المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٣

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

الفصل: فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق

فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق في سنة أربع.

ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس، لاحتمال أن يكون ابن عمر في أحد كان أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي.

وقال الشيخ ولي الدين بن العراقي: والمشهور أنها في السنة الرابعة.

وكان من حديث هذه الغزوة:

الثاني هنا أنه لم يكن في غزوة الخندق غنيمة يحصل منها نقل.

وفي حديث أبي واقد الليثي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض الغلمان وهو يحفر الخندق، فأجاز من أجاز ورد من رد إلى الذراري، فهذا يوضح أن المراد بالإجازة الإمضاء للقتال؛ لأن ذلك كان في مبدأ الأمر قبل حصول الغنيمة، أن لو حصلت غنيمة ا. هـ.

وعلى هذا "فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث" باتفاق "فيكون الخندق في سنة أربع" كما قال ابن عقبة، "ولا حجة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس"، كما جزم به أهل المغازي "لاحتمال أن يكون ابن عمر في أحد كان أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي".

زاد الحافظ ويؤيد قول ابن إسحاق: أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر، فخرج صلى الله عليه وسلم من السنة المقبلة إليها، فلم يأت أبو سفيان للجدب، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان، أو دونها، ذكره ابن إسحاق وغيره، وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة، ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه، فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأحد في الثانية، والخندق في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء لكنه بناء واه مخالف لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأحد في الثالثة، والخندق في الخامسة، وهو المعتمد، ا. هـ.

"و" لكن "قال الشيخ" الحافظ ابن الحافظ "ولي الدين بن العراقي المشهور: أنها" أي: الخندق، "في السنة الرابعة" حقيقة لمزيد إتقان القائلين بذلك كيف وهم موسى بن عقبة ومالك والبخاري، ولذا صححه النووي في الروضة.

"وكان من حديث" أي: سبب هذه الغزوة، "هذه الغزوة" كما رواه ابن إسحاق بأسانيد

ص: 20

أن نفرا من يهود خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.

ثم خرج أولئك اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حربه عليه الصلاة والسلام وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك واجتمعوا معهم.

فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن

كلها مرسلة، "أن نفرا من يهود" منهم سلام بن مشكم وابن أبي الحقيق وحيي وكنانة النضيريون وهوذة بن قيس وأبو عمار الوائليان، "خرجوا" من خيبر "حتى قدموا على قريش مكة، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله".

قال في رواية ابن إسحاق: فقالت لهم قريش: إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه، قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فأنزل الله تعالى فيهم:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} إلى قوله {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} فسر ذلك قريشا ونشطوا لما دعوهم إليه، "فاجتمعوا لذلك واتعدوا له" أي: تواعدوا على وقت يخرجون فيه، وفي نسخة: واستعدوا له، والأول هو الرواية في ابن إسحاق والمناسب لقوله، "ثم خرج أولئك اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان" بعين مهملة.

قال الجوهري: وليس في العرب عيلان غيره، وهو في الأصل اسم فرسه، ويقال هو لقب مضر؛ لأنه يقال قيس بن عيلان، "فدعوهم إلى حربه عليه الصلاة والسلام وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه".

قال الواقدي: وجعلوا لهم خيبر سنة إن هم نصروهم، "وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، واجتمعوا معهم فخرجت قريش" في أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن أبي طلحة "وقائدها أبو سفيان بن حرب" المسلم في الفتح، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألفا وخمسمائة بعير ولاقتهم بنو سليم بمر الظهران في سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد الأسدي، قاله ابن سعد، وأسلم طليحة بعد ذلك.

"وخرجت غطفان وقائدها يينة بن حصن" بن حذيفة بن بدر الفزاري، "في فزارة" قبيلته،

ص: 21

في فزارة، والحارث بن عوف المري في مرة.

وكان عدتهم -فيما ذكره ابن إسحاق- عشرة الآف، والمسلمون ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك.

وكانو ألفا.

قال في الروض: سمي عيينه لشتر كان بعينيه واسمه حذيفة، وهو الذي قال في صلى الله عليه وسلم:"الأحمق المطاع" لأنه كان يتبعه عشرة الآف قناة.

وقال فيه أيضا: إن شر الناس من ودعه الناس اتقاء شره.

وفي رواية: إني أداريه لأني أخشى أن يفسد علي خلقا كثيرا، وفيه بيان معنى الشر الذي أتقي منه، ودخل عليه صلى الله عليه وسلم بغير إذن، فقال له:"أين الإذن"، قال:"ما استأذنت على مضري قبلك"، وقال:"ما هذه الحميراء معك"؟ قال: "عائشة بنت أبي بكر"، فقال:"طلقها"، وأنزل لك عن أم البنين في أمور كثيرة من جفائه أسلم، ثم ارتد وآمن بطليحة حتى تنبأ، وأخذ أسيرا، فأتي به للصديق، فمن عليه، ولم يزل مظهرا للإسلام على جفوته وعنجهيته ولوثة أعرابيته حتى مات.

قال الشاعر:

وإني على ما كان من عنجهيتي

ولوثة أعرابيتي لأديب

ا. هـ.

"والحارث بن عوف المري" بضم الميم وشد الراء، أسلم بعد تبوك في وفد قومه بني مرة، وكانوا ثلاثة عشر رجلا رأسهم الحارث أحد الفرسان المشهورين "في" بني "مرة" وكانوا أربعمائة.

زاد ابن سعد: وخرجت أشجع، وهم أربعمائة يقودهم مسعود بن رخيلة، بضم الراء وفتح الخاء، وأسلم بعد وخرج معهم غيرهم.

قال: وقد روى الزهري: أن الحارث بن عوف رجع ببني مرة، فلم يشهد الخندق منهم أحد، وكذلك روت بنو مرة والأول أثبت ا. هـ.

"وكان عدتهم فيما ذكره ابن إسحاق" بأسانيده، وابن سعد "عشرة الآف".

قال ابن سعد: وكانوا ثلاثة عساكر، وعاج الأمر إلى أبي سفيان، قالا أيضا:"والمسلمون ثلاثة آلاف".

قال الشامي: وهو الصحيح المشهور "وقيل غير ذلك".

قال في الفتح: وقيل: كان المشركون أربعة آلاف، والمسلمون نحو الألف.

ونقل ابن القيم في الهدى عن ابن إسحاق أن المسلمين كانوا سبعمائة. قال: وهذا غلط

ص: 22

وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرسا.

ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحزاب، ما أجمعوا عليه من الأمر، ضرب على المسلمين الخندق، فعمل فيه عليه الصلاة والسلام ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون، فدأب ودأبوا.

وأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين في عملهم ذلك ناس من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعف عن العمل

من خروجه يوم أحد.

قال الشامي: ولا دليل في قول جابر في قصة الطعام، وكانوا ألفا؛ لأنه أراد الآكلين فقط لا عدة من حضر الخندق ا. هـ. وقيل: كان المشركون خمسة عشر ألفا، كذا حكاه في النهر.

قال ابنا سعد وهشام: واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم.

"وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين سنة وثلاثون فرسا، ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحزاب وما أجمعوا عليه من الأمر" الذي زعموه، وهو استئصال المسلمين "ضرب على المسلمين الخندق"، أي: جعل على كل عشرة أربعين ذراعا كما مر، وكان الخندق بسطة أو نحوها، "فعمل فيه عليه الصلاة والسلام" بنفسه "ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فدأب ودأبوا" جدوا وتعبوا، حتى كان سلمان يعمل عمل عشرة رجال حتى عانه قيس بن صعصعة، أي: أصابه بالعين فلبط، بضم اللام وكسر الموحدة وطاء مهملة، أي: صرع فجأة من عين، أو علة وهو ملتو، فقال صلى الله عليه وسلم:"مروه فليتوضأ وليغتسل به سلمان وليكفئ الإناء خلفه" ففعل، فكأنما حل من عقال.

وعند الطبراني: وت نافس المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا. فقال صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" بنصب أهل على الاختصاص، أو على إضمار، أعني وأما الخفض على البدل فلم يجزه سيبويه من ضمير المتكلم، ولا من ضمير المخاطب؛ لأنه في غاية البيان، وأجازه الأخفش، قاله السهيلي.

"وأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين في عملهم ذلك" أي: تأخر عن العمل معهم، "ناس من المنافقين" وهذا كالاستثناء من دأب ودأبوا، كأنه قال: إلا المنافقين وإنما أخرجوا؛ لأنهم مسلمون ظاهرا، "وجعلوا يورون بالضعف عن العمل" أي: يخفون مقصودهم من خذلان المسلمين بإظهار الضعف.

ففي القاموس وراه تورية أخفاه كواراه أو يتعللون به سماه تورية، لإظهارهم خلاف

ص: 23

وفي البخاري: عن سهل بن سعد قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار".

والأكتاد: بالمثناة الفوقية- جمع كتد -بفتح أله وكسر المثناة- وهو ما بين الكاهل إلى الظهر، وفي بعض نسخ البخاري: أكبادنا بالموحدة، وهي موجه على أن المراد به مما يلي الكبد من الجنب.

قصدهم من عدم إعانة المسلمين وخذلانهم، وأبرزوه في صورة الضعف، لكن حيث صح المعنى اللغوي بالحقيقة، فلا معدل عنه للمجاز.

"وفي البخاري" ثاني حديث في هذا الباب. "عن سهل بن سعد" الساعدي "قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون" بكسر الفاء "ونحن ننقل التراب على أكتادنا" بالتاء والباء.

وفي حديث أنس: على متونهم كما عند البخاري.

ق ال الحافظ: ووهم ابن التين فعزا هذه اللفظة لحديث سهل.

"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله لا عيش" دائم "إلا عيش الآخرة".

قال الداودي: إنما قال ابن رواحة: لا هم إن العيش بلا ألف ولام، فأورده بعض الرواة على المعنى.

قال الحافظ: وحمله على ذلك ظنه أنه يصير بالألف واللام غير موزون، وليس كذلك بل يكون دخله الجزم، ومن صوره زيادة شيء من حروف المعاني في أول الجزء "فاغفر للمهاجرين والأنصار"، وفي حديث أنس بعده، " فاغفر للأنصار والمهاجرة".

قال الحافظ: وكلاهما غير موزون، ولعله صلى الله عليه وسلم تعمد ذلك، ولعل أصله فاغفر للأنصار وللمهاجرة بتسهيل همزة الأنصار، وباللام في المهاجرة، وفي الرواية الأخرى فبارك بدل فاغفر، "والأكتاد بالمثناة الفوقية، جمع كتد، بفتح أوله وكسر المثناة".

زاد المصباح وفتحها "ما بين الكاهل" كصاحب الحارك، أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى، وفيه ست فقرات، أو ما بين الكتفين، أو موصل العنق في الصلب، كما في القاموس "إلى الظهر".

وقال ابن السكيت: الكتد مجتمع الكتفين، وحاصل المعنى أنهم كانوا يحملون على أكتافهم أعالي ظهورهم، "وفي بعض نسخ البخاري: أكبادنا بموحدة، وهو موجه على أن المرد به ما يلي الكبد من الجنب" لاستحالة الحقيقة.

ص: 24

وفي البخاري أيضا: عن أنس: فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:

"اللهم إن العيش عيش الآخرة

فاغفر للأنصار والمهاجرة"

فقالوا مجيبين له:

نحن الذين بايعوا محمدا

على الجهاد ما بقينا أبدا

قال ابن بطال: وقوله: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"، هو من قول ابن رواحة تمثل به عليه الصلاة والسلام

"وفي البخاري أيضا" ثالث حديث في الباب عن حميد، "عن أنس": خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، "فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم".

قال الحافظ: أي: إنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا مجرد الرغبة في الأجر، "فلما رأى ما بهم من النصب" بفتح النون والصاد التعب "والجوع".

"قال:" وفي رواية أبي الوقت فقال: والأولى أولى؛ لأن جواب لما لا يقترن بالفاء "صلى الله عليه وسلم" وفي هذا كما قال الفتح بيان سبب قوله: "اللهم إن العيش" المعتبر الدائم "عيش الآخرة " لا عيش الدنيا لكدورته، وكونه مع المنغصات التي لا تتناهى، ثم بعد هو فإن وإن طال قل متاع الدنيا قليل، هكذا رواية أنس في الصحيح كما سقته. ومت رواية سهل لا عيش إلا عيش الآخرة، وما يقع في نسخ من جعله كذلك في خبر أنس مخالف للبخاري. "فاغفر للأنصار والمهاجرة" بكسر الجيم وسكون الهاء، "فقالوا": أي الطائفتان حال كونهم، "مجيبين له نحن الذين بايعوا" صفة الذين لا صفة نحن، قاله الفتح "محمدا على الجهاد".

وفي رواية عبد العزيز، عن أنس عند البخاري على الإسلام بدل الجهاد، والأول أثبت، قاله الحافظ. "ما بقينا أبدا. قال ابن بطال وقوله: اللهم لا عيش إلى عيش الآخرة، هو من قول ابن رواحة" عبد الله الصحابي الشهير "تمثل به عليه الصلاة والسلام" قال: ولو لم يكن من لفظه لم يكن بذلك شاعرا، قال: وإنما يسمى شاعرا من قصده، وعلم السبب والوتد، وجميع معايبه من الزحاف ونحو ذلك، قال الحافظ كذا، قال: وعلم الوتد إلخ، إنما تلقوه من العروض التي اخترع ترتيبها الخليل بن أحمد وقد كان من شعراء الجاهلية والمخضرمين والطبقة الأولى والثانية من شعراء الإسلام قبل أن يضعه الخليل، كما قال أبو العتاهية، أن أقدم من العروض، يعني أنه نظم

ص: 25

وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في آخر الرجز:

والعن عضلا والقارة

هم كلفونا ننقل الحجارة

وفي البخاري من حديث البراء قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه،

الشعر قبل وضعه:

وقال أبو عبد الله بن الحجاج الكاتب:

قد كان شعر الورى قديما

من قبل أن يخلق الخليل

ا. هـ.

"وعند الحارث" بن محمد "بن أبي أسامة" داهر الحافظ المشهور، "من مرسل طاوس" بن كيسان اليماني الفارسي تابعي ثقة، فقيه، كثير الحديث. يقال اسمه ذكوان وطاوس لقب. مات سنة ست ومائة، وقيل بعدها "زيادة في آخر" هذا "الرجز" هي:

والعن عضلا والقاره

هم كلفونا ننقل الحجاره

قال الحافظ: والأول غير موزون أيضا، ولعله والعن الهي عضلا والقارة.

وفي رواية عبد العزيز عن أنس عند البخاري: وينقلون التراب على متونهم وهم يقولون:

نحن الذين بايعوا محمدا

على الإسلام ما بقينا أبدا

يقول صلى الله عليه وسلم وهو يجيبهم: "اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجره".

قال الحافظ: ولا أثر للتقديم والتأخير فيه؛ لأنه يحمل على أنه كان يقول إذا قالوا ويقولون إذا قال، يعني يجيبونه تارة ويجيبهم أخرى، قال: وفيه أن في إنشاد الشعر تنشيطا في العمل، وبذلك جرت عادتهم في الحرب، وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز.

"وفي البخاري" من طريقين ذكر المصنف الثانية "من حديث البراء" بن عازب، "قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى" أخفى، "عني الغبار" لتراكمه، "جلدة بطنه".

وفي الطريق الأولى حتى أغمر أو اغبر بطنه بالشك، وغين معجمة فيهما، فإما بالموحدة فواضح، وإما بالميم.

فقال الخطابي: إن كانت محفوظة فمعناها وارى التراب جلدة بطنه، أي: فبطنه بالنصب، ومنه غمار الناس وهو جمعهم إذا تكاثف، ودخل بعضهم في بعض.

قال: وروي اعفر بمهملة وفاء، والعفر بالتحريك التراب.

ص: 26

وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب ويقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأولى قد رغبوا علينا

قال عياض: وقع للأكثر بمهملة وفاء وبمعجمة وموحدة، فمنهم من ضبطه بنصب بطنه، ومنهم من ضبطه برفعها.

وعند النسفي حتى غبر بطنه، أو أغبر بمعجمة فيهما وموحدة.

ولأبي ذر وأبي زيد: حتى أغمر. قال: ولا وجه لها إلا أن تكون بمعنى ستر، كما في الرواية الأخرى حتى وارى عني التراب جلدة بطنه.

قال: وأوجه هذه الروايات اغبر بمعجمة وموحدة، ورفع بطنه.

"وكان كثير الشعر" بفتحتين، أي: شعر بطنه، وفي حديث أم سلمة عند أحمد بسند صحيح كان صلى الله عليه وسلم يعاطيهم اللبن يوم الخندق، وقد أغبر شعر صدره، وظاهره أنه كان كثير شعر الصدر، وليس كذلك فإن في صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان دقيق المسربة، أي: الشعر، الذي في الصدر إلى البط، فيمكن أن يجمع بأنه كان مع دقته كثيرا، أي: لم يكن منتشرا بل كان مستطيلا، والله أعلم انتهى كله من الفتح. "فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول: اللهم" وفي الطريق الأولى والله، "لولا أنت ما اهتدينا" وعلى الطريق الأولى وهو موزون، وأما الثانية فقال الزركشي: صوابه في الوزن لا هم، أو تالله لولا أنت، قال الدماميني: هذا عجيب، فإنه صلى الله عليه وسلم هو المتمثل بهذا الكلام والوزن لا يجري على لسانه الشريف غالبا. قلت: إنما قال صوابه في الوزن، ولا عجب في ذلك أصلا. "ولا تصدقنا" ولفظ أبي يعلى: اللهم لولا أنت، وقال بدل تصدقنا صمنا كذا في الشامية، ومراده أنه ذكره بإحدى روايتي الصحيح في أوله، وأبدل تصدقنا بصمنا كما هو ظاهر جدا، إلا أنه انفرد عن البخاري بلفظ: اللهم لولا أنت، كما توهم فإنه فاسد لثبوتها في البخاري "ولا صلينا فأنزلن" بنون التوكيد الخفيفة "سكينة" بالتنكير، أي: وقارا، "علينا" هكذا رواية البخاري في المغازي من الطريقين، وله في الجهاد: فأنزل السكينة علينا، وللحموي والمستملي: فأنزل سكينة، وللكشميهني كما هنا، "وثبت" قوّ "الأقدام إن لاقينا" العدو "إن الأولى" هو من الألفاظ الموصولات، لا من أسماء الإشارة جمعا للمذكر، "قد رغبوا" بغين معجمة، العدو "علينا" أي: على قتالنا.

قال الحافظ: كذا للسرخسي، والكشميهني، وأبي الوقت، والأصيلي، وابن عساكر وللباقين قد بغوا كالأولى، لكن الأصيلي ضبطها بالعين المهملة الثقيلة والموحدة، وضبطها في

ص: 27

إذا أرادوا فتنة أبينا

قال: ويمد بها صوته

وفي روية له أيضا:

إن الأولى بغوا علينا

إذا أرادوا فتنة أبينا

وفي حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي أنه صلى الله عليه وسلم ضرب في الخندق قال:

بسم الإله وبه بدينا

ولو عبدنا غيره شقينا

حبذا ربا و..............

المطالع بالغين المعجمة، وكذا ضبطت في رواية أبي الوقت لكن بزاي أوله، والمشهور ما في المطالع ا. هـ، وعلى خلاف المشهور، وهو الإهمال فتشديد رعبوا للمبالغة، أي: رعبوا المسلمين بتحزبهم علينا، فلا حاجة إلى أنه ضمنه معنى جمعوا، فعداه بعلي مع أنه يتعدى بنفسه وبالهمزة، "إذا أرادوا فتنة أبينا" بالموحدة، الفرار، كما رجحه عياض وبالفوقية، أي: جئنا وأقدمنا على عدونا، وتتمة حديث البراء من هذا الطريق لفظها "قال:" ثم يمد صوته بآخرها.

قال المصنف كالحافظ، أي: بقوله: أبينا، ولفظه في الطريق الأولى ورفع صوته أبينا أبينا، وكان المصنف ذكر حاصل معنى الروايتين بقوله:"ويمد بها صوته" أي: باللفظة الأخيرة لا بالجميع.

"وفي رواية له" للبخاري "أيضا" في الطريق الأولى: "إن الأولى بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا".

قال الحافظ: ليس بموزون وتحريره إن الذين قد بغوا علينا، فذكر الراوي الأولى بعنى الذين وحذف قد وزعم ابن التين أن المحذوف هم وقد والأصل أن الأولى هم قد بغوا علينا وهو يتزن بما قال لكن لم يتعين، وذكر بعض الرواة في مسلم أبوا بدل بغوا، ومعناه صحيح، أي: أبوا أن يدخلوا في ديننا.

"وفي حديث" الحارث بن أبي أسامة من طريق "سليمان" بن طرخان "التيمي" أبي المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم الثقة العابد، المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين سنة. روى له الجميع "عن أبي عثمان" عبد الرحمن بن مل، بميم مثلثة ولام ثقيلة "النهدي" بفتح النون وسكون الهاء، ثقة عابد مخضرم، مات سنة خمس وتسعين، وقيل بعدها وعاش مائة وثلاثين سنة، وقيل: أكثر.

روى له الستة وهو مرسل، وقد أخرجه البيهقي موصولا عن سلمان "أنه صلى الله عليه وسلم حين ضرب في الخندق قال: بسم الإله وبه بدينا" لا بحولنا وقوتنا، "ولو عبدنا غيره شقينا، حبذا ربا" هو

ص: 28

.............حبذا دينا

قال في النهاية: يقال بديت بالشيء -بكسر الدال- أي: بدأت به، فلما خفف الهمزة كسر الدال، فانقلبت الهمزة ياء، وليس هو من بنات الياء. ا. هـ.

وقد وقع في حفر الخندق آيات من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام. منها ما في الصحاح عن جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة -وهي بضم الكاف وتقديم الدال المهملة على التحتية، وهي القطعة الصلبة-.........

"وحبذا دينا" ديننا، وهذا غير موزون، ويتزن بإسكان باء حبذا، الثانية لكن الذي في الفتح عن رواية النهدي هذه حبذا ربا حبذ دينا بإسقاط ذا الثانية وهذا موزون.

"قال في النهاية يقال: بديت بالشيء بكسر الدال، أي: بدأت به، فلما خفف الهمز كسر الدال فانقلبت الهمزة ياء، وليس هو من بنات الياء" أي: ليس فيه أصلية، "انتهى".

قال شيخنا: يرد عليه أن الدال مكسورة قبل التخفيف، إذ الظاهر من قوله بديت أن كسره أصلي غايته أن مكسور الدال بمعنى مفتوحها، اللهم إلا أن يقال المراد إن مكسور الدال أصله الفتح فقلبت الهمزة ياء، ثم كسرت الدال لمناسبة الياء، "وقد وقع في حفر الخندق آيات" علامات "من أعلام" جمع علم، وهو العلامة وجمعها علامات فكأنه قال وقع علامات هي بعض علامات "نبوته عليه الصلاة والسلام" وتفنن فعبر أولا بالآيات، وثانيا بإعلام "منها ما في الصحاح" البخاري وغيره.

"عن جابر قال: إنا" بتشديد النون "يوم الخندق" ظرف لقوله: "نحفر" أي: كنا في وقت حفرنا مشغولين به.

وفي رواية الإسماعيلي: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق نحفر "فعرضت" أي: ظهرت، "كدية شديدة، وهي بضم الكاف وتقديم الدال المهملة على التحتية، وهي القطعة الصلبة" من الأرض لا يعمل فيها المعول، وبهذه الرواية صدر المصنف في شرح البخاري، وعزاها الحافظ لرواية الإسماعيلي وأحمد وصدر بقوله كيدة كذا لأبي ذر بفتح الكاف وسكون التحتية، قيل: هي القطعة الشديدة الصلبة من الأرض.

وقال عياض: كأن المراد أنها واحدة الكيد، كأنهم أرادوا أن الكيد وهو الحيلة أعجزهم، فلجئوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وللأصيلي عن الجرجاني كندة بالنون. وعند ابن السكن: كتدة بفوقية.

قال عياض: لا أعرف لهما معنى ا. هـ.

وحكى الأنصاري كبدة بفتح الكاف، وسكون الموحدة انتهى فهي خمسة.

ص: 29

فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم.

كذا بالشك من الراوي، وفي رواية الإسماعيلي باللام من غير شك،

وفي شرح المصنف عن الفتح: أن رواية الجرجاني بفتح الكاف والموحدة، أي: قطعة صلبة من الأرض لكن الذي في الفتح كما رأيت بالنون، "فجاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق".

وفي رواية الإسماعيلي فقال: رشوها بالماء، فرشوها "فقام وبطنه معصوب بحجر" زاد في رواية من الجوع، ولأحمد أصابهم جهد شديد حتى ربط صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرا من الجوع.

قال الحافظ: وفائدة ربطه على البطن أنها تضمر من الجوع، فيخشى على انحناء الصلب بواسطة ذلك، فإذا وضع فوقها الحجر وشد عليها العصابة استقام الظهر.

وقال الكرماني: لعله لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر، أو لأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء، لئلا يتحلل شيء مما في البطن، فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل، "ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا" بفتح الذال المعجمة، أي: شيئا.

قال الحافظ وهي جملة معترضة أوردها لبيان السبب في ربطه صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه..

وزاد الإسماعيلي: ولا نطعم شيئا، ولا نقدر عليه ا. هـ.

قال شيخنا: أو لبيان اجتهاد الصحابة ومبالغتهم في امتثال أمره، وإن كانوا على غاية من الجهد وتوطئة لصنع جابر للطعام.

"فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول" بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو بعدها لام، أي: المسحاة.

وفي رواية أحمد: فأخذ المعول، أو المسحاة بالشك أي: في اللفظ الذي قاله وإن اتحدا معنى "فضرب" في رواية الإسماعيلي، ثم سمي ثلاثا، ثم ضرب "فعاد" المضروب "كثيبا" بمثلثة، أي: رملا "أهيل" بفتح الهمزة والتحتية بينهما هاء ساكنة آخره لام.

وعند ابن إسحاق بلاغا عن جابر أنه دعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: والذي بعثه بالحق لاهالت حتى عادت مثل الكثيب، لا ترد فاسا ولا مسحاة "أو أهيم" بالميم بدل اللام، "كذا بالشك من الراوي" ولم يعينه الحافظ ولا غيره.

"وفي رواية الإسماعيلي باللام من غير شك" كما في الفتح. قال: وكذا عند يونس.

ص: 30

والمعنى: أنه صار رملا يسيل ولا يتماسك.

وأهيم: بمعنى أهيل. وقد قيل في قوله تعالى: {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} [الواقعة: 55] المراد: الرمال التي لا يرويها الماء.

