عداه، فهو كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبت: 6] ، فإذا قيل هو فرد فمعناه منفرد بوحدانيته، مستغن عن كل تركيب مخالف للموجودات كلها.

"المنفرد" من باب الانفعال للمطاوعة، والمراد بدون صنع بل بذاته، وإطلاقه على الله، إما لثبوته كما يشعر به كلامهم، أو للاكتفاء بورود ما يشاركه في مادته ومعناه، أو بناء على جواز إطلاق ما لا يوهم نقصًا مطلقًا، أو على سبيل التوصيف دون التسمية كما ذهب إليه الغزالي.

"في فرادنيته بالعظمة والجلال" مرادف، فجلال الله: عظمته، والعظمة هي جلاله وكبرياؤه. لكن قال الرازي: الجليل الكامل في الصفات، والكبير الكامل في الذات، والعظيم الكامل فيهما. فالجليل يفيد كمال الصفات السلبية والثبوتية. وقد ذهب الأصمعي إلى أن

ص: 15

الواحد المتوحد في وحدانيته باستحقاق الكمال، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدًا عبده ورسوله...................................

الجلال لا يوصف به غير الله لغة. وأكثر اللغوين على خلافه، وأنه يوصف به غيره، كقوله:

ألمم على أرض تقادم عهدها

بالجذع واستلب الزمان جلالها

وكقول هدبة:

فلا ذا جلال هبنه لجلاله

ولا ذا ضياع هن يتركن للعقد

"الواحد" في ذاته وصفاته وأفعاله، من الأسماء الحسنى؛ كما في رواية الترمذي، وفي رواية ابن ماجه: الأحد. قال الأزهري: الفرق بينهما أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد، تقول: ما جاءني أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد، ما جاءني واحد من الناس، ولا تقول: جاءني أحد، فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير والأحد منفرد بالمعنى. وقال غيره: الأحد الذي ليس بمنقسم ولا متحيز، فهو اسم لمعنى الذات فيه سلب الكثرة عن ذاته، والواحد وصف لذاته فيه سلب النظير والشريك عنه، فافترقا. وقال السهيلي: أحد أبلغ وأعم، ألا ترى أن ما في الدار أحد، أعم وأبلغ من ما فيها واحد، وقال بعضهم: قد يقال: إنه الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، والأحد في وحدانيته إذ لا يقبل التغيير ولا التشبيه بحال.

"المتوحد" فيه ما مر في المنفرد ولو أبدله بالأحد لكان فيه تلميح بالروايتين. "في وحدانيته باستحقاق الكمال" إذ الكمال الخالص المطلق ليس إلا له فلا يتغير سبحانه وتعالى.

ولما كان الواسطة في وصول الفيض من الله إلينا هو النبي صلى الله عليه وسلم وتطابق العقل والنقل على وجوب شكر المنعم عقب الشهادة لله، بالشهادة لرسوله، فقال:"وأشهد أن سيدنا وحبيبنا" طبعًا وشرعًا لحب الله "محمدًا عبده ورسوله" صلى الله عليه وسلم ولدخوله في قوله: "كل خطبة

"، الحديث. قال تعالى:{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] أي: لا أذكر إلا وتذكر معي، كما ورد مفسرًا عن جبريل عن الله تعالى.

والمصطفى هو الذي علمنا شكر المنعم، وكان السبب في كمال هذا النوع إذ لا بد من القابل والمفيد، وأجسامنا في غاية الكدورة وصفات الباري في غاية العلو والصفاء والضياء.

فاقتضت الحكمة الإلهية توسط ذي جهتين تكون له صفات عالية جدًا وهو من جنس البشر ليقبل عن الله بصفاته الكمالية، وتقبل عنه بصفاته البشرية، فلذا استوجب قرن شكره بشكره؛ و"محمدًا" عطف بيان لا صفة لتصريحهم بأن العلم ينعت ولا ينعت به، ولا بدل؛ لأن البدلية وإن جوزت في {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} ، لكن القصد الأصلي، هنا إيضاح الصفة السابقة وتقرير النسبة تبع، والبدلية تستدعي العكس، وقدم العبودية المضافة لله، لكونها أشرف أوصافه

ص: 16

أشرف نوع الإنسان، وإنسان عيون الأعيان، المستخلص من خالص خلاصة ولد عدنان، الممنوح ببدائع الآيات، والمخصوص بعموم الرسالة وغرائب المعجزات، السر الجامع الفرقاني، والمخصص بمواهب القرب من النوع الإنساني، مورد الحقائق الأزلية ومصدرها، وجامع جوامع مفرداتها ومنبرها، وخطيبها إذا حضر في حظائر......................

وله بها كمال اختصاص، ولأن العبد يتكفله مولاه بإصلاح شأنه، والرسول يتكفل لمولاه بإصلاح شأن الأمة، وكم بينهما، وإيماء إلى أن النبوة وهبية، ولأن العبودية في الرسول لكونها انصرافًا من الخلق إلى الحق أجل من رسالته؛ لكونها بالعكس.

"أشرف" أفراد "نوع الإنسان" ذاتا وصفات والإضافة بيانية؛ "وإنسان" أي حدقة "عيون الأعيان المستخلص" المنتخب "من خالص خلاصة" قال في المصباح خلاصة الشيء بالضم ما صفا منه، مأخوذ من خلاصته السمن، وهو ما يلقى فيه تمر أو سويق ليخلص به من بقايا اللبن، انتهى.

"ولد" بفتحتين وبضم فسكون يكون واحدا وجمعا "عدنان" أحد أجداده "الممنوح" المخصوص، وأصل المنحة العطية، ويتعدى بنفسه وضمنه هنا بمعنى المخصوص فعداه بالباء في قوله:"ببدائع الآيات" جمع آية، ولها معان منها العلامة الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، "المخصوص بعموم الرسالة" للعالمين، ومنهم الملائكة على ما رجحه جمع محققون، وردوا على من حكى الإجماع على انفكاكهم عن شرعه، بل زاد بعضهم والجمادات كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله في محله.

"وغرائب المعجزات" من إضافة الصفة للموصوف، والآية والمعجزة مشتركان في الدلالة على صدقه، لكن الآية أعم؛ لأنه لا يشترط فيها مقارنة النبوة، والتحدي، فكل معجزة آية ولا عكس. فشق صدره وتسليم الحجر عليه قبل البعثة ونحوه آية لا معجزة؛ "السر الجامع" بين ما تفرقه في غيره وبين الحكم بالظاهر والباطن والشريعة والحقيقة، ولم يكن للأنبياء إلا أحدهما دليل قصة موسى مع الخضر. وقد نص عليه البدر ابن الصاحب في تذكرته وأيد بحديث السارق والمصلي الذي أمر بقتلهما.

"الفرقاني" نسبة إلى الفرقان لفرقه بين الحق والباطل، "والمخصص بمواهب القرب" من ربه تبارك وتعالى قرب مكانه، زيادة من سواه "من النوع الإنساني" فإن المقربين منه لهم قرب دون قربه عليه السلام، "مورد الحقائق الأزلية" جمع حقيقة، وهي عند أرباب السلوك العلوم، المدركة بتصفية الباطن "ومصدرها"، يعني: أن ذاته محل لورود الحقائق عليها من الحق، ومحل لصدورها عنها على الخلق، "وجامع جوامع مفرداتها ومنبرها وخطيبها إذا حضر في حظائر

ص: 17

قدسها ومحضرها، بيت الله المعمور الذي اتخذه لنفسه، وجعله ناظمًا لحقائق أنسه، مدة مداد نقطة الأكوان، ومنبع ينابيع الحكم والعرفان، الممد من بحر مدد الوفاء على القائل من أهل المعارف والاصطفاء حيث خاطب.....................

قدسها"، بضمتين وتسكن داله، أي: مواضع جمع حظيرة وهي في الأصل ما حظرته على الغنم وغيرها من الشجر للحفظ، والقدس، أصل معناه الطهر سمي به جبل المقدس لطهارته بالعبادة فيه، وقدس الله وحظيرة قدسه الجنة. قال التبريزي في شرح ديوان الحماسة: واسم الجبل يقال أنه غير منصرف، وأنشدوا الكثير كالمصرخي غدًا فأصبح واقفًا في قدس بين مجاثم الأوعال. "ومحضرها،" أي: محل حضورها.

"بيت الله المعمور" بما أورده عليه فوعاه مما لا يطيقه غيره، ولم ينزله على أحد قبله وسماه بيتا على التشبيه، وما يروى: القلب بيت الرب. لا أصل له كما في المقاصد، "الذي اتخذه لنفسه" مجاز عن إدخال علومه فيه، وأطلق النفس على الله؛ كقوله:{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} ، وقوله:"أنت كما أثنيت على نفسك"، وقيل: إنما يراد للمشاكلة، كقوله تعالى:{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]، "وجعله ناظمًا" أي: جامعًا "لحقائق أنسه"، جمع حقيقة وهي ما أقر في الاستعمال واشتقاقه على أصل وضعه في اللغة، قاله ابن جني وابن فارس، وزاد من قولنا حق الشيء إذا وجب، واشتقاقه من الشيء المحقق وهو المحكم، وقال المرزوقي: هي في كلام العرب الأور التي يحق حمايتها، والأنفة من تركها عن الرؤساء، وقال الخليل: هي ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه. كما قيل:

ألم ترى أني قد حميت حقيقتي

وباشرت حد الموت والموت دونها

"مدة" بالنصب والرفع، أي: أصل؛ "مداد نقطة الأكوان؛" أي: مركزه الذي يدور عليه.

