المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تزوجه عليه السلام من خديجة: - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌باب مقدمة

- ‌ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني مؤلف المواهب اللدنية

- ‌التعريف بالمواهب اللدنية بالمنح المحمدية:

- ‌ترجمة الزرقاني شارح المواهب:

- ‌المقدمة:

- ‌شرح مقدمة المواهب

- ‌مدخل

- ‌المقصد الأول:

- ‌المقصد الثاني:

- ‌المقصد الثالث:

- ‌المقصد الرابع، المقصد الخامس

- ‌المقصد السادس:

- ‌المقصد السابع:

- ‌المقصد الثامن، المقصد التاسع

- ‌المقصد العاشر:

- ‌المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له عليه الصلاة والسلام

- ‌مدخل

- ‌عام الفيل وقصة أبرهة

- ‌ذكر تزوج عبد الله آمنة

- ‌وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال:

- ‌وقد اختلف في عام ولادته صلى الله عليه وسلم:

- ‌ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما معه

- ‌ذكر خاتم النبوة

- ‌ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه صلى الله عليه وسلم

- ‌تزوجه عليه السلام من خديجة:

- ‌بنيان قريش الكعبة:

- ‌باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌مراتب الوحي:

- ‌ذكر أول من آمن بالله ورسوله

- ‌إسلام حمزة

- ‌الهجرة الأولى إلى الحبشة

- ‌باب الفهرس:

الفصل: ‌تزوجه عليه السلام من خديجة:

‌تزوجه عليه السلام من خديجة:

ثم خرج صلى الله عليه وسلم أيضًا ومعه ميسرة غلام خديجة بنت خويلد بن أسد، في تجارة لها...............................

بورودها من طريق آخر، قال: ذلك لضعف إسنادها، "فهي سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب، انتهى" وفيه توهين قول بعضهم: هذا السفر هو الذي كان مع أبي طالب، فإن أبا بكر حينئذ كان معه، انتهى. للاتفاق على أنه في ذلك السفر ما بلغ هذا السن وقاربه، فإن غاية ما قيل: إنه كان في الثالثة عشرة.

تزوجه عليه السلام من خديجة:

"ثم خرج صلى الله عليه وسلم أيضًا" إلى الشام مرة ثانية وسبب ذلك؛ كما رواه الواقدي وابن السكن: أن أبا طالب، قال: يابن أخي! أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة وليس لنا مادة ولا تجارة وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة تبعث رجالا من قومك يتجرون في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضلتك على غيرك لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت أكره أن تأتي الشام، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا نجد من ذلك بدًا، فقال صلى الله عليه وسلم:"لعلها ترسل إليّ في ذلك"، فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك، فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا، وأرسلت إليه، وقالت: دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك، فذكر ذلك صلى الله عليه وسلم لعمه، فقال: إن هذا الرزق ساقه الله إليك.

فخرج "ومعه ميسرة غلام خديجة" قال في النور: لا ذكر له في الصحابة فيما أعلمه وظاهر أنه توفي قبل البعث، ولو أدركه لأسلم، وفي الإصابة: لم أقف على رواية صحيحة صريحة في أنه بقي إلى البعثة، فكتبته على الاحتمال، وفيه: أن الصحبة لا تثبت بالاحتمال، بل كما قاله هو في شرح نخبته بالتواتر والاستفاضة أو الشهرة أو بإخبار بعض الصحابة أو بعض ثقات التابعين، أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا دخل تحت الإمكان.

"بنت خولد بن أسد في تجارة لها" وعند الواقدي وغيره: وكانت خديجة تاجرة ذات شرف ومال كثير، وتجارة تبعث بها إلى الشام، فتكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم المال مضاربة، وكانت قريش قومًا تجارًا، ومن لم يكن منهم تاجرًا فليس

ص: 370

حتى بلغ سوق بصرى، وقيل سوق حباشة بتهامة، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، وفي رواية بعد عيسى................

عندهم بشيء، فسار صلى الله عليه وسلم "حتى بلغ سوق بصرى" رواه الواقدي وابن السكن وغيرهما، "وقيل: سوق حباشة" بحاء مهملة مضمومة فموحدة فألف فشين معجمة فتاء تأنيث، قال في الروض: سوق من أسواق العرب، انتهى.