وقد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول

وفي رواية أحمد كثيبا يهال، "والمعنى أنه صار رملا يسيل، ولا يتماسك" قال الله تعالى: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} الآية، أي: رملا سائلا، "و" أما "أهيم" بالميم، فقال عياض: ضبطها بعضهم بالمثلثة، وبعضهم بالمثناة، وهي "بمعنى أهيل" باللام، ووقع للمصنف في شرح البخاري أن رواية الإسماعيلي بالميم، فكأنه سبق قلم، فما بعد هذا البيان من الحافظ بيان، "وقد قيل في قوله تعالى:{فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} المراد الرمال التي لا يرويها الماء" أي: لا يظهر أثره فيها لكثرتها شبه ظهور الماء، بزوال العطش الذي هو الري، واستعير له اسمه، ثم اشتق منه الفعل على أنه جمع هيام بالفتح كسحاب، فخفف بنقل حركة الياء إلى الهاء بعد سلب حركتها، أو حذفت ضمتها بلا نقل، ثم قلبت كسرة لتسلم الياء، فصار هيم كما أشار إليه البيضاوي، وصدر بأن المراد الإبل التي بها الهيام، أي: بضم الهاء وهو داء يشبه الاستسقاء جمع أهيم وهيماء.

قال ذو الرمة:

فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد

صداها ولا يقضي عليها هيامها

ا. هـ.

وما أفاده من اختلاف مفرده بالمعنيين قد ينافي ما يشعر المصنف من ن أهيم يجمع على هيم، فلا يختص بالإبل اللهم إلا أن يكون إذا وصف به الكثيب جمع على هيم، ولا يطلق إلا هيم على الرمل بل الهيام، وإذا جمع قيل هيم، و"قد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء" بن عازب "قال: لما كان" تامة وفاعلها "حين" بالبناء على الفتح لإضافته إلى الجملة الماضوية في قوله: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم" وهو الأكثر لإضافته إلى مبني، ويجوز فيه الإعراب أو كان ناقصة، أي: عملنا في الخندق حاصلا حين أمرنا "بحفر الخندق"، وجواب لما هو قوله: "عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول" جمع معول، وهو الفأس العظيمة التي ينقر بها قوي الصخر، كما في الجوهري. وقول شيخنا

ص: 31

فاشتكينا ذلك لرسول صلى الله عليه وسلم، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة فنشر ثلثها، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة وقال بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة.

جوابها محذوف، أي: لما كان زمن أمره بالحفر حفرنا؛ لأن نسخته فعرضت بالفاء لكن الثابت في النسخ الصحيحة، وهو الذي رأيته في الفتح في نسختين صحيحتين عرضت بدون فاء فهي الجواب على أنه قد يقترن بالفاء جواب لما، فلا حاجة للتقدير، "فاشتكينا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فجاء وأخذ المعول" من سلمان "فقال: بسم الله، ثم ضربه فنشر" بشين معجمة قطع، والذي في الفتح فكسر "ثلثها" بالمعول. وفي رواية: فخرج نور أضاء ما بين لابتي المدينة، "وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة" من مكاني" "ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر".

زاد في رواية: فبرقت برقة من جهة فارس أضاء ما بين لابتيها، "فقال:"الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن" مدائن كسرى "الأبيض" لعل المراد به قصر كسرى المعد له "الآن".

وفي رواية: والله إني لأبصر قصور الحيرة، ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب من مكاني هذا، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا بالنصر، فسر المسلمون، "ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر".

زاد في رواية فخرج نور من قبل اليمن فأضاء ما بين لابتي المدينة حتى كان مصباحا في جوف ليل مظلم، "فقال:" الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة" " وهذا الحديث الحسن لا يعارضه رواية ابن إسحاق بلفظ عن سلمان فذكره، وفيه أما الأولى فإن الله فتح بها على اليمن، والثانية الشام والمغرب، والثالثة المشرق فارس؛ لأنه منقطع، فلا يعارض المسند المرفوع الحسن، ومن ثم لم يلتفت الحافظ لرواية ابن إسحاق وإن تبعه عليها اليعمري وغيره، بل اقتصر على هذا الحديث وأيده، بأن طرقه تعددت بقوله عقبه، وللطبراني من حديث عبد الله بن عمر ونحوه، وأخرجه البيهقي مطولا من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده.

وفي رواية: خط صلى الله عليه وسلم الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع، وفيه فمرت بنا صخرة بيضاء

ص: 32

ومن أعلام نبوته ما ثبت في الصحيح من حديث جابر من تكثير الطعام والقليل يوم حفر الخندق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى مستوفى في مقصد المعجزات مع غيره.

وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريبا من عشرين ليلة.

وعند الواقدي: أربعا وعشرين.

وفي الروضة للنووي: خمسة عشر يوما.

وفي الهدي النبوي لابن القيم: أقاموا شهرا.

كسرت معاويلنا، فأردنا أن نعدل عنها ثم قلنا حتى نشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلنا إليه سلمان، وفيه فضرب ضربة صدع الصخرة، وبرق منها برقة، فكبر وكبر المسلمون، وفيه رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك قال:"إن البرقة الأولى أضاءت لها قصور الشام فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم"، وفي آخره ففرح المسلمون واستبشروا، وأخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاصي بنحوه ا. هـ.

قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة، أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وعثمان افتحوا ما بدا لكم، والذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة، ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدًا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك.

"ومن أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ما ثبت في الصحيح من حديث جابر" المتقدم أوله في حديث الكدية "من تكثير الطعام القليل" وهو صاع من شعير وعنز صغير "يوم حفر الخندق" فجاء بالقوم وهم ألف، فبصق في العجين والبرمة. قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه، وإن برمتنا كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى، مستوفى في مقصد المعجزات مع غيره".

ومنها خبر الحفنة من التمر التي جاءت بها ابنة بشير بن سعد، أخت النعمان لأبيها وخالها ابن رواحة ليتغديا به، فقال لها صلى الله عليه وسلم:"هاتيه فصبته في كفيه" فما ملأهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم قال لإنسان:"اصرخ في أهل الخندق، أن هلموا إلى الغداء"، فاجتمعوا عليه فجعلوا يأكلون، وجعل يزيد حتى صدروا عنه، وإنه ليسقط من أطرا الثوب رواه ابن إسحاق، "وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق" أي: مدة حفره، "قريبا من عشرين ليلة، وعند الواقدي: أربعا وعشرين" وعند ابن سعد: ستة أيام. قال السمهودي، وهو المعروف.

"وفي الروضة للنووي: خمسة عشر يوما، وفي الهدي النبوي لابن القيم: أقاموا شهرا"

ص: 33

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة.

ونزل عيينة بن حصن في غطفان ومن تبعهم من أهل نجد إلى جانب أحد.

كذا قاله المصنف تبعا للفتح حرفا بحرف، ورد ذلك الشريف السمهوري، بأن الذي في الروضة، والهدي ومغازي ابن عقبة، إنما هو في مدة الحصار، لا في عمل الخندق، ثم استدرك على الرد بأن ابن سيد الناس بعد نقله عن ابن سعد، أنه كمل في ستة أيام. قال وغيره يقول بضع عشرة ليلة، وقيل: أربعا وعشرين ا. هـ، وليست بواثق من هذا التعقب، فإن الحافظ نقل أولا عن ابن عقبة، أن مدة الحصار عشرون يوما، ثم بعد قليل ذكر هذا الخلاف في مدة الحفر، وتوهيم مثله بمجرد نسخ قد يكون سقط منها أحد الموضعين، لا ينبغي فإنه لا يجازف في النقل.

قال ابن إسحاق: "ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من: حفر "الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع" بضم الميم الأولى، وسكون الجيم، وفتح الفوقية والميم الثانية، أي: الموضع الذي تجتمع فيه "السيول" جمع سيل، كما في القاموس وغيره، ويجمع أيضا على أسيال.

وفي ابن إسحاق على أسيال من رومة بين الجرف وزغابة.

قال السهيلي: بزاي مفتوحة وغين منقوطة، وقيل: بضم الراء وعين مهملة اسم موضع ذكرهما البكري، مقدما الثاني

وحكي عن الطبري، أنه قال في هذا الحديث: بين الجرف والغابة، واختار هذه الرواية، وقال: لأن زغابة لا تعرف وإلا عرف عندي رواية الغين المنقوطة

لحديث: ألا تعجبون لهذا الأعرابي، أهدى إلي ناقتي أعرفها بعينها ذهبت مني يوم زغابة، وقد كافأته بست فيسخط ا. هـ، وتحققت ووجدت جملة قريش، ومن معهم "في عشرة آلاف" منهم، "ومن أحابيشهم" فهو ظرف لمقدر لا لقريش، وإلا لاقتضى أنهم ليسوا من العشرة والجار والمجرور عطف على محذوف مع حذف العاطف، حتى لا يقتضي ذلك أيضا، مع أن الجميع عند ابن إسحاق الذي هذا كلامه عشرة آلاف فقط، ثم الأحابيش الحلفاء من التحبيش التجميع لتجمعهم على أنهم يد واحدة، أو لتحالفهم بذنبة حبشي جبل بأسفل مكة، أو واديها كما مر في أحد، "ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، ونزل عيينة بن حصن في" على بابها، أو بمعنى مع "غطفان، ومن تبعهم من أهل نجد".

قال ابن إسحاق: بذنب نقمي، "إلى جانب أحد" ونقمي بفتح النون، والقاف وفتح الميم مقصور.

ص: 34

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين حتى جعلوا أظهرهم إلى سلع، وكانوا ثلاثة آلاف رجل، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة وكان صلى الله عليه وسلم يبعث الحرس إلى المدينة خوفا على الذراري من بني قريظة.

قال ابن إسحاق: وخرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاقده، فأغلق كعب دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، وقال ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أر منه إلا وفاء وصدقا. فقال: ويحك افتح لي، ولم يزل، به حتى فتح له

قال الصغاني: موضع من أعراض المدينة ذكره البرهان.

"وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع" بفتح السين المهملة، وسكون اللام وبالعين المهملة، جبل بالمدينة "وكانوا ثلاثة آلاف رجل".

قال الشافعي: ووهم من قال كانوا سبعمائة، "فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم".

قال ابن هشام: واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، "وكان" كما ذكر ابن سعد "لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة، وكان صلى الله عليه وسلم يبعث الحرس إلى المدينة".

قال ابن سعد: كان يبعث سلمة بن أسلم في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة، ويظهرون التكبير "خوفا على الذراري من بني قريظة" زاد غيره فإذا أصبحوا أمنوا.

قال ابن إسحاق: وخرج عدو الله حيي بن أخطب" فسار "حتى أتى كعب بن أسد القرظي، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم"، تفسيري، "وكان وادع" صالح "رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاقده فأغلق كعب دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، وقال" بعدما ناداه حيي: ويحك يا كعب، "ويحك يا حيي"، كلمة ترحم وتوجع، والمراد أمره بالانصراف عنه، كأنه قال: اذهب عني "إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أرم من إلا وفاء وصدقا فقال: ويحك افتح لي" أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، "ولم يزل به حتى فتح له"، ذلك أنه نسبه إلى البخل بالطعام، والله إني أغلقت دوني إلا تخوفا على

ص: 35

فقال: ويلك يا كعب جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، ومن دونه غطفان وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، ولم يزل به حتى نقض عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب أنا وعمر بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان

جشيشتك أن آكل معك منها، ففتح له "فقال: ويلك" كلمة تقال لمن وقع في هلاك يستحقه، والمعنى وقعت في الهلاك إن لم توافقني، "يا كعب جئتك بعز الدهر" أي: بسبب عز مدته وبينه بقوله، "جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال" جمع سيل، "ومن دونه" أي: منزل قريش "غطفان، وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا، حتى نستأصل محمدًا ومن معه" فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه يرعد، ويبرق وليس فيه شيء، ويحك يا حيي دعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمدًا إلا صدقا ووفاء، "ولم يزل به" يفتله في الذروة والغارب.

قال في الروض: هو مثل أصله البعير، يستصعب عليك، فتأخذ القراد من ذروته، وغارب سنامه فيجد لذة، فيأنس عند ذلك، فضرب مثلا في المراوضة. قال الحطيئة:

لعمرك ما قراد بني بغيض

إذا نزع القراد بمستطاع

"حتى نقض عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم" وأعطاه عهدا على أنه إن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك يصيبني ما أصابك.

"وعن عبد الله بن الزبير" الصحابي أمير المؤمنين ابن الصحابي الحواري "قال: كنت يوم الأحزاب أنا وعمر" بضم العين "ابن أبي سلمة" بن عبد الأسد القرشي المخزومي الصحابي ابن الصحابي ربيبه صلى الله عليه وسلم أمه أم سلمة "مع النساء" يعني نسوة النبي صلى الله عليه وسلم "في أطم" بضمتين حصن مبني بالحجارة "حسان" بن ثابت أضيف إليه لكونه فيه مع النساء، وهذا لفظ مسلم، وله في رواية في الأطم الذي فيه النسوة.

قال ابن الكلبي: كان حسان لسا شجاعا فأصابته علة أحدثت فيه الجبن، فكان لا ينظر إلى قتال ولا يشهده.

وأخرج ابن إسحاق من مرسل يحيى بن عباد، عن أبيه، والطبراني برجال الصحيح من مرسل عروة، وأبو يعلى والبزار بإسناد حسن عن الزبير بن العوام قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم

ص: 36

فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا، فلما رجعت قلت يا أبت رأيتك تختلف، قال: أرأيتني يا بني قلت: نعم

إلى الخندق جعل نساءه وعمته صفية في حصن، ومعهم حسان فأقبل عشرة من اليهود، فجعلوا يرمون الحصن، ودنا أحدهم إلى بابه، وجعل يطيف به.

قالت صفية: وقد حاربت قريظة، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، والنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم، فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي، كما ترى ولا آمنه أن يدل على عوراتنا، فانزل إليه فاقتله، قال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، ولو كان في لخرجت مع رسول الله، قالت: فلم لم أر عنده شيئا أخذت عمودا، ثم نزلت فضربته به ضربة شدخت رأسه، حتى قتلته، ورجعت فقلت: يا حسان اسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه، إلا أنه رجل قال ما لي بسلبه من حاجة، فقلت: خذ الرأس وارم به إلى اليهود، قال: ما ذاك في، قالت: فأخذت الرأس فرميت به على اليهود، فقالوا: قد علمنا أن محمدًا لم يترك أهله خلوا ليس معهم أحد فتفرقوا.

زاد أبو يعلى، فأخبر بذلك صلى الله عليه وسلم فضرب لها بسهم كالرجال، أي: من غنائم قريظة.

قال في الروض: محمل هذا الحديث على أن حسان كان جبانا شديد الجبن، وأنكره بعض العلماء منهم ابن عبد البر في الدرر؛ لأنه حديث منقطع الإسناد، ولو صح لهجي به حسان، فإنه كا يهاجي الشعراء كطرار وابن الزهراء، وكانوا يناقضونه، ويردون عليه، فما عيره أحد منهم بجبن، ولا وسمه به، فدل ذلك على ضعف حديث ابن إسحاق وإن صح فالأولى أنه كان معتلا ذلك اليوم بعلة تمنعه شهود القتال ا. هـ.

وإنما كان أولى لأن ابن إسحاق لم ينفرد به، بل جاء بسند حسن متصل، كما علم فاعتضد حديثه، وقد قال ابن السراج: سكوت الشعراء عن تعبيره بذلك من أعلام النبوة؛ لأنه شاعره صلى الله عليه وسلم وفي مسلم وكان، أي: عمر، يطأطئ لي مرة فأنظر، وأطأطئ له مرة، فينظر فكنت أعرف أبي إذا مر على فرسه في السلاح "فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة" أي: يذهب ويجيء، "مرتين أو ثلاثا".

قال المصنف بالشك، كذا بإثبات مرتين أو ثلاثا في كل ما وقفت عليه من الأصول، وعزاه الحافظ ابن حجر، وتبعه العيني لرواية الإسماعيلي من طريق أبي أسامة لا يقال مراد الحافظ زيادة لك عند الإسماعيلي على رواية البخاري بعد قوله يختلف؛ لأنه ذكر ذلك عقب قوله إلى بني قريظة، "فلما رجعت" من أطم حسان إلى منزلنا، "قلت: يا أبت رأيتك تختلف" تجيء وتذهب إلى بني قريظة "قال" مستفهما بالهمز استفهام تقرير: "أرأيتني يا بني؟ قلت:

ص: 37

قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه في الفداء فقال:"فداك أبي وأمي". أخرجه الشيخان والترمذي وقال: حديث حسن.

وفي رواية أصحاب المغازي: فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما ابن رواحة وخوات بن جبير ليعرفوا الخبر،

نعم" رأيتك "قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من يأت بني قريظة، فيأتيني بخبرهم" بتحتية ساكنة بعد الفوقية، ولأبي ذر عن الكشميهني، فيأتني بحذفها، "فانطلقت" إليهم، "فلما رجعت" بخبرهم "جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبويه في الفداء" تعظيما لي وإعلاء لقدري، فإن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل له نفسه، "فقال: فداك أبي وأمي" لا يعارضه قول على ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لغير سعد بن مالك؛ لأن مراده بقيد يوم أحد أو تفدية خاصة كما مر.

قال الحافظ: وفي هذا الحديث صحة سماع الصغير، وأنه لا يتوقف على أربع، أو خمس؛ لأن ابن الزبير كان ابن سنتين وأشهر، أو ثلاث وأشهر بحسب الاختلاف في وقت مولده.

وفي تاريخ الخندق فإن قلنا: إنه ولد في أول سنة الهجرة، والخندق سنة خمس فيكون ابن أربع وأشهر، وإن عجلنا إحداهما وأخرنا الأخرى فيكون ابن ثلاث سنين وأشهر، "أخرجه الشيخان والترمذي، وقال: حديث حسن" من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير.

قال الحافظ: وبين مسلم أن في هذه الرواية أدراجا، فساقه من رواية علي بن مسهر إلى قوله إلى بني قريظة.

ثم قال: قال هشام، وأخبرني عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال فذكرت ذلك لأبي، إلخ الحديث ثم ساقه من طريق أبي أسامة عن هشام، فساق الحديث نحوه، ولم يذكر عبد الله بن عروة، ولكن أدرج القصة في حديث هشام عن أبيه، ويؤيده أن النسائي أخرج القصة الأخيرة من طريق عبدة عن هشام، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، والله أعلم.

"وفي رواية أصحاب المغازي فلما انتهى الخبر" أي: خبر نقض قريظة العهد، "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ومعهما ابن رواحة وخوات" بفتح الخاء المعجمة، وشد الواو فألف ففوقية "ابن جبير" الأنصاري الأوسي، شهد بدرا والمشاهد كلها.

زاد الواقدي وأسيد بن الحضير "ليعرفوا الخبر".

ص: 38

فوجدوهم على أخبث ما بلغه عنهم، قالوا من رسول الله وتبرءوا من عقده وعهده، ثم أقبل السعدان ومن معهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: عضل والقارة، أي: كغدرهما بأصحاب الربيع.

فعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، فأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن.

وعند ابن إسحاق فقال: انطلقوا لتنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟، فإن كان حقا فالحنوا إلي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا فاجهروا به للناس.

قال في الروض: اللحن العدول بالكلام على الوجه المعروف عند الناس إلي وجه لا يعرفه إلا صاحبه، كما أن اللحن الذي هو الخطأ عدول على الصواب المعروف، وتفتوا بضم الفاء وشد الفوقية.

قال في الروض: أي تكسروا من قوتهم، وتوهنوهم وضرب العضد مثلا، وقال في أعضاد ولم يقل أعضاء؛ لأنه كناية عن الرعب الداخل في القلب، ولم يرد كسرا حقيقيا، ولا العضد الذي هو العضو، وإنما هو عبارة عما يدخل في القلب من الوهن، وهو من أفصح الكلام، فخرجوا حتى أتوهم، "فوجدوهم على أخبث ما بلغه عنهم، قالوا من رسول الله" فتكلموا فيه بما لا يليق، وقالوا من رسول الله "وتبرءوا من عقده وعهده" فقالوا: لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، "ثم أقبل السعدان، ومن معهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم،" فلحنوا له كما أمرهم، "وقالوا: عضل والقارة أي:" غدرروا "كغدرهما بأصحاب الربيع" خبيب وأصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين"، كذا في ابن إسحاق، ثم رواية أصحاب المغازي هذه لا تنافي رواية الصحيح التي قبلها أنه أرسل الجميع دفعة، أو بعد إرسال الزبير لاحتمال أن يرجعوا إلى العهد بعد نقضه حياء من حلفائهم؛ لأنهم كانوا حلفاء الأوس، وقد أرسل إليهم سيدهم فغلبت عليهم الشقوة، وليس لك أن تقول أو لاحتمال أن الزبير علم من غيرهم نقض العهد، فاكتفى به؛ لأنه ظن سوء بمثل الزبير تأباه مروءته وشجاعته "فعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، فأتاهم عدوهم من فوقهم" من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان، "ومن أسفل منهم"، من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش.

وعند ابن مردويه عن ابن عباس: إذ جاءوكم من فوقكم.

قال عيينة بن حصن: ومن أسفل منكم أبو سفيان بن حرب "حتى ظن المؤمنون كل ظن" كما قال تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب: 10] أي: المختلفة بالنصر

ص: 39

واليأس، وقال تعالى:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 214] .

قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: نزلت هذه الآية في يوم الأحزاب. أصاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ وأصحابه بلاء وحصر.

وعند الواقدي فقال صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر أبشروا بنصر الله وعونه إني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكن كسرى وقيصر ولننفقن أموالهما في سبيل الله"، يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكرب.

وذكر ابن إسحاق ما حاصله فأراد صلى الله عليه وسلم أن يعطي عيينة بن حصن، ومن معه ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا، فمنعه السعدان وقالا: كنا نحن وهم على الشرك لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة إلا بقرى أو بيع، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا بهذا من حاجة، والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"أنت وذاك".

وروى البزار والطبراني عن أبي هريرة: أتى الحارث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ناصفنا تمر المدينة وإلا ملأتها عليك خيلا ورجالا، فقال:"حتى أستأمر السعود سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وسعد بن الربيع، وسعد بن خيثمة، وسعد بن مسعود، فكلمهم" فقالوا: لا والله ما أعطينا الدنية في أنفسنا في الجاهلية، فكيف وقد جاء الله بالإسلام، فأخبر الحارث فقال: غدرت يا محمد، كذا في هذا الحديث، وسعد بن الربيع وقد تقدم أنه استشهد بأحد ولا خلف لاحتمال أن إتيان الحارث بسبب ذلك قبل أحد إذ ليس في الحديث أنه أتى يوم الخندق.

"ونجم" بفتح النون والجيم والميم، ظهر "النفاق من بعض المنافقين" كذا عند ابن إسحاق، وينافيه ظاهر قوله تعالى:{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} [الأحزاب: 12] إلا أن يكون الذين أظهروه بعضهم ولم ينكره باقيهم ولا ضعاف القلوب من المؤمنين، فنسب القول إلى جميعهم "وأنزل الله تعالى:{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأحزاب: 12]" من الظفر وإعلاء الدين "{إِلَّا غُرُورًا} " [الأحزاب: 12] وعدا باطلا.

ذكر ابن إسحاق أن قائله معتب بن قشير.

قال: كان محمد يرى أن نأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.

ص: 40

وقال رجال ممن معه: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال أوس بن قيظي: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو، فائذن لنا فنرجع إلى ديارنا، فإنها خارج المدينة.

وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي على فرس له ليوثبه فوقع في الخندق فقتله الله. وكبر ذلك على المشركين، فأرسلوا إلى رسول صلى الله عليه وسلم إنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه، فرد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله

وأخرج جويبر عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية في معتب بن قشير الأنصاري، هو صاحب هذه المقالة وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه.

قال ابن هشام: وأخبرني من أثق به من أهل العلم أن معتبا لم يكن من المنافقين، واحتج بأنه كان من أهل بدر "الآيات" وهذا إخبار إجمالي عما نزل بسبب ظهور النفاق، فصله بقوله:"وقال رجال ممن معه: يا أهل يثرب لا مقام لكم" بضم الميم وفتحها، أي: لا إقامة ولا مكان، "فارجعوا" إلى منازلكم بالمدينة.

"وقال أوس بن قيظي" بتحتية وظاء معجمة، الأنصاري الأوسي، يقال: إنه منافق تمسكا بهذه القصة ونحوها، لكن ذكره في الإصابة في القسم الأول، وقال: شهد أحدًا هو وابناه عرابة وعبد الله، ويقال كان منافقا، وإنه القائل: إن بيوتنا عورة، ا. هـ. وابنه عرابة في صحبته خلاف، وكان سيدا وفيه يقول شماخ:

إذا ما راية رفعت لمجد

تلقاها عرابة باليمين

"يا رسول الله إن بيوتنا عورة" غير حصينة، نخشى عليها "من العدو" قال ابن إسحاق، وذلك عن ملأ من رجال قومه، "فائذن لنا فنرجع إلى ديارنا فإنها خارج المدينة" قال تعالى:{وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: 13] .

قال ابن عائذ: بياء وذال معجمة، محمد الحافظ صاحب المغازي، "وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي" يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، كما عند أبي نعيم "على فرس له ليوثبه الخندق، فوقع في الخندق".

زاد في رواية أبي نعيم: فاندقت عنقه، "فقتله الله وكبر" عظم "ذلك على المشركين فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نعطيكم الدية".

قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنهم أعطوا في جسده عشرة آلاف درهم، "على أن تدفعوه إلينا، فندفنه، فرد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم" جواب قولهم ذلك بقوله: "إنه خبيث" لموته كافرا محاربا لله ورسوله، "خبيث الدية" لعدم حلها، إذ لا دية في مثل هذه الصورة، "فلعنه الله

ص: 41

ولعن ديته، ولا نمنعكم أن تدفنون ولا أرب لنا في ديته".

قال ابن إسحاق: وأقام عليه الصلاة والسلام والمسلمون وعدوهم يحاصرهم، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل، لكن كان عمرو بن عبدود العامري اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق، حتى كانوا بالسبخة، فبارزه علي فقتله،

ولعن ديته، ولا نمنعكم أن تدفنوه ولا أرب" بفتح الهمزة والراء وبالموحدة، أي: حاجة "لنا في ديته".