ومنبع؛" بفتح الميم والباء مخرج "ينابيع" جمع ينبوع؛ وهي في الأصل العين التي يخرج منها الماء فشبه بها. "الحكم؛" جمع حكمة، وهي تحقيق العلم وإتقان العمل، كما في الأنوار. وقال النووي: فيها أقوال كثيرة صفا لنا منها إنها العلم المشتمل على المعرفة بالله، مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده. والحكيم من جاز ذلك، انتهى ملخصًا، قال الحافظ، وقد تطلق الحكمة على القرءان، وهو مشتمل على ذلك كله وعلى النبوة كذلك، وقد تطلق على العلم فقط وعلى المعرفة فقط، انتهى.

"والعرفان" أي: العلم مصدر عرف "الممد" اسم فاعل، "من بحر مدد الوفاء على القائل من أهل المعارف والاصطفاء" الاختيار، وعلل كونه من أهلهما بقوله "حيث خاطب" القائل

ص: 18

ذاته، بالمنح الأنفسية بشعر من بحر الطويل:

فأنت رسول الله أعظم كائن

وأنت لكل الخلق بالحق مرسل

عليك مدار الخلق إذ أنت قطبه

وأنت منار الحق تعلو وتعدل

فؤادك بيت الله دار علومه

وباب عليه منه للحق يدخل

ينابيع علم الله منه تفجرت

ففي كل حي منه لله منهل

منحت بفيض كل مفضل

فكل له فضل به منك يفضل

نظمت نثار الأنبياء فتاجهم

لديك بأنواع الكمال مكلل

"ذاته" صلى الله عليه وسلم "بالمنح" العطايا؛ "الأنفسية" أي: الشريفة "بشعر من بحر الطويل" أحد بحور الشعر المعروفة، "فأنت رسول الله" نداء والخبر، "أعظم كائن" موجود "وأنت لكل الخلق بالحق" أي: الأمور المطابقة للواقع، "مرسل" من الله "عليك مدار" مصدر ميمي، أي: دوران، "الخلق إذ أنت قطبه" أي: أصل الخلق الذي يرجع إليه، "وأنت منار الحق تعلو" ترتفع على غيرك "وتعدل" في قضاياك بين الناس "فؤادك" قلبك أو غشاؤه وقوي بحديث:"أرق أفئدة وألين قلوبًا".

"بيت الله" إضافة لامية على مجاز الحذف، أي: بيت علوم الله كما أوضحه بقوله "دار علومه" وهي لامية أيضًا وقد أعلمه الله تعالى ما عدا مفاتيح الغيب الخمسة، وقيل: حتى هـ وأمره بكتمها؛ كما في الخصائص "و" أنت "باب عليه منه للحق" أي: للأمور المطابقة للواقع فحذف الموصوف أولا وأمر الله، فحذف المضاف. "يدخل ينابيع" جمع ينبوع، وهو في الأصل العين التي تورد:

"علم الله منه تفجرت

ففي كل حي منه لله منهل"

بفتح الميم والهاء، أي: عين تورد "منحت" أي: خصصت:

"بفيض الفضل كل مفضل

فكل له فضل"

أي: كل إنسان ثبت له فضل فهو "به منك يفضل"؛ فالبيت على حد قول البوصيري:

وكلهم من رسول الله ملتمس

غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم

"نظمت نثار" بكسر النون بعدها مثلثة بمعنى المنثور، ككتاب بمعنى مكتوب، "الأنبياء" أي: شرائعهم. "فتاجهم" مفرد تيجان، وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر وقد توجته إذا ألبسته التاج، كما في النهاية. "لديك" أي: عندك "بأنواع الكمال مكلل" بلامين خبر تاج، أي: مرصع، و"في" نسخة مكمل بالميم يأباها الطبع.

ص: 19

فيما مدة الإمداد نقطة خطه

ويا ذروة الإطلاق إذ يتسلسل

محال يحول القلب عنك وإنني

وحقك لا أسلو ولا أتحول

عليك صلاة الله منه تواصلت

صلاة اتصال عنك لا تتنصل

شخصت أبصار بصائر سكان سدرة المنتهى لجلال جماله، وحنت أرواح رؤساء الأنبياء إلى مشاهدة كماله.........................

"فيا مدة" أي: زيادة "الإمداد نقطة خطه ويا ذروة الإطلاق إذا يتسلسل محال": باطل غير ممكن الوقوع أنه "يحول" يتغير "القلب عنك وإنني وحقك لا أسلو" أصبر "ولا أتحول" عن حبك "عليك صلاة الله منه" متعلق بقوله: "تواصلت صلاة اتصال" مفعول مطلق "عنك لا تتنصل" أي: لا تزول عنك "شخصت" بفتحات نظرت "أبصار بصائر" جمع بصيرة، وهي للنفس كالعين للشخص "سكان سدرة المنتهى" بفتحات نظرت "أبصار بصائر" جمع بصيرة، وهي للنفس كالعين للشخص "سكان سدرة المنتهى" وهم الملائكة الكرام. روى أبو يعلى، والبزار وابن جري، وابن ماجه، عن أبي سعيد، رفعه في حديث المعراج وغشيها من الملائكة، أمثال الغربان حين يقعن على الشجر. وعند الحاكم وغيره عن أبي هريرة رفعه: ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة "لجلال" عظمة "جماله" حسنه وفي جعله الشخوص لجلال الجمال دون الجمال نفسه لطف وإيماء إلى أن هؤلاء وإن كانوا مقربين ما استطاعوا النظر لنفس الحسن، بل شخصوا في الجلال الحاجب له فكيف بغيرهم، ولذا قال علي يقول ناعته، أي: عند العجز عن وصفه، لم أر قبله ولا بعده مثله، ومن ثم يفتتن به مع أنه أوتي كل الحسن؛ كما قال:

بجمال حجبته بجلال

طاب واستعذب العذاب هناكا

"وحنت" اشتاقت، "أرواح رؤساء الأنبياء" أكابرهم، وهم الذين رأوه في السماوات ليلة المعراج "إلى مشاهدة" أي: رؤية "كماله" هو التمام فيما يفضل به الشيء على غيره؛ فيشمل الظاهر؛ والباطن، لكن المراد هنا الظاهر لأنه المشاهد بالحاسة لا الباطن، لعدم تعلقها به، وإن تعلقت بما دل عليه، وتخصيص الأرواح بالذكر لأن الإدراك بها وإن نسب للجسد فهو بواسطتها فلا يشكل بما في تنوير الحلك، من أنه لا يمتنع رؤية ذاته عليه السلام بجسده وروحه، وذلك لأنه وسائر الأنبياء صلى الله عليه وسلم ردت إليهم أرواحهم بعدما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من قبورهم للتصرف في الملكوت العلوي والسفلي، انتهى. ونحوه يأتي للمصنف في غير موضع من هذا الكتاب، وقد روى الحاكم في تاريخه، والبيهقي في حياة الأنبياء، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم أربعين ليلة، ولكن يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور". قال البيهقي: فعلى هذا يصيرون، أي: يكونون حيث ينزلهم الله تعالى، انتهى. وهذا لا يشكل بأن الأنبياء في قبورهم، وأن المصطفى أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يقوم من

ص: 20

وتلفتت لفتات أنفس الملأ الأعلى إلى نفائس نفحاته، وتطاولت أعناق العقول إلى أعين لمحاته ولحظاته، فعرج به إلى المستوى الأقدس، وأطلعه على السر الأنفس، في إحاطته الجامعة، وحضرات حظيرة قدسه الواسعة، فوقفت أشخاص الأنبياء في حرم الحرمة، على أقدام الخدمة، وقامت أشباح الملائكة في معارج الجلال، على أرجل

قبره. لأن معناه لا يتركون على حالة بحيث لا يقوى تعلق روحهم بجسدهم، على وجه يمنع من ذهاب الروح بعد تعلقها بالجسد حيث شاءت متشكلة بصورة الجسد، وإن بقي الجسد نفسه إلى يوم القيامة في القبر، وبهذا لا تعارض بين الأخبار؛ وطاح زعم من أدعي بطلان كونهم لا يتركون في نفسه.

"وتلفتت لفتات أنفس الملأ الأعلى" أي: ذواتهم وأرواحهم "إلى نفائس نفحاته" أي: روائحه الطيبة "وتطاولت" امتدت "أعناق" ذوي "العقول"؛ فهو مجاز بالحذف أو مرسل باستعمال العقول في أهلها، أو شبه العقول بالذوات المدركة استعارة بالكناية. وأثبت لها ما هو من خواصها وهي الأعناق تخييلا، وقد جوزت الأوجه الثلاثة في نحو: واسأل القرية "إلى أعين لمحاته" من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: الأعين اللامحة واللمح: النظر باختلاس البصر، ولمح البصر امتد إلى الشيء ويمكن تنوين أعين. ولمحاته "ولحظاته" بدل اشتمال واللحظ: المراقبة أو النظر بمؤخر العين عن يمين وشمال. "فعرج به إلى المستوى" بفتح الواو: الموضع المشرف وهو المصعد، وقيل: المكان المستوي؛ "الأقدس وأطلعه على السر الأنفس" كما قال: "فأوحى إلى عبده ما أوحى"، فأبهمه للتعظيم في أحد الأقوال فلا يطلع عليه بل يتعبد بالإيمان به؛ كما قيل:

بين المحبين سر ليس يفشيه

قول ولا قلم في الكون يحكيه

"في إحاطته الجامعة": متعلق باطلع، أي: فيما تتعلق إحاطته، أي: علمه به؛ "وحضرات" بالضاد المعجمة "حظيرة" بالظاء المعجمة المشالة "قدسه الواسعة" وليس المراد بها هنا الجنة، فإن اطلاعه على السر كان حين العروج إلى المستوى كما كلمه ربه، وهو بعد رفعه إلى السدرة، ورفعه إليها كان بعد دخوله الجنة، وعرض النار عليه؛ كما فصل في المعراج. "فوقفت أشخاص الأنبياء" صورهم "في حرم الحرمة" التعظيم "على أقدام" جمع قدم مؤنث، "الخدمة وقامت أشباح الملائكة" إضافة بيانية، جمع شبح وهو الشخص؛ كما في المصباح، فغاير تفننًا، وللإشارة إلى مغايرتها لأجسام البشر، وإنما هي أجسام لطيفة نورانية على الصحيح.