وهذا القول رواه الدولابي عن الزهري، ولفظه: استأجرته خديجة إلى سوق حباشة، وهو سوق "بتهامة" بكسر التاء اسم لكل ما نزل عن نجد إلى بلاد الحجاز ومكة من تهامة، قال ابن فارس في مجمله، سميت تهامة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود الريح. وفي المطالع: سميت بذلك لتغير هوائها، يقال: تهم الدهن إذا تغير، وذكر الحازمي في مؤتلفه أنه يقال في أرض تهامة تهائم، انتهى.

وقيد بذلك؛ لأن حباشة مشترك، ففي القاموس: حباشة كثمامة سوق تهامة القديمة، وسوق آخر كان لبني قينقاع. "وله" صلى الله عليه وسلم "خمس وعشرون سنة" فيما رواه الواقدي وابن السكن وصدر به ابن عبد البر وقطع به عبد الغني، قال في الغرر: وهو الصحيح الذي عليه الجمهور، وقيل غير ذلك؛ كما يأتي. "لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة" في سوق بصرى قريبًا من صومعة نسطورا الراهب، فاطلع إلى ميسرة وكان يعرفه، "فقال نسطورا الراهب" بفتح النون وسكون السين وضم الطاء المهملتين، قال في النور: وألفه مقصورة كذا نحفظه، ولم أر أحدًا ضبطه ولا تعرض لعدة في الصحابة، وينبغي أن الكلام فيه كالكلام في بحيرا، وعند الواقدي وابن إسحاق، فقال: يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة؟ فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له لراهب:"ما نزل تحت هذه الشجرة" زاد ابن إسحاق: قط، "إلا نبي".

"وفي رواية: بعد عيسى" قال السهيلي: يريد ما نزل تحتها هذه الساعة، ولم يرد: ما نزل تحتها قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك، وإن كان في لفظه: قط، فقد تكلم بها على جهة التوكيد للنفي، والشجر لا يعمر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدري أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياء، ويبعد في العادة أيضًا أن تخلو شجرة من نزول أحد تحتها نبي إلا أن تصح رواية من قال في هذا الحديث: أحد بعد عيسى ابن مريم، وهي رواية عن غير ابن إسحاق، فالشجرة على هذه مخصوصة بهذه الآية، انتهى، وأقره مغلطاي والبرهان وتعقبه العز بن جماعة؛ بأنه مجرد استبعاد لا دلالة فيه على امتناع ولا استحالة؛ وبأنه استبعاد يعارضه ظاهر

ص: 371

وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس، ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في علية لها، رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره وملكان يظلان عليه. رواه أبو نعيم.

وتزوج صلى الله عليه وسلم خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يومًا.........

الخبر، وكون متعلقات الأنبياء مظنة خرق العادة، فلا يكون ذلك حينئذ من طول البقاء وصرف غير الأنبياء عن النزول تحتها بعيدًا، وذلك واضح، انتهى.

وأيد بما ذكره أبو سعد في الشرف: أن الراهب دنا إليه صلى الله عليه وسلم وقبل رأسه وقدميه، وقال: آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكر الله في التوراة، فلما رأى الخاتم قبله، وقال: أشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى، فإنه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض والشفاعة ولواء الحمد. وعند الواقدي وابن السكن: ثم قال له: في عينيه حمرة، قال: ميسرة نعم، لا تفارقه أبدًا.

قال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت إني أدركه حين يؤمر بالخروج، فوعى ذلك ميسرة ثم حضر صلى الله عليه وسلم سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى، وكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال الرجل: أحلف باللات والعزى، فقال:"ما حلفت بهما قط". فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة وخلا به: هذا نبي، والذي نفسي بيده إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتًا في كتبهم، فوعى ذلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعًا.

"وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس" فيه جواز رؤية الملائكة وبه وبرؤية الجن، صرح في الحديث الصحيح: وأما قوله: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، فمحمول عل الغالب ولو كانت رؤيتهم محالة، لما قال صلى الله عليه وسلم في الشيطان:"لقد هممت أن أربطه حتى تصبحوا تنظروا إليه كلكم".

"ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية" بكسر العين، والضم لغة؛ كما في المصباح. وسوى بينهما في النور، أي: غرفة، والجمع العلالي بالتشديد والتخفيف. "لها، رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعير وملكان يظلان عليه، رواه أبو نعيم" زاد غيره: فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليهما صلى الله عليه وسلم فأخبرها بما ربحوا فسرت، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بقول نسطورًا، وقول الآخر الذي خالفه في البيع، وقدم صلى الله عليه وسمل بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما كانت سمته له، "وتزوج صلى الله عليه وسلم خديجة بعد ذلك" أي: قدومه من الشام، "بشهرين وخمسة وعشرين يومًا"

ص: 372

وقيل: كان سنة إحدى وعشرين سنة، وقيل ثلاثين -وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة، وكانت تحت أبي هالة بن زرارة التميمي، فولدت له هندًا وهالة، وهما ذكران، ثم تزوجها عتيق بن عابد....................

قاله ابن عبد البر، وزاد: إن ذلك عقب صفر سنة ست وعشرين، "وقيل: كان سنه" صلى الله عليه وسلم "إحدى وعشرين سنة" قال الزهري، "وقيل: ثلاثين" سنة، حكاه ابن عبد البر عن أبي بكر بن عثمان وغيره، وقال ابن جريج: كان سبعًا وثلاثين سنة، وقال البرقي: تسعًا وعشرين قد راهق الثلاثين، وقيل غير ذلك. "وكانت تدعي في الجاهلية بالطاهرة" لشدة عفافها وصيانتها. وفي الروض: كانت تسمى الطاهرة في الجاهلية والإسلام.

وفي سير التميمي: كانت تسمى سيدة نساء قريش، "وكانت تحت أبي هالة بن زرارة التميمي" بميمين نسبة إلى تميم؛ كما صرح به اليعمري وغيره، واختلف في اسم أبي هالة، فقيل ملك، حكاه الزبير والدارقطني وصدره به في الفتح، وقيل: زرارة حكاه ابن منده والسهيلي، وقيل: هند جزم به العسكري، واقتصر عليه في العيون وصدر به في الروض، وقيل: اسمه النباش، قطع به أبو عبيد وقدمه مغلطاي، واقتصر عليه المصنف في الزوجات، وهو بفتح النون فموحدة ثقيلة فشين معجمة، وفي فتح الباري: مات أبو هالة في الجاهلية.

"فولدت له هندًا" الصحابي راوي حديث صفة النبي صلى الله عليه وسلم شهد بدرًا، وقيل: أحدًا، روى عنه الحسن بن علي، فقال: حدثني خالي؛ لأنه أخو فاطمة لأمها وكان فصيحًا بليغًا وصافًا، وكان يقول: أنا أكرم الناس أبا وأما وأخًا وأختًا، أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخي القاسم وأختي فاطمة وأمي خديجة رضي الله عنهم، قتل مع علي يوم الجمل، قاله الزبير بن بكار والدارقطني. وقيل: مات بالبصرة في الطاعون، قال التجاني: والصحيح أن الذي مات في الطاعون ولده واسمه هند كأبيه، انتهى. وهو المذكور في الروض عن الدولابي. وفي فتح الباري: ولهند هذا ولد اسمه هند، ذكره الدولابي وغيره، فعلى قول العسكري أن اسم أبي هالة هند، فهو ممن اشترك مع أبيه وجده في الاسم، انتهى.

"وهالة" التميمي، قال أبو عمر: له صحبة، وأخرج المستغفري عن عائشة: قدم ابن لخديجة يقال له هالة والنبي صلى الله عليه وسلم قائل فسمعه، فقال:"هالة هالة هالة"، وأخرج الطبراني عن هالة بن أبي هالة: أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو راقد فاستيقظ فضم هالة إلى صدره، وقال:"هالة هالة هالة". "وهما ذكران" خلافًا لمن وهم، فزعم أن هالة أنثى.

"ثم" بعد أن هلك عنها أبو هالة "تزوجها عتيق بن عابد" بالموحدة والدال المهملة؛ كما في الإكمال، وتبعه التبصير، وقال اليعمري: إنه الصواب، ووقع في جامع ابن الأثير أنه بتحتية

ص: 373

المخزومي فولدت له هند.