"وقال ابن إسحاق: وأقام عليه الصلاة والسلام والمسلمون" على الخندق، "وعدوهم يحاصرهم، ولم يكن بينهم قتال،" إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة، قاله ابن سعد، "اقتحم هو ونفر معه" هم: عكرمة وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب، كما في ابن إسحاق "خيولهم" بالرفع بدل من الفاعل فهو المقصود بالنسبة، ومعناه اقتحمت بإكراههم إياها، أو بالنصب واقتحم بمعنى أقحم مجاز "من ناحية ضيقة من الخندق حتى كانوا بالسبخة" بمهملة فموحدة فمعجمة مفتوحات، واحدة السباخ، ويقال أرض سبخة بالكسر ذات سباخ وهو أنسب بالمصنف، أي: حتى صاروا بالأرض السبخة بين الخندق وسلع، "فبارزه علي" بعدما نادى عمرو ثلاثا من يبازر؟ وفي كل مرة يقول علي: أنا له يا نبي الله، فيقول:"اجلس، إنه عمرو"، فقال علي في الثالثة: وإن كان عمرا فأعطاه صلى الله عليه وسلم سيفه وعممه، وقال:"اللهم أعنه عليه"، فدعاه إلى الإسلام أو الرجوع عن الحرب، فأبى إلا البراز فضحك، وقال: ما كنت أظن أحدا يرومني على هذه الخصلة فمن أنت، قال: علي بن أبي طالب، قال: يابن أخي من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك، فقال علي: لكني والله لا أكره أن أهريق دمك فغضب عمرو، فنزل عن فرسه وعقرها وسل سيفه، كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحوه علي مغضبا، فاستقبله على بدرقته ودنا أحدهما من الآخر، وثارت بينهما غبرة فضربه عمرو فاتقاها بدرقته، فانقدت وأثبت فيها السيف وضربه علي فوق عاتقه "فقتله" وقيل: طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فسقط ثم أقبل نحوه صلى الله عليه وسلم وهو متهال، فقال له عمر بن الخطاب: هلا سلبته درعه فإنه ليس في العرب درع خير منها، فقال: إنه حين ضربته استقبلني بسوأته فاستحييت.

قال الحاكم: سمعت الأصم، قال: سمعت العطاردي قال: سمعت الحافظ يحيى بن آدم يقول: ما شبهت قتل علي عمرا إلا بقوله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} [البقرة: 251] .

ص: 42

وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة فقتله الزبير وقيل قتله علي، ورجعت بقية الخيول مهزومة.

ورمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل -وهو بفتح الهمزة والمهملة بينهما كاف ساكنة- عرق في وسط الذراع. قال الخليل: هو عرق الحياة يقال إن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النسا،

"وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة" المخزومي "فقتله الزبير" بن العوام بالسيف، حتى شقه اثنتين وقطع سرجه حتى خلص إلى كاهل الفرس، فقيل: ما رأينا مثل سيفك، قال: ما هو السيف، ولكنها الساعد، "وقيل: قتله علي" هكذا عزاه في الفتح لابن إسحاق فتبعه المصنف ولم يذكر ذلك ابن هشام في روايته عن البكائي عنه، فلعله في رواية غيره ثم هو معارض لما قدمه المصنف عن ابن عائذ من أنه اقتحم الخندق، فوقع فيه فقتل، وهو الذي ذكره ابن هشام عن زياد عن ابن إسحاق ومثله في رواية أبي نعيم، وعليه اقتصر اليعمري.

وقد روي ابن أبي شيبة من مرسل عكرمة، أن رجلا من المشركين قال يوم الخندق: من يبارز؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "قم يا زبير" فقالت أمه صفية: واحدي يا رسول الله، فقال:"قم يا زبير"، فقام فقتله، ثم جاء بسلبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنفله إياه.

وذكر ابن جرير، أن نوفلا لما تورط في الخندق، رماه الناس بالحجارة، فجعل يقول قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علي فقتله، وفي الجمع بين الثلاثة عشر.

"ورجعت بقية الخيول مهزومة" قال ابن هشام: وألقى عكرمة رمحه يومئذ، وهو منهزم عن عمرو فعيره حسان بأبيات، فلما رجعوا إلى أبي سفيان قال: هذا يوم لم يكن لنا فيه شيء فارجعوا، وكان شعار الصحابة يوم الخندق وبني قريظة حم لا ينصرون، "ورمي سعد بن معاذ بسهم، فقطع منه الأكحل، وهو بفتح الهمزة و" الحاء "المهملة بينهما كاف ساكنة، عرق في وسط الذراع".

"قال الخليل" ابن أحمد لأزدي الفراهيدي، أبو عبد الرحمن البصري اللغوي، صاحب العروض والنحو، العالم العابد الصدوق في الحديث. مات بعد الستين ومائة، وقيل: سنة سبعين أو بعدها. أخرج له ابن ماجه في التفسير، "هو عرق الحياة يقال: إن في كل عضو منه شعبة، فهو في اليد الأكحل".

وفي القاموس: هو عرق في اليد، أو هو عرق الحياة، ولا تقل عرق الأكحل، "وفي الظهر الأبهر" بفتح الهمزة والهاء بينهما موحدة ساكنة، وفي القاموس: الأبهر الظهر، وعرق فيه ووتد العنق والأكحل، "وفي الفخذ النسا" بفتح النون مقصور، كما قال الأصمعي: عرق من الورك إلى

ص: 43

إذا قطع لم يرقا الدم.

وكان الذي رمى سعدا، ابن العرقة، أحد بني عامر بني لؤي، قال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعد: عرق الله وجهك في النار. ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه.

الكعب.

قال أبو زيد: يثنى نسوان ونسيان والجمع أنساء.

قال ابن السكيت: هو عرق النسا، وقال الأصمعي: هو النسا، ولا تقل عرق النسا.

قال الزجاج: لأن الشيء لا يضاف إلى بعضه.

"إذا قطع لم يرقأ الدم" بالهمز، أي: لم ينقطع، ونسخة لم يرق تحريف، فالذي في اللغة إنه مهموز، لكن وجهها شيخنا في التقرير، بأن الهمزة أبدلت ألفا قبل الجازم، فلما دخل حذفت الألف كالحركة، "وكان الذي رمى سعدا هو ابن العرقة" بفتح العين المهملة وكسر الراء، وهي أمه واسمها قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم، تكنى أم فاطمة، سميت العرقة لطيب ريحها، وهي جدة خديجة أم أبيها، وهو حبان بن عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن هصيص بن عامر بن لؤي، كذا قال السهيلي.

وقال ابن الكلبي: هي أم عبد مناف جد أبيه، وهو عنده حبان بن أبي قيس بن علقمة بن عند مناف.

قال في التبصير: وحبان، بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة مثقلة، وصحفه موسى بن عقبة، فقال جبار، بجيم وموحدة وراء، والأول أصح قاله الأمير، يعني ابن ماكولا "أحد بني عامر بن لؤي" ولذا يقال له العامري، "قال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعد" ويقال النبي صلى الله عليه وسلم "عرق" بعين مهملة "الله وجهك في النار، ثم قال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا، فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه" وأخرجوه وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، هذا بقية قوله عند ابن إسحاق ونحوه في الصحيح، وقد استحباب الله له، فلم يقم لقريش حرب بعدها، وما مات حتى حكم في بني قريظة كم يأتي.

قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك، أنه كان يقول: ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشني حليف بني مخزوم.

ص: 44

وأقام عليه الصلاة والسلام وأصحابه بضع عشرة ليلة. فمشى نعيم بن مسعود الأشجعي -وهو مخف إسلامه- فثبط قوما عن قوم وأوقع بينهم شرا لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الحرب خدعة

وقال ابن هشام: ويقال الذي رماه خفاجة بن عاصم بن حبان، والله أعلم.

"وأقام عليه الصلاة والسلام وأصحابه" في حصار الكفار على الخندق، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل والحجارة "بضع عشرة ليلة".

وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار عشرون يوما، نقله الفتح.

وفي العيون: بضع وعشرون ليلة قريب من شهر.

وفي الهدي: إنه شهر.

"فمشى نعيم بن مسعود" بن عامر بن أنيف، بنون وفاء مصغر "الأشجعي" الصحابي، المشهور، المتوفى أول خلافة علي، خرج له أبو داود، "وهو مخف إسلامه، فثبط قوما" وهم بنو قريظة "عن قوم" وهم قريش ومن معهم، "وأوقع بينهم شرا" كراهية من كل فريق للآخر لا حربا، وإنما فعل ذلك "لقوله عليه الصلاة والسلام" له لما أتاه قائلا: إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، قال صلى الله عليه وسلم:"خذل عنا فـ " إن الحرب خدعة " ".

قال الحافظ: بفتح المعجمة، وبضمها مع سكون الدال المهملة فيها، وبضم أوله وفتح ثانيه صيغة مبالغة، كهمزة لمزة.

قال النووي: اتفقوا على أن الأولى أفصح، حتى قال ثعلب: بلغنا أنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك جزم أبو ذر الهروي والقزار، والثانية ضبطت كذلك في رواية الأصيلي.

قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أنه صلى الله عليه وسلم كان يستعملها كثيرا لو جاه لفظها ولكونها تعطي معنى للشيئين الآخرين.

قال: ويعطي معناها أيضا الأمر باستعمال الحيلة مهما أمكن، ولو مرة، فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى إذ المعنى أنها تخدع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر، أو أنها وصف للمفعول، كهذا الدرهم ضرب الأمير، أي: مضروبه.

وقال الخطابي: إنها المرة الواحدة، يعني أنه إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته، ومعنى الضم مع السكون أنها تخدع الرجال، أي: ي محل الخداع، وموضعه ومع فتح الدال، أي: تمنيهم الظفر، ولا تفي لهم، كالضحكة إذا كان يضحك بالناس، وقيل: الحكمة في الإتيان بالتاء، الدلالة على الوحدة، فإن الخداع أن كان من المسلمين، فكأنه حضهم على ذلك، ولو مرة واحدة، وإن كان من الكفار، فكأنه حذرهم من مكرهم، ولو وقع مرة واحدة، فلا ينبغي

ص: 45

فاختلفت كلمتهم.

التهاون بهم، لما ينشأ عنه من المفسدة ولو قل.

وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع، أي: إن أهلها بهذه الصفة، فكأنه قال أهل الحرب خدعة.

وحكى مكي، ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة كسر أوله مع الإسكان، وأصل الخدع أبطأن أمر وإظهار خلافه، وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع الكفار، وإن لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه.

قال النووي: اتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز.

قال ابن العربي: ويقع الخداع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة، ولذا اقتصر على ما يشير إليه بهذا الحديث، وهو كقوله: الحج عرفة.

قال ابن المنير: معنى الحرب خدعة، أن الحرب الجيدة لصاحبها، الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة، لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر.

وذكر الواقدي أن أول ما قال صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة في غزوة الخندق انتهى من الفتح، وهو صريح في أن الرواية إنما هي بالثلاثة، الأولى لتصريحه بلغة رابعة لغة خامسة، وتبعه المصنف.

وفي القاموس: أنه روي أيضا بكسر الخاء وسكون الدال، ويوافقه قول السيوطي في التوشيح بفتح الخاء وضمها، وكسرها وسكون الدال، أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن.

"فاختلفت كلمتهم" وذلك أن نعيما أتاه صلى الله عليه وسلم فقال: إني أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال:"إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة" فخرج حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما، فقال: قد عرفتم ودي وإياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم، وأبناؤكم، ونساؤكم لا تقدرون أن تحولوا منه إلى غيره، وأنهم جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبينه ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم أتى قريشا، فقال لأبي سفيان ومن معه: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر رأيت حقا علي أن أبلغكموه نصحا لكم،

ص: 46

وروى الحاكم عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب

فاكتموه عني، قالوا: نفعل، قال: إن يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا إلى محمد إنا قد ندمنا على ما فعلنا، أيرضيك أن نأخذ من أشراف قريش وغطفان رجالا تضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم، فأرسل إليهم نعم، فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا، فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا، ثم أتى غطفان فقال: إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فقال لهم مثل ما قال لقريش، وكان من صنع الله لرسوله أن أبا سفيان ورءوس غطفان أرسولوا إلى بني قريظة عكرمة في نفر من القبيلتين، فقالوا: إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر، فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت لا نعمل فيه شيئا، وكان قد أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بمقاتلين معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدًا، فإنا نخشى إن اشتد عليكم القتال، أن ترجعوا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طلاقة لنا به، فقالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم به لحق، فأرسلوا إليهم إناوالله لا ندفع إليكم جلا واحدا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق، فأرسلوا إليهم إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم الريح في ليال شديدة البرد، فأكفأت قدورهم وطرحت أبنيتهم، ذكره ابن إسحاق في رواية ابن هشام عن البكائي عنه، ولخصه الحافظ في الفتح بأوجز عبارة، وقال بعده ما لفظه.

قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة عن عائشة: أن نعيما كان رجلا نمويا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إن اليهود قد بعثت إلي، إن كان يرضيك أنا نأخذ من قريش وغطفان رهنا نبعثهم إليك فتقتلهم فعلنا، فرجع نعيم مسرعا إلى قومه فأخبرهم، فقالوا: والله ما كذب محمد عليهم وإنهم لأهل غدر، وكذا قال لقريش، فكان ذلك سبب خذلانهم ورحيلهم ا. هـ.

"وروى الحاكم عن حذيفة" بن اليمان الصحابي ابن الصحابي "قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب" أي: الليلة التي اشتد علينا الأمر فيها من ليالي الأحزاب، وهي الليلة التي كانت بعد المحاصرة الشديدة، وذلك كما ذكر ابن سعد وغيره، أنه لما طال المقام على قريش، وقتل عمرو، وانهزم من معه اتعدوا أن يفدوا جميعا، ولا يتخلف منهم أحد، فباتوا يعبون أصحابهم، ثم وافوا الخندق قبل طلوع الشمس وعبى صلى الله عليه وسلم أصحابه، وجمعهم على القتال، ووعدهم النصر إن صبروا، والمشركون قد جمعوا المسلمين في مثل الحصن من كتائبهم، فأحدقوا بكل وجه من الخندق، ووجهوا على خيمته صلى الله عليه وسلم كتيبة عظيمة غليظة فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم يومهم

ص: 47

وأبو سفيان ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشد ظلمة ولا ريحا منها، فجعل المنافقون يستأذنون ويقولون بيوتنا عورة، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأن جاث على ركبتي

ذلك إلى هوى من الليل ما يقدر صلى الله عليه وسلم ولا أحد من المسلمين أن ينزلوا من مواضعهم، ولا على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء، فجعل الصحابة يقولون: ما صلينا، فيقول صلى الله عليه وسلم:"ما صليت" حتى كشفهم الله، فرجعوا متفرقين، ورجع كل فريق إلى منزله، وأقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق فكرت خيل المشركين، وعليها خالد يطلبون غرة فناوشوهم ساعة، فزرق وحشي بن حرب الطفيل بن النعمان، وقيل: فيه الطفيل بن مالك بن النعمان من بني سلمة بمزراقه، فقتله وانكشفوا وسار صلى الله عليه وسلم إلى قبته، فأمر بلالا فأذن، وأقام فصلى الظهر، ثم أقام لكل صلاة إقامة فصلوا ما فاتهم، وقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، ولم يكن بعد قتال حتى انصرفوا، لكنهم لا يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة "وأبو سفيان ومن معه من فوقنا" أي: من فوق الوادي من قبل المشرق، "وقريظة أسف منا" من بطن الوادي من قبل المغرب، وهذا خلاف ما مر عن ابن عباس أن الذين من فوقهم غطفان، ومن أسفل منهم قريش، رواه ابن مردويه، وبه جزم البغوي وغيره، وزادوا وانضم إلى غطفان بنو قريظة والنضير، ويحتمل الجمع بأن قريشا كانت تأتي تارة من فوق وغطفان من أسفل، وتارة على العكس من ذلك، ثم لعل معنى كون قريظة مع المشركين، أي: في جهتهم منحازين في جانب لأنفسهم ممتنعين من الزحف معهم عليه صلى الله عليه وسلم، فلا ينافي أيضا حديث نعيم من امتناعهم من القتال، وفيه بعد لأن ظاهر حديث نعيم أنهم لم يخرجوا من ديارهم، فلعل معنى قوله وقريظة أسفل منا وهم في ديارهم، ويؤيده أو يعينه قوله:"نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة أشد ظلمة ولا ريحا منها،" لا ينافي هذا قوله في بقية ذا الحديث، فإذا الريح فيه، أي: عسكر المشركين لا يجاوز شبرا؛ لأن شدة هذه بالنسبة للعادة، والآتية هي التي هتكت قبابهم وأطفأت نيرانهم، "فجعل المنافقون يسأذنون" النبي، "ويقولون: بيوتنا عورة" أي: غير حصينة.

وفي رواية البيهقي: فما يستأذن أحد منهم إلا أذن له فيتسللون.

وفي رواية له أيضا: أن رجلا قال لحذيفة: أدركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندركه، قال: يابن أخي والله لا تدري لو أدركته كيف تكون، لقد رأيتنا ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة، فقال صلى الله عليه وسلم:"من يذهب فيعلم لنا علم القوم، جعله الله رفيق إبراهيم يوم القيامة، فوالله ما قام أحد" فقال الثانية: " جعله الله رفيقي" فلم يقم أحد، فقال أبو بكر: ابعث حذيفة، "فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا جاث على ركبتي" من شدة البرد والجوع والخوف، ولابن إسحاق: فدعاني فلم

ص: 48

فقال: اذهب فائتني بخبر القوم ولم يبق معه إلا ثلاثمائة قال ودعا لي، فأذهب الله عز وجل عني القر والفزع، فدخلت عسكرهم فإذا الريح فيه، لا تجاوز شبرا، فلما رجعت رأيت فوارس في طريقي فقالوا: أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم.

وفي رواية: أن حذيفة لما أرسله عليه الصلاة والسلام ليأتيه بالخبر سمع أبا سفيان يقول:

يكن لي بد من القيم "فقال: اذهب فائتني بخبر القوم" وعند البيهقي: فقلت: أخشى أن أؤسر، قال:"إنك لن تؤسر""ولم يبق معه إلا ثلاثمائة" لا يفهم منه أن من عداهم وهم ألفان وسبعمائة منافقون. وقد قال تعالى: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ} [الأحزاب: 13] .

قال ابن عباس: الفريق بنو حارثة، قال غيره: وبنو سلمة، أي: منافقوهم، لأنهم خصوا بالذكر لتعللهم بالباطل، وإنما هو وسيلة الفرار، كما قال تعالى:{وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} [الأحزاب: 13] إن يريدون إلا فرارا. وأما المؤمنون فإنما رجعوا لألم البرد والجوع الشديدين، أو الخوف الحقيقي على بيوتهم، أو لفهمهم عدم التغليظ في ذهاب من يذهب فكشفوا حال بيوتهم ثم رجعوا.

"قال: ودعا لي" وفي رواية أبي نعيم عن حذيفة، فقال: اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، وعند ابن عقبة وابن عائذ فقال: قم حفظك الله من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا، فقمت مستبشرا بدعائه فما شق علي شيء مما كان، "فأذهب الله عز وجل عني القر" بضم القاف والبرد، "والفزع" الخوف.

زاد في رواية أبي نعيم: فوالله ما خلق الله تعالى قرا ولا فزعا في جوفي إلا خرج، فما وجدت منه شيئا، فمضيت كأنما أمشي في حمام، فلما ولت دعاني، فقال:"يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئا حتى تأتيني"، "فدخلت عسكرهم".

قال في رواية ابن إسحاق: والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء "فإذا الريح فيه لا تجاوز" عسكرهم "شبرا فلما رجعت رأيت فوارس" نحو عشرين "في طريقي" حين انتصف بي الطريق، أو نحو ذلك معتمين، "فقالوا:" وفي رواية فارسين، فقالا: "أخبر صاحبك أن الله قد كفاه القوم" بالريح والجنود.

"وفي رواية" لابن إسحاق: "أن حذيفة لما أرسله عليه الصلاة والسلام ليأتيه بالخبر سمع أبا سفيان يقول،" ولفظه: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة: أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه، قال: نعم، قال: فكيف كنتم تصنعون، قال: والله لقد كنا نجهد، قال: والله لو أدركنا ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه

ص: 49

يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الخف والكراع، واختلفنا وبنو قريظة، ولقينا من هذا الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم.

ووقع في البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم الأحزاب:

على أعناقنا فقال حذيفة: والله لقد رأيتني بالخندق وصلى صلى الله عليه وسلم هو يأمن الليل، ثم التفت إلينا فقال:"من رجل يقوم فينظر ما فعل القوم، ثم يرجع بشرط له الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة" فما قام رجل من شدة الخوف، وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني فلم يكن لي بد من القيام، فقال:"يا حذيفة اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتنيا"، فذهبت فدخلت فيهم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء.

فقال أبو سفيان: لينظر امرؤ من جليسه.

فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان:"يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام" أي: بمحل يصلح للإقامة فيه، "ولقد هلك الخف والكراع" بضم الكاف، وخفة الراء وبالعين المهملة، اسم لجمع الخيل، كما في الشامية، "واختلفنا وبنو قريظة" حيث امتنعوا من القتال معنا، وفيه عطف الظاهر على ضمير الرفع المتصل بلا فاصل، وهو جائز على قلة، لكن لفظ الرواية عند ابن إسحاق: وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، "ولقينا من هذا الريح ما ترون"، ما يطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، "فارتحلوا فإني مرتحل، ووثب على جمله، فما حل عقال يده،" أي: الجمل، "إلا وهو قائم".

ولفظ الرواية في ابن إسحاق: ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي، أن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه، فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر وسمعت غطفان بما صنعت قريش، فرجعوا إلى بلادهم هذا بقية رواية ابن إسحاق.

"ووقع في البخاري" في الجهاد، وفي المغازي، وكذا في مسلم، والترمذي، والنسائي وابن ماجه كله عن جابر، "أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم الأحزاب" وفي رواية النسائي عن

ص: 50

"من يأتينا بخبر القوم". فقال الزبير: أنا، فقال:"من يأتينا بخبر القوم"، فقال الزبير: أنا، فقال:"من يأتينا بخبر القوم"؟ قالها ثلاثا.

وقد أشكل ذكر الزبير في هذه القصة.

فقال ابن الملقن: وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب والمشهور أنه حذيفة بن اليمان.

قال الحافظ بن حجر: وهذا الحصر مردود، فإن القصة التي ذهب لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها، فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين؟ وقصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق، وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذرت كل طائفة من الأخرى، وأرسل الله عليهم الريح واشتد البرد تلك الليلة، فانتدب عليه الصلاة والسلام من يأتيه بخبر

جابر، أنه قال: يوم بني قريظة "من يأتيني بخبر القوم" بين الواقدي، أن المراد بهم بنو قريظة، وبه يسقط الإشكال الآتي، "فقال الزبير: أنا" آتيك بخبرهم، "ثم قال: "من يأتينا بخبر القوم"؟ فقال الزبير: أنا، ثم قال:"من يأتينا بخبر القوم"؟ فقال الزبير: أنا ثم قال: "إن لكل نبي حواريا، وإن حواري الزبير" هذا بقية الحديث في البخاري وغيره، وقوله "قالها ثلاثا" من المصنف ضبطا للحديث لئلا تسقط واحدة، وهي رواية المغازي، وأما الجهاد فقالها مرتين.

"وقد أشكل ذكر الزبير في هذه القصة، فقال ابن الملقن: وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب" لكشفها، "والمشهور" كما قال شيخنا أبو الفتح اليعمري، "أنه حذيفة بن اليمان"، كما رويناه من طريق ابن إسحاق وغيره.

"قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحصر مردود، فإن القصة التي ذهب" الزبير "لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها" فتوهمها ابن الملقن وشيخه واحدة وليس كذلك، "فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة، هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين" وهي التي رواها جابر في الصحيحين وغيرهما.

"وصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق، وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذرت كل طائفة من الأخرى، وأرسل الله عليهم الريح، واشتد البرد تلك الليلة فانتدب" أي: دعا "عليه الصلاة والسلام من يأتيه بخبر

ص: 51

قريش فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك، وقصته في ذلك مشهورة لما دخل بين قريش في الليل وعرف قصتهم.

قريش، فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك"، وهو الذي رواه ابن إسحاق وغيره، فتوهم اليعمري وتلميذه القصتين واحدة، فقضى بأن المشهور رواية ابن إسحاق وغيره، أنه حذيفة على رواية الصحيحين، وغيرهما أنه لزبير مع أنك قد علمت من هذا البيان الشافي، أنهما قصتان وهو واضح جدا، ولم يظهر لي قول شيخنا لا يظهر منه رد قول ابن الملقن، فالمفهوم منه أنه إنما أنكر أن الذاهب لقريش هو الزبير، ولم يدع أنه لم يذهب في غزوة الخندق بأمره صلى الله عليه وسلم البتة ا. هـ.

فإن وجه الرد عليه ليس من دعواه ذلك، حتى يقال إنه لم يدعه، بل من توهمه أن حديث الصحيح في بعثه لقريش، مع أنه إنما كان لبني قريظة، كما بينه الواقدي، بل روى النسائي عن جابر نفسه لما اشتد الأمر يوم بني قريظة، قال صلى الله عليه وسلم:"من يأتيني بخبرهم"، فلم يذهب أحد، فذهب الزبير فجاء بخبرهم، ثم اشتد الأمر أيضا، فقال:"من يأتينا بخبرهم"؟، فلم يذهب أحد، فذهب الزبير، ثم اشتد الأمر أيضا، قال:"من يأتينا بخبرهم"؟ فلم يذهب أحد، فذهب الزبير.

ففيه أنه ذهب لقريظة ثلاث مرات، وقول بعضهم: لا مانع أنه أرسل الزبير لقريظة مرة أخرى للبحث عن حال قريش فاسد، فالمانع موجود وهو مجيء الرواية عن جابر نفسه، أن ذهاب الزبير لبني قريظة.

والروايات يفسر بعضها بعضا، وتجويز أنه صلى الله عليه وسلم عدل عن إرسال الزبير؛ لأن له حة وشدة، لا يملك معها نفسه أن يحدث بالقوم، ما نعى عنه حذيفة، فاختار إرساله لذلك، وأن بهذا يرد كلام الحافظ، هذا الذي نقله المصنف خطأ صريح أوقعه في حق الحواري أحد الشعرة، حاشاه من هذا الهذيان، فإنه لا يفعل ما نهاه عنه لو وقع.

"وقصته" أي: حذيفة "في ذلك مشهورة لما دخل بين قريش في الليل، وعرف قصتهم"، فعند أبي نعيم والبيهقي وغيرهما عنه قال: لما دخلت بينهم نظرت في ضوء نار توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته وحوله عصبة، قد تفرق عنه الأحزاب، وهو يقول الرحيل، ولم أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش لأضعه في كبد القوس لأرميه في ضوء النار، فذكرت قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني" فأمسكت ورددت سهمي، فلما جلست فيهم أحس أبو سفيان أنه قد دخل فيهم من غيرهم، فقال:"ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه"، فضربت بيدي على يد الذي عن يميني، فأخذت بيده فقلت: من أنت؟، قال: معاوية بن أبي سفيان، ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي فقلت: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص، فعلت ذلك خشية أن يفطن بي، فبدرتهم

ص: 52

وفي البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب

بالمسألة ثم تلبثت فيهم هنيهة، فأتيت قريشا وبني كنانة وقيسا، وقلت: ما أمرني به صلى الله عليه وسلم بقوله: ادخل حتى تدخل بين ظهراني القوم، فأتيت قريشا، فقلت: يا معشر قريش، إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقال أين قريش، أين قادة الناس، أين رءوس الناس، فيقدمونكم فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم، ثم ائت بني كنانة فقل إذا كان غدا فيقال: أين رماة الحذف فيقدمونكم فتصلوا القتال فيكون القتل فيكم ثم ائت قيسا فقل: يا معشر قيس إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقولوا أين قيس، أين أحلاس، الخيل أين الفرسان، فيقدمونكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم الحديث.