"في معارج الجلال" جمع معرج ومعراج وهو المصعد والمرقى كلها بمعنى؛ "على أرجل" جمع رجل الإنسان التي يمشي بها، مؤنثة ولا جمع لها غيره؛ كما في المصباح.

ص: 21

الإجلال، وهامت أرواح العشاق في معاناة الأشواق:

كل إليك بكله مشتاق

وعليه من رقبائه أحداق

يهواك ما ناح الحمام بأيكة

أو لاح برق في الدجى خفاق

شوقي إليه لا يزال يديره

فجميعه لجميعه عَشاق

اشتاق القمر.............................................

"الإجلال وهامت أرواح العشاق" خرجت على وجهها فلم تدر أين تتوجه، "في معاناة الأشواق" جمع شوق، وهو نزاع النفس إلى الشيء والحنين، وشوقني إلى كذا هيجني وأنشد لغيره قوله "كل" استغراقية؛ كقوله:{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282] . "وكل راع مسئول عن رعيته". ولا يستعمل إلا مضافًا لفظًا كما رأيت، أو تقديرًا؛ كقوله:{كُلٌّ يَجْرِي} [الرعد: 2، لقمان: 29، فاطر: 13، الزمر: 5] .

قال الأخفش: المعنى كلهم يجري كما تقول كل منطلق، أي: كلهم، ومنه ما هنا، أي: كل الشاخصين ومن بعدهم. "إليك بكله" بجملته روحًا وجسمًا "مشتاق وعليه من رقبائه" جمع رقيب "أحداق" عيون، "يهواك" تميل نفسه إليك "ما ناح الحمام بأيكة" مفرد أيك، كتمر وتمرة شجر، كما في المصباح، أو هو مضاف للضمير لأدنى ملابسة، فيكون جمعًا "أو لاح برق" ما يلمع من السحاب، مصدر "في الدجى" والظلم "خفاق" والدجى لا يكاد ينفك عن برق إن لم يعم فإن فقد في مكان وجد في غيره، "شوقي" فاعل يهوي "إليه" بإشباع الهاء للوزن، وفيه التفات عن الخطاب، وفي نسخ إليك "لا يزال يديره" يحرك الهوى "فجميعه" أي: كل أو الشوق، والأول أولى؛ لأنه المحدث عنه، ولفظ كل واحد ومعناه متعدد، فيجوز عود الضمير على اللفظ وعلى المعنى "لجميعه" أي: النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يتقدم له ذكر لدلالة الكلام عليه فكأنه مذكور؛ كقوله:"ولأبويه، لكل واحد منهما السدس"، أي: الميت، أي: كل محب "عشاق" بفتح المهملة، أي: كثير العشق لجميع أجزاء المصطفى، فجميع متعلق به مقدم عليه "اشتاق القمر" سمي بذلك لبياضه. قال الفارابي وتبعه الجوهري: الهلال ثلاث ليال أول الشهر ثم هو قمر بعد ذلك. وقال الأزهري: القمر يسمى ليلتين أول الشهر هلالا، كليلتي ست وسبع وعشرين، ويسمى قمرًا فيما بين ذلك. وقال غيره: الهلال ثلاث ليال، ثم هو قمر إلى ثلاثة عشر، ثم يستوي ليلة ثلاثة عشر فتسمى تلك الليلة ليلة السواء، ثم تليها ليلة البدر؛ لأنه إذا بدرت الشمس بالغروب بادرها بالطلوع. وقيل: من البدرة، وهي ألف دينار لتمام عدده، ثم يسمى ليلة النصف قمرًا وزبرقانًا بكسر الزاي، ومنه:

ص: 22

لمشاهدته فانشق، فشق مرائر الأشقياء الشاقين، وحن لمفارقته الجذع، فتصدع فانصدعت قلوب الأغبياء المنافقين وبرقت من مشكاة بعثته بوارق طلائع الحقائق، وانقادت لدعوته العامة خاصة خلاصة الخلائق، ولم يزل يجاهد في الله بصدق عزماته، وينظم أشتات الإسلام بعد افتراق جهاته، حتى كملت كمالات دينه..........

تضيء بك المنابر حين ترقى

عليها مثل ضوء الزبرقان

"لمشاهدته فانشق" لما سأله أهل مكة آية قبل الهجرة بنحو خمس سنين فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، "فشق مرائر الأشقياء" الكفار "الشاقين" عليه باقتراح الآيات، وفي جعله انشقاقه مفرعًا على اشتياقه وقفة، إذ الثابت أنه انشق لطلب الكفار آية، وقد تدفع الوقفة "وحن" اشتاق، "لمفارقته الجذع" الذي كان يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر "فتصدع" الجذع وانشق، كما في حديث أبي بن كعب عند الشافعي وغيره بلفظ، فلما صنع، أي: المنبر، وضعه موضعه الذي هو فيه فكان إذا بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطب عليه، تجاوز الجذع الذي كان يخطب عليه، فلما جاوزه خار حتى تصدع وانشق فنزل، فلما سمع صوت الجذع فمسحه بيده.

وفي حديث أنس عند الموصلي: لما قعد على المنبر خار كخوار الثور، وارتج المسجد لخواره حزنًا عليه، فنزل إليه فالتزمه وهو يخور فسكت. فقال صلى الله عليه وسلم:"والذي نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة"، فأمر به فدفن. وفي حديث أحمد والدارمي وابن ماجه: فأخذ أبي بن كعب ذلك الجذع لما هدم المسجد، فلم يزل عنده حتى بلي واد رفاتًا، قال الجاحظ: وهذا لا ينافي أنه دفن لاحتمال أنه ظهر بعد الهدم عند التنظيف، انتهى.

كان الحسن البصري إذا حدث هذا الحديث بكى، وقال: يا عباد الله، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. "فانصدعت قلوب الأغبياء" الجهال، جمع غبي؛ "المنافقين" غيظًا من هذه المعجزة الباهرة، التي قال فيها الشافعي: إنها أعظم من إحياء عيسى الموتى.

"وبرقت" لمعت، "من مشكاة" هي القنديل أو موضع القتيلة منه، أو معلاقه أو كوة غير نافذة، والكوة بفتح الكاف وضمها اسم ما لا ينفذ، قيل: إنها معربة من الحبشية "بعثته بوارق طلائع الحقائق وانقادت لدعوته العامة" بالجر نعت وفاعل انقاد "خاصة خلاصة الخلائق" ما صفا منهم "ولم يزل يجاهد في الله" بالسيف والحجة "يصدق عزماته وينظم" يجمع "أشتات الإسلام بعد افتراق جهاته حتى كملت" بتثليث الميم والكسر أردأها؛ كما في الصحاح، "كمالات دينه

ص: 23

وحججه البالغة، وتمت على سائر أمته نعمته السابغة، وخير فاختار الرفيق الأعلى، وآثر الآخرة على الأولى، فنقله الله قائمًا على قدم السلامة، إلى دار السلام

وحججه البالغة" بيناته الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة "وتمت على سائر" أي: جميع "أمته" والأكثر استعماله بمعنى الباقي مطلقًا على الأصح، أو الباقي القليل مشتق من السؤر بالهمز البقية. حتى قال الأزهري: اتفق أهل اللغة على أن سائر الشيء باقيه قل أو كثر، واستعماله بمعنى الجميع ذهب إليه الجوهري والجواليقي وجماعة وخطأهم فيه كثير، كابن قتيبة والحريري في الدرة؛ لأنه مخالف للسماع.

ففي الحديث: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن": أي: باقيهن، والاشتقاق فإنه من السؤر فلا يصح كونه بمعنى الجميع، وقال الصغاني: سائر الناس: باقيهم، وليس معناه جميعهم، كما زعم من قصر في اللغة باعه، وجعله بمعنى الجميع من لفظ العوام، انتهى. ولكن انتصر للجوهري والجماعة قوم بأنه سمع من الصحفاء؛ كقوله:

ألزم العالمون حبك طرا

فهو فرض في سائر الأديان

وقول عنترة:

إني امرؤ من خير عبس منصبا

شطري وأحمي سائري بلمنصل

وقول ذي الرمة:

معرسًا في بياض الصبح وقعته

وسائر السير إلا ذلك السير

واشتقاقه عندهم من اليسير، أي: يسير فيه هذا الاسم ويطلق عليه، لا البقية.

"الأمية" المنسوبة إلى النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، "نعمته السابغة" الكثيرة التامة، وهو في الأصل صفة للدرع والثوب الطويل استعير من الطول والسعة لما ذكر، ثم صار حقيقة فيه لشيوعه، "وخير" بين الحياة والممات، "فاختار الرفيق الأعلى" أي: الجماعة من الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، اسم جاء على فعيل كصديق وخليط، أو الله تعالى فإنه الرفيق بعباده، وعند مسلم مرفوعًا:"إن الله رفيق يحب الرفق". فهو فعل بمعنى فاعل، أو المراد حظيرة القدس، وعند النسائي وصححه ابن حبان، فقال صلى الله عليه وسلم:"أسأل الله الرفيق الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل" وظاهره: أن الرفيق: المكان الذي يحصل فيه المرافقة مع المذكورين.