وكان لها -حين تزوجها بالنبي صلى الله عليه وسلم من العمر أربعون سنة وبعض أخرى. وكانت عرضت نفسها عليه.................................

وذال معجمة وهو مردود، فإنه عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقد صرح علامة النساب الزبير بن بكار بأن من كان من ولد عمر بن مخزوم فهو عابد، يعني بموحدة ودال مهملة، ومن كان من ولد أخيه عمران بن مخزوم فعائد، يعني بتحتية وذال معجمة، نقله الأمير في إكماله، والحافظ في تبصيره، وأقراه.

"المخزومي" نسبة إلى جده مخزوم المذكور، "فولدت له هندًا" أسلمت وصحبت ولم ترو شيئًا، قاله الدارقطني، فهو أنثى وبه صرح المصنف في الزوجات وغيره تبعًا للزبير، وروى الدولابي عن الزهري أنها أم محمد بن صيفي المخزومي وهو ابن عمه، قال ابن سعد: ويقال لولد محمد: بنو الطاهرة؛ لمكان خديجة. وفي النور عن بعضهم: ولدت لعتيق عبد الله، وقيل عبد مناف، وهذا ثم ما ذكره المصنف من أن عتيقًا بعد أبي هالة، هو ما نسبه ابن عبد البر للأكثر وصححه، ولذا جزم به هنا وصدر به في المقصد الثاني. وقال قتادة وابن شهاب وابن إسحاق، في رواية يونس عنه: تزوجها وهي بكر عتيق بن عابد، ثم هلك عنها، فتزوجها أبو هالة. واقتصر عليه في العيون والفتح، وحكى القولين في الإصابة.

"وكان لها حين تزوجها بالنبي صلى الله عليه وسلم" مصدر مضاف لمفعوله، أي: حين تزويج مزوجها إياها منه. وفي نسخة: تزوجها بإضافة المصدر لفاعله، "من العمر أربعون سنة" رواه ابن سعد، واقتصر عليه اليعمري، وقدمه مغلطاي والبرهان. قال في الغرز: وهو الصحيح، وقيل: خمس وأربعون، وقيل: ثلاثون، وقيل: ثمانية وعشرون، حكاه مغلطاي وغيره.

وأم قول المصنف هنا: وفي المقصد الثاني أربعون، "وبعض أخرى" فينظر ما قدر البعض، "وكانت عرضت نفسها عليه" بلا واسطة، فعند ابن إسحاق فعرضت عليه نفسها، فقالت: يا ابن عم! إني قد رغبت فيك لقرابتك وسلطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، أو بواسطة؛ كما رواه ابن سعد من طريق الواقدي عن نفيسة بنت منية، قالت: كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبًا وأعظمهم شرفًا وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصًا على نكاحها لو قدر على ذلك، طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسًا إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد! ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: "ما بيدي ما أتزوج به"، قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟ قال:"فمن هي"؟ قلت: خديجة، قال: "وكيف

ص: 374

فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه.

فتزوجها عليه السلام، وأصدقها عشرين بكرة.............................

لي بذلك"؟. فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه: أن ائت لساعة كذا، "فذكر ذلك لأعمامه" والجمع ممكن بأنها بعثت نفيسة أولا لتعلم هل يرضى، فلما علمت ذلك كلمته بنفسها، قال الشامي، وسبب عرضها ما حدثها به غلامها ميسرة مع ما رأته من الآيات.

وما ذكره ابن إسحاق في المبتدأ، قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه، فاجتمعن يومًا فيه، فجاءهن يهودي، فقال: يا معشر نساء قريش! إنه يوشك فيكن نبي، فأيتكن استطاعت أن تكون فراشًا له فلتفعل، فحصبنه وقبحنه وأغلظن له وأغضت خديجة على قوله؛ ولم تعرض فيها عرض فيه النساء، وقر ذلك في نفسها، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات، وما رأته هي، قالت: إن كان ما قال اليهودي حقًا، ما ذاك إلا هذا، انتهى. وحصبنه: رمينه بالحصباء، وأغضت بغين وضاد معجمتين: سكتت.