وذكر في بقيته ارتحالهم وغلبة الريح عليهم، وأنه عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولقيه الفوارس في نحو نصف الطريق، فلما وصل عاد له البرد ووجده صلى الله عليه وسلم يصلي، فأومأ إليه بيده فدنا منه، فسدل عليه من فضل شملته، قال: فأخبرته الخبر وإني تركتهم يترحلون، فلم أزل نائما حتى الصبح، فلما أصبحت، قال صلى الله عليه وسلم:"قم يا نومان".

"وفي البخاري" في الجهاد، والمغازي، والتوحيد والدعوات، ومسلم في المغازي، والترمذي وابن ماجه في الجهاد والنسائي في السير كلهم "من حديث" الصحابي ابن الصحابي "عبد الله بن أبي أوفى" بفتح الهمزة والفاء بينهما واو ساكنة، كما ضبطه الكرماني وغيره، واسمه علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، شهد عبد الله الحديبية، وعمر دهرا، ومات سنة سبع وثمانين، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. "قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب".

وفي رواية أحمد وابن سعد عن جابر، أنه صلى الله عليه وسلم أتى مسجد الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء بين الظهر والعصر، فوضع رداءه، فقام فرفع يديه يدعو عليهم، فرأينا البشر في وجهه.

وفي رواية أبي نعيم: انتظر حتى زالت الشمس، ثم قام، فقال:"يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن لقيتم العدو فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"، ثم دعا "فقال:"اللهم" أي: يا الله، يا "منزل الكتاب" القرءان.

قال الطيبي: لعل تخصيص هذا الوصف بهذا المقام تلويح إلى معنى الانتصار في قوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9] ، وأمثال ذلك يا "سريع الحساب".

قال الكرماني: إما أن يريد به سريع حسابه، بمجيء وقته، وإما أنه سريع في الحساب،

ص: 53

اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم".

وروى أحمد عن أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر فقال: "نعم، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا". قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح فهزمهم بالريح.

"اهزم الأحزاب" بزاي: اكسرهم، وبدد شملهم، "اللهم اهزمهم وزلزلهم" فلا يثبتوا عند اللقاء، بل تطيش عقولهم، وترعد أقدامهم، وقد استجاب الله لرسوله، فأرسل عليهم ريحا وجنودا، فهزمهم حتى قال طليحة بن خويلد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بالسحرة فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال.

وخص الدعاء عليهم بالهزيمة والزلزلة دون الهلاك؛ لأن في الهزيمة سلامة نفوسهم، وقد يكون ذلك رجاء أن يتوبوا من الشرك ويدخلوا في الإسلام والإهلاك مفوت لهذا المقصد الصحيح.

"وروى أحمد عن أبي سعيد" سعد بن مالك بن سنان الخدري، الصحابي، ابن الصحابي، "قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر" جمع حنجرة، وهي مجرى النفس.

قال قتادة: شخصت مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها لخرجت، رواه ابن أبي حاتم، وقد قيل: إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع والغضب، أو الغم الشديد ربت، وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وقيل: هو تمثيل عن شدة الخوف، وعليه السهيلي. قال في الروض فيه: أن التكلم بالمجاز مبالغة حتى إذا فهمه المخاطب، فإن القلب لو انتقل إلى الحنجرة لمات صاحبه، فحالهم فيما بلغهم من الخوف وضيق الصدر، كمثل المنخلع قلبه من موضعه، ومثله جدارا يريد أن ينقض، أي: مثله كمثل من يريد الفعل، ويهم به فهو من مجاز التشبيه، وقيل: هو على حذف مضا، تقديره بلغ وجيف القلوب الحناجر ا. هـ، "فقال:"نعم"، قولوا: اللهم استر عوراتنا"" أي: خللنا، أي: عيوبنا، وتقصيرنا وما يسوءها إظهاره، "وآمن" بمد الهمزة وكسر المبهم مخففة، ويجوز القصر والتثقيل "روعاتنا" خوفنا وفزعنا من الروع بالفتح الفزع، وفيه من أنواع البديع جناس القلب، وإيقاع الأمن على الروع مجاز من إطلاق اسم المحل، وهو القلب على الحال فيه وهو الروع، وبهذا وافق قوله تعالى:{وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 4]، قوله:{وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55] ، حيث أوقع الأمن على الذوات.

"قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح، فهزمهم بالريح" وكفى الله المؤمنين القتال، فانصرف الكفار خائبين خائفين، حتى إن عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد أقاما في مائتي

ص: 54

وفي "ينبوع الحياة" لابن ظفر: قيل إنه صلى الله عليه وسلم دعا فقال: "يا صريخ المكروبين يا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابي". فأتاه جبريل فبشره بأن الله سبحانه يرسل عليهم ريحا وجنودا، فأعلم أصحابه ورفع يديه قائلا:"شكرا شكرا"، وهبت ريح الصبا ليلا فقلعت الأوتاد وألقت عليهم الأبنية وكفت القدور

فارس، ساقه عسكر المشركين ردأ لهم، مخافة الطلب، كما ذكره ابن سعد.

"وفي ينبوع الحياة" اسم تفسير القرءان العظيم "لابن ظفر" بفتح الظاء المعجمة والفاء بعدها راء، كما ضبطه ابن خلكان، ونسب إلى جده لشهرته به، وإلا فهو محمد بن محمد بن ظفر أحد الفضلاء صاحب التصانيف الصقلى، ولد بها، ونشأ بمكة، وتنقل في البلاد، وسكن آخر وقته بحماة، وكان فقيرا جدا حتى قيل: إنه زوج بنته بغير كفؤ للحاجة، فخرج الزوج بها من حلب، وباعها "قيل: إنه صلى الله عليه وسلم دعا فقال: "يا صريخ" بخاء معجمة، أي: يا مغيث "المكروبين"، ويطلق على المستغيث أيضا، كما في القاموس، وليس مرادا هنا "يا مجيب المضطرين" المكروبين الذي مسهم الضر، كما قال: أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء "اكشف همي وغمي وكربي، فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابي، فأتاه جبريل فبشره بأن الله سبحانه وتعالى يرسل عليهم ريحا وجنودا، فأعلم أصحابه" بذلك ليزول خوفهم، "ورفع يديه قائلا" أشكرك "شكرا شكرا" أي: شكرا بعد شكر على ما أوليتني من نعمائك "وهبت ريح الصبا" بفتح الصاد المهملة وخفة الموحدة، وهي الشرقية، ويقال لها القبول؛ لأنها تقابل الشمال، وهي الريح العقيم التي لا خير فيها "ليلا".

روى ابن مردويه والبزار وغيرهما برجال الصحيح، عن ابن عباس قال: لما كانت ليلة الأحزاب قال الصبا للشمال: اذهبي بنا ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن الحرائر لا تهب بالليل، فغضب الله عليها، فجعلها عقيما، وأرسل الصبا، فأطفأت نيرانهم، وقطعت أطنابهم، فقال صلى الله عليه وسلم:"نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور".

وروى الشيخان والنسائي عنه مرفوعا: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور بفتح الدال، الريح الغربية، ومن لطيف المناسبة، كون القبول نصرت أهل القبول، والدبور أهلكت أهل الأدبار "فقلعت" الأوتاد" وأطفأت النيران، "وألقت عليهم الأبنية" أي: الأخبية، "وكفت" قلبت "القدور" على أفواهها.

قال مجاهد: سلط الله عليهم، الريح فكفت قدورهم، ونزعت خيامهم حتى أظعنتهم، رواه البيهقي فهذا صريح في أنه من الريح، ومثله في الأنوار والنهر.

ص: 55

وسفت عليهم التراب ورمتهم بالحصى، وسمعوا في أرجاء معسكرهم التكبير وقعقعة السلاح فارتحلوا هرابا في ليلتهم وتركوا ما استثقلوه من متاعهم. قال: فذلك قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] .

وفي البخاري عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، كما شغلونا

وزاد: وبعث الله مع الصبا ملائكة تسدد الريح، وتفعل نحو فعلها ا. هـ. "وسفت عليهم التراب" في وجوههم، "ورمتهم بالحصا وسمعوا في أرجاء معسكرهم" أي: جوانبه، "التكبير وقعقعة السلاح" من الملائكة "فارتحلوا هرابا" بضم الهاء والتشديد، جمع هارب، أي: هاربين، "في ليلتهم وتركوا ما استثقلوه من متاعهم" فغنمه المسلمون مع عشرين بعيرا أرسلها أبو سفيان لحيي فحملها له شعيرا وتمرا وتبنا، فلقيها جماعة من المسلمين فأخذوها وانصرفوا بها إليه صلى الله عليه وسلم، فتوسعوا بها وأكلوه حتى نفد ونحروا منها أبعرة، وبقي منها ما بقي حتى دخلوا به المدينة، فلما رجع ضرار بن الخطاب أخبرهم الخبر، فقال أبو سفيان: إن حييا لمشئوم قطع بنا ما نجد، ما نحمل عليه إذا رجعنا، أخرجه الواقدي بإسناد له مرسل. "قال: فذلك قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} [الأحزاب: 9] ، صبا باردة في ليلة شاتية، {وَجُنُودًا} ملائكة قيل: كانوا ألفا.

وروى ابن سعد عن ابن المسيب قال: أتى جبريل يومئذ، ومعه الريح فقال صلى الله عليه وسلم حين رأى جبريل:"ألا أبشروا" ثلاثا، {لَمْ تَرَوْهَا} قذفت في قلوبهم الرعب والفشل، وفي قلوب المؤمنين القوة والأمل، وقيل: إنما أرسلت لتزجر خيل العدو وإبلهم، فقطعوا ثلاثة أيام في يوم واحد، ذكره ابن دحية.

قال مجاهد: ولم تقاتل الملائكة يومئذ.

قال البلاذري: بل غشيتهم تطمس أبصارهم فانصرفوا، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال.

"وفي البخاري" في الجهاد، والمغازي، والتفسير والدعوات، ومسلم وأبي داود والنسائي في الصلاة، والترمذي في التفسير، "عن علي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم" وقعة "الخندق".

قال الحافظ: وفي الجهاد يوم الأحزاب: وهو بالمعنى "ملأ الله بيوتهم" أي: الكفار أحياء، "وقبورهم" أمواتا "نارا"، والجملة خبرية لفظا، إنشائية معنى أي: اللهم املأ، ففيه كما قال الحافظ جواز الدعاء على المشركين بمثل ذلك "كما شغلونا".

وفي رواية المستملي: لما شغلونا بزيادة لام وهو خطأ، قاله الفتح، والكاف للتعليل بمعنى

ص: 56

عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" ومقتضى هذا أنه استمر اشتغاله، بقتال المشركين حتى غابت الشمس.

ويعارضه ما في صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال: حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"شغلونا عن الصلاة الوسطى". الحديث. ومقتضى هذا أنه لم يخرج الوقت بالكلية.

قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، الحبس انتهى إلى ذلك الوقت، أي: الحمرة أو الصفرة، ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب ا. هـ.

وفي البخاري عن عمر بن الخطاب

اللام، وما مصدرية نحو كما هداكم، أي: لشغلهم إيانا "عن" صلاة "الصلاة الوسطى" أي: عن إيقاعها.

زاد مسلم: صلاة العصر، "حتى غابت الشمس" زاد مسلم: ثم صليناها بين المغرب والعشاء، "ومقتضى هذا" صراحة "أنه استمر اشتغاله بقتال المشركين" أي: المراماة بينهم بالنبل والحجارة، "حتى غابت الشمس، ويعارضه ما في صحيح مسلم عن ابن مسعود، أنه قال: حبس" منع "المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت،" أي: قاربت الغروب، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"شغلونا عن الصلاة الوسطى"، الحديث. ومقتضى هذا" صراحة أيضا، "أنه لم يخرج الوقت بالكلية".

"قال الشيخ تقي الدين" أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المنفلوطي، العلامة الفقيه الحافظ، صاحب التصانيف "ابن دقيق العيد".

قال السخاوي، الملقب بذلك جده وهب لخروجه يوما من قوص، وعليه طيلسان أبيض وثوب أبيض، فقال بدوي: كأن قماش هذا يشبه دقيق العيد، يعني في البياض، فلزمه ذلك "الحبس انتهى إلى ذلك الوقت، أي: الحمرة أو الصفرة" كما هو لفظ ابن مسعود، "ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب" كما صرح به علي، وكأنه حصل لهم عذر، كخوف عود الكفار لهم، "انتهى" كلام تقي الدين وهو جمع بين الحديثين.

"وفي البخاري" في المواقيت، وصلاة الخوف والمغازي، ومسلم، والترمذي والنسائي في الصلاة عن جابر أن عمر جاء، وأما قوله:"عن عمر بن الخطاب" ففيه تسمح من المصنف، لم

ص: 57

أنه جاء يوم الخندق بعد ما غابت الشمس وجعل يسب كفار قريش قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب تنبيه

يرد أنه راوي الحديث؛ لأنه خلاف الواقع في البخاري وغيره، فإنما مراده عن قصة عمر، فقد قال الحافظ: اتفق الرواة على أن هذا الحديث من رواية جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حجاج بن نصير، فرواه عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، عن جابر، عن عمر، فجعله من مسند عمر، تفرد بذلك حجاج، وهو ضعيف ا. هـ. "أنه جاء يوم الخندق بعدما غابت"، وفي لفظ: غربت "الشمس و".

في رواية للبخاري أيضا: بعدما أفطر الصائم، والمعنى واحد. "جعل" بلا فاء في المغازي من البخاري، وله في المواقيت بإثباتها، فجعل "يسب كفار قريش" لأنهم السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار كما وقع لعمر، وإما مطلقا كما وقع لغيره. "قال: يا رسول الله ما كدت" قال المصنف: بكسر الكاف وقد تضم، "أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب".

قال اليعمري: كاد من أفعال المقاربة، فمعناه أنه صلى العصر قرب غروب الشمس؛ لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب.

وقال الكرماني: يلا يلزم منه وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة؛ لأنه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها.

قال: وحاصله عرفا ما صليت حتى غربت ا. هـ، وفيه نظر، فإن كاد إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، ولا يخفى ثقل تعبيره بكيدودة، ثم قوله: أن تغرب بحذف، أن عند البخاري في المواقيت، وثبوتها له في المغازي، ومثله في مسلم.

قال اليعمري: وهو من تصرف الرواة، والراجح أن كاد لا تقترن بأن بخلاف عسى، فالراجح اقترانها وهل تسع الرواية بالمعنى مثل هذا أو لا، الظاهر الجواز؛ لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر كيف وقعت، لا الإخبار أن عمر تكلم بالراجحة، أو المرجوحة، فإن قيل: الظاهر أن عمر كان معه صلى الله عليه وسلم فكيف اختص بإدراك العصر قل الغروب دونهم، فالجواب يحتمل أنه كان متوضئا، فبادر فصلى، ثم جاءه عليه السلام في حال تهيئة للصلاة فاعلمه، فقام هو وأصحابه إلى الوضوء انتهى ملخصا من الفتح.

"تنبيه": ما سقته من لفظ المتن هو ما في نسخة صحيحة، وهو الصواب المذكور في صحيح البخاري، وما في أكثر النسخ من قوله عن عمر، أنه جاء بعدما كادت الشمس تغرب، فهو مع كونه خلاف ما في البخاري من الاختصار المخل، لإيهامه أن مجيء عمر للمصطفى

ص: 58

فقال صلى الله عليه وسلم: "والله ما صليتها"، فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.

وقد يكون ذلك للاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها، ومقتضى هذه الرواية المشهورة أنه لم يفت غير العصر.

وفي الموطأ: الظهر والعصر.

قبل الغروب، وهو خلاف تصريحه بأنه جاء بعدما غربت الشمس، ويوهم أيضا أن عمر لم يصل العصر قبل الغروب، مع أن الحديث كالنص في أنه صلاها قبل الغروب كما علم "فقال صلى الله عليه وسلم:"والله ما صليتها "" فيه جواز اليمين من غير استحلاف، إذا اقتضته مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفي توهم، وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه وتألفهم، "فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان".

قال الحافظ: بضم أوله وسكون ثانيه، واد بالمدينة، وقيل: بفتح أوله وكسر ثانيه، حكاه أبو عبيد البكري، ونسب عياض الأول للمحدثين، والثاني للغويين، وحكى الفتح مع السكون أيضا.

"فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها فصلى" زاد الإسماعيلي: بنا، "العصر بعدما غربت الشمس،" ففيه قضاء الفائتة جماعة، وبه قال الأكثر إلا الليث، مع إجازته صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت، "ثم صلى بعدها المغرب" ووقع عند أحمد، أنه صلى الله عليه وسلم صلى المغرب يوم الأحزاب، فلما سلم قال:"هل علم رجل مسلم أني صليت العصر"؟ قالوا: لا يا رسول الله فصلى العصر، ثم صلى المغرب.

قال الحافظ: وفي صحته نظر، لمخالفته لحديث الصحيحين، هذا ويمكن الجمع بينهما بتكلف. قال: واختلف في سبب تأخير الصلاة ذلك اليوم، فقيل: النسيان، واستبعد وقوعه من الجميع، وقيل: شغلهم إياهم، فلم يتمكنوا من ذلك وهو أقرب لا سيما، ولأحمد والنسائي عن أبي سعيد، أن ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف، فرجالا أو ركبانا، "وقد يكون ذلك" أي: التأخير عن إيقاعها قبل الغروب "للاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها" كخوف عود العدو قبل الغروب، "ومقتضى هذه الرواية المشهورة" في الصحيحين وغيرهما، عن جابر وعلي، "أنه لم يفت غير العصر".

"وفي الموطأ" من طريق أخرى، أنه فاتهم "الظهر والعصر".

ص: 59

وفي الترمذي عن ابن مسعود أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق. وقال: ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، فمال ابن العربي إلى الترجيح فقال: الصحيح أن التي اشتغل عنها صلى الله عليه وسلم واحدة وهي العصر.

وقال النووي: طريق الجمع بين هذه الروايات، أن وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها. قال: وأما تأخيره عليه الصلاة والسلام صلاة العصر حتى غربت الشمس فكان قبل نزول صلاة الخوف.

وفي حديث أبي سعيد عند أحمد والنسائي: الظهر والعصر والمغرب، وأنهم صلوا بعد هوى من الليل.

"وفي الترمذي" والنسائي "عن ابن مسعود: أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق" حتى ذهب من الليل ما شاء الله.

قال الحافظ: وفي قوله: أربع، تجوز لأن العشاء لم تكن فاتت.

"وقال الترمذي: "ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة" ابن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال اسمه عامر كوفي ثقة، مات بعد سنة ثمانين، "لم يسمع من" أبيه "عبد الله" بن مسعود، فهو منقطع، وفي التقريب الراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، "فمال ابن العربي إلى الترجيح، فقال: الصحيح أن التي اشتغل عنها صلى الله عليه وسلم واحدة وهي العصر".

قال الحافظ: ويؤيده حديث علي في مسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر.

"وقال النووي: طريق الجمع بين هذه الروايات، أن وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا،" أي: شغلهم عن العصر أو الظهر والعصر، "في بعض الأيام، وهذا" أي: تأخير أربع صلوات، "في بعضها".

قال الحافظ: ويقربه أن روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأما حديث جابر ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس.

"قال" النووي: "وأما تأخيره عليه الصلاة والسلام للعصر حتى غربت الشمس، فكان قبل نزول" قوله تعالى: {فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} ، "صلاة الخوف" كما مر من حديث أبي سعيد، وقد صلى صلاة الخوف في ذات الرقاع، وهي قبل الخندق عند جماعة.

ص: 60

قال العلماء: يحتمل أنه أخرها نسيانا لا عمدا، وكان السبب في النسيان الاشتغال بأمر العدو، ويحتمل أنه أخرها عمدا للاشتغال بالعدو قبل نزول صلاة الخوف، وأما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتال، بل تصلي صلاة الخوف على حسب الحال.

وقد اختلف في المراد بالصلاة الوسطى. وجمع الحافظ الدمياطي في ذلك مؤلفا مفردا سماه: كشف المغطي عن الصلاة الوسطى، فبلغ تسعة عشر قولا، وهي: الصبح

"قال العلماء: يحتمل أنه أخرها نسيانا لا عمدا، وكان السبب في النسيان الاشتغال بأمر العدو".

قال الحافظ: واستبعد وقوع ذلك من الجميع، "ويمكن أنه أخرها عمدا للاشتغال بالعدو".

قال الحافظ: وهو أقرب.

وكان هذا عذرا في تأخير الصلاة "قبل نزول صلاة الخوف، وأما اليوم، فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتال، بل تصلي صلاة الخوف على حسب الحال"، ثم استطرد المصنف، فذكر الخلاف في الصلاة الوسطى لمناسبة وقوعها في الحديث السابق.

فقال: "وقد اختلف في المراد بالصلاة الوسطى،" تأنيث الأوسط، وهو الأعدل من كل شيء، وليس المراد التوسط بين شيئين؛ لأن معنى فعلى التفضيل ولا يبنى منه إلا ما يقبل الزيادة والنقص والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما بخلاف المتوسط، فلا يقبلهما، فلا يبنى منه أفعل تفضيل قاله الحافظ.

"وجمع الحافظ الدمياطي في ذلك مؤلفا مفردا سماه كشف المغطى عن الصلاة الوسطى، فبلغ تسعة عشر قولا وهي الصبح، "قاله أبي، وأنس، وجابر، وأبو العالية، وعبيد بن عمير، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد وغيرهم، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وهو أحد قولي ابن عمر وابن عباس، نقله مالك والترمذي عنهما، ونقله مالك بلاغا عن علي، والمعروف عنه خلافه.

وروى ابن جرير عن أبي رجاء: صليت خلف ابن عباس الصبح، فقنت فيها، ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى أمرنا أن نقوم فيها قانتين، وأخرجه من وجه آخر عن ابن عمر، ومن طريق أبي العالية صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة في زمن عمر، صلاة الغداة، فقلت لهم: ما الصلاة الوسطى؟ قالوا: هي هذه، وهو قول مالك والشافعي الذي نص عليه في الأم، واحتجوا بأن فيه القنوت، وقد قال تعالى:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، وبأنها لا تقصر في

ص: 61

أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو جميع الصلوات وهو يتناول الفرائض والنوافل واختاره ابن عبد البر، أو الجمعة وصححه القاضي

السفر، وبأنها بين صلاتي جهر وصلاتي سر، "أو الظهر" رواه في الموطأ عن زيد بن ثابت، وابن المنذر وغيره عن أبي سعيد وعائشة، وبه قال أبو حنيفة في رواية.

وأخرج أبو داود عن زيد بن ثابت، كان صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على أصحابه منها، فنزلت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] .

وروى أحمد عنه، كان صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجيرة، فلا يكون وراءه إلا الصف، أو الصفان والناس في قائلتهم، وفي تجارتهم، فنزلت الآية "أو العصر".

قال الترمذي: هو قول أكثر الصحابة الماوردي وجمهور التابعين ابن عبد البر، وأكثر علماء الأثر، وقال به من المالكية ابن حبيب، وابن العربي وابن عطية، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وقول أحمد، وصار إليه معظم الشافعية مخالفين، نص إمامهم لصحة الحديث فيه، وقد قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

قال ابن كثير: لكن صمم جماعة من الشافعية أنها الصبح قولا واحدا.

وروى الترمذي والنسائي عن علي: كنا نرى أنها الصبح حتى سمعته صلى الله عليه وسلم يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى" صلاة العصر.

قال الحافظ: وهذه الرواية تدفع دعوى أن صلاة العصر مدرج من تفسير بعض الرواة، فهي نص في أن كونها العصر من كلامه عليه السلام، وأن حجة من قال الصبح قوية ا. هـ.

وقال ابن عبد البر: الاختلاف القوي في الصلاة الوسطى، إنما هو في هاتين الصلاتين، أعني العصر والصبح، وغير ذلك ضعيف، "أو المغرب" قاله ابن عباس عند ابن أبي حاتم بإسناد حسن، وقبيضة بن ذؤيب عند ابن جرير، وحجتهم أنها معتدلة في عدد الركعات ولا تقصر في الأسفار، وأن العمل مضى على المبادرة إليها، وتعجيلها عقب الغروب، وأن قبلها صلاتي سر، وبعدها صلاتي جهر، "أو جميع الصلوات" قاله ابن عمرو.

رواه ابن أبي حاتم بسند حسن. ومعاذ بن جبل "و" احتج له بأن قوله: حافظوا على الصلوات: "هو يتناول الفرائض والنوافل" فعطف الوسطى عليه، وأريد بها كل الفرائض تأكيدا لها، "واختاره ابن عبد البر" أبو عمر، وتعجب منه ابن كثير حيث اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل، وأنها لإحدى الكبر كذا قال، وإنه من مثله لشيء عجاب، فإن السند إلى ابن عمر حسن، كما في الفتح فهو دليله، ولذا أعرض الحافظ عن تعقبه فحكاه بلا تعقب، "أو الجمعة" ذكره ابن حبيب، واحتج بما اختصت به من الاجتماع والخطبة، "وصححه القاضي

ص: 62

حسين في صلاة الخوف من تعليقه، أو الظهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة، أو العشاء لأنها بين صلاتين لا تقصران، أو الصبح والعشاء، أو الصبح والعصر لقوة الأدلة. فظاهر القرءان الصبح، ونص السنة العصر، أو صلاة الجماعة أو الوتر أو صلاة الخوف أو صلاة عيد الأضحى أو الفطر أو صلاة الضحى، أو واحدة من الخمس غير معينة، أو الصبح أو العصر على الترديد وهو غير القول السابق أو التوقف

حسين في صلاة الخوف من تعليقه، أو الظهر في الأيام، والجمعة يوم الجمعة، أو العشاء" نقله ابن التين والقرطبي، "لأنها بين صلاتين لا تقصران" ولأنها تقع عند النوم فلذا أمر بالمحافظة عليها، واختاره الواحدي، "أو الصبح والعشاء" معا للحديث الصحيح أنهما أثقل الصلاة على المنافقين. وبه قال الأبهري من المالكية، "أو الصبح والعصر" معا "لقوة الأدلة" في أن كلا منهما الوسطى، "فظاهر القرءان الصبح" لقوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، "ونص السنة العصر" عند مسلم وغيره وليس بنص؛ لأن قوله: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، يحتمل كما قال الباجي أن يريد به الوسطى من الصلوات التي شغل عنها، وهي الظهر والعصر؛ لأنها وسطى هذه الثلاث لتأكد فضلها عن الصلاتين اللتين معا ولا يدل ذلك على أنها أفضل من الصبح وإنما الخلاف عند الإطلاق ا. هـ، على أن السيوطي قد قال في الديباج على مسلم أن قوله صلاة العصر مدرج، كما ذكره بعضهم، ولهذا سقط في رواية البخاري.