"وآثر الآخرة على الأولى" أي: الدنيا؛ لأنها أحق بالإيثار منها، كما قال بعض الأماجد: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لآثر العاقل الباقي على الفاني، فكيف والنعيم السرمدي الذي لم يخطر على قلب بشر، إنما هو في الأخرى.

"فنقله الله قائمًا على قدم السلامة" حسا ومعنى "إلى دار السلام" الجنة لسلام الله

ص: 24

وفردوس الكرامة، وبوأه أسنى مراقي التكريم في دار المقامة، ومنحه أعلى مواهب الشرف في اليوم المشهود، فهو الشاهد المشهود، المحمود بالمحامد التي يلهمها للحامد المحمود، والمنزلة العلية، والدرجة السنية، في حظائر القدس الأقدسية، والمشاهد الأنفسية، واصل الله عليه فضائل الصلوات.................

وملائكته على من يدخلها، أو لسلامتهم من الآفات، "وفردوس الكرامة" التكريم والتبجيل له صلى الله عليه وسلم، "وبوأه أسنى" أنزله أشرف "مراقي التكريم في دار المقامة" بالضم الإقامة، وقد تكون بمعنى القيام لأنك إذا جعلته من قام يقوم فمفتوح، أو من أقام يقيم، فمضمون وقوله تعالى:{لَا مُقَامَ لَكُمُ} [الأحزاب: 13]، أي: لا موضع لكم وقرئ: {لَا مُقَامَ لَكُمُ} [الأحزاب: 13] ، بالضم، أي: لا إقامة لكم.

قال الجوهري: "ومنحه" أعطاه "أعلى مواهب الشرف في اليوم المشهود" يوم القيامة بحضرة جميع الخلائق "فهو الشاهد"؛ كما قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} [الأحزاب: 45، الفتح: 8]، أي: على أمته بتبليغه إليهم، وعلى الأمم بأن أنبياءهم بلغتهم "المشهود" المنظور إليه من جميع الرسل، "المحمود" الذي يحمد "بالمحامد التي يلهمها" بالبناء للفاعل في ذلك اليوم، ولم يلهمها قبل "للحامد" الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم، "المحمود" أي: الله سبحانه وتعالى، فاعل يلهمها، "و" بوأه ومنحه "المزلة" المرتبة "العلية" كقيامه عن يمين العرش، وفي نسخ ذو المنزلة "والدرجة السنية" واحدة الدرجات وهي الوسيلة، التي هي أعلى درجة في الجنة؛ "في حظائر القدس الأقدسية" الجنة "والمشاهد الأنفسية" ولما ذكر أن المصطفى وصل إلى أعلى مراتب الكمال في الدارين، وكمال غيره، إما بهدايته والاقتباس من نور شريعته، ناسب أن يعظمه ويدعو له، أداء لبعض حقه وتوسلا إلى الله تعالى في قبول حمده وإتمام قصده.

فقال: "واصل الله عليه فضائل الصلوات" قال السهيلي: أصل الصلاة انحناء وانعطاف من الصلوين وهما عرقان في الظهر، ثم قالوا: صلى عليه، أي: انحنى له رحمة له، ثم سموا الرحمة حنوا وصلاة إذا أرادوا المبالغة فيها، فقوله صلى الله عليه وسلم أرق وأبلغ من رحمة في الحنو والعطف، فالصلاة أصلها من المحسوسات، ثم عبر بها عن هذا المعنى للمبالغة، ومنه قيل: صليت على الميت، أي: دعوت له دعاء من يحنو عليه ويعطف. ولهذا لا تكون الصلاة بمعنى الدعاء على الإطلاق، انتهى. والصلاة من الله رحمة، ومن العبد دعاء، ومن الملائكة استغفار. كما جاء عن الحبر ترجمان القرءان واعتراضه بقوله:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] ، رد بأنه أخص من مطلق الرحمة، وعطف العام على الخاص مفيد، وخص المعصوم بلفظها تعظيمًا له وتمييزًا.

ص: 25

وشرائف التسليم، ونوامي البركات، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، صلاة وسلامًا لا ينقطع عنهما أمد الأمد، ولا يحصيهما العدد أبد الأبد.

وبعد:

"وشرائف التسليم" مصدر، وجمع بين الصلاة والسلام للآية. ولما رواه أحمد والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج صلى الله عليه وسلم فأتبعته حتى دخل نخلًا، فسجد فأطال السجود، حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه، قال: فجئت أنظر، فرفع رأسه، فقال:"ما لك يا عبد الرحمن"؟ قال: فذكرت ذلك له، فقال:"إن جبريل قال لي: ألا أبشرك أن الله تعالى قال: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه"، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا.

"ونوامي البركات" زوائد: والإضافة بيانية، فالبركة الزيادة "وعلى آله الأطهار" أصل معناه الأتباع، ولم يضف في الأكثر المطرد إلا إلى العقلاء الأشراف، وزيد قيد الذكور والكل أغلبي؛ لقولهم: آل الله وآل البيت، قال:

وانصر على آل الصليـ

ـب وعابديه اليوم آلك

وفي أنهم بنو هاشم، أو والمطلب أو عترته وأهل بيته، أو بنو غالب أو أتقياء أمته، واختبر في مقام الدعاء، وأيد بأنه إذا أطلق في التعاريف، شمل الصحب والتابعين لهم بإحسان أقوال: ويجوز إضافته إلى الضمير على الأصح؛ وإن زعم المبرد أنه من لحن العامة، "وأصحابه" جمع قلة لصاحب وإن كانوا ألوفًا؛ لأن جمع القلة والكثرة إنما يعتبران في نكران الجموع، أما في المعارف فلا فرق بينهما. "الأبرار" روى البخاري في الأدب المفرد والطبراني في الكبير عن ابن عمر رفعه:"إنما سماهم الله تعالى الأبرار، لأنهم بروا الآباء والأمهات والأبناء"، كما أن لوالديك عليك حقًا كذلك لولدك، "صلاة وسلامًا" اسمان مصدران منصوبان على المفعولية المطلقة، مفيدان لتقوية عاملهما مؤكدان لمعناه؛ "لا ينقطع عنهما أمد الأمد" أي: زمانه، والأمد الغاية، "ولا يحصيهما" يطيقهما "العدد" لكثرتهما "أبد الأبد" أي: آخر الدهر؛ كما في الصحاح. قال الراغب: والمد والأبد متقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمان التي لا حد لها ولا تتقيد ولا يقال أبد كذا. والأمد لها حد مجهول إذا أطلق وقد ينحصر فيقال: أمد كذا، كما يقال زمن كذا، والفرق بين الزمان والأمد: أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمن عام في المبدأ والغاية، ولذا قيل: المدى والأمد متقاربان.

"وبعد" ظرف مبني على الضم كغيره من الظروف المقطوعة عن الإضافة، وأجاز هشام فتحه من غير تنوين، وقال ابن النحاس: إنه غير معروف. وروي عن سيبويه رفعها ونصبها ظرف

ص: 26

فهذه لطيفة من لطائف نفحات العواطف الرحمانية، ومنحة من منح مواهب العطايا الربانية، تنبئ عن نبذة من كمال شرف نبينا محمد -عليه أفضل الصلوات وأنمى التسليم وأسنى الصلات............................

زمان كثيرًا كجاء زيد بعد عمرو، ومكان قليلا كدار زيد بعد دار عمرو، وهي هنا كما قيل صالحة للزمان باعتبار اللفظ، وللمكان باعتبار الرقم.

"فهذه" الفاء على توهم الناظر وجود، أما في الكلام البليغ لأن الشيء إذا كثر الإتيان به ترك وتوهم وجوده؛ كقوله:

بدا لي أني لست مدرك ما مضى

ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا

وقد كثر مصاحبة أما لبعد فإذا تركت توهم وجودها، أو على تقديرها في نظم الكلام، والواو عوض عنها او دون تعويض. أو لإجراء الظرف مجرى الشرط. قيل -وهو الوجه الوجيه- فلا يشكل بأن الفاء إنما تدخل في جواب الشرط. وذكر الدماميني أن بعد معمول لمحذوف تقديره وأقول بعد هذا الكلام، ومقول القول محذوف، أي: تنبه لكذا، فالفاء سببية، وهي هنا فصيحة والإشارة إلى موجود ذهنًا إن كانت قبل التأليف.

هذا، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم، كان يقول أما بعد في خطبه وشبهها، كما روى ذلك أربعون صحابيًا كما أفاده الرهاوي في أربعينه المتباينة الأسانيد، وما أدري ما وجه اقتصار كثيرين على الظرف كالمصنف ولا يكفي الاعتذار بأن المدار عليه أو روما للاختصار؛ لأن المطلوب اتباع ما جاءت به السنة، لاسيما والإطناب مطلوب في الخطب، وكون المدار عليه يحتاج لوحي يسفر عنه؛ وفي أن أول من نطق بأما بعد، داود؛ وكانت له فصل الخطاب؛ أو كعب أو يعرب أو ق أو سحبان أو يعقوب أو أيوب أقوال: وفي غرائب مالك للدارقطني أن يعقوب أول من قالها.

قال الحافظ: فإن ثبت وقلنا: إن قحطان من ذرية إسماعيل فيعقوب أول من قالها مطلقًا، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم فيعرب أول من قالها، انتهى.