"فخرج معه منهم حمزة" كذا عند ابن إسحاق، ونقل السهيلي عن المبرد: أن أبا طالب هو الذي نهض معه، وهو الذي خطب خطبة النكاح. قال في النور: فلعلهما خرجا معه جميعًا والذي خطب أبو طالب؛ لأنه أسن من حمزة. "حتى دخل على" أبيها "خويلد" بضم الخاء مصغر "ابن أسد" بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، "فخطبها إليه" أي: فخطبها من خويلد له صلى الله عليه وسلم، "فتزوجها عليه السلام" وظاهر سياقه هذا: أنه عليه السلام ذكر ذلك لأعمامه من غير طلبها حضور واحد بعينه وعند ابن سعد في الشرف، أنها قالت له: اذهب إلى عمك، فقل له: عجل إلينا بالغداة، فلما جاء، قالت: يا أبا طالب، ادخل على عمي، فقل له: يزوجني من ابن أخيك، فقال: هذا صنع الله

فذكر الحديث.

ولا منافاة أصلا فذكره عرضها لأعمامه لا ينافي كونها عينت له واحدًا منهم. وفي الروض: ذكر الزهري في سيرته وهي أول سيرة ألفت في الإسلام: أنه صلى الله عليه وسلم قال لشريكه الذي كان يتجر معه في مال خديجة: هلم فلنتحدث عند خديجة، وكانت تكرمهما وتتحفهما، فلما قاما من عندها جاءت امرأة، فقالت له: جئت خاطبًا يا محمد، قال: كلا، فقالت: ولم!! فوالله ما في قريش امرأة وإن كانت خديجة إلا تراك كفؤًا لها، فرجع صلى الله عليه وسلم خاطبًا لخديجة مستحيًا منها، وكان أبوها خويلد سكران من الخمر، فلما كلم في ذلك أنكحها، فألقت عليه خديجة حلة وضمخته بخلوق، فلما صحا من سكره، قال: ما هذه الحلة والطيب، فقيل: إنك أنكحت محمدًا خديجة وقد ابتنى بها، فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه، وقال راجز من أهل مكة في ذلك:

ص: 375

وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال:

الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتًا محجوجًا، وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا، محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلا

لا تزهدي خديج في محمد

نجم يضيء كما ضياء الفرقد

"وأصدقها عشرين بكرة" من ماله صلى الله عليه وسلم زيادة على ما دفعه أبو طالب ويأتي له مزيد قريبًا. "وحضر أبو طالب" هذا هو الصواب المذكور في الروض وغيره، وما في نسخ أبو بكر رضي الله عنه لا أصل له، وقد صرح المصنف نفسه بالصواب في المقصد الثاني، فقال: وزاد ابن إسحاق من طريق آخر: وحضر أبو طالب "ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب" لا ينافيه قوله السابق: فخرج معه منهم حمزة؛ لما مر عن النور، "فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم" خصه دون نوح؛ لأنه شرفهم وأسكنهم البيت الحرام، أما نوح وآدم فيشاركهم فيه جميع الناس، "وزرع إسماعيل" والد العرب الذي هم أشرف الناس لا زرع إسحاق ولا مدين، ولا غيرهما من ولد إبراهيم، أي: مزروعة والمراد ذريته غاير تفننًا وكراهة لتوارد الألفاظ، وأطلق عليها اسم الزرع لمشابهتها له في النضارة والبهجة أو لتسببه في تحصيلها بفعل الزرع من إلقاء الحب وفعل ما يحتاج لتحصيل الإنبات، "وضئضئ معد" بكسر الضادين المعجمتين وبهمزتين الأولى ساكنة، ويقال: ضيضئ بوزن قنديل وضؤضؤ بوزن هدهد وضؤضوء بوزن سرسور، ويقال أيضًا بصادين وسينين مهملتين، وهو في الجميع الأصل والمعدن، ذكره الشامي.

"وعنصر مضر" بضم العين المهملة وسكون النون وضم الصاد المهملة وقد تفتح الأصل أيضًا وغاير تفننا والإضافة فيهما بيانية، أي: أصل هو معد ومضر وخصهما لشرفهما وشهرتهما أو لما ورد أنهما ماتا على ملة إبراهيم، لكن وروده كان بعد ذلك بمدة فلعله كان مشهورًا في الجاهلية، قال شيخنا: ويجوز أن المراد بالأصل الشرف والحسب، والمعنى: من أشراف معد ومضر.