وفي رواية يعني العصر، وهو صريح في الإدراج ا. هـ.

ومر أن الحافظ دفع ذلك ولكن فيه وقفة، "أو صلاة الجماعة، أو الوتر" صنف فيه علم الدين الشجاعي جزءا، ورجحه القاضي تقي الدين الأخنائي في جزء "أو صلاة الخوف، أو صلاة عيد الأضحى، أو الفطر، أو صلاة الضحى" كذا في النسخ الصحيحة، ومثله في الفتح، وفي نسخة بدله صلاة الفجر وهي تصحيف، "أواحدة من الخمس غير معينة" قاله الربيع بن خيثم وسعيد بن جبير، وشريح القاضي، واختاره إمام الحرمين في النهاية قال: كما أخفيت ليلة القدر "أو الصبح، أو العصر على الترديد، وهو غير القول السابق" الجازم بأن كلا منهما يقال له الوسطى، "أو التوقف".

فقد روى ابن جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه.

زاد في الفتح: العشرون صلاة الليل، وجدته عندي وذهلت الآن عن معرفة قائله، وصار إلى أنها أبهمت جماعة من المتأخرين.

ص: 63

ا. هـ.

وانصرف صلى الله عليه وسلم من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة، وكان قد أقام بالخندق خمسة عشر يوما، وقيل أربعة وعشرين يوما.

فقال صلى الله عليه وسلم: "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا".

وفي ذلك علم من أعلام النبوة. فإنه عليه الصلاة والسلام اعتمر في السنة التي صدته قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها فكان ذلك سبب فتح مكة فوقع الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام. وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

وقد أخرج البزار من حديث جابر بإسناد حسن شاهدا لهذا

قال القرطبي: وهو الصحيح لتعارض الأدلة وعسر الترجيح "انتهى".

ولنمسك عنان القلم رغبة عن التطويل.

"وانصرف صلى الله عليه وسلم من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة" قاله ابن سعد، وهو مخالف لقول ابن إسحاق فلما أصبح انصرف، ثم هو ظاهر على أن الخندق في القعدة، وكذا على أنه في شوال؛ لأن المراد ابتداء حفره، فلا ينافي استمرار ما تعلق به إلى الوقت المذكور، "وكان قد أقام بالخندق" محاصرا "خمسة عشر يوما" فيما جزم به ابن سعد والبلاذري.

وقال الواقدي: إنه أثبت الأقوال، "وقيل: أربعة وعشرين يوما"، كما رواه يحيى بن سعيد عن ابن المسيب.

ورى الزهري عنه بضع عشرة ليلة، ويمكن أن يفسر بخمسة عشر كما أنه يحتمل تفسير قول ابن إسحاق بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر بالأربعة وعشرين.

وعند الواقدي عن جابر عشرين يوما، وفي الهدي شهرا.

"فقال عليه الصلاة والسلام: "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا" ".

وفي البخاري عن سليمان بن صرد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلى الأحزاب عنه:"الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم" ".

قال الحافظ في شرحه: "وفي ذلك علم من أعلام نبوته، فإنه عليه الصلاة والسلام اعتمر في السنة" المقبلة "التي صدته قريش عن البيت" سنة الحديبية، "ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها فكان ذلك سبب فتح مكة، فوقع الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، وقد أخرج البزار من حديث جابر بإسناد حسن شاهد لهذا" يعني الحافظ

ص: 64

ولفظه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب، وقد جمعوا له جموعا كثيرة:"لا يغزونكم بعدها أبدا، ولكن أنتم تغزونهم" تتميم.

حديث سليمان بن صدر الذي لم يذكره المصنف اكتفاء بذكر معناه "ولفظه أن النبي صلى لله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: "وقد جمعوا له جموعا كثيرة، لا يغزونكم بعدها أبدا ولكن أنتم تغزونهم" " فهذا بمعنى حديث الصحيح، وفي زيادة لفظ أبدا، وذكر الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك بعد أن انصرفوا.

"تتميم":

ذكر ابن إسحاق والواقدي أنه استشهد من المسلمين يوم الخندق ستة لا غير سعد بن معاذ، وأنس بن أوس، وعبد الله بن سهل الأوسيون، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عنمة، بمهملة ونون مفتوحتين، وكعب بن زيد الخزرجيون، وزاد الدمياطي في الأنساب قيس بن زيد بن عامر، وعبد الله بن أبي خالد.

وذكر الحافظ في الكنى أبا سنان ابن صيفي بن صخر، فقال: شهد بدرا، واستشهد في الخندق، وقتل من المشركين ثلاثة منبه بن عبيد.

قال ابن هشام: هو عثمان بن أمية بن منبه العبدري أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله المخزومي وعمرو بن عبدود.

في البخاري عن ابن عمر، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذ قفل من الغزو أو الحج أو العمرة، يبدأ، فيكبر ثلاث مرات، ثم يقول:"لا إله إلا الله، وحده لا شريك، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، وهذا من السجع المحمود، وهو ما جاء بانسجام واتفاق بلا قصد، والمذموم ما يأتي بتكلف واستكراه والله أعلم.

ص: 65

"‌

‌غزوة بني قريظة

":

ولما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الأربعاء هو وأصحابه، ووضعوا السلاح

غزوة بني قريظة:

"ولما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الأربعاء" الذي انصرف فيه من الخندق لسبع بقين من ذي القعدة، قاله ابن سعد، وكان المصنف لم يترجم لها لاتصالها بغزوة الخندق حتى كأنها بيان لبعض تعلقاته؛ لأنهم ظاهروا الأحزاب، فكانوا من جملتهم "هو وأصحابه ووضعوا السلاح".

قال ابن إسحاق: وكان الظهر.

ص: 65

جاء جبريل عليه السلام معتجرا بالعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج.

وفي البخاري من حديث عائشة أنه لما رجع صلى الله عليه وسلم ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل

"جاء جبريل علي السلام معتجرا بالعمامة" وهو أن يلفها على رأسه، ويرد طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه، كما في النهاية، وتبعه الشامي ونحوه في القاموس.

وقال ابن فارس: اعتجر الرجل لف العمامة على رأسه فلم يقيده، فإما أن يحمل عليه، أو هو قول ثان، "من استبرق" ضرب من الديباج غليظ، وتصغيره أبيرق قاله البرهان.

قال ابن سعد: وكانت سوداء وأرخى منها بين كتفيه "على بغلة" بيضاء عليها رحالة، "عليها قطيفة ديباج"، هكذا لفظ ابن إسحاق عن الزهري، ورحالة، بكسر الراء، وخفة الحاء المهملة، سرج من جلود لا خشب فيها، تتخذ للركض الشديد، والجمع رحائل، والقطيفة كساء له خمل، وكانت حمراء كما روي عن الماجشون، وديباج بكسر الدال، وقد تفتح، فارسي معرب، والإضافة بيانية على معنى من، وفي لفظ: بغلة شهباء، وآخر فرس أبلق، وجمع بأن الدابة ليست من دواب الدنيا، فبعض الرائين تصورها بغلة، وبعضهم فرسا، فأخبر كل بما تصور، وبعض أمعن نظره، فقال بلقاء لكونها ذات لونين، وبعض لم يمعنه، ورأى غلبة البياض، فقال شهباء أو بيضاء.

"وفي البخاري" في الجهاد والمغازي "من حديث عائشة، أنه لما رجع صلى الله عليه وسلم" من الخندق، كما في رواية للبخاري أيضا، أي: إلى المدينة، "ووضع السلاح، واغتسل" للتنظيف من آثار السفر، وعليه بوب البخاري الغسل بعد الحرب، وظاهره أنه فرغ من غسله، وبه صرح كعب بن مالك عند الطبراني وغيره بسند صحيح، أنه اغتسل واستجمر، وكذا الواقدي، وقال: ودعا بالمجمرة ليتبخر، وقد صلى الظهر.

وعند ابن عقبة فأخذ يغسل رأسه، وقد رجل أحد شقيه، ويحتمل أنه أتم الغسل، وأخذ يرجل رأسه مكانه، والمحمرة عنده "أتاه جبريل" جواب لما، وللبخاري في الجهاد فأتاه بالفاء وهي زائدة قاله القرطبي، ويؤيده رواية المغازي هذه الأولى، وفي الرواية الثانية في المغازي لما رجع من الخندق، وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل.

قال الحافظ: فهذا يبين أن الواو في الجهاد زائدة في قوله: ووضع السلاح، هو أولى من دعوى زيادة الفاء لكثرة مجيء زيادة الواو، وللواقدي أنه وقف موضع الجنائز، وللطبراني والبيهقي عن كعب بن مالك، أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الأحزاب، وجمع عليه اللامة، واغتسل

ص: 66

فقال: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه. واخرج إليهم.. وأشار إلى بني قريظة.

وعند ابن إسحاق: إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فزلزل بهم

واستجمر تبدى له جبريل فنادى عذيرك من محارب، فوثب فزعا بفتح العين المهملة، وكسر الذال المعجمة، وسكون التحتية وفتح الراء، أي: من يعذرك فعيل بمعنى فاعل، وللطبراني والبيهقي عن عائشة قالت: سلم علينا رجل، ونحن في البيت، فقام صلى الله عليه وسلم فزعا، فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي، فقال:"هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة"، فكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه جبريل، وللبخاري أيضا، وهو أي: جبريل، ينفض رأسه من الغبار، وله في الجهاد، وقد عصب رأسه الغبار، "فقال: قد وضعت السلاح" بحذف همزة الاستفهام الثابتة في ابن إسحاق، ولفظه: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: "نعم" قال: "والله" نحن "ما وضعناه".

وعند ابن سعد من مرسل يزيد بن الأصم: وضعت السلاح، ولم تضعه ملائكة الله، "واخرج إليهم".

وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال فقال: يا رسول الله انهض إلى بني قريظة، فقال:"إن في أصحابي جهدا، فلو أنظرتهم أياما"، قال: انهض إليهم فلأضعضعنهم، وأسقط المصنف من حديث البخاري قال: قل لي: أين، قال: ههنا، "وأشار" زاد الكشميهني بيده "إلى بني قريظة" بضم لقاف، وفتح الراء، وسكون التحتية، وبالظاء المعجمة فتاء تأنيث.

قال السمعاني: اسم رجل نزل أولاده قلعة حصينة بقرب المدينة فنسبت إليهم، وقريظة والنضير أخوان من أولاد هارون، وذكر عبد الملك بن يوسف أن بني قريظة كانوا يزعمون أنهم من ذرية شعيب نبي الله.

قال الحافظ: وهو محتمل، وأن شعيبا كان من بني جذام القبيلة المشهورة وهو بعيد جدا، ا. هـ.

"وعند ابن إسحاق" عن شيخه الزهري: "إن الله يأمرك يا محمد بالسير إلى بني قريظة،" فاذهب كما أمرك الله، "فإني عامد إليهم" فهو علة لمقدر "فزلزل بهم" حصونهم، فالمفعول محذوف لرواية ابن إسحاق: أن جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم.

وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال: فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار بفتح الغين المعجمة وسكون النون، بطن من الخزرج.

ص: 67

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة.

وعند ابن عائذ: قم فشد عليك سلاحك، فوالله لأدقنهم دق البيض على الصفا، وبعث مناديا ينادي يا خيل الله اركبي.

وعند الحاكم والبيهقي: وبعث عليا على

وفي البخاري عن أنس لكأني أنظر إلى الغبار في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة.

روى كما قال المصنف وغيره بنصب موكب بتقدير انظر، والجر بدل من الغبار، والرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا موكب وهو نوع من السير، وجماعة الفرسان، أو جماعة يسيرون برفق ا. هـ.

"فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا"، أي: مناديا. قال البرهان: لا أعرفه، وقال الشامي: هو بلال، ومثله في الفتح ناسبا لابن إسحاق ولعله في رواية غير البكائي إذ روايته "مؤذنا، فأذن من كان سامعا مطيعا، فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وعند ابن عائذ" بسنده عن جابر، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه، مرجعه من طلب الأحزاب إذ وقف عليه جبريل، فقال: ما أسرع ما حللتم والله ما نزعنا من لامتنا شيئا منذ نزل العدو، "قم فشد عليك سلاحك، فوالله لأدقنهم دق البيض"، كذا في نقل المصنف عنه، ومثله في الفتح والذي في العيون عن ابن عائذ كدق البيض، "على الصفا" وليس المراد أنه يقتلهم، وإن كان ظاهر اللظف لكونه خلاف الواقع، بل المراد ألقى الرعب في قلوبهم حتى يصيروا كالهالكين، ثم أزلزلهم، فأنزلهم من حصونهم، فتقتلهم فيصيروا كالبيض على الصفا، فعبر عن اسم السبب بالمسبب، وقد كان ذلك وبقية حديث هذا ثم ولى فأتبعته بصري، فلما رأينا ذلك نهضنا.

"و" روى ابن عائذ أيضا من مرسل قتادة، قال:"بعث" صلى الله عليه وسلم "مناديا" قال البرهان: لا أعرف اسمه، وقال الشامي: هو بلال. "ينادي: يا خيل الله اركبي".

قال العسكري وابن دريد هو على المجاز والتوسع أراد: يا فرسان خيل الله اركبي، فاختصره لعلم المخاطب ما أراده، وتعقبه شيخنا، بأنه لا يناسب قوله اركبي، فالأظهر أنه نزل الخيل منزلة المقاتلين حتى كأنها هي التي يوجد منها الفعل، فخاطبها بطلب الركوب منها، والمقصود أصحابها، فلما عبر بالخيل راعى لفظها، فأسند الفعل إليها، أو أنه سمى أصحاب الخيل خيلا مجازا لعلاقة المجاورة.

"وعند الحاكم والبيهقي" من طريق أبي الأسود عن عروة، "وبعث عليا" أميرا "على"

ص: 68

المقدمة، وخرج صلى الله عليه وسلم في أثره.

وعند ابن سعد: ثم سار إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرسا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة.

واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قال ابن هشام.

ونزل عليه الصلاة والسلام على بئر من آبار بني قريظة

الجماعة "المقدمة" على الجيش بكسر الدال مثقلة، من قدم اللازم، بمعنى تقدم، "وخرج صلى الله عليه وسلم في أثره" بكسر الهمزة، وسكون المثلثة ويجوز فتحها، وحكي تثليث الهمزة كما في السبل، أي: لم يتأخر في خروجه عنه.

"وعند ابن سعد، ثم سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثة آلاف" أي: جملة الخارجين أعم من كونهم معه، أو قبله، أو بعده "والخيل ستة وثلاثون فرسا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة" ذكره تتميما لكلام ابن سعد وإن قدمه أول كلامه، "واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم" عبد الله، أو عمرا "فيما قال ابن هشام" بيان للعز، ولا احتراز عن قول آخر، ولبس صلى الله عليه وسلم الدرع والمغفر والبيضة، وأخذ قتادة بيده، وتقلد القوس، وركب فرسه اللحيف، بضم اللام وفتحها.

قال القاموس: كأمير وزبير وحاؤه مهملة، ويروى بالجيم وبالخاء المعجمة رواه البخاري، ولم يتحققه، والمعروف بالحاء المهملة، قاله ابن الأثير.

وللطبراني عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لما أتى بني قريظة ركب على حمار عري يقال له يعفور، والناس حوله فإن صحا، فيمكن أنه ركب الفرس بعض الطريق والحمار بعضها.

قال ابن إسحاق: وقدم صلى الله عليه وسلم عليا برايته وابتدرها الناس، فسار حتى دنا من الحصون، سمع مقالة قبيحة له عليه السلام، فرجع حتى لقيه بالطريق، فقال: لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث؟، قال:"لم أظنك سمعت منهم لي أذى"، قال: نعم، قال:"لو رأوني لم يقولوا شيئا"، فلما دنا من حصونهم قال:"يا خوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته"؟ قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا، ومر بنفر من أصحابه قبل أن يصل إليهم، فقال:"هل مر بكم أحد"؟، قالوا: مر بنا دحية بن خليفة على بغلة بيضاء، فقال:"ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم"، "ونزل عليه الصلاة والسلام على بئر من آبار بني قريظة". قال ابن إسحاق يقال لها بئر أنا.

وقال ابن هشام: بئر أنا، وفي الشامية بالضم وتخفيف النون، وقيل: بالفتح والتشديد،

ص: 69

وتلاحق به الناس. فأتى رجال منهم بعد عشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر، لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله تعالى في كتابه ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي البخاري عن ابن عمر: فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، لم يرد منا ذلك

وقيل: بموحدة بدل النون وقيل غير ذلك.

"وتلاحق به الناس فأتى رجال". قال البرهان: لا أعرفهم بأعيانهم، "من بعد عشاء" الصلاة "الآخرة" بالإضافة، ولعل المراد من بعد الظلام الذي تفعل فيه الصلاة الآخرة، "ولم يصلوا العصر لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يصلين" بنون التوكيد الثقيلة "أحد العصر إلا في بني قريظة".

قال في رواية ابن إسحاق: "فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم،" أي: فما نسب إليهم عيبا، أي: ذنبا، "الله تعالى في كتابه ولا عنفهم به" أي: ما لامهم ولا عتب عليهم بسببه "رسول الله صلى الله عليه وسلم" لأنهم إنما أخروها لفهمهم النهي عن فعلها قبل بني قرظة، وإن خرج الوقت كما هو ظاهر اللفظ.

"وفي البخاري عن ابن عمر" قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة""فأدرك بعضهم العصر" بالنصب مفعول، ولأبي ذر بنصب بعضهم، ورفع العصر فاعل، "في الطريق، فقال بعضهم": الضمير لنفس بعض الأول، "لا نصلي حتى نأتيها" حملا للنهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ترجيحا للنهي الثاني على الأول، وهو ترك تأخير الصلاة على وقتها، واستدلوا بجواز التأخير لمن اشتغل بالحرب، بنظير ما وقع في الخندق، أنهم صلوا العصر بعد غروب الشمس لشغلهم بأمر الحرب، فجوزوا عمومه في كل شغل تعلق بالحر، ولا سيما والزمان زمان تشريع قاله في الفتح.

وقال المصنف: عملا بظاهر النهي؛ لأن في النزول مخالفة للأمر الخاص، فخصوا عموم الأمر بالصلاة أول وقتها، بما إذا لم يكن غدر بدليل أمرهم بذلك.

"وقال بعضهم" نظرا إلى المعنى، لا إلى ظاهر اللفظ، "بل نصلي" حملا للنهي عن غير حقيقته وأنه كناية عن الحث والاستعجال والإسراع، "لم يرد" بضم أوله، وفتح الراء وكسرها، كما قال المصنف "منا ذلك" الظاهر بل لازمه من الحث والإسراع إلى قريظة.

قال ابن القيم: فحازوا الفضيلتين امتثال الأمر في الإسراع، وفي المحافظة على الوقت، ولا سيما ما في هذه القصة بعينها من الحث على المحافظة عليها، وأن من فاتته حبط عمله،

ص: 70

فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدًا منهم.

كذا وقع في جميع النسخ من البخاري: أنها العصر، واتفق عليه جميع أهل المغازي.

"فذكر" بضم الذال "ذلك" المذكور من فعل الطائفتين "للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف،" لم يلم "واحدا منهم" لا التاركين ولا الفاعلين؛ لأنهم بذلوا جهدهم، واجتهدوا فلم يأثموا.

قال السهيلي وغيره فيه: أن لا يعاب من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه، وفيه أن كل مجتهد في الفروع مصيب.

قال الحافظ: وليس بواضح، فإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه.

قال السهيلي: ولا يستحيل كون الشيء صوابا في إنسان وخطأ في حق غيره، وإنما المحال الحكم في نازلة بحكمين متضادين في حق شخص واحد، والأصل فيه أن الخطر والإباحة صفات أحكام لا أعيان، فكل مجتهد وافق وجها من التأويل فهو مصيب ا. هـ.

والمشهور وعليه الجمهور أن المصيب في القطعيات واحد، وخالفه الجاحظ والعنبري وما لا قطع فيه، فالجمهور أيضا واحد.

وعن الأشعري كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تابع لظن المجتهد.

وقال بعض الحنفية والشافعية: هو مصيب في اجتهاده، فإن لم يصب ما في نفس الأمر فهو مخطئ، وادعى ابن المنير أن الذين صلوا إنما صلوا على دوابهم؛ لأن النزول ينافي مقصود الإسراع.

قال: فالذين لم يصلوا عملوا بالدليل الخاص، وهو الأمر بالإسراع، فتركوا عموم إيقاع العصر في وقتها إلى أن فات، والذين صلوا جمعوا بين دليلي وجوب الصلاة ووجوب الإسراع فصلوا ركبانا؛ لأنهم لو صلوا نزولا لضادوا ما أمروا به الإسراع، ولا يظن بهم ذلك مع ثقوب أذهانهم وفيه نظر؛ لأنه لم يصرح لهم بترك النزول، فلعلهم فهموا أن المراد بالأمر المبالغة في الإسراع فامتثلوه، وخصوا الصلاة من ذلك لما تقرر عندهم من تأكيد أمرها فلا يمتنع أن ينزلوا فيصلوا، ولا يكون مضادا لما أمروا به، ودعوى أنهم صلوا ركبانا يحتاج إلى دليل، ولم أره صريحا في شيء من طرق هذه القصة ا. هـ. من الفتح ملخصا، وفيه أيضا ما حاصله قوله:"لا يصلين أحد العصر"، "كذا وقع في جميع نسخ البخاري أنها العصر"، ووافقه أبو نعيم، "واتفق عليه جمع أهل المغازي".

"ووقع في مسلم أنها الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد

ص: 71

ووقع في مسلم أنها الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد وبإسناد واحد. ووافق مسلما أبو يعلى وآخرون.

وجمع بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم -قبل الأمر- كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها: لا يصلين أحد العصر.

بإسناد واحد،" وهو حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، حدثنا جويرية أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، فذكراه مسلم بلفظ الظهر، والبخاري بلفظ العصر.

"ووافق مسلما أبو يعلى وآخرون" كابن سعد، وابن حبان كلاهما من طريق مالك بن إسماعيل عن جويرية.

قال الحافظ ولم أره من رواية جويرية إلا بلفظ الظهر، غير أن أبا نعيم أخرجه من طريق أبي حفص السلمي عن جويرية، فقال: العصر، كذا أخرجه الطبراني والبيهقي في الدلائل بإسناد صحيح، عن كعب بن مالك، والبيهقي عن عائشة.

"وجمع بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل: لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر، وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة التي بعدها: العصر".

قال الحافظ: وكلاهما جمع لا بأس به، لكن يبعده اتحاد مخرج الحديثح لأنه عند الشيخين بإسناد واحد من مبدئه إلى منتهاه، فيبعد أن يكون كل من رجال إسناده، حدث به على الوجهين، ولم يوجد ذلك، ثم تأكد عندي أن الاختلاف في اللفظ المذكور من حفظ بعض رواته، فإن سياق البخاري وحده مخالف لسياق من رواه عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عمه جويرية، فذكر لفظ البخاري المذكور في المصنف بما زدته أوله، وقال: ولفظ مسلم وسائر من رواه نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة"، فتخوف ناس فوت الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، فما عنف واحدا من الفريقين، فالذي يظهر من تغاير اللفظين أن عبد الله شيخ الشيخين لما حدث البخاري حدثه على هذا اللفظ، ولما حدث به الباقين حدثهم به على اللفظ الآخر، وهو اللفظ الذي حدثه به عمه جويرية بدليل موافقة مالك بن إسماعيل له عليه بخلاف اللفظ الذي حدث به البخاري، أو أن البخاري كتبه من حفظه، ولم يراع اللفظ كما عرف من

ص: 72

وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة التي بعدها العصر، والله أعلم.

قال ابن إسحاق: وحاصرهم عليه الصلاة والسلام خمسا وعشرين ليلة، حتى أجهدهم الحصار.

وعند ابن سعد: خمس عشرة. وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة.

وقذف الله في قلوبهم الرعب. فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا فقال لهم:

مذهبه في تجويز ذلك بخلاف مسلم، فإنه يحافظ على اللفظ كثيرا، وإنما لم أجوز عكسه لموافقة من وافق مسلما على لفظه بخلاف البخاري، لكن موافقة أبي حفص السلمي تؤيد الاحتمال الأول، وهذا من حيث حديث ابن عمر، أما بالنظر إلى حديث غيره، فالاحتمالان المتقدمان في كونه قال: الظهر لطائفة، والعصر لطائفة، مجيئهما متجه، فيحتمل أن رواية الظهر هي التي سمعها ابن عمر.

ورواية العصر هي التي سمعها كعب بن مالك وعائشة، وقيل في وجه الجمع أيضا أن يكون لأهل القوة، أو لمن كان منزله قريبا لا يصلين أحد الظهر، وقال لغيرهم: لا يصلين أحد العصر ا. هـ.

والجمع الأخير ظاهر أيضا بالنظر لغير رواية ابن عمر "والله أعلم" بما وقع في نفس الأمر.

"قال ابن إسحاق: وحاصرهم عليه الصلاة والسلام خمسا وعشرين ليلة حتى أجهدهم" أي: بلغهم "الحصار" غاية المشقة، وكونه بالألف مثله في الفتح، وروايته في ابن إسحاق، وكذا نقله اليعمري جهدهم بلا ألف، وهما بمعنى.

ففي القاموس جهد دابته، بلغ جهدها كأجهدها ا. هـ.

"وعند ابن سعد: خمس عشرة" ليلة.

"وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة" ولو قدمه على ما قبله، كما في الفتح ليكون كالتفسير للبضع كان أولى، وقد جمع شيخنا في التقرير، بأنه يمكن أن مدة شدة الحصار خمس عشرة المردودة إليها رواية بضع عشرة والخمس وعشرين مدته كلها، وعطف على أجهدهم قوله:"وقذف" ألقى "الله في قلوبهم الرعب" وإطلاقه على ذلك مجاز؛ لأن حقيقة القذف الرمي بالحجارة، فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا، فقال لهم:" عطف على

ص: 73

يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني أعرض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي:

قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين أنه لنبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فأبوا.