"لطيفة" من اللطافة ضد الكثافة، "من لطائف نفحات" عطايا "العواطف الرحمانية" المنسوبة إلى الرحمن تبارك وتعالى، "ومنحة" عطية "من منح مواهب" من إضافة الأعم إلى الأخص "العطايا" بمعنى الإعطاءات، فكأنه قيل منحة: هي بعض المنح التي هي مواهب حاصلة بإعطاء الله "الربانية" المنسوبة إلى الرب المربي لعباده بنعم لا تحصى، "تنبئ": تخبر "عن نبذة" بضم النون وقد تفتح، يقال: ذهب ماله وبقي منه نبذة، أي قليل، لأن القليل ينبذ، أي: يطرح ولا يبالي به لقلته، أي: عن خواص قليلة "من كمال شرف نبينا محمد عليه أفضل الصلوات وأنمى التسليم وأسنى" أرفع "الصلات" بكسر الصاد، جمع صلة بمعنى الإحسان من

ص: 27

وسبق نبوته في الأزمان الأزلية، وثبوت رسالته في الغايات الأحدية، والتبشير بأحمديته في الأزمان الخالية، والتذكير بمحمديته في الأمم الماضية، وإشراق بوارق لوامع أنوار آيات ولادته التي سار ضوء فجرها...................................

وصل، والهاء عوض من الواو المحذوفة، كما في النهاية، وهذه النبذة وإن كانت قليلة في نفسها، لكنها محيطة في نوعها فريدة في فنها جامعة في شأنها.

"و" تنبئ عن "سبق نبوته في الأزمان الأزلية" القديمة وآدم بين الروح والجسد "وثبوت رسالته في الغايات الأحدية" المنسوبة للأحد، قال الكاشي في لطائفه: الغايات يعني بها ما يتم به ظهور الكمال المختص بكل شيء بالنسبة إلى ما كان له من ذلك الكمال في حضرة العلم الأزلي، كما هو الحال من كون الغاية من السرير الجلوس عليه، والقلم الكتابة به.

قال: وهكذا لكل موجود إنسانًا أو غيره غايات، انتهى. "والتبشير بأحمديته" أي: صفاته المحمودة، ومنها أن اسمه أحمد "في الأزمان الخالية" وقد روى أبو نعيم والطبراني أن في التوراة عبدي أحمد المختار، وفي التنزيل عن عيسى {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} "والتذكير بمحمديته في الأمم الماضية" المتبادر بأن اسمه محمد عليه السلام.

"و" تنبئ عن "إشراق بوارق" جمع بارق، قال المجد: سحاب ذو برق، "لوامع أنوار آيات ولادته" من نار ينور إذا نفر ومنه نوار للظبية، وبه سميت المرأة فوضع له لانتشاره أو لإزالة الظلام كأنه ينفر منه، ويطلئق على الله والمصطفى والقرءان "التي سار ضوء فجرها" قيل: الضوء أبلغ من النور؛ لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: 5]، وعليه الزمخشري إذ قال: الإضاءة فرط الإنارة، ورد بأن ابن السكيت سوى بينهما، وأجيب بأن كلامه بحسب أصل الوضع، وما ذكر بحسب الاستعمال، كما في الأساس.

والتحقيق ما في الكشف: أن الضوء فرع النور وهو الشعاع المنتشر، ولذا أطلق النور على الذوات دون الضوء، وفي الروض الأنف في قول ورقة:

ويظهر في البلاد ضياء نور

يقيم به البرية أن يموجا

ما يوضح الفرق بينهما، وأن الضياء الشعاع المنتشر عن النور، فالنور أصله ومنه مبدؤه وعنه يصدر، قال تعالى:{فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] ، {جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً} لأن القمر لا ينتشر عنه ما ينتشر عنها، لا سيما في طرفي الشهر، ولذا سمى الله القمر نورًا دون ضياء فعلم أن بينهما فرقًا لغة واستعمالا، وأصل الفجر الشق الواسع، قال الراغب: ومنه قيل للصبح فجر لكونه فاجر الليل.

ص: 28

في سائر بريته، ودار بدر فخرها في أقطار ملته، وعواطف لطائف رضاعه وحضانته، وينابيع أسرار سر مسراه وبعثته وهجرته، وعوارف معارف عبوديته الساري عرف شذاها في آفاق قلوب أهل ولايته، ونفائس أنفاس أحواله الزكية، ودقائق حقائق سيرته العلمية، إلى حين نقلته لروضة قدسه الأحدية، وتشريفه بشرائف الآيات، وتكريمه بكرائم المعجزات، وترفيعه في آي التنزيل برفعه ذكره، وعلو خطره، وتعظيم محاسن................

"في سائر بريته" خليقته من برأ النسمة فيجوز همزه وتخفيفه وهو أفصح وأكثر، وهو يدل على أنه غير معتل من البري بمعنى التراب، كما ذهب إليه بعض اللغويين. "ودار بدر" اسم القمر ليلة الرابع عشر لمبادرته بالطلوع غروب الشمس، أو لتمام عدده من البدرة، كما مر "فخرها" بفاء وخاء معجمة، مصدر كالفخار، أي: المباهاة.

"في أقطار" نواحي "ملته" قال الراغب: هي اسم لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه، ليتوصلوا به إلى جواره، والفرق بينها وبين الدين: أن الملة لا تضاف إلى الذي تستند إليه، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد الأمة ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها. كذا قال، "و" تنبئ عن "عواطف لطائف رضاعه وحضانته" بفتح الحاء وكسرها؛ كما في المصباح، "وينابيع" عيون "أسرار سر مسراه وبعثته وهجرته" من مكة إلى طيبة، "وعوارف معارف عبوديته الساري عرف" أي: ريح "شذاها" جمع شذاة، وهو في الأصل كسر العود بكسر ففتح، أي: العود الذي يتبخر به وهو مكسر لكونه أقوى في الرائحة، ويطلق على الرائحة نفسها. والمراد هنا المعنى الأول لئلا يتحد المضاف والمضاف إليه.

"في آفاق" نواحي "قلوب أهل ولايته" الموالين له باتباع أوامره واجتناب نواهيه واقتباس هداه. "و" تنبئ عن "نفائس" جمع نفيس، أي: جلائل "أنفاس أحواله الزكية" التي لا يدانيه فيها مخلوق "ودقائق" جمع دقيقة من الدقة خلاف الغلظة أو صغر الجرم "حقائق سيرته العلية" هي هيئة السير جمعها سير، ثم خصت بحاله في غزواته ونحوها "إلى حين نقلته لروضة قدسه" الجنة "ألأحدية" المنسوبة للأحد سبحانه، لابتداعه لها وجعلها مختصة بالموحدين محرمة على غيرهم.

"و" تنبئ عن "تشريفه بشرائف الآيات" العلامات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، "و" عن "تكريمه بكرائم المعجزات" المور المعجزة للبشر الخارقة للعادة "وترفيعه في آي التنزيل" بمد الهمزة وتخفيف الباء، جمع آية أو اسم جنس جمعي لها "برفعة ذكره وعلو خطره" بفتح الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة: قدره ومنزلته، "وتعظيم" توفير وتكريم "محاسن" جمع حسن على

ص: 29

شمائله وخلائقه، وتخصيصه بعموم رسالته، ووجوب محبته واتباع طريقته وسيادته الجامعة لجوامع السؤدد في مشهد مشاهد المرسلين، وتفضيله بالشفاعة العظمى، العامة لعموم الأولين والآخرين، إلى غير ذلك من عجائب آياته ومنحه، وغرائب أعلام نبوته وحججه.

أوردتها حججًا قاهرة على الملحدين، وذكرى نافعة للموحدين..................

خلاف القياس، أو جمع مفرد مقدر لم يسمع كمحسن بزنة مقعد أو لا واحد له، وهي الأمر الحسن مطلقًا، أو الحسن الخفي، "شمائله" جمع شمال بالكسر، أي: أخلاقه وصفاته المحمودة "وخلائقه" جمع خلق؛ كقول حسان:

إن الخلائق فاعلم شرها البدع

ولم يذكره صاحب القاموس في جموع خليقة.

"وتخصيصه بعموم رسالته" مع الجواب عن نوح وآدم عليهما السلام، "و" تنبئ عن "وجوب محبته و" وجوب "اتباع طريقته" في غير ما اختص به "و" تنبئ عن "سيادته الجامعة لجوامع السؤدد" بالضم أنواع السيادة "في مشهد مشاهد المرسلين" في الدنيا كاقتدائهم به ليلة الإسراء، والأخرى فآدم فمن سواه تحت لوائه، "وتفضيله بالشفاعة العظمى" في فصل القضاء بين الخلق "العامة لعموم الأولين والآخرين" التي يتنصل منها رؤساء الأنبياء، حتى يقوم لها "إلى غير ذلك من عجائب آياته" جمع آية، وهي العلامة، "ومنحه" بكسر ففتح جمع، أي: عطاياه، "وغرائب أعلام" جمع علم بفتحتين، العلامة المنصوبة في الطريقة ليعرف بها، ولذا سميت نصبًا، ويكون بمعنى الجبل أيضًا لأنه يهتدي به؛ كما قالت الخنساء:

إن صخرا لتأتم الهداة به

كأنه علم في رأسه نار

وفي قولها: صخر، وهو اسم أخيها لطيفة اتفاقية لمناسبة الجبل. "نبوته" عرفها إمام الحرمين بأنها صفة كلامية، هي قول الله تعالى: هو رسولي وتصديقه بالأمر الخارق، ولا تكون عن قوة في النفس كما قاله الحكماء، ولا عن رياضة يحصل بها الصفاء فيحصل التجلي في النفس، كما قاله بعض الصوفية، ولا عن قربان الهياكل السبعة كما زعمه المنجمون، ولا هي بالإرث، كما قال بعض أهل البيت وأتباعهم، ولا هي علم الإنسان بربه لأنه عام، ولا علم النبي بكونه نبيًا لتأخره بالذات، انتهى.