"وجعلنا حضنة بيته" الكعبة "وسواس حرمه" مدبريه القائمين به، "وجعل له بيتًا محجوجًا" أي: مقصودًا بالحج إليه، "وحرمًا آمنًا" لا يصيبنا فيه عدو؛ كما قال تعالى:{أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص: 57] ، "وجعلنا الحكام على الناس" حكم معروف وطوع وانقياد لمكارم أخلاقهم وحسن معاملاتهم، لا حكم ملك وقهر فلا ينافي قول صخر لقيصر ليس في آبائه من ملك، "ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلا

ص: 376

رجح به، فإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد ممن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله من مالي كذا، وهو -والله- بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم، فزوجها.

رجح به" زاد في رواية: شرفًا ونبلا وفضلا وعقلا، وعداه بالباء وفيما مر عداه صلى الله عليه وسلم بنفسه في قوله: فوزنوني بهم فرجحتهم فيفيد جواز الأمرين، "فإن" وفي نسخة: وإن بالواو، وهي أولى؛ لأن ما ذكر لا يتفرع على ما قبله، "كان في المال" اللام عوض عن المضاف إليه، أي: ماله "قل" بضم القاف مشترك بين ضد الكثرة، وهو الوصف والشيء القليل؛ كما في القاموس.

"فإن المال ظل زائل" تشبيه بليغ، أي: كالظل السريع الزوال، "وأمر" أي: شيء "حائل" لا بقاء له لتحوله من شخص لآخر ومن صفة إلى أخرى فمال زائل وحائل واحد، زاد في رواية: وعارية مسترجعة، "ومحمد ممن" من الذين "قد عرفتم قرابته" أفراد ضميره رعاية للفظ من، وفي نسخ إسقاط من أي ومحمد الذي قد عرفتم قرابته لهاشم وعبد المطلب والآباء والكرام، فالحسب أعظم من كثرة المال، "وقد خطب خديجة بنت خويلد" أي: جاء لها خاطبًا، "وبذل" أعطى بسماحة "لها ما آجله وعاجله من مالي".

"كذا" هو ما يأتي عن الدولابي، ففي رواية: إن أبا طالب قال: وقد خطب إليكم راغبًا كريمتكم خديجة وقد بذل لها من الصداق ما حكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ذهبًا ونشا، وقال المحب الطبري في السمط الثمين في أزواج الأمين: أصدقها المصطفى عشرين بكرة، ولا تضاد بين هذا وبين ما يقال أبو طالب أصدقها؛ لجواز أنه صلى الله عليه وسلم زاد في صداقها فكان الكل صداقًا وذكر ادولابي وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم أصدقها اثنتي عشرة أوقية من ذهب، وفي المنتقى: الصداق أربعمائة دينار، فيكون ذلك أيضًا زيادة على ما تقدم ذكره الخميس.

"وهو والله بعد هذا" الذي قلته فيه "له نبأ" خبر "عظيم" لا تعلمونه إشارة إلى ما شاهده من بركته عليه في أكله مع عياله، وما أخبر به بحيرا وغير ذلك، "وخطر جليل" عظيم "جسيم" فزوجها بالبناء للمفعول، وفي رواية: فتزوجها صلى الله عليه وسلم.

وفي المنتقى: فلما أتم أبو طالب الخطبة تكلم ورقة بن نوفل، فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليّ يا معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمائة دينار، ثم سكت، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها: اشهدوا علي يا معاشر قريش أني قد أنكحت محمدًا بن عبد الله خديجة بنت خويلد،

ص: 377

والضئضئ: الأصل.

وحضنة بيته: أي الكافلين له والقائمين بخدمته.

وسواس حرمه: أي متولوا أمره.

قال ابن إسحاق: وزوجها أبوها خويلد.

وقد ذكر الدولابي وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق خديجة اثنتي عشر أوقية ذهبًا ونشًا. قالوا: وكل أوقة أربعون درهمًا، قال المحب الطبري والنش: نصف أوقية تتميم.

ولما بلغ صلى الله عليه وسلم خمسًا وثلاثين سنة........................

وشهد على ذلك صناديد قريش.