قال: فإذا أبيتم علي هذه، فهلم فنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين

عرض، "يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني أعرض عليكم"، أي: أذكر لكم، "خلالا".

قال الشامي: بكسر الخاء المعجمة، أي: خصالا جمع خلة، بفتح المعجمة وشد اللام، "ثلاثا فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟ قال: نتابع" من المتابعة "هذا الرجل، ونصدقه فوالله لقد تبين" ظهر، وتحقق لكم "أنه" بفتح الهمزة "نبي مرسل" هكذا في نسخة صحيحة من ابن إسحاق.

وفي العيون عنه، وكذا في بعض نسخ المصنف أنه لنبي بزيادة لام.

فقال البرهان: بكسر الهمزة؛ لأن اللام في خبرها. قال: وكذا، "وإنه الذي" والمذكور في ابن إسحاق، والعيون للذي بلام "تجدونه في كتابكم" التوراة، "فتأمنون على دمائكم" من القتل، "وأموالكم وأبنائكم ونسائكم" من الأسر والسلب، ولم يقل فنأمن، وإن كان الظاهر المطابق لقوله قبل نتابع اقتصارا على ما يحملهم على المتابعة مما تتعلق به أنفسهم، وذكر نفسه فيها إشارة إلى رضاه به لنفسه وأنه شريكهم فيه إن فعلوه ليكون أدعى لقبول ما عرضه، "فأبوا" حيث قالوا: لا نفارق حكم التوراة، ولا نستبدل به غيره.

"قال: فإذا" حيث "أبيتم علي" بشد الياء "هذه" الخصلة، فامتنعتم بها، "فهلم" تعالوا وافقوني، "فقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا" أي: مشاة، "مصلتين".

قال الشامي: جمع مصلت بكسر اللام، وبالصاد المهملة الساكنة، أي: مجردين السيوف من أغمادها ا. هـ.

فقوله: "بالسيوف" متعلق بمحذوف ذكر تأكيدا، كأنه قيل مجردين السيوف، مقاتلين بها، وأقام الظاهر مقام المضمر لعدم تقدمه لفظا، أو هو متعلق بنخرج، وإن أخر لفظا عن مصلتين "لم نترك وراءنا ثقلا".

قال البرهان: بفتح المثلثة والقاف، ويجوز كسر الثاء، ونقاتل "حتى يحكم الله بيننا وبين

ص: 74

محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا ما نخشى عليه.

فقالوا: أي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا.

فقال: إن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة.

قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا، إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ.

وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة -وهو رفاعة بن عبد المنذر- نستشيره في أمرنا.

فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم يا أبا لبابة، أترى أن ننزل

محمد" غاية لنخرج أو لمحذوف، "فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا ما" وفي ابن إسحاق والعيون: نسلا، "نخشى عليه" حال من فاعل نهلك، وهو المقصود من الجواب، فلم يتحد الشرط والجزاء وبقية قوله: وإن نظهر على محمد، فلعمري لنجدن النساء والأبناء "فقالوا: أي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا" استفهام إنكاري لرد قتلهم "فقال: إن أبيتم علي هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا" بفتح الهمزة المقصورة وكسر الميم، أي: اطمأنوا، وسكنت قلوبهم لاعتقادهم أنا لا نحدث شيئا "فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة" بكسر الغين المعجمة وشد الراء، غفلة، "قالوا: نفسد سبتنا، ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا، إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ" قردة وخنازير، قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما، "وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أيقنوا بالهلاك "أن ابعث إلينا أبا لبابة" الأنصاري المدني أحد النقباء عاش إلى خلافة علي، "وهو" أي: اسمه فيما صدر به السهيلي، "رفاعة" وقيل: مبشر، وقيل: بشير، "ابن عبد المنذر".

قال في التقريب: ووهم من سماه مروان، "نستشيره في أمرنا" في شأننا وحالنا، وخصوه لكون ماله وولده وعياله فيهم، "فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش" بفتح الجيم والهاء وكسرها، فزع وأسرع، "إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم" رحمهم لما رآهم عليه من الحزن والذلة، "وقالوا:" عطف على قام إليه الرجال، "يا أبا لبابة، أترى أن ننزل

ص: 75

على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح.

قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله.

ثم انطلق أبو لبابة على وجهه فلم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح من مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.

على حكم محمد" وذلك أنهم لما حوصروا حتى أيقنوا بالهلكة أنزلوا شاس بن قيس، فكلمه صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا على ما نزل بنو النضير من تلك الأموال والحلقة والخروج بالنساء والذراري، وما حملت الإبل إلا الحلقة، فأبى رسول الله، فقال: تحقن دماءنا وتسلم لنا النساء والذرية، ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل، فأبى صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكمه وعاد شاس إليهم بذلك، "قال: نعم، وأشار بيه إلى حلقه أنه" أي: حكمه فيهم، "الذبح" كأنه فهم ذلك من ترك إجابته بحقن دمائهم.

"قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله"، زاد في رواية: فندمت واسترجعت فنزلت وإن لحيتي لمبتلة من الدموع، والناس ينتظرون رجوعي إليهم، حتى أخذت من وراء الحصن طريقا أخرى، حتى جئت إلى المسجد، "ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، فلم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده" بضم العين، والميم وفتحهما، ويكون مفردا وجمعا.

قال في رواية: وكان ارتباطي إلى الأسطوانة المخلقة، أي: التي طليت بالخلوق بوزن رسول، وهو ما يخلق به من الطيب، "وقال: لا أبرح من مكاني هذا حتى" أموت، أو "يتوب الله علي" أي: ينزل توبتي، "مما صنعت، وعاهد الله أن لا يطأ" وفي نسخة: وعاهدت الله أن لا أطأ على الالتفات "بني قريظة أبدا، ولا أرى".

قال البرهان: بضم الهمزة وفتح الراء مبني للمفعول، وقال الشامي: بفتح الهمزة فإن كان رواية، فالمعنى لا أرى أحدا "في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا"، وهو يستلزم أن لا يذهب إليهم.

قال ابن هشام: وأنزل الله في أبي لبابة، فيما قال ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي قتادة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ

ص: 76

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وكان قد استبطأه، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، وأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.

قال ابن هشام: وأقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فتربطه بالجذع.

وقال أبو عمر: روى ابن وهب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ثقيلة بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه

تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]"فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وكان قد استبطأه قال: أما لو جاءني" وأخبرني خبره "لاستغفرت له، وأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه".

قال أبو لبابة: فكنت في أمر عظيم في حر شديد عدة ليال لا آكل فيهن شيئا، ولا أشرب، وقلت: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا، أو يتوب الله علي، وأذكر رؤيا رأيتها في النوم، ونحن محاصرون بني قريظة، كأني في حمأة، أي: طين سود آسنة، أي: متغيرة، فلم أخرج منها حتى كدت أموت من ريحها، ثم رأيت نهرا جاريا، فأراني اغتسلت فيه حتى استنقيت، وأراني أجد ريحا طيبة، فاستعبرتها أبا بكر، فقال: لتدخلن في أمر تغتم له، ثم يفرج عنك، فكنت أذكر قوله وأنا مرتبط، فأرجو أن ينزل الله توبتي، فلم أزل كذلك حتى ما أسمع الصوت من الجهد ورسول الله ينظر إلي.

"قال ابن هشام" عبد الملك: "وأقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال تأتيه امرأته" بطلب منه، أو بلا طلب على العادة من تفقد الزوجة، ونحوها الشخص في الشدة، "في وقت كل صلاة، فتحله للصلاة، ثم يعود فتربطه بالجذع" وكان هذه الست تقيدت به فيها امرأته، وباقي البضع عشرة بنته، فلا تنافي بين هذه والآتية.

"وقالوا أبو عمر" بن عبد البر الحافظ: "روى ابن وهب" عبد الله أحد الأعلام، "عن مالك" بن أنس الإمام، "عن عبد الله بن أبي بكر" بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، قاضيها الثقة، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومائة عن سبعين سنة، "أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ثقيلة،" لفظ الرواية، كما في العيون عن أبي عمر بسلسلة ربوض، والربوض الثقيلة وهو بفتح الراء، وضم الموحدة مخففة، فواو فضاد معجمة، أي: عظيمة غليظة، "بضع عشرة ليلة حتى

ص: 77

فما كاد يسمع، وكاد يذهب بصره، وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة أو أراد أن يذهب لحاجة، فإذا فرغ أعادته.

وعن يزيد بن عبد الله بن قسيط: أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة. قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك، فقالت: قلت يا رسول الله مم تضحك، أضحك الله سنك. قال:"تيب على أبي لبابة". قالت: قلت أفلا أبشره يا رسول الله، قال:"بلى إن شئت". قال: فقامت على باب حجرتها -وذلك قبل أن يضرب عليهن الححاب- فقالت: فقلت يا أبا لبابة

ذهب سمعه، فما يكاد يسمع، وكاد يذهب بصره فكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة، أو أراد أن يذهب لحاجة، فإذا فرغ" من الصلاة، أو لحاجة "أعادته". والظاهر كما قال الشامس أن زوجه كانت تحله مرة وبنته أخرى.

"و" روى ابن إسحاق "عن يزيد" بياء تحتية وزاي "ابن عبد الله بن قسيط" بقاف ومهملتين مصغر، ابن أسامة الليثي أبي عبد الله المدني الأعرج الثقة، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومائة، وله تسعون سنة.

روى له الستة وفي غالب النسخ بإسقاط يزيد، وهو خلاف ما عند ابن إسحاق، وغيره من أنه عن يزيد، وهو الصواب، "أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال ابن هشام: والآية التي نزلت في توبته قول الله عز وجل: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} ، "وهو في بيت أم سلمة،" وهذا مرسل، وقد رواه ابن مردويه بسند فيه الواقدي، موصولا عن أم سلمة، وفيه، وأنزل الله تعالى:{وَآخَرُونَ..} ويحتمل أن يزيد حمله عنها وقد يشعر به قوله.

"قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر، وهو يضحك" فرحا بالتوبة؛ لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، "فقالت: قلت: يا رسول الله مم تضحك؟، أضحك الله سنك، قال:"تيب على أبي لبابة"، قالت: قلت:" أأترك الذهاب إليه "فلا أبشره" أم أذهب إليه فأبشره، "يا رسول الله؟، قال:"بلى" بريه "إن شئت"".

ولفظ ابن مردويه قال: "ما شئت" وكله إليها حتى لا يشق عليها بالليل.

"قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت: "ولفظ ابن مردويه: فقمت على باب الحجرة، وذلك قبل أن يضرب الحجاب، "فقلت: يا أبا لبابة

ص: 78

أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.

وروى البيهقي في الدلائل بسنده عن مجاهد في قوله تعالى: {اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} [التوبة: 102] قال: هو أبو لبابة إذ قال لبني قريظة ما قال وأشار إلى حلقه إن محمدًا يذبحكم إن نزلتم على حكمه. قال البيهقي وترجم محمد بن إسحاق بن يسار أن ارتباطه كان حينئذ.

وقد روينا عن ابن عباس ما دل على أن ارتباطه بسارية المسجد كان بتخلفه عن غزوة تبوك

أبشر" بهمزة قطع، "فقد تاب الله عليك، فثار" أي: نهض "الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده"، تعظيما له ورجاء حصول بركته حتى لا يعود لمثلها "فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح، أطلقه" زاد ابن مردويه عقب هذا: ونزلت: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} .

قال السهيلي: فإن قيل الآية ليست نصا في توبة الله عليه، أكثر من قوله: عسى الله أن يتوب عليهم، فالجواب أن عسى منه سبحانه واجبة وخبر صدق، فإن قيل القرءان نزل بلسان العرب، وعسى ليست في كلامهم بخبر، ولا تقتضي وجوبا، قلنا: عسى تعطي الترجي مع المقاربة، ولذا قال:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} ، ومعناه الترجي مع الخبر بالقرب كأنه قال قرب أن يبعثك، فالترجي مصروف إلى العبد، والخبر عن القرب، مصروف إلى الله، وخبره حق ووعده حتم، فما تضمنه من الخبر، فهو الواجب الذي هو الترجي الذي هو محال على الله انتهى باختصار.

"وروى البيهقي في الدلائل" النبوية "بسنده عن مجاهد في قوله تعالى: {اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} قال: هو أبو لبابة، إذ قال لبني قريظة ما قال"، هو من إطلاق القول على الفعل، إذ لم يصدر منه قول غير الإشارة، ولذا أتى بعطف التفسير في قوله، "وأشار إلى حلقه بأن محمدًا يذبحك إن نزلتم على حكمه".

"قال البيهقي: وترجم محمد بن إسحاق بن يسار" ضد يمين إمام المغازي "أن ارتباطه كان حينئذ" أي: حين إشارته لقريظة، "وقد روينا عن ابن عباس" من طرق عند ابن مردويه وابن جرير "ما دل" على سبيل الصراحة "على أن ارتباطه بسارية المسجد كان بتخلفه عن غزوة تبوك،

ص: 79

كما قال ابن المسيب قال: وفي ذلك نزلت هذه الآية.

ولما اشتد الحصار ببني قريظة أذعنوا أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم فيهم سعد بن معاذ، وكان قد جعله في خيمة في المسجد الشريف لامرأة من أسلم

كما قال ابن المسيب قال: وفي ذلك نزلت هذه الآية {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} ، وقد أخرجه أبو الشيخ وابن منده عن جابر بسند قوي، وعلى تقدير صحة الخبرين، فيجمع باحتمال تعدد ربطه نفسه، "ولما اشتد الحصار ببني قريظة أذعنوا"، خضعوا وذلوا ورضوا، "أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي: على ما يحكم به فيهم.

قال ابن إسحاق: فقالت الأوس: قد فعلت في موالي الخزرج، أي: بني قينقاع، ما علمت فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟، قالوا: بلى، قال: فذلك إلى سعد بن معاذ.

وعند ابن عقبة فقال: اختاروا من شئتم من أصحابي، فاختاروا سعدا، فرضي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن هشام: وحدثني من أثق به، أن عليا صاح وهم محاصرون: يا كتيبة الإيمان، وتقدم هو والزبير، وقال: والله لأذوقن ما ذاق حمزة، أو لأقتحمن حصنهم، فقالوا: ننزل على حكم سعد، "فحكم فيهم سعد بن معاذ".

وفي الصحيح: فرد الحكم إلى سعد.

قال الحافظ: كأنهم أذعنوا للنزول على حكم المصطفى، فلما سأله الأنصار فيهم رد الحكم إلى سعد، كما بينه ابن إسحاق قال: وفي كثير من السير، أنهم أبوا أن ينزلوا على حكم سعد، ويجمع بأنهم نزلوا على حكمه قبل أن يحكم فيهم سعدا.

وفي حديث عائشة عند أحمد والطبراني: فلما اشتد بهم البلاء، قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استشاروا أبا لبابة قالوا: ننزل على حكم سعد، ونحوه في حديث جابر عند ابن عائذ، فحصل في سبب رد الحكم إلى سعد أمران: أحدهما سؤال الأوس، والآخر إشارة أبي لبابة، ويحتمل أن الإشارة أثرت توقفهم، ثم لما اشتد بهم الحصار عرفوا سؤال الأوس، فأذعنوا للنزول على حكمه صلى الله عليه وسلم واثقين بأنه يرد الحكم إلى سعد.

وفي رواية مسلم: وكانوا حلفاءه.

"وكان" عليه السلام "قد جعله في خيمة في المسجد الشريف" النبوي، كما دل عليه كلام ابن إسحاق خلافا لمن قال، المراد المسجد الذي كان صلى الله عليه وسلم أعده للصلاة فيه في قريظة أيام حصارهم قاله الفتح، والجملة حالية والأولى أنها مستأنفة؛ لأن التحكيم لم يكن وقت جعله في الخيمة، بل وقت كونه فيها، وكانت تلك الخيمة "لامرأة من أسلم"، كما جزم به ابن إسحاق

ص: 80

يقال لها رفيدة وكانت تداوي الجرحى، فلما حكمه أتاه قومه فحملوه على حمار وقد وطؤا له بوسادة من أدم -وكان رجلا جسيما- ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين

وغيره، وصدر البرهان بأنها أنصارية، وفي الإصابة: الأنصارية أو الأسلمية، "يقال لها رفيدة" بضم الراء، وفتح الفاء، وسكون التحتية، وفتح الدال المهملة ثم تاء تأنيث، صحابية، "وكانت تداوي الجرحى"، وتحتسب بنفسها على من به ضيعة من المسلمين، قاله ابن إسحاق.

وروى البخاري في الأدب المفرد، بسند صحيح عن محمود بن لبيد: لما أصيب أكحل سعد يوم الخندق، فثقل حولوه عند امرأة يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى، وكان صلى الله عليه وسلم إذا مر به يقول:"كيف أمسيت"، وإذا أصبح يقول:"كيف أصبحت" فيخبره ذكره في الإصابة، ثم قال في الكاف كعيبة بالتصغير، بنت سعيد الأسلمية.

ذكر أبو عمر عن الواقدي: أنها شهدت خيبر معه صلى الله عليه وسلم فأسهم لها سهم رجل.

وقال ابن سعد: هي التي كانت لها خيمة في المسجد، تداوي المرضى والجرحى، وكان سعد بن معاذ عندها تداوي جرحه حتى مات ا. هـ.

فهما امرأتان، وقع الخلاف فيمن تنسب إليه الخيمة منهما، وليس أحدهما اسما، والآخر لقبا، ثم عجب من الشامي في اقتصاره على قول ابن سعد، وتركه قول إمام المغازي، مع أنه لم ينفرد به، بل ورد عن محمود الصحابي بسند صحيح هذا.

وقال البخاري: فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب.

قال المصنف: وعند ابن إسحاق في خيمة رفيدة عند مسجد ا. هـ. ففهم فاهم منه أنه جعله مقابلا للبخاري، وليس كذلك، فمراده بيان اسم صاحبة الخيمة، وأن قوله ضرب مجاز عن جعل، كما عبر به ابن إسحاق، وهو ما دل عليه كلام الفتح.

"فلما حكمه أتاه قومه" الأوس، "فحملوه على حمار" لأعرابي عليه قطيفة، "وقد وطؤا له" زيادة عى ذلك، "بوسادة من أدم"، لمشقة ركوبه على القطيفة للجرح "و" لأنه "كان رجلا جسيما، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم".

زاد ابن إسحاق: وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، "فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين".

وفي البخاري عن أبي سعيد: فلما دنا من المسجد، فقيل هو تصحيف صوابه، فلما دنا

ص: 81

قال عليه الصلاة والسلام: "قوموا إلى سيدكم". فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد صلى الله عليه وسلم الأنصار، وأما الأنصار فيقولون: عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين.

فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم.

من النبي صلى الله عليه وسلم، كما في مسلم وأبي داود، وفيه تخطئة الراوي بمجرد الظن، فالأولى كما في المصابيح، أن المراد بالمسجد الذي أعده النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة في قريظة أيام حصارهم، قال: ولئن سلمنا أنه لم يكن ثَمّ مسجد صلاة فلا نسلم أن قوله من المسجد متعلق بقوله قريبا، بل بمحذوف، أي: فلما دنا آتيا من المسجد، فإن مجيئه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان من مسجد المدينة.

"قال عليه الصلاة والسلام: "قوموا إلى سيدكم" " وفي حديث عائشة عند أحمد: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه" فقال عمر. السيد هو الله. قال رجال من بني عبد الأشهل: قمنا له على أرجلنا صفين، يحييه كل رجل منا، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأم المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد صلى الله عليه وسلم الأنصار" لكونه سيدهم، وهو فيهم بمنزلة الصديق في المهاجرين، ففهموا أن الإضافة عهدية، "وأما الأنصار، فيقولون: عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين" أنصارا ومهاجرين، إبقاء للفظ العام على عمومه، والسيادة لا تقتضي الأفضلية.

وفي رواية: "قوموا إلى خيركم".

وفي البخاري في المناقب والمغازي: إلى سيدكم، أو خيركم، بالشك.

وله في الجهاد: إلى سيدكم بلا شك.

وفيه أيضا في المغازي، عن أبي سعيد الخدري، قال للأنصار، وكأنه من تصرف بعض الرواة لما رأى اختلاف المهاجرين والأنصار، ويدل له أنه أسقط في الجهاد والمناقب قوله للأنصار.

قال ابن إسحاق: فقاموا إليه، "فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم" فهو عطف على ما حذفه المصنف من كلام ابن إسحاق، وإلا فليس قبله ما يظهر عطفه عليه.

وفي رواية: فقالت الأوس: "قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم".

وفي رواية: فأحسن فيهم واذكر بلاءهم عندك، أي: مناصرتهم ومعاونتهم لك قبل هذا اليوم.

وعند ابن إسحاق فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت، قالوا: نعم، قال: وعلي من ههنا من الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عنه إجلالا له، فقال صلى الله عليه وسلم:"نعم".

وفي البخاري عن أبي سعيد: فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن هؤلاء نزلوا على

ص: 82

فقال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء.

فقال عليه الصلاة والسلام: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" والرقيع: السماء سميت بذلك؛ لأنها رقعت بالنجوم.

حكمك، فكأنه عليه السلام تكلم أولا، ثم تكلمت الأوس بذلك.

"فقال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال وتسبى"، بالبناء للمفعول في الأفعال الثلاثة، كما في النور؛ لأنه جواب لقومه الأنصار، "الذراري" الأولاد الذين لم يبلغوا الحلم، "والنساء" أي: أزواجهم.

وفي البخاري، فقال: تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم.

قال المصنف: بفتح الفوقية الأولى، وضم الثانية، وهم الرجال، وتسبى، بفتح الفوقية، وكسر الموحدة، ذراريهم بالتشديد، وهم النساء والصبيان ا. هـ، فضبطه بالبناء للفاعل؛ لأنه جواب لقول المصطفى: احكم فيهم يا سعد.

"فقال عليه الصلاة والسلام" كما رواه ابن إسحاق من مرسل علقمة بن وقاص الليثي: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" بالقاف، جمع رقيع بتذكير العدد على معنى السقف، كما قال ابن دريد: إذا السماء مؤنث سماعي، فقياسه سبع أرقعة بتأنيث العدد.

قال السهيلي: معناه: أن الحكم ينزل من فوق قال، ومثله قول زينب ابنة جحش: زوجني الله من نبيه من فوق سبع سموات، أي: نزل تزويجها من فوق، وهذا نحو يخافون ربهم من فوقهم، أي: عقابا ينزل من فوقهم، وهو عقاب ربهم.

قال: ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله، لا على المعنى الذي يسبق إلى الفهم من التحديد الذي يفضي إلى التشبيه، ولكن لا ينبغي إطلاق ذلك الوصف، بما تقدم من الآية والحديثين، لارتباط حرف الجر بالفعل، حتى صار وصفا لا وصفا للباري سبحانه ا. هـ.

"والرقيع السماء" بدليل الرواية الآتية من فوق سبع سموات، "سميت" كما قال السهيلي "بذلك؛ لأنها رقعت" مخفف مبني للمفعول "بالنجوم" على التشبيه؛ لأنها لما كانت في مواضع منها شبهت بالثوب الذي فيه رقع في مواضع متفرقة، وظاهره أن كل سماء مرقوعة بالنجوم، وهو أحد قولين، والآخر أن الكواكب كلها في السماء الدنيا حكاهما ابن كثير. هذا وفي القاموس: الرقيع كالأمير السماء أو السماء الدنيا والرقع السابعة، فعلى القول الثاني ففي الحديث تغليب

ص: 83

ووقع في البخاري: قال: قضيت فيهم بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك -أي: بكسر اللام.

وفي رواية محمد بن صالح لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات.

وفي حديث جابر بن عبد الله -عند ابن عائد-

السماء الدنيا على غيرها.

"ووقع في البخاري" من حديث أبي سعيد، قال" صلى الله عليه وسلم "قضيت"، وفي الجهاد: "لقد حكمت فيهم بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك" شك الراوي في أي اللفظين قاله، وهما بمعنى، "أي بكسر اللام" أي: الله كما وجه الحافظ لرواية محمد بن صالح الآتية.

ورواية جابر: قد أمرك الله أن تحكم فيهم.

ورواية ابن إسحاق المذكورة في المصنف، قال: وهذا كله يدفع ما وقع عند الكرماني بحكم الملك بفتح اللام، أي: جبريل؛ لأنه الذي ينزل بالأحكام ا. هـ.

لكن نقل القاضي عياض، أن بعضهم ضبطه في البخاري بكسر اللام وفتحها، فإن صح الفتح فالمراد جبريل، يعني بالحكم الذي جاء به الملك عن الله، وعورض بأنه لم ينقل نزول الملك في ذلك بشيء، ولو نزل بشيء اتبع وترك الاجتهاد، وبأنه ورد في الصحيح:"قضيت بحكم الله".

نعم، ذكر ابن إسحاق في غير رواية البكائي، أنه صلى الله عليه وسلم قال في حكم سعد بذلك طرقني الملك سحرا.

"وفي رواية محمد بن صالح" بن دينار التمار المدني، مولى الأنصار: صدوق يخطئ، مات سنة ثمان وستين، ومائة، خرج له أصحاب السنن، يعني عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه.

"لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات" أخرجه النسائي، وكان الأولى بالمصنف، عزوه له دون محمد بن صالح أحد رواته؛ لأنه أوهم أن الحديث معضل مع أنه موصول كما علمت، وأما صاحب الفتح، فلكونه يتكلم على الأسانيد يحسن منه ذلك؛ لأن به يتبين ممن جاء اختلاف اللفظ، أو الزيادة، أو النقص، أو نحو ذلك مع أنه أيضا عزاه لمن أخرجه وهو النسائي ففيه إفادة أن المراد بالأرقعة السموات، وأن لفظ الملك في رواية البخاري بكسر اللام.

"وفي حديث جابر بن عبد الله" رضي الله عنهما "عند" محمد "ابن عائذ" بتحتية وذال

ص: 84

فقال: احكم فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، قال: قد أمرك الله أن تحكم فيهم.

وفي هذ القصة: جواز الاجتهاد في زمنه صلى الله عليه وسلم وهي مسألة اختلف فيها أهل أصول الفقه. والمختار: الجواز، سواء كان في حضرته صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك لأنه بالتقرير يصير قطعيا، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته عليه السلام كما في هذه القصة وغيرها. ا. هـ.

معجمة، "فقال:"احكم فيهم يا سعد"، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم، قال:"قد أمرك الله أن تحكم فيهم" فأوحى إلي إلهاما، أو على لسان جبريل بذلك، وأما قوله بذلك طرقني الملك سحرا، فيحتمل أن معناه، أنه أخبره أن يحكم بما يحكم به سعد، فليس نصا في أنه هو الذي أوحى إليه أن يأمر سعدا بذلك.