"وحججه" براهينه "أوردتها حججًا قاهرة" صفة لحجج، أي: مانعة لهم من المعارضة، "على الملحدين" متعلق بحجج فلا حاجة لدعوى التضمين في قاهرة "وذكرى نافعة" أي: أسبابًا مذكرة "للموحدين" خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بها كما في قوله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى

ص: 30

وتنبيهًا لعزائم المهتدين، ولم أكن -والله- أهلًا لذلك، ولم أر نفسي فيما هنالك، لصعوبة هذا المسلك، ومشقة السير في طريق لم يكن لمثلي يسلك، وإنما هو نكتة سر قراءتي كتاب "الشفا" بحضرة التخصيص والاصطفا.............

ت َنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55] ، "وتنبيها" إيقاظًا "لعزائم" جمع عزيمة وعزمة اجتهاد "المهتدين" جمع مهتدي.

"ولم أكن والله أهلًا" أي: مستحقًا، "لذلك" التأليف من قولهم هو أهل للإكرام، أي مستحق له "ولم أر نفسي فيما هنالك لصعوبة" مصدر صعب، "هذا المسلك ومشقة السير في طريق" يذكر في لغة نجد وبه جاء القرءان في قوله تعالى:{فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} [طه: 77] ، ويؤنث في لغة الحجاز، "لم يكن لمثلي يسلك" يقال سلكه وأسكله، قال:

وهم سلكوك في أمر عصيب

وهذا من تواضع المصنف، وإلا فهو من العلماء العاملين أصحاب التصانيف المفيدة والباع العالي واليد المديدة، إلا أن عادتهم جرت بمثل هذا في التأليف خصوصًا، في باب السنة "وإنما هو نكتة" كنقطة جمعها نكت، كنقط، ويجمع أيضًا على نكات كبقعة وبقاع، وعليه اقتصر القاموس.

وسمع أيضًا نكات بالضم، وهي في الأصل فعلة من النكت وهو النبش الخفيف في التراب بعود ونحوه، وتفعل إذا فكر في أمر خفي فنقلت للمعنى الدقيق النادر والكلام القليل الحسن لتأثيره في النفس أو احتياجه لفكر وتأمل، "سر" أي: خالص، "قراءتي كتاب الشفا" بتعريف حقوق المصطفى للإمام الشهير الجهبذ العلامة الفقيه المفسر الحافظ البليغ الأديب: عياض بن موسى بن عياض اليحصبي البستي المالكي، وشهرته تغني عن ترجمته رحمه الله.

وكتابه هذا ذكر ابن المقري اليمني في ديوانه أنه شوهد بركته حتى لا يقع ضرر لمكان هو فيه، ولا تغرق سفينة كان فيا، وإذا قرأه مريض شفي.

وقال غيره: إنه جرب قراءته لشفاء الأمراض، وفك عقد الشدائد، وفيه أمان من الغرق والحرق والطاعون ببركة المصطفى، وإذا صح الاعتقاد حصل المراد "بحضرة" ذي "التخصيص" قال الراغب: هو تفرد بعض الشيء بما لا تشاركه فيه الجملة.

"والاصطفا" صلى الله عليه وسلم افتعال من الصفوة بالفتح والكسر، وهي: الاختيار، قال في النهاية حضرة الرجل قربه، وتكون بمعنى المجلس والفناء.

وفي النسيم استعمله الكتاب في الإنشاء للتعظيم كالمقام العالي وحضرة الخليفة تأدبًا

ص: 31

في مكتب التأديب والتعليم في مشهد مشاهد المؤانسة والتكريم، مستجليًا في مجالي تجليات الأنوار الأحمدية، محاسن صفات خلقته، وعظم أخلاقه الزكية، سائرًا بسر سيرته في منهاج ملته إلى سماء هديه الأسنى، رائعًا في رياض روضة سننه النزهة الحسنى، مستمدًا من فتح الباري..............

بإضافة ماله لمحله "في مكتب التأديب والتعليم" قال شيخنا: أي بين روضة النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان المصنف يقرأه للناس هناك "في مشهد مشاهد المؤانسة والتكريم" ولقد صدق المصنف رحمه الله فإنه في هذا الكتاب اقتبس من أنوار الشفا، وتعلق بأذياله في غالب التقسيم والأبواب، حتى إنه اقتفى في صدر الخطبة، فقال المنفرد مع ما فيه من النزاع، منشدًا بلسان حال الاتباع.

وهل أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد

"مستجليًا" أي: مستكشفًا، "في مجالي تجليات الأنوار الأحمدية محاسن صفات خلقته وعظم أخلاقه الزكية" فإنها قاطعة بأنه حائز لجميع صفات الحسن متصفًا بها على أكمل وجه، يليق به خَلقًا وخُلقًا وما بعد قوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ، مطلب "سائرًا بسر سيرته" طريقته وهيئته وحالته "في منهاج ملته" النهج والمنهج والمنهاج الطريق الواضح، "إلى ساء هديه الأسنى" الأرفع "رائعًا" منبسطًا أو لاهيًا أو متسعًا من الرتعة، قال الهروي: بسكون التاء وفتحها اتساع في الخصب، وكل مخصب مرتع، يقال: رتعت الإبل وأرتعها صاحبها، وقوله تعالى:"نَْتَعْ وَنَلْعَبْ"، قال أبو عبيد: نلهو، وابن الأنباري: أي هو مخصب لا يعدم ما يريده وغيره نسعى وننبسط، وقيل: نأكل، انتهى ملخصًا.

"في رياض روضة" هو الموضع المعجب بالزهور، وجمعها ما أضيف إليها، وروضات بسكون الواو للتخفيف؛ كما في قوله تعالى:{فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ} [الشورى: 22] ، وهذيل بفتح الواو على القياس، قيل: سميت بذلك لاستراضة المياه السائلة إليها، أي: لسكونها بها، وفي الغريبين الروضة، أي: في الأصل الموضع الذي يستنقع فيه الماء، ويقال للماء نفسه روضة، قال:

وروضة سقيت منها نضرتي

أراد ما اجتمع في غدير، انتهى.

"سننه" جمع سنة، وهي الطريقة والسيرة حميدة كانت أو ذميمة "النزهة" قال الزمخشري: أرض نزهة ذات نزهة، وخرجوا يتنزهون: يطلبون الأماكن النزهة والنزه مثل غرفة وغرف، ذكره في المصباح. "الحسنى" تأنيث الأحسن، "مستمدًا من فتح" مصدر فتح،

ص: 32

فيض فضله الساري، فمنحني صاحب هذه المنح من مصون حقائقه، وأبرز لي مما أكنه من مكنون رقائقه، فانفتحت بالفتح المحمدي عين بصيرة الاستبصار، وتنزه الناظر في رياض ارتياض رقائق الأسرار، فاستجليت من أبكار مخدرات السنة النبوية من كل صورة معناها، واقتبست من تلألؤ مصباح مشكاة المعارف من كل بارقة أضواها،

..............

"الباري" أي: من عطاء الله تعالى وفيه تورية بذكر اسم الكتاب الذي هو شرح الحافظ ابن حجر على البخاري، فالأخذ منه من جملة عطاء الله ولا يشك من أحاط بهذا الكتاب. وبشرح البخاري للحافظ أن نحو نصف هذا الكتاب منه بعزو ودونه "فيض" مصدر فاض الماء، كثر حتى سال كالوادي. "فضله الساري فمنحني صاحب هذه المنح من مصون"، وزنه مفعول نقص العين كما في المصباح، أي: محفوظ.

"حقائقه" جمع حقيقة وقد مر معناها لغة، وإنها عند أرباب السلوك العلوم المدركة بتصفية الباطن "وأبرز" أظهر ظهورًا تامًا، وأصله جعله على براز بالفتح، أي: مكان مرتفع، "لي مما أكنه" أخفاه "من مكنون رقائقه" جمع رقيقة، وهي اللطيفة الروحانية، وتطلق على أواسطة اللطيفة الرابطة بين الشيئين، كالمدد الواصل من الحق إلى العبد، وتطلق الرقائق على علوم الطريقة والسلوك، وما يلطف به سر العبد وتزول كثافة النفس، "فانفتحت بالفتح المحمدي عين بصيرة الاستبصار"، قال ابن الكمال: البصيرة قوة للقلب المنور بنور القدس، ترى حقائق الأشياء وبواطنها بمثابة البصر للعين ترى به صورة الأشياء وظاهرها. وقال الراغب: البصر الجارحة كلمح البصر والقوة التي فيها، ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة، انتهى.

"وتنزه الناظر في رياض" أصل التنزه التباعد عن المياه الأرياف، ومنه فلان يتنزه عن الأقذار، أي: يباعد نفسه عنها، ولذا قال ابن السكيت: قول الناس إذا خرجوا إلى البساتين خرجنا نتنزه غلط قال ابن قتيبة: وليس بغلط، لأن البساتين في كل بلدة إنما تكون خارج البلد، فإذا أراد أحد أن يأتيها فقد أراد البعد عن المنازل والبيوت، ثم كثر هذا حتى استعملت النزهة في الخضر والجنان، انتهى. "ارتياض رقائق الأسرار" جمع سر وهو الحديث المكتتم في النفس، وكنى به عن النكاح السر من حيث إنه يكتم، واستعير للخالص، فقيل: هو في سر قومه.