"والضئضئ" بجميع وجوهه المتقدمة معناه: "الأصل وحضنة بيته، أي: الكافلين له والقائمين بخدمته" أي: هم المعروفون بذلك وإلا فالأولى الرفع؛ لأن حضنة مبتدأ فهو مرفوع وإن قصد حكاية ما سبق، "وسواس حرمه، أي: متولو أمره" من ساس الرعية، "قال ابن إسحاق: وزوجها أبوها خويلد" للنبي صلى الله عليه وسلم أعاده للغزو، وهذا جزم به ابن إسحاق هنا، وصدر به في آخر كتابه وقابله بقوله: ويقال أخوها عمرو، وفي الفتح: زوجه إياها أبوها خويلد، ذكره البيهقي من حديث الزهري بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل: عمها عمرو بن أسد ذكره الكلبي، وقيل: أخوها عمرو بن خويلد، ذكره ابن إسحاق، انتهى.

وكأنه لم يعتبر قول الواقدي الثبت عندنا المحفوظ من أهل العلم أن أباها مات قبل حرب الفجار، وإن عمها عمرًا هو الذي زوجها لمزيد حفظ الثبت وهو الزهري خصوصًا، وقد رواه عن صحابي من السابقين، لكن قال الشامي الذي ذكره أكثر علماء السير: أن الذي زوجها عمها.

قال السهيلي: وهو الصحيح لما روى الطبري: أن عمرو بن أسد هو الذي أنكح خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن خويلدًا كان قد مات قبل حرب الفجار، ورجحه الواقدي وغلط من قال بخلافه، وحكى عليه المؤملي الاتفاق.

"وقد ذكر" الحافظ أبو بشر بموحدة مكسورة فشين معجمة محمد بن أحمد الأنصاري، "الدولابي" قال في اللب: كأصله بفتح الدال المهملة والناس يضمونها نسبة إلى عمل الدولاب شبه الناعورة، لكن في النور والقاموس: أن القرية دولاب بالضم والذي كالناعورة بالضم وقد يفتح وقد مر ذلك مع بعض ترجمته.

"وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق خديجة" من مال أبي طالب على ما مر فنسب إليه لوقوع النكاح له، "اثنتي عشرة أوقية ذهبًا ونشًا" وظاهر كلام الطبري حمله على ظاهره وأن الذي من أبي طالب غيره، "قالوا وكل أوقية أربعون درهمًا قال المحب الطبري" فتكون جملة الصداق خمسمائة درهم شرعي، انتهى. أي: ذهبًا ولا ينافيه تعبيره بدرهم؛ لأنه بيان للوزن فلا يستلزم كونه فضة فأراد الشرعي وزنًا وهو خمسون وخمسًا حبة من مطلق الشعير، أي: لا طبري ولا بغلي ثم هذا لا ينافي أن صداق الزوجات لم يزد على خمسمائة درهم فضة لحمله على ما بعد البعثة، أو على ما إذا كان منه عليه السلام، أما هذا فشاركه فيه أبو طالب.

"والنش" بفتح النون وبالشين المعجمة "نصف أوقية" لأن النش لغة نصف كل شيء، روى مسلم عن عائشة: كان صداقه صلى الله عليه وسلم لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، أتدري ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم، وهذا أولى من قول ابن إسحاق: صداقه لأكثر زوجاته أربعمائة درهم؛ لأن فيه زيادة، ومن ذكر الزيادة معه زيادة علم، ولصحته "تتميم" ذكر الملأ في سيرته أنه صلى الله عليه وسلم لما تزوجها ذهب ليخرج، فقالت له: إلى أين يا محمد؟ اذهب وانحر جزورًا أو جزورين وأطعم الناس، ففعل وهو أول وليمة أولمها صلى الله عليه وسلم.

وفي المنتقى: فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف، وقالت: مر عمك ينحر بكرًا من بكراتك، وأطعم الناس وهلم فقل مع أهلك، فأطعم الناس ودخل صلى الله عليه وسلم فقال:"معها فقر الله عينه"، وفرح أبو طالب فرحًا شديدًا وقال: الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب ودفع عنا الهموم، وسيأتي شيء من فضائلها إن شاء الله من المقصد الثاني، وقبله في المبعث.

ص: 378