"وفي هذه القصة" تحكيم الأفضل من هو مفضول، وأنه يسوغ للإمام إذا كانت له حكومة في نفسه تولية نائب يحكم بينه وبين خصمه، وينفذ على خصمه إن كان عدلا، ولا يقدح فيه أن حكم له وهو نائبة، ولزوم حكم الحكم برضا الخصمين، سواء كان في أمور الحرب، أو غيرها، فهو رد على الخوارج المنكرين التحكيم على علي، قاله ابن المنير وغيره و"جواز الاجتهاد في زمنه صلى الله عليه وسلم وهي مسألة اختلف فيها أهل أصول الفقه والمختار الجواز سواء كان في حضرته صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن"، المؤدي إليه الاجتهاد، "مع إمكان القطع" بسؤاله عليه السلام، "و" لكن "لا يضر ذلك لأنه بالتقرير،" بعلمه به، والسكون عليه، أو بعدم مجيء الوحي له بخلافه، "يصير قطعيا" إذ لو كان باطلا لجاءه الوحي، "فقد ثبت وقوع ذلك بحضرته عليه السلام، كما في هذه القصة، وغيرها" كقصة قتيل أبي قتادة إذ أخذ رجل سلبه، وقال للمصطفى: أرضه منه، فأبى أبو بكر، فقال عليه السلام:"صدق فأعطه.." الحديث في البخاري "انتهى".

وقال شيخنا: وهذا كله ظاهر حيث كان الفاعل بحضرته صلى الله عليه وسلم أما في غيبته ففيه شيء، وهو أنه قد يؤدي ظن المجتهد إلى خلاف الواقع، فيفعله وعلمه صلى الله عليه وسلم به بعد لا يمنع وقوع الفعل منه، وإنما يقتضي النهي عن العود لمثله، فالأولى الجواب بأنه إنما اكتفى بالظن مع القدرة على اليقين؛ لأن انتظاره قد يؤدي إلى مشقة، بل إلى فوات المطلوب ا. هـ.

وفيها أيضا تصحيح القول: إن المصيب واحد، وإن المجتهد ربما أخطأ، ولا حرج عليه،

ص: 85

وانصرف صلى الله عليه وسلم يوم الخميس لسبع ليال -كما قاله الدمياطي، أو لخمس كما قاله مغلطاي- خلون من ذي الحجة.

وأمر عليه الصلاة والسلام ببني قريظة فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدود في السوق

ولذا قال: حكمت بحكم الله، فدل على أن حكمه في الواقعة متقرر، فمن أصابه أصاب الحق، ولولا ذلك لم يكن لسعد مزية، وأن المسألة اجتهادية ظنية، ولذا كان رأي الأنصار العفو عن اليهود خلافا لسعد، وما كان الأنصار ليتفق أكثرهم على الخطأ على سبيل القطع.

"وانصرف صلى الله عليه وسلم يوم الخميس لسبع ليال، كما قاله الدمياطي، أو لخمس، كما قاله مغلطاي، خلون من ذي الحجة"، ولا يتأتى واحد منهما على ما قدمه، أن مدة الحصار خمس وعشرون، أو خمس عشرة، وأنه خرج لسبع بقين من ذي القعدة. نعم يتأتى على أنه بضع عشرة، يجعله أقل من خمس عشرة.

"وأمر عليه الصلاة والسلام ببني قريظة" بعد نزولهم من الحصن، فكتفوا وجعلوا ناحية، والنساء والذرية ناحية، قاله ابن سعد، وأسلم في ليلة نزولهم ثعلبة، وأسد ابنا سعية، وأسد بن عبيد، كما عند ابن إسحاق.

"فأدخلوا المدينة" قال ابن إسحاق: فحبسوا في دار بنت الحارث الأنصارية النجارية.

قال في الإصابة: وهي رملة بنت الحارث بن ثعلبة بن الحارث بن زيد، زوجة معاذ بن الحارث بن رفاعة، تكرر ذكرها في السيرة.

والواقدي يقول: رملة بنت الحارث بفتح الدال المهملة بغير ألف قبلها، ا. هـ، وكذا قال ابن هشام.

قال السهيلي: الصحيح عندهم بنت الحارث، كما قال البخاري وليست هي كيسة، أي: بشد التحتية فمهملة، كما في الإصابة، بنت الحارث بن كريز التي أنزل في دارها وفد بني حنيفة، وكانت زوج مسليمة الكذاب، ثم خلف عليها عبد الله بن عامر، انتهى ملخصا.

وعند أبي الأسود عن عروة: أنهم حبسوا في دار أسامة بن زيد.

قال في الفتح: ويجمع بأنهم جعلوا في بيتين، كما صرح به في حديث جابر عند ابن عائذ ا. هـ.

وفي السبل: سيق الرجال إلى دار أسامة بن زيد، والنساء والذرية إلى دار رملة، ويقال: حبسوا جميعا في دارها، فأمر لهم صلى الله عليه وسلم بأحمال تمر، فنثرت لهم فباتوا يأكلونها.

"وحفر لهم أخدود" شق في الأرض، مستطيل "في السوق" بين موضع دار أبي جهم

ص: 86

وجلس صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم، وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل.

العدوي إلى إحجار الزيت بالسوق موضع بالمدينة، "وجلس صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه" في السوق، "وأخرجوا إليه"، زاد في الرواية: إرسالا، بالفتح، أفواجا وفرقا متقطعا بعضهم عن بعض، كما في النور، وظاهره أنه حقيقة.

وفي المصباح أن حقيقته القطيع من الإبل شبه به الناس.

"فضربت أعناقهم"، أي: ضربها علي والزبير، وأسلم الأنصاري، كما في الطبراني، قال: فكنت أضرب عنق من أنبت، وأجعل غيره في المغانم، وجاء سعد بن عبادة والحباب بن المنذر، فقالا: يا رسول الله إن الأوس قد كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم، فقال سعد بن معاذ: ما كرهه من الأوس أحد فيه خير، فمن كرهه فلا أرضاه الله، فقام أسيد بن حضير، فقال: يا رسول الله لا يبقين دار من الأوس إلا فرقتهم فيها، فمن سخط، فلا يرغم الله إلا أنفه، فابعث إلى داري أول دورهم، ففرقهم في دور الأوس فقتلوهم، وهذا يفيد أن الذين فرقوا على الأوس من لم يكن قتله علي والزبير، لمجيء ابن عبادة والحباب أثناء القتل، وبقي عليه السلام عند الأخدود حتى فرغوا منهم عند الغروب، فرد عليهم التراب، فكان الذين أرسلوا إلى الأوس حملوا بعد القتل إلى الأخدود.

"وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة" إلى بمعنى الواو؛ لأنها التي يقابل بها بين، ولم أجده هكذا، فالذي في ابن إسحاق وهم ستمائة أو سبعمائة، وكذا نقله عنه اليعمري بأو التي لتنويع الخلاف.

ففي الفتح عند ابن إسحاق أنهم ستمائة، وبه جزم أبو عمر.

وعند ابن عائذ من مرسل قتادة: كانوا سبعمائة.

"وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة" كذا عزاه له تبعا للفتح، ولا أدري لم ذلك، مع أنه في نفس كلام ابن إسحاق، بلفظ: والتسعمائة بالواو، بدل إلى، وهكذا نقله عنه اليعمري.

"وفي حديث جابر عند الترمذي، والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح: أنهم كانوا أربعمائة مقاتل".

ص: 87

فيحتمل في طريق الجمع: إن الباقين كانوا أتباعا.

واصطفى صلى الله عليه وسلم لنفسه الكريمة ريحانة فتزوجها، وقيل كان يطؤها بملك اليمين، وأمر بالغنائم فجمعت، وأخرج الخمس من المتاع والسبي ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يريد وقسمه بين المسلمين، فكانت على ثلاثة آلاف واثنتين وسبعين سهما، للفرس سهمان ولصاحبه سهم

قال الحافظ ابن حجر" في الفتح "فيحتمل في طريق الجمع أن الباقين كانوا أتباعا" غير مقاتلين، "واصطفى صلى الله عليه وسلم لنفسه الكريمة ريحانة" بنت شمعون بن زيد، وقيل: زيد بن عمرو بن خنافة بالخاء المعجمة والنون، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة.

قال ابن عبد البر: قول الأكثر أنها قرظية، وقيل: كانت من بني النضير متزوجة في قريظة رجلا يقال له الحكم، "فتزوجها" بعد أن أسلمت وحاضت حيضة، وكانت جميلة وسيمة، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشا، أي: نصف أوقية، وأعرس بها في المحرم سنة ست في بيت سلمى بنت قيس النجارية، وضرب عليه الحجاب فغارت عليه غيرة شديدة، فطلقها تطليقة، فشق عليها، وأكثرت البكاء فراجعها، ولم تزل عنده حتى ماتت راجعة من حجة الوداع سنة عشر، ودفنها بالبقيع، ذكر الواقدي وابن سعد وغيرهما. "وقيل: كان يطؤها بملك اليمين".

قال ابن إسحاق: كان صلى الله عليه وسلم سباها، فأبت إلا اليهودية، فوجد في نفسه، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال:"هذا ثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة" فبشره وعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملكك، فهو أخف علي وعليك، فتركها، لكن قال الواقدي بعد أن أخرج من عدة طرق: أنه تزوجها وضرب عليها الحجاب، هذا أثبت عند أهل العلم، واقتصر عليه ابن الأثير. "وأمر بالغنائم فجمعت،" وهي ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألفا رمح وخمسمائة ترس وجحفة وخمر جرار سكر بفتحتين أي: نبيذ تمر، فأهريق ذلك كله، ولم يخمس وجمال نواضح وماشية كثيرة، قاله ابن سعد، وجحفة بحاء مهملة فجيم ترس صغير.

"وأخرج الخمس من المتاع والسبي، ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يريد،" ظاهره أنه بيع ما عد الخمس وهو مخالف قول ابن إسحاق وغيره.

بعث صلى الله عليه وسلم سعد بن يزيد الأنصاري الأشهلي بسبايا من بني قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بهم خيلا وسلاحا، وعند الواقدي: بعث سعد بن عبادة بطائفة إلى الشام يبيعهم ويشتري بهم خيلا وسلاحا، "وقسمه بين المسلمين، فكانت على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، للفرس سهمان" لما مر أن الخيل كانت ستة وثلاثين فرسا "ولصاحبه سهم" وعلى هذا

ص: 88

وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتق به ويهب ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرثة - وهو السقط من المتاع.

وانفجر جرح سعد بن معاذ، فمات شهيدا.

وفي البخاري أنه دعا: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه

مضت السنة في المغازي.

وروى أنه أعطى صفية بنت عبد المطلب، وأم عمارة، وأم سليطة، وأم العلاء، وأم سعد بن معاذ، والسميراء بنت قيس حضرن القتال، ولم يسهم لهن.

"وصار الخمس إلى محمية" بفتح الميم، وسكون الحاء المهملة، وكسر الميم الثانية، فتحتية مخففة مفتوحة "ابن جزء" بفتح الجيم وسكون الزاي، ثم همزة، ابن عبد يغوث "الزبيدي" بضم الزاي وفتح الموحدة ودال مهملة حليف بني سهم، قديم الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأخماس.

وذكر ابن الكلبي: أنه شهد بدرا.

وقال الواقدي: أول مشاهده المريسيع.

قال أبو سعيد بن يونس: شهد فتح مصر، ولا أعلم له رواية.

"وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتق منه ويهب ويخدم منه من أراد، وكذلك يصنع بما صار إليه من الرثة" بكسر الراء وشد المثلثة "وهو السقط من المتاع" أي: متاع البيت الدون، "وانفجر" لما انقضى شأن بني قريظة "جرح" بضم الجيم "سعد بن معاذ" الذي أصابه من ابن العرقة في الخندق في أكحله، "فمات شهيدا" كذا قال ابن إسحاق وغيره، ولعل مرادهم شهيد الآخرة؛ لأنه لم يمت عقب الجرح، بل عاش حتى شرف على البراء وأيضا فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه وغسل، فلو كان شهيد المعركة لم يفعل به ذلك.

"وفي البخاري" في الصلاة والهجرة والمغازي عن عائشة "أنه دعا،" وزاد مسلم: وتحجر كلمه للبرء، أي: تيبس، أي: أنه دعا بذلك لما كاد جرحه يبرأ، ولفظ البخاري عن عائشة أن سعدا، قال:"اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد"، أي: قوم "أحب إلي أن أجاهدهم فيك" جملة في تأويل المصدر فاعل اسم التفضيل "من قوم كذبوا رسولك، وأخرجوه" من وطنه، بيان للمفضل عليه الواقع في حيز النفي، فكان جهاده مفضل ومفضل عليه باعتبارين، كمسألة الكحل

ص: 89

اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم -وفي المسجد خيمة لامرأة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها.

المشهورة، ثم مدلول هذه العبارة عرفا أن جهاد هؤلاء أحب إليه من جهاد غيرهم، ولو كانوا كفارا، وإن صدق لغة بالتساوي على نحو: ما ركبك خلق أكرم على الله منه، وقد أفاد المصنف بسوق هذا الحديث هنا، وبما قدمه من دعاء سعد بذلك في الخندق، أنه دعا به في الوقتين.

"اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب" بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب قريش شيء، فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب، "فافجرها" هذا كله قول سعد في البخاري، فكأن المصنف حذفه اختصارا والضمير للجراحة، والهمزة للوصل، والجيم مضمومة، "واجعل موتي فيها" لأفوز بموتة الشهادة.

قال الحافظ: فيه جواز تمني الشهادة، وهو مخصوص من عموم النهي عن تمني الموت، وفيه صبر سعد "فانفجرت من لبته" بفتح اللام والموحدة المشددة، موضع القلادة من صدره، وهي رواية مسلم والإسماعيلي، وللكشميهني من ليلته وهو تصحيف.

ففي رواية ابن خزيمة: فإذا لبته قد انفجرت من كلمه، أي: من جرحه، وكان موضع الجروح ورم حتى وصل إلى صدره، فانفجر من ثم قاله الحافظ، "فلم يرعهم" بفتح أوله، وضم ثانيه وتسكين العين المهملة، أي: لم يفزع أهل المسجد، "وفي المسجد خيمة" جملة حالية لرجل "من بني غفار" بكسر المعجمة وخفة الفاء، أو من خيامهم.

قال الحافظ في المقدمة: هي خيمة رفيدة نزلها قوم من بني غفار، وقال في الفتح: تقدم أن ابن إسحاق ذكر أن الخيمة كانت لرفيدة الأسلمية، فيحتمل أن يكون لها زوج من بني غفار. "إلا الدم" فاعل يرعهم، أي: الخارج من سعد، "يسيل إليهم" أي: أهل المسجد، "فقالوا: يا أهل الخمية ما هذا" الدم "الذي يأتينا من قبلكم؟ " بكسر القاف وفتح الموحدة، من جهتكم.

قال المصنف: وهذا يضعف قول الكرماني، وتبه البرماوي أن ضمير يرعهم لبني غفار، والسياق يدل عليه ما لا يخفى. نعم، إن كان ثم خيمة غير التي فيها سعد، فلا إشكال ا. هـ، فبحثوا عن ذلك، "فإذا سعد يغذو" بغين وذال معجمتين، يسيل، "جرحه دما".

وفي رواية ابن خزيمة: فإذا الدم له هدير، "فمات منها،" أي: من تلك الجراحة ولا حمد عن عائشة، فانفجر كلمه، وقد كان برأ الأمثل الخرص، وهو بضم المعجمة، وسكون الراء ثم

ص: 90

وقد كان ظن سعد مصيبا، ودعاؤه في هذه القصة مجابا، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيه من المشركين، فإنه عليه الصلاة والسلام تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة، وكاد الحرب أن يقع بينهم فلم يقع كما قال الله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24] ثم وقعت الهدنة واعتمر عليه الصلاة والسلام من قابل، واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد فتوجه إليهم غازيا ففتحت مكة، فعلى هذا: فالمراد بقوله: أظن أنك قد وضعت الحرب، أي: أن يقصدونا محاربين، وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: "إلا أن نغزوهم ولا يغزونا

مهملة، من حلي الأذن.

وفي مسلم: فما زال الدم يسيل حتى مات، وقد زعم بعض شراح البخاري، أن سعدا لم يصب في هذا الظن لما وقع من الحروب في الغزوات، قال: فيحمل على أنه دعا بذلك فلم يجب، وله ما هو أفضل منه، كما ثبت في الحديث الآخر في دعاء المؤمن، أو أنه أراد بوضع الحرب، أي: في تلك الغزوة خاصة لا فيما بعدها.

"و" رده الحافظ فقال: الذي يظهر لي أنه "قد كان ظن سعد مصيبا، ودعاؤه في هذه القصة مجابا و"، بيان "ذلك، أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب، يكون ابتداء القصد فيه من المشركين" أي: قريش "فإنه عليه الصلاة والسلام تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة" سنة الحديبية، "وكاد الحرب أن يقع بينهم، فلم يقع كما قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} بالحديبية، {مِنْ بَعْدِ أَنْ أَْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حيث طاف ثمانون منهم بعسكركم، ليصيبوا منكم فأخذوا، وأتي بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم، وخلى سبيلهم فنزلت الآية، رواه مسلم وغيره وهو الصحيح، وقبل في فتح مكة، "ثم وقعت الهدنة" الصلح بينهم على وضع الحرب عشر سنين، "واعتمر عليه الصلاة والسلام من قابل"، سنة سبع، "واستمر ذلك" المذكور من الهدنة، "إلى أن نقضوا العهد، فتوجه إليهم غازيا" قاصدا "ففتحت مكة" سنة ثمان "فعلى هذا، فالمراد بقوله أظن أنك قد وضعت الحرب، أي: أن يقصدونا محاربين" فلا ينافي وقوع الحرب بينهم في فتح مكة،؛ لأن القصد فيه إنما كان منه صلى الله عليه وسلم لهم، "وهو كقوله عليه الصلاة والسلام" حين انصرف الأحزاب: "إلا أن نغزوهم وهم لا يغزونا".

ص: 91

-كما تقدم- وقد بين سبب انفجار جرح سعد في مرسل حميد بن هلال -عند ابن سعد- ولفظه: أنه مرت به عنز، وهو مضطجع، فأصاب ظلفها موضع النحر فانفجرت حتى مات.

وحضر جنازته رضي الله عنه سبعون ألف ملك، واهتز لموته عرش الرحمن. رواه الشيخان.

روى بنون واحدة وبنونين، كما قاله المصنف، "كما تقدم" في آخر غزوة الخندق انتهى كلام الفتح، واللائق بالمصنف حذف كما تقدم، لأنه لم يقدم هذا اللفظ، بل معناه "وقد بين سبب انفجار جرح سعد في مرسل حميد بن هلال" العدوي، أبي نصر البصري، الثقة التابعي الكبير العالم، احتج به الستة.

"عند" محمد" بن سعد، ولفظه أنه مرت به عنز وهو مضطجع، فأصاب ظلفها موضع النحر" بنون فمهملة، من إضافة الأعم إلى الأخص، أي: موضعا هو النحر، وهو موضع القلادة من الصدر، ويطلق على الصدر كله، وهذا موافق لقول عائشة السابق، فانفجرت من لبته، وفي نسخة الفجر بفاء وجيم، أي: موضع فجر الجرح، والذي في الفتح عن هذا المرسل من موضع الجرح، وتبعه المصنف في شرحه ونحوه قول اليعمري عن ابن سعد فأصابت الجرح بظلفها، وكان معناه أصابت ما انتهى إليه ورم الجرح، وسماه جرحا، وإن لم يكن موضعه؛ لأنه لما سرى الورم إليه، صار الكل أثر الجراحة، "فانفجرت" جراحته وسال الدم "حتى مات، وحضر جنازته رضي الله عنه سبعون ألف ملك" كما قال صلى الله عليه وسلم: "لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعدا، ما وطئوا الأرض إلا يومهم هذا" ذكره ابن عائذ وتبعه السهيلي"، "واهتز لموته عرش الرحمن"، رواه الشيخان" من حديث جابر، وثبت عن عشرة من الصحابة أو أكثر.

قال ابن عبد البر: هو ثابت اللفظ من طرق متواترة، وقول البراء: اهتز سريره، لم يلتفت إليه العلماء ا. هـ.

وفي العتبية: أن مالكا سئل عنه، فقال: أنهاك أن تقوله، وما يدري المرء أن يتكلم بهذا، وما يدري ما فيه من الغرور.

قال ابن رشد في شرحها: إنما نهى مالك لئلا يسبق إلى وهم الجاهل أن العرش إذا تحرك يتحرك الله بحركته، كالجالس منا على كرسيه، وليس العرش بموضع استقرارا لله تبارك وتنزه عن مشابهة خلقه انتهى ملخصا، وهو حسن، وقول السهيلي العجب من إنكار مالك لهذا الحديث، وكراهته التحديث به مع صحة نقله، وكثرة روته، ولعل هذه الرواية لم تصح عنه، اعترضه

ص: 92

قال النووي: اختلف العلماء في تأويله.

فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحركه فرحا بقدوم سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزا حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى:{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74] . وهذا القول هو ظاهر الحديث. وهو المختار. قال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته، وأن العرش تحرك لموته، وهذا لا ينكر من جهة العقل؛ لأن العرش جسم من الأجسام، يقبل الحركة والسكون. قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك

اليعمري باقتضائه، أن إنكاره يرجع إلى الإسناد وليس كذلك، بل اختلف العلماء في هذا الخبر، فمنهم من يحمله على ظاهره، ومنهم من يؤوله، وما هذا سبيله من الأخبار المشكلة، فمن الناس من يكره روايته إذا لم يتعلق به حكم شرعي، فلعل الكراهة المروية عن مالك من هذا النمط ا. هـ.

وبهذا يرد قول الحافظ في الفتح تعقبا على ابن رشد، الذي يظهر لي أن مالكا ما نهى عنه لهذا، إذ لو خشي ذلك لما أسند في الموطأ حديث: ينزل الله إلى سماء الدنيا؛ لأنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش ا. هـ؛ لأن حديث النزول، تعلق به حكم شرعي من طلب الدعاء والاستغفار والتوبة، وقوله أيضا يحتمل الفرق، بأن حديث سعد ما ثبت عنده بخلاف حديث النزول، فرواه ووكل أمره إلى فهم العلماء الذين يسمعون في القرءان استواء العرش ونحوه، لكن لا معنى لإنكاره لثبوته عجيب من مثله في حق نجم الأثر، أيظن أنه يخفى عليه حديث متواتر، فإنما أراد ما قاله ابن رشد واليعمري، وهو المتبادر من قوله وما يدري المرء إلخ، ولو أراد ما فهمه السهيلي وابن حجر لقال ليس بثابت أو لا أعرفه، أو ما سمعته، أو نحو ذلك، والله أعلم.

وقد "قال" الإمام "النووي" في شرح مسلم: "اختلف العلماء في تأويله، فقالت طائة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش، تحركه" حقيقة "فرحا بقدوم روح سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزا حصل به هذا" التحرك "ولا مانع منه، كما قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا} أي: الحجارة، {لَمَا يَهْبِطُ} ينزل من علو إلى سفل {مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار" وكذا رجحه السهيلي، فقال: ولا معدل عن ظاهر اللفظ ما وحد إليه سبيل.

"قال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته، وإن العرش تحرك لموته، قال: وهذا لا ينكر من جهة العقل؛ لأن العرش جسم" مخلوق "يقبل الحركة والسكون".

"قال" المازري: "لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك" أي: مجرد تحركه لجواز أنه اتفاقي

ص: 93

إلا أن يقال: إن الله تعالى جعل حركته علامة للمائكة على موته.

وقال آخرون: المراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول: ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها.

وقال الحربي: هو عبارة عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشيء المعظم إلى عظم الأشياء فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة.

وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة، وهو العرش

ذلك اليوم، وفيه أن علمه بموته، واهتزازه له فيه فضيلة كبيرة، كاضطراب الجبل، وتسبيح الحصى بكف المصطفى، ولا يدفع ذلك، بأنهما مرئيان للصحابة بخلاف اهتزازه؛ لأن خبر الصادق المصدوق به مثل رؤيته سواه "إلا أن يقال إن الله تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته،" فيفيد كرامته على ربه حيث تحرك العرش أسفا عليه لمحافظته على الحق.

"وقال آخرون" مقابل قوله أولا، فقالت طائفة، وقوله قال بعضهم هو على حقيقته، "المراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول" بأن أودع فيه إدراكا علم به موته، وكرامته عند ربه، ففرح واستبشر، وبهذا صدر الفتح وقال: يقال لك من فرح بقدوم قادم عليه اهتز له، ومنه اهتزت الأرض بالنبات إذا اخضرت وحسنت، ووقع ذلك في حديث ابن عمر عند الحاكم بلفظ: اهتز العرش فرحا به.

"ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته" تفسيري، "وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها" فهذا يصحح قول الآخرين.

"وقال" إبراهيم بن إسحاق "الحربي" الحافظ البغدادي مر بعض ترجمته: "هو عبارة عن تعظيم شأن وفاته" من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تحرك ولا فرح من العرش، "والعرب تنسب الشيء المعظم إلى أعظم الأشياء فيقولون: أظلمت بموت فلان الأرض" ولم تظلم، "وقامت له القيامة" ولم تقم، ففي هذا منقبة عظيمة لسعد.

"وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة، وهو العرش،" وسياق الحديث يأباه، إذ المراد منه فضيلته، وأي فضيلة في اهتزاز السرير، فكل سرير يهتز إذا تجابته الأيدي.

قال الحافظ: إلا أن يراد اهتزاز، حملة سريره فرحا بقدومه على ربه، فيتجه.

وفي الصحيح: قال رجل لجابر: فإن البراء يقول اهتز السرير، فقال: إنه كان بين هذين

ص: 94

وهذا القول باطل يرده صريح الروايات التي ذكرها مسلم "اهتز لموته عرش الرحمن" وإنما قال هؤلاء هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التي ذكرها مسلم والله أعلم. ا. هـ.

وقيل المراد باهتزاز العرش حملة العرش...............................

الحيين ضغائن، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ"، والحيان الأوس والخزرج"، فقال ذلك جابر إظهارا للحق، واعترافا بالفضل لأهله، فكأنه تعجب من البراء كيف قال ذلك مع أنه أوسي، ثم قال: أنا وإن كنت خزرجيا، وكان بين الحيين ما كان، لا أمتنع من قول الحق، والعذر للبراء أنه لم يقصد تغطية سعد، وإنما فهم ذلك، فجزم به.

وقال الخطابي وغيره: لأنه سمع شيئا محتملا، فحمل الحديث عليه، ولعله لم يسمع قوله عرش الرحمن، وعذر جابر أنه ظن أن البراء أراد الغض من سعد، فانتصر له وقد وقع لابن عمر، أنه قال: العرش لا يهتز لأحد، ثم رجع وجزم بأنه اهتز له عرش الرحمن، أخرجه ابن حبان انتهى ملخصا من الفتح.

"وهذا القول باطل يرده صحيح الروايات التي ذكرها" أيك رواها، "مسلم" خصه لقوله الروايات بخلاف البخاري، ففيه رواية واحدة "اهتز لموته" بدل من الروايات "عرش الرحمن،" فإن إضافته إليه تأبى أن المراد السرير، كما أفاده جابر، "وإنما قال هؤلاء: هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التي ذكرها مسلم" ألا ترى إلى أنها لما بلغت ابن عمر، رجع عن قوله: لا يهتز لأحد، وقد قال الحاكم: الأحاديث المصرحة باهتزاز عرش الرحمن مخرجة في الصحيحين، وليس لمقابلها في الصحيح ذكر، "والله أعلم، انتهى" كلام النووي في شرح مسلم بحروفه، "وقيل: المراد باهتزاز العرش، اهتزاز حملة العرش"، فرحا بقدوم روحه، لما رأوا من كرامته وعظم منزلته، نقله النووي في التهذيب عن العلماء، أي: بعضهم بدليل كلامه في الشرح، ففيه مجاز الحذف.

قال الحافظ: ويؤيده حديث الحاكم أن جبريل قال: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها؟ وقيل هو علامة نصبها الله لموت من يموت من أوليائه، ليعلم ملائكته بفضله. قال: ووقع عند الحاكم عن ابن عمر: اهتز العرش فرحا بلقاء الله، سعدا حتى تفسخت أعواده على عواتقنا.

قال ابن عمر: يعني عرش سعد الذي حمل عليه، وفيه عطاء بن السائب فيه مقال؛ لأنه اختلط آخر عمره.

ص: 95

وصحح الترمذي من حديث أنس قال: لما حصلت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون ما أخف جنازته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، "إن الملائكة كانت تحمله".

وعن البراء قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها

"و" يعارضه أنه "صحح الترمذي من حديث أنس قال: لما حملت" بالبناء للمفعول "جنازة سعد بن معاذ، قال المنافقون" أي: بعضهم وعند ابن إسحاق من مرسل الحسن: كان سعد رجلا بادنا، فلما حمله الناس، وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادنا وما حملنا من جنازة أخف منه، "ما أخف جنازته" كأنهم قالوه استهزاء به، وأن خفته لخفة ميزانه بزعمهم الفاسد.

"فقال النبي صلى الله عليه وسلم" ردا عليهم: "إن الملائكة كانت تحمله".

وفي المرسل أن له حملة غيركم، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد، واهتز له العرش، وذكر ابن إسحاق وغيره أنه لما احتمل على نعشه بكت أمه وقالت:

ويل أم سعد سعدا صرامة وحدا

وسوددا ومجدا وفارسا معدا سد به مسدا

فقال صلى الله عليه وسلم: "كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ"، وفي رواية:"لا تزيدي على هذا، وكان فيما علمت والله حازما في أمر الله قويا في أمره كل النوائح تكذب إلا أم سعد".

وروي أنه قال لها: "ليرقأ دمعك، ويذهب حزنك، فإن ابنك يضحك الله عز وجل له".

وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم حمل جنازة سعد بين العمودين، ومشى أمام جنازته، ثم صلى عليه، وجاءت أمه، ونظرت إليه في اللحد، وقالت: احتسبتك عند الله عز وجل، وعزاها صلى الله عليه وسلم وهو واقف على قدميه على القبر، فلما سوى التراب على قبره رش عليه الماء، ثم وف ودعا، وأم سعد بن معاذ اسمها كبشة بنت رافع بن عبيد الأنصارية الخدرية.

ذكر ابن سعد أنها أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الأنصار.

"وعن البراء" بن عازب بن حارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، الأوسي الصحابي، ابن الصحابي، والخزرج المذكور في نسبه ليس هو مقابل الأوس، وإنما سمي على اسمه، وظنه الخطابي إياه، فزعم أن البراء خزرجي، وهو خطأ فاحش نبه عليه الحافظ.

"قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم." قال الحافظ: الذي أهدى أكيدر دومة، كما في حديث أنس السابق في الهبة، "حلة حرير،" وفي حديث أنس عند البخاري: جبة من سندس، فكأنها مركبة من ظهارة وبطانة؛ لأن مسمى الحلة ثوبان فلا خلف، وفي حديث أنس عند البزار برجال الصحيح، فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، "فجعل أصحابه يمسونها" بفتح

ص: 96

ويعجبون من لينها، فقال صلى الله عليه وسلم:"أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين". هذا لفظ رواية أبي نعيم في مستخرجه على مسلم.

والمناديل: جمع منديل -بكسر الميم في المفرد- وهو معروف.

التحتية والميم، "ويعجبون" بسكون العين "من لينها، فقال صلى الله عليه وسلم" لهم: "أتعجبون من لين هذه" الحلة"؟ زاد البخاري في الهبة عن أنس: "والذي نفس محمد بيده، "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين" " بالواو، كما رواه الكشميهني، ولغيره بأو بالشك، وكما قال صلى الله عليه وسلم ذلك في حلة أكيدر، قاله أيضا في ديباج أهداه له عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي الصحابي.

روى الطبراني برجال ثقات عن عطارد بن حاجب، أنه أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب ديباج كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه فقالوا: نزل عليك من السماء، فقال:"وما تعجبون من ذا لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا"، ثم قال:"يا غلام اذهب به إلى أبي جهم بن حذيفة، وقل له يبعث إلي بالخميصة".

قال العيني: وتخصيص سعد به، قيل: لأنه كان يعجبه ذلك الجنس من الثياب، أو لأن اللامسين المتعجبين من الأنصار، فقال: مناديل سيدكم خير منها ا. هـ. ومقتضى وجود المناديل في الجنة، أنهم إذا أكلوا شيئا احتاجوا للمنديل لمسح ما تعلق بأيديهم وأفواههم، ولا يلزم أنه كوسخ الدنيا، بل جعل ذلك إكراما لهم حيث وجدوا في الجنة نظير ما ألفوه في الدنيا كذا قرره شيخنا حافظ العصر البابلي رحمه الله، "هذا لفظ أبي نعيم في مستخرجه على" صحيح "مسلم،" وجه عزوه له مع أن الحديث في الصحيحين البخاري في المناقب، ومسلم في الفضائل زيادة قوله في الجنة، وقد زادها البخاري في كتاب الهبة لكن من حديث أنس، وزاد في رواية البزار عنه: ثم أهداها إلى عمر، فقال: يا رسول الله أتكرهها وألبسها؟ فقال: "يا عمر إنما أرسلت بها إليك لتبعث بها وجها، فتصيب بها مالا"، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير، ويعارضه ما رواه مسلم عن علي، أن أكيدر دومة أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ثوب حرير، فأعطاه عليا، فقال:"شققه خمرا بين الفواطم"، وفسرن في رواية غيره بفاطمة زوجه، وفاطمة أمه، وفاطمة بنت حمزة.

"والمناديل جمع منديل بكسر الميم في المفرد" زاد القاموس، وفتحها، وكمنبر الذي يتمسح به، "وهو معروف".

قال ابن الأعرابي وغيره: مشتق من الندل النقل؛ لأنه ينتقل من واحد إلى واحد، وقيل: من الندل الوسخ؛ لأنه يندل به.

قال ابن الأنباري وغيره: مذكر.

ص: 97

قال العلماء: وهذا إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه؛ لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معد للوسخ والامتهان، فغيره أفضل. ا. هـ.

وأخرج ابن سعد وأبو نعيم، من طريق محمد بن المنكدر عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال:

"قال العلماء: وهذ" الحديث "إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة، وأن" بفتح الهمزة عطفا على المجرور "أدنى" أقل "ثيابه فيها خير من هذه" الحلة، "لأن المنديل أدنى الثياب؛ لأنه معد للوسخ والامتهان" فيمسح به الأيدي، وينفض به الغبار عن البدن، ويغطى به ما يهدى ويتخذ لفافا للثياب، "فغيره أفضل"؛ لأن سبيله سبيل الخادم، وسائر الثياب سبيل المخدوم، فإذا كان أدناها أفضل من حلة الملوك، فما ظنك بأعلاها.

"وأخرج ابن سعد، وأبو نعيم من طريق محمد بن المنكدر" بن عبد الله التيمي المدني، الفاضل الثقة، المتوفى سنة ثلاثين ومائة، أو بعدها "عن محمد بن شرحبيل" بضم أوله، وفتح الراء وسكون المهملة.

قال في الإصابة في القسم الرابع، فيمن ذكر في الصحابة غلطا محمد بن شرحبيل من بني عبد الدار، ذكره ابن منده، وقال: أورده البخاري في الوحدان، ولا يعرف له صحبة، إنما روايته عن أبي هريرة.

ثم روى ابن منده عن ابن المنكدر، عنه قال: أخذت قبضة من تراب قبر سعد بن معاذ، فوجدت منه ريح المسك.

وقال أبو نعيم: هو محمود بن شرحبيل، قلت: ليس فيه إنه صحابي؛ لأن شم تراب القبر يتأتى لمن تراخى زمانه بعد الصحابة، ومن بعدهم.

وفي التابعين محمد بن ثابت بن شرحبيل من بني عبد الدار، فلعله هذا نسب لجده ا. هـ.

وفي تقريبه محمد بن ثابت، ويقال ابن عبد الرحمن بن شرحبيل العبدري، أبو مصعب الحجازي، وقد ينسب إلى جده مقبول.

روى له البخاري في الأدب المفرد، وقوله "ابن حسنة" لا يصح؛ لأنها أم الصحابي الجليل شرحبيل بن عبد الله بن المطاع الكندي، التي ربته كما في التقريب، وليس أبا لمحمد هذا؛ لأنه عبدري وشرحبيل كندي، والحديث مرسل؛ لأنه تابعي، فلم يشهد ما حدث به، حيث "قال:

ص: 98

قبض إنسان يومئذ بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك، فقثال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله، سبحان الله"، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال:"الحمد لله، لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها سعد، ضم ضمة ثم فرج الله عنه".

قبض إنسان يومئذ" أي: يوم موت سعد، "بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك، فإذا هي مسك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله، سبحان الله" مرتين، تعجبا من كون تراب قبره صار مسكا، وكونه ضمه "حتى عرف ذلك" التعجب المدلول عليه بالتسبيح "في وجهه" الشريف، "فقال:"الحمد لله" شكرا له على تفريجه عن سعد، "لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر" من الأمم، صالحهم وطالحهم، إلا الأنبياء لكونهم خصوا بأنهم لا يضغطون كما في الأنموذج، ولا ترد فاطمة أم علي رضي الله عنهما؛ لأن نجاتها لسبب اضطجاعه صلى الله عليه وسلم في قبرها، ولا قارئ الإخلاص في مرض موته؛ لأن نجاته لسبب هو القراءة، والمنفي أنه لم ينج أحد منها بلا سبب، أو هي خصوصيات لا تنقض الأمور الكلية "لنجا منها سعد" لكن لم ينج أحد، فلم ينج سعد "ضم ضمة، ثم فرج الله عنه".

قال الحكيم الترمذي: سبب هذه الضمة أنه ما من أحد إلا وقد ألم بخطيئة ما، وإن كان صالحا، فجعلت هذه الضغطة جزاء له، ثم تدركه الرحمة، ولذا ضغط سعد للتقصير في البول، فأما الأنبياء فلا ضم ولا سؤال لعصمتهم ا. هـ. وهذا الحديث المرسل له شاهد.

قال ابن إسحاق: حدثني معاذ بن رفاعة، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح، عن جابر قال: لما دفن سعد، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح صلى الله عليه وسلم، فسبح الناس معه، ثم كبر، فكبر الناس معه، فقالوا: يا رسول الله مم سبحت، فقال:"لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه"، ولم يقولوا كم كبرت؛ لأن الذي يقال عند التعجب إنما هو التسبيح، فسألوا عن سببه.

قال ابن هشام: ومجاز هذا الحديث قول عائشة، قال صلى الله عليه وسلم:"إن للقبر لضمة، لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ".

وفي رواية يونس الشيباني، عن ابن إسحاق حدثني أمية بن عبد الله قال: قلت لبعض أهل سعد: ما بلغكم في هذا؟ فقال: ذكر لنا أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فقال:"كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير"، ومعلوم أن تقصيره لم يكن على وجه يؤدي إلى فساد عبادته، ولكنه مخالف للأولى، كترك الجمع بين الحجر والماء في الاستنجاء، فضمه القبر ليعظم ثوابه

ص: 99

وأخرج ابن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: كنت ممن حفر لسعد قبره، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا.

قال الحافظ مغلطاي وغيره: وفي هذه السنة فرض الحج. وقيل: سنة ست وصححه غير واحد، وهو قول الجمهور.

وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان ورجحه جماعة من العلماء.

ولتنبيه غيره حيث أخبرهم الصادق بسبب الضمة، فيحترزون عن خلاف الأولى وإن جاز.

وقد روى الحافظ أبو سعيد بن الأعرابي في معجمه، والبيهقي وابن منده، أن عائشة قالت: يا رسول الله ما انتفعت بشيء منذ سمعتك تذكر ضغطة القبر، وصوت منكر ونكير، فقال:"يا عائشة، إن ضغطة القبر -أو قال- ضمة القبر على المؤمن كضم الأم الشفيقة يديها على رأس ابنها، يشكو إليها الصداع فتغمز رأسه غمزا رفيقا، وصوت منكر ونكير، كالكحل في العين، ولكن يا عائشة " ويل للشاكين في الله، أولئك الذين يضغطون في قبورهم ضغطة البيض على الصخر" ". وزعم أن المراد بالمؤمن الذي هذا شأنه من لم يحصل منه تقصير، فلا ينافي ما تقدم عن سعد لا يصح، فإنه لم يتقدم عنه شيء ينافي هذا الحديث، حتى ينفي، وقد يكون مراد المصطفى أن هذا العبد الصالح الذي شهده سبعون ألف ملك، واهتز له عرش الرحمن، لا يضمه القبر أسا، ولا كضم الأم ابنها إكراما له، وإن كان يقصر بعض التقصير في البول، فذلك مغفور في جنب بعض حسناته التي منها حكمه في مواليه بحكم الله، فتعجب من ضمه، وهذا هو الظاهر من كلام الروض، فإنه قال: وأما ضغطه في قبره، فروي عن عائشة، فذكر الحديث، وعزاه لمعجم بن الأعرابي كما ذكرته.

"وأخرج ابن سعد" محمد الحافظ "عن أبي سعيد" سعد بن مالك، "الخدري" الصحابي، ابن الصحابي "قال: كنت ممن حفر لسعد قبره، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا،" وكفى بهذا منقبة عظيمة، وهذا أيضا شاهد لما قبله.

"قال الحافظ مغلطاي وغيره: وفي هذه السنة" سنة خمس "فرض الحج" فقد وقع في حديث ضمام ذكر الأمر بالحج، وقدومه سنة خمس، كما ذكره الواقدي، فيدل على فرضه فيها أو تقدم، "وقيل: سنة ست، وصححه غير واحد من الجمهور" لأنه نزل فيها قوله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ، بناء على أن المراد بالإتمام الفرض لقراءة علقمة ومسروق والنخعي وأقيموا، رواه الطبراني بأسانيد صحيحة عنهم، أما على أن المراد الإكمال بعد الشروع فلا، "وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، ورجحه جماعة من العلماء" لبعثه صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد

ص: 100

وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى ذلك وفد عبد القيس في المقصد الثاني وفي ذكر حجه عليه الصلاة والسلام من مقصد عباداته.

أميرا على الحج تلك السنة، وهو أول أمراء الحج، وقيل: سنة تسع، وقيل: عشر، "وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في ذكر وفد عبد القيس من المقصد الثاني" والكلام الذي ذكره فيه في تعلق الحج قليل؛ لأنه قوع استطرادا، "وفي ذكر حجه عليه الصلاة والسلام من مقصد عباداته" وهو التاسع وأشبع ثم الكلام عليه.

ص: 101

"‌

‌سرية القرطاء وحديث ثمامة

":

ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرمطاء، بطن من بني بكر بن كلاب وهم ينزلون بناحية ضرية بالبكرات

سرية القرطاء وحديث ثمامة:

"ثم سرية محمد بن مسلمة" الأنصاري، الأشهلي أكبر من اسمه محمد من الصحابة، وكان من الفضلاء، مات بعد الأربعين "إلى القرمطاء" بضم القاف، وسكون الراء وبالطاء المهملة، أي: والمد على القياس، وهم قرط بضم فسكون، وقريط بفتح الراء، وقريط بكسرها بنو عبد بغير، إضافة كما ضبطه البرهان، وتبعه الشامي، فمن قال القرطاء بفتح القاف، كأنه اشتبه عليه، أو سبقه القلم، وكذا من ضبطه بضم القاف، وفتح الراء اشتبه عليه الجمع بالمفرد "بطن من بني بكر،" واسمه عبيد بن كلاب من قيس عيلان، بعين مهملة وسكون التحتية.

ذكره أبو محمد الرشاطي، وبطن بدل من القرمطاء، وكان الأولى أن يقول بطون؛ لأنهم إخوة كما علمت، وفي القاموس: القرط بالضم من بني كلاب، وهم أخوة قرط، كقفل وقريط، كزبير وقريط كأمير، فلعل المصنف أراد طائفة، "وهم" أي: القرطاء "ينزلون بناحية ضرية".

قال البرهان: بفتح الضاد المعجمة، وكسر الراء، ثم تحتية مفتوحة مشددة، ثم تاء تأنيث.

قال في الصحاح: قرية لبني كلاب على طريق البصرة إلى مكة، وهي إلى مكة أقرب، "بالبكرات" بفتح الموحدة، وسكون القاف، فراء فألف ففوقية، جمع بكرة.

قال الشامي: كذا فيما وقفت عليه من كتب المغازي.

قال الصغاني: البكرة ماء لبني ذؤيب من الضباب، وعندها جبال شمخ يقال لها البكرات والبكران، يعني بلفظ التثنية موضع بناحية ضرية، وتبعه في المرصد.

قال في النور: ولعل ما في العيون بلفظ التثنية، وتصحف على الناسخ، فذكره بلفظ الجمع، ولم يذكر أبو عبيد البكري في معجمه بحي ضرية إلا بكرة بالأفراد، قلت: وهو بعيد

ص: 101

وبين ضرية والمدينة سبع ليال، لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست على رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة.

بعثه في ثلاثين راكبا، فلما أغار عليهم هرب سائرهم.

وعند الدمياطي: فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم، واستاق نعما وشاء، وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم ومعه ثمامة

جدا لتوارد ما وقفت عليه من كتب المغازي ا. هـ.

"وبين ضرية والمدينة" الشريفة "سبع ليال لعشر" متعلق بسرية، والمعنى خرج لعشر "ليال خلون من المحرم سنة ست على رأس" أي: أول، "تسعة وخمسين شهرا من الهجرة"، من أول دخول المصطفى المدينة لا من أول المحرم حتى يوافق قوله سنة ست، وإلا فعدة الأشهر تفيد أنها سنة خمس فما بعد السنة الأولى من الهجرة معتبر بأول المحرم، والأولى من دخول المدينة والمحوج إلى هذا تلفيق المصنف بين القولين، فإن الحاكم ذكر أنها في المحرم سنة ست، ولم يعد الأشهر الماضية من الهجرة، وابن سعد عد الأشهر، ولم يقل إنها سنة ست كما في العيون.

"بعثه في ثلاثين راكبا" إبلا وخيلا كما في الصحيح، أنه بعث خيلا، وقول ثمامة: إن خيلك أخرتني، منهم عباد بن بشر، وسلامة بن وقش بفتح الواو، والقاف وبالشين المعجمة، والحارث بن خزمة بفتح المعجمة وسكون الزاي، وقيل بفتحها، وقيل: خزيمة بالتصغير، وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار، وأن يشن الغارة عليهم بفتح الياء، وضم المعجمة، وضم الياء، وكسر الشين ونون، أي: يفرق الخيل المغيرة على العدو، ففعل ما أمره.

"فلما أغار" هجم "عليهم" مسرعا "هرب سائرهم،" أي: باقيهم، بعد من قتل منهم، فلا يخالف قوله.

"وعند الدمياطي" تبعا للواقدي عن شيوخه: "فقتل منهم نفرا" هم لغة ما دون العشرة، لكن عند الواقدي فقتل منهم عشرة، "وهرب سائرهم" أي: باقيهم بعد قتل النفر، ولم نر أحدا. قال: لم يقتل منهم حتى نحمل قوله أولا سائرهم على الجميع، ويجعل ما بعده مقابلا له، على أن كونه بمعنى الجميع ضعيف، و"استاق نعما"، وكانت مائة وخمسين بعيرا "وشاء" وكانت ثلاثة آلاف، فعدلوا الجزور بعشرة من الغنم، قاله ابن سعد القاموس النعم، وقد تسكن عينه الإبل والشاء، أو خاص بالإبل، فعليه العطف مباين وعلى الأول من عطف الأخص على الأعم، "وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم" وغاب تسع عشرة ليلة، قاله ابن سعد، "ومعه ثمامة" بضم

ص: 102

ابن أثال الحنفي أسيرا.

فربط بأمره عليه الصلاة والسلام بسارية من سواري المسجد، ثم أطلق بأمره عليه الصلاة والسلام، فاغتسل وأسلم وقال:

المثلثة وميمين خفيفتين "ابن أثال" بضم الهمزة، وبمثلثة خفيفة ولام، مصروف ابن النعمان "الحنفي،" من فضلاء الصحابة، لم يرتد مع من ارتد من أهل اليمامة، ولا خرج عن الطاعة قط رضي الله عنه، ونفع الله به الإسلام كثيرا، وقام بعد وفاة المصطفى مقاما حميدا حين ارتدت اليمامة مع مسيلمة، فقال:{بسم الله الرحمن الرحيم} {حم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: 3] أين هذا من هذيان مسيلمة فأطاعه منهم ثلاثة آلاف، وانحازوا إلى المسلمين "أسيرا".

قال ابن إسحاق: بلغني عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، أن خيلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت رجلا، ولا يشعرون من هو، حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أتدرون من أخذتم، هذا ثمامة بن أثال الحنفي، أحسنوا أساره"، ورجع فقال لأهله:" اجمعوا ما عندكم من طعام، فابعثوا به إليه"، وأمر بلقحته أن يغدى عليها، ويراح، فلا يقع من ثمامة موقعا وإساره بكسر الهمزة، أي: قيده، "فربطوه بأمره عليه الصلاة والسلام" كما في رواية ابن إسحاق "بسارية من سواري المسجد" لنيظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها ويرق قلبه، "ثم أطلق بأمره عليه الصلاة والسلام" منا عليه، أو تألفا، أو لما علم من إيمان قلبه، أو أنه سيظهره، أو أنه مر عليه فأسلم، كما رواه ابنا خزيمة وحبان من حديث أبي هريرة، كذا في شرح المصنف، "فاغتسل وأسلم" بعد اغتساله، كما في الصحيح، ففي حجة لمالك في صحة لمن أجمع على الإسلام.

قال في رواية ابن إسحاق: فلما أمسى جاؤوه بالطعام، فلم ينل منه إلا قليلا، وباللقحة، فلم يصب من حلابها إلا يسيرا، فعجب المسلمون، فقال صلى الله عليه وسلم:"مم تعجبون أمن رجل أكل أول النهار في معا كافر، وأكل آخر النهار في معا مسلم، إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، وإن المسلم يأكل في معا واحد".

"وقال" كما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه صلى الله عليه وسلم فقال:"ماذا عندك يا ثمامة"؟، قال: عندي خير يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فترك حتى كان الغد ثم قال:"ما عندك يا ثمامة"، قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال:"ما عندك يا ثمامة"؟ قال: عندي ما قلت لك، فقال:"أطلقوا ثمامة"،

ص: 103

يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الأديان كلها إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر.

فانطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله "يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الأديان كلها إلي" لفظ البخاري: أحب الدين إلي، ولفظ مسلم: أحب الدين كله إلي. "والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي" فيه تعظيم أمر العفو عن المسيء؛ لأنه أقسم أن بغضه انقلب حبا في ساعة واحدة، لما أسداه صلى الله عليه وسلم إليه من العفو والمن من غير مقابل، "وإن خيلك" قال المصنف: أي فرسان خيلك، وهو من ألطف المجازات وأبدعها، فهو على حذف مضاف، كقوله: يا خيل الله اركبي، "أخذتني" قبل دخول المدينة، كما هو المتبادر منه، كقول أبي هريرة أول الحديث: بعث خيلا قبل نجد، فجاءت بثمامة.

قال الحافظ: وزعم سيف في كتاب الردة له أن الذي أسر ثمامة هو العباس، وفيه نظر؛ لأن العباس إنما قدم في الفتح، وقصة ثمامة قبله، بحيث اعتمر، ورجع إلى بلاده، ومنعهم أن يميروا أهل مكة حتى شكوا للمصطفى، فبعث يشفع لهم عند ثمامة ا. هـ.

وروى البيهقي عن ابن إسحاق: أن ثمامة كان رسول مسيلمة للمصطفى قبل ذلك، وأراد اغتياله، فدعا ربه أن يمكنه منه، فدخل المدينة معتمرا، وهو مشرك، فتحير في أزقتها، فأخذ وهو معضل فلا يعارض حديث الصحيحين، ثم لا يعارض هذا قوله أولا في ثلاثين راكبا، بناء على الأكثر لغة من أنه وصف لراكب الإبل؛ لأنه على الإطلاق الثاني.

ففي القاموس: الراكب للبعير خاصة، وقد يكون للخيل، ولا يحمل قوله: خيلك، على أنه أراد جماعته، أطلق عليهم خيلا للزومها للمقاتلين كثيرا؛ لأن فيه رد رواية الصحيحين إلى كلام أهل السيرة، مع إمكان الجمع بدون ذلك، "وأنا أريد العمرة، فماذ ترى" أأذهب إلى العمرة، أو أرجع، أو أقيم عندك، "فبشره النبي"، وفي رواية: رسول الله "صل الله عليه وسلم" قال الحافظ: أي بخير الدنيا والآخرة، أو الجنة، أو بمحو ذنوبه وتبعاته السالفة، وتبعه المصنف.

وقال شيخنا: لعل المراد بشره بالسلامة، وأنه لا يصيبه من أهل مكة ضرر إذا اعتمر، "وأمره أن يعتمر"

ص: 104

فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.

"فلما قدم مكة قال له قائل:" قال المصنف: لم أعرف اسمه، "صبوت" أي: خرجت من دين إلى دين، "قال: لا" ما خرجت من دين؛ لأن عبادة الأوثان ليست دينا إذا تركته أكون خرجت من دين، "ولكن أسلمت" لله رب العالمين "مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي: وافقته على دينه، فصرنا متصاحبين في الإسلام، أنا