"فاستجليت من أبكار" جمع بكر خلاف الثيب رجلا كان أو امرأة، كما في المصباح "مخدرات" مستورات، "السنة النبوية من كل صورة" تمثال، "معناها واقتبست" أصبت "من تلألؤ مصباح" القنديل أو الفتيلة مأخوذة من الصباح أو الصباحة "مشكاة المعارف من كل بارقة أضواها" أكثرها ضوءا والبارقة، لغة كل ما لمع، والسيف للمعانه وفي اصطلاح الصوفية لائحة

ص: 33

واستنشقت من كل عبقة صوفية شذاها، واجتنيت من أفنان لطائف تأويل أي الكتاب العزيز من كل ثمرة مشتهاها، ولازلت في جنات لطائف هذه المنح أغدو وأروح، في غبوق وصبوح، حتى انهلت غمائم المعاني على أرباض.............

ترد من جانب القدس وتنطفئ سريعًا، وهو من أوائل الكشف ومبادئه، ذكره في التوقيف.

"واستنشقت" شممت "من كل عبقة" أي: نكتة تشبه الطيب "صوفية" كلمة مولدة، كما في المصباح. "شذاها" رائحتها. وفي المصباح: قالوا ولا يكون العبق إلا الرائحة الطيبة الذكية، انتهى. منسوبة إلى التصوف، وهو تجريد القلب لله، واحتقار ما عداه بالنسبة لعظمته، وإلا فاحتقار نبي كفر، وقيل فيه غير ذلك، مما عبر فيه كل على مقداره، وقد ألف الأستاذ أبو منصور البغدادي كتابًا في معنى التصوف والصوفي، جمع فيه من أقوال الطريق زهاء ألف قول، مرتبة على حروف المعجم.

"واجتنيت" بمعنى جنيت الثمرة، كما في المصباح، "من أفنان" أغصان جمع فتن محركة، وجمع الجمع أفانين، كما في القاموس.

"لطائف تأويل"، قال ابن الكمال: هو صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى يحتمله، إذا كان المحتمل الذي يراه موافقًا للكتاب والسنة؛ كقوله:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} [الأنعام: 95، يونس: 31، الروم: 19] ، إن أريد به إخراج الطير من البيضة كان تفسيرًا، أو إخراج المؤمن من الكافر، أو العالم من الجاهل كان تأويلا، انتهى.

"آي الكتاب العزيز" القوي الغالب على كل كتاب بمعانيه وإعجازه، ونسخه أحكامها، أو العظيم الشريف، أو الذي لا نظير له في الكتب، أو الممتنع من مضاهاته لإعجازه أو التغيير والتحريف لحفظ الله له، "من كل ثمرة" مؤنثة مفردة ثمرات مثل قصبة وقصبات "مشتهاها" مشتاقها.

"ولا زلت" معناه ملازمة الشيء، "في جنات" جمع جنة على لفظها، وتجمع أيضًا على جنان، أي: حدائق.

"لطائف هذه المنح" العطايا "أغدو" أذهب وقت الغداوة، وفي الأصل: ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان، ومنه الحديث:"اغد يا أنيس"، أي: انطلق "وأروح"، قال ابن فاس: الرواح رواح العشي وهو من الزوال إلى الليل. "في غبوق" بمعجمة، قال في القاموس: كصبور ما يشرب بالعشي، "وصبوح" بالفتح شرب الغداة "حتى انهلت غمائم" جمع غمامة، أي: سحائب "المعاني على أرباض" جمع ربض بفتحتين، وهو ما حول المدينة.

ص: 34

رياض المباني، فأينعت أزهارها، وتكللت بنفائس جواهر العلوم أوراقها، وطابت لمجتني رقائق الحقائق ثمارها، وتدفقت حياض بدائع ألفاظها، بزلال كلماتها، وخطب خطيب قلوب أبناء الهوى، على منبر الغرام الأقدس، يدعو لكمال محاسن الحبيب الأرأس، فترنحت بسلاف راح الارتياح نفائس الأرواح، وتمايلت بمطربات ألحان الحنين إلى جمال المحبوب كرائم الأشباح، وزمزم مزمزم الصفا، بحضرة خلاصة أولي الوفا، منشدًا مرددًا:

وفي نسخة: على أرض "رياض المباني" ونسخة أرض أنسب بقوله: "فأينعت" بالألف أكثر استعمالا من ينعت، أي: أدركت "أزهارها" جمع زهر، قالوا: ولا يسمى زهرا حتى يتفتح. وقال ابن قتيبة: حتى يصفر. "وتكللت بنفائس جواهر" جمع جوهر على زنة فوعل "العلوم أوراقها" جمع ورق بفتحتين "وطابت" لذة وحلت "لمجتني رقائق الحقائق ثمارها" جمع ثمر بفتحتين مذكر وجمع الجمع أثمار "وتدفقت" انصبت بشدة "حياض" جمع حوض الماء، ويجمع أيضًا على أحواض، وأصل حياض الواو ولكن قلبت ياء للكسرة قبلها، كما في المصباح.

"بدائع ألفاظها بزلال كلماتها" في القاموس ماء زلال كغراب إلى أن قال سريع المر في الحلق بارد عذب صاف سهل، "وخطب" بابه قتل وعظ "خطيب" مفرد خطباء "قلوب أبناء الهوى" بالقصر مصدر هويته إذا أحببته وعلقت به "على منبر" بكسر الميم على التشبيه باسم الآلة من النبر، قال ابن فارس: النبر في الكلام الهمز وكل شيء رفع فقد نبر ومنه المنبر لارتفاعه، "الغرام" وهو ما يصيب الإنسان من شدة ومصيبة "الأقدس" الأطهر "يدعو" ينادي ويطلب الإقبال، "لكمال محاسن الحبيب" في المصباح يستعمل الكمال في الذوات وفي الصفات، يقال: كمل إذا تمت أجزاؤه، وكملت محاسنه، "الأرأس" بالهمز، أي: الشريف القدر "فترنحت" تمايلت "بسلاف" بالضم بخمر "راح" هو أيضًا الخمر، فالإضافة بيانية "الارتياح" الراحة "نفائس الأرواح" جمع روح يذكر ويؤنث، قاله ابن سيده والجوهري، وقال ابن الأعرابي وابن الأنباري: الروح والنفس واحد، غير أن العرب تذكر الروح وتؤنث النفس، "وتمايلت بمطربات" من الطرب، وهو الخفة لشدة حزن أو سرور، "ألحان" جمع لحن، قال في القاموس: من الأصوات المصوغة الموضوعة، ويجمع أيضًا على لحون، "الحنين" المشتاق، "إلى جمال المحبوب كرائم" جمع كريمة، أي: نفائس، "الأشباح" الأشخاص.

"وزمزم" في القاموس الزمزمة، الصوت البعيد له دوي، "مزمزم الصفا" الخلوص من الكدر "بحضرة خلاصة" بالضم "أولي الوفا منشدًا" إنشاد الشعر قراءته، "مرددًا:

ص: 35

حضر الحبيب وغاب عنه رقيبه

حبسي نعيم زال عنه حسيبه

داوى فؤادي الوصل من أدوائه

طوبى لقلبي والخبيب طبيبه

صدق المحب حبيبه في حبه

فحباه صدق الحب منه حبيبه

لباه لب فؤاده فأجابه

لما دعاه إلى الغرام وجيبه

ولجامع الأهواء حيعل حبه

........................

"حضر الحبيب وغاب عنه رقيبه"

هو الحافظ، إما لمراعاة رقبة المحفوظ، وإما لرفعة رقبته وغيبته من أجل المنح ونهاية الصفاء، فإن ملازمته أمر يضني ومرض يفني، مع أنه هو المبتلي؛ لأنه سهر وتعب وضاع زمانه وذاب فؤاده، بلا فائدة والعاشق يجد في الغرام لذة عليه عائدة، ولذا قال:

أحب العذول لترديده

حديث الحبيب على مسمعي

وأهوى الرقيب لأن الرقيب

أراه إذا كان حبي معي

"حسبي" كافي "نعيم زال" ذهب "عنه حسيبه" عاده، "داوى فؤادي الوصل" ضد الهجر، "من أدوائه" متعلق بفؤادي جمع داء مثل باب وأبواب "طوبى" فعلى من الطبيب أي فرح وقرة عين "لقلبي والحبيب طبيبه" مداويه "صدق المحب حبيبه في حبه" بضم الحاء، قال الحرالي: هو إحساس بوصلة، لا يدرى كنهها "فحباه" أعطاه، "صدق الحب منه حبيبه" فاعل حبي "لباه لب" خالص "فؤاده" في المصباح لب كل شيء خالصه ولبابه مثله، "فأجابه لما دعاه إلى الغرام وجيبه" بالجيم، أي: سببه القوي وهو ميل قلبه ومحبته، "ولجامع الأهواء" جمع هوى مقصور وجمع الممدود أهوية، وقد تطرف من قال:

جمع الهواء مع الهوى في أضلعي

فتكاملت في مهجتي ناران

فقصرت بالممدود عن وصل الظبا

ومددت بالمقصور في أكفاني

"حيعل حبه" الحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة، إلا أن تؤلف من كلمتين كالحيعلة، قاله الدميري، ونقل المازري عن المطرز في كتاب المواقيت وغيره: أن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة: بسمل إذا قال باسم الله، وسبحل إذا قال سبحان الله، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل إذا قال حي على الفلاح، وحمدل إذا قال الحمد لله، وهيلل إذا قال لا إله إلا الله، وجعفل إذا قال جعلت فداك، زاد الثعلبي طبقل إذا قال أطال الله بقاك، ودمعز إذا قال أدام الله عزك. انتهى.

وفي قصيدة الشاطبي حسبل، وقبله شراحه وظاهرهم أنها مسموعة، وقول المازري حيصل

ص: 36

...........................

ولحسنه خطب القلوب خطيبه

فلما سمعت هذه المواهب آذان قلوب أولي الألباب، تلفتت عيون أعيانهم لتلخيص خلاصة جوهر هذا الخطاب، في سفر يسفر عن وجه المنح النبوية منيع النقاب،

إذا قال حي على الصلاة قياسًا على حيعل، رده عياض بأن حيعل يطلق عليهما معًا لأنها من حي على كذا ولو صح قياسه لقيل في حي على الفلاح الحيفلة، فكيف وهذا باب مسموع لا يقاس عليه، انتهى.

"ولحسنه خطب القلوب خطيبه "

"فلما سمعت هذه المواهب آذان" جمع أذن بضمتين ويسكن تخفيفًا مؤنثة، "قلوب" ذكر ابن العماد في كشف الأسرار أن للقلب أذنين يسمع بهما، كما في الرأس أذنان "أولي الألباب" جمع لب، قال الراغب: وهو العقل الخالص من الشوائب سمي به لكونه خالص ما في الإنسان من قواه كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زكا من العقل، فكل لب عقل ولا عكس، ولهذا علق الله الأحكام التي لا يدركها إلا العقول الزكية بأولي الألباب نحو:{وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} [البقرة: 269]، إلى {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269، آل عمران: 7] ، وقال الحر: إلى اللب باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ الحقائق من الملحوظات، وقال ابن الكمال: هو العقل المنور بنور القدس الصافي عن قشور الأوهام والتخيلات، واللب عند الصوفية، قال بعضهم: ما صين من العلوم عن القلوب المعلقة بالكون، "تلفتت" عطفت وصرفت، قال الزمخشري: لفت رداءه على عنقه عطفه، "عيون أعيانهم" جمع عين، أي: أعين القلوب، فللقلب عين كما أن للبدن عينًا، قاله الراغب.

"لتلخيص" هو استيفاء المقاصد بكلام وجيز. "خلاصة جوهر هذا الخطاب" وهو القول الذي يفهم المخاطب بالكسر المخاطب به شيئًا، وأما أحسن جعله تلفت العيون بعد السماع، فهو على حد قوله:

يا قوم أذني لبعض البحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانًا

قالوا بمن لا ترى تهوى فقلت لهم

الأذن كالعين تؤتي القلب ما كانا

"في سفر" بالكسر، كتاب كبير جمعه أسفار، وسفر الكتاب كتبه، والسفرة الكتبة، ذكره الزمخشري. وقال الراغب: السفر الكتاب الذي يسفر عن الحقائق، انتهى. "يسفر" من أسفر كشف مطلقًا، وقول القاموس: سفرت المرأة تمثيل لا تقييد، كما في النسيم، أي: يكشف "عن وجه المنح النبوية" الوجه الذي به المواجهة، ويكون بمعنى الجهة المقصودة، ويستعار لخيار الشيء وأوله ورأسه ومفعول يسفر، هو "منيع النقاب"؛ ككتاب جمعه نقب ككتب من إضافة

ص: 37

فأطلقت عنان القلم إلى تحصيل مآربهم، وتسطير مطالبهم، جانحًا صوب الصواب، مودعًا ما كان مستودعًا لي في غيابات الغيب في هذا الكتاب..................

الصفة للموصوف، أي: النقاب المنيع.

"فأطلقت" من أطلقت الأسير إذا خليت عنه فذهب في سبيله، أي: أرسلت "عنان" ككتاب لجام الدابة من عن يعن اعترض، سمي به لأنه يعن، أي: يعترض الفم فلا يدخله إلا بمحاولة الإدخال. ويقال: جاء ثانيًا عنانه، إذا قضى وطره، وهو ذليل العنان منقاد؛ وفلان طويل العنان، إذا لم يرد عما يرومه لشرفه، "القلم" الذي يكتب فعل بمعنى مفعول؛ كحفر ونقض وخبط، ولذا قالوا: لا يسمى قلما إلا بعد البري وقبله قصبة. قال الأزهري: وسمي السهم قلما لأنه يقلم، أي يبرى، وكل ما قطعت منه شيئًا بعد شيء فقد قلمته، انتهى.

وفي كثير النسخ بدل فأطلقت فثنيت، وفي المصباح ثنيته عن مراده إذا صرفته، فالمعنى هنا صرفت عنان القلم عما كان مشغولا به، "إلى تحصيل" قال ابن فارس: أصل التحصيل استخراج الذهب من المعدن، انتهى. وقال أبو البقاء: التحصيل الإدراك من حصلت الشيء أدركته، وقال غيره: هو إخراج اللب من القشر ومنه: {حُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} ، أي: أظهر ما فيها.

"مآربهم" حاجتهم جمع مأربة بفتح الراء وضمها وهي الأرب بفتحتين، والأرب بالكسر: الحاجة، "وتسطير" كتابة "مطالبهم" جمع مطلب في المصباح، يكون المطلب مصدرًا وموضع الطلب "جانحًا" مائلا "صوب" هو المطر تسمية بالمصدر، وصابه المطر صوبًا من باب قال، كما في المصباح.

وفي غيره صوب الشيء جهته "الصواب" قال الدماميني: كان المراد به الاستقامة من صاب السهم إذا قصد ولم يحد عن الغرض، والصواب المطر أو نزوله ويمكن أن يرادا هنا على الاستعارة، فأما أن الصواب مشبه بالسحاب فهو استعارة بالكناية وإثبات الصواب له استعارة تخييلية، وأما أنه مشبه بالمطر وأثبت له الصوب المراد به نزول المطر، ووجه التشبيه حصول النفع المبهج للنفوس. وفي صوب الصواب ما يشبه جناس الاشتقاق، انتهى.

"مودعًا" بالكسر "ما كان مستودعًا" بالفتح "لي في غيابات" القاموس غيابة: كل شيء ما سترك منه، ومنه غيابات الجب، انتهى. أي: في مستورات "الغيب" وهو ما غاب عنك جمعه غيوب وغياب، كما في القاموس. "في هذا الكتاب" الحاضر في الذهن إن كانت الخطبة قبل تأليفه، والكتاب لغة يدور على الضم، والجمع من جميع وجوهه، وسمى الخط كتابة لجمع الحروف وضم بعضها إلى بعض، ويطلق على اسم الفاعل واسم المفعول.

قال الأردبيلي: يطلق الكتاب على مطلق الخط وعلى الكلام المكتوب تسمية لاسم

ص: 38

مستعينًا في ذلك بالقوي الوهاب، حتى أتاح الله لي ذلك، وتمم ما هنالك، فأوضحت ما خفي من الدليل، ومهدت ما توعر من السبيل.

وسميته: "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" ورتبته على عشرة مقاصد تسهيلا للسالك والقاصد:

المفعول بالمصدر، وعلى مطلق الكلام اتساعًا، كما في قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [النساء: 105] ، ثم شاع استعماله في التعارف، فيما جمع فيه الألفاظ الدالة على نوع من المعنى أو أكثر لما بين المصدر والمكان من التعلق الخاص، فيقال: أتأتي كتاب عن فلان وسيرت إلى فلان كتابًا ومنه اذهب بكتابي هذا، وأما في عرف المؤلفين فيطلق تارة على مكتوب مشتمل على حكم أمر مستقل منفرد عن غيره، وعن آثاره ولواحقه وتوابعه وأسبابه وشروطه، وتارة على مكتوب مشتمل على مسائل علم أو أكثر، وقد يسمى ذلك المكتوب باسم خاص وهو المراد هنا، "مستعينًا في ذلك بالقوي" الذي لا يلحقه ضعف في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا يمسه نصب ولا لغب ولا يدركه قصور ولا تعب، "الوهاب" كثير النعم ذي العطايا سبحانه، من الهبة، وهي العطية بلا سبب سابق ولا استحقاق ولا مقابلة ولا جزاء.

"حتى أتاح" بفتح الهمزة الفوقية فألف فحاء مهملة، أي: يسر "الله لي ذلك وتمم ما هنالك فأوضحت" كشفت وجليت "ما خفي" استتر، "من الدليل" اسم فاعل وهو في الأصل المرشد والمكاشف "ومهدت" سلت "ما توعر" صعب "من السبيل" الطريق يذكر ويؤنث.

"وسميته المواهب اللدنية" المنسوبة للدن، أي: المواهب التي هي من الله لا ينسب منها لغيره شيء لأن ما جرت العادة بحصول مثله من كسب العبد ينسب له، وما كان بالغًا في النفاسة ينسب إلى الله إشارة إلى أنه لا يمكن حصوله من غيره عادة لعزته، على نحو قول العرب لله دره. قال تعالى:{وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65]، أي: من عندنا، وهذا هو متعلق الصوفية وأهل السلوك في إثبات العلم اللدني نسبة إلى لدن، وهو إلهام المعرفة بالحقائق الغيبية وغيرها، وقال غيره: العلم اللدني يراد به العلم الحاصل بلا كسب ولا عمل للعبد فيه، سمي لدنيًا لحصوله من لدن ربنا لا من كسبنا. وقد صنف الغزالي كتابًا في بيان هذا وبين فيه كيفية حصوله، وأنه لا يمكن أن يحصل بكسب، وذكر فيه قول علي: لو طويت لي وسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، ولقلت في الباء من بسم الله وقر سبعين جملا. قال: ومعلوم أن عليًا -كرم الله وجهه- إنما أخذه من لدن ربه لا من تعليم بشر، انتهى.

ولا يشكل بقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما العلم بالتعلم"، رواه ابن أبي عاصم والطبراني والعسكري وغيرهم، وسنده حسن. كما قال الحافظ وجزم به البخاري تعليقًا لجواز أن المراد علم الأحكام والقرآن والأحاديث النبوية، إذ لا طريق إلى معرفتها إلا بالتعليم، فأل، عهدية ولا شك أن عليًا

ص: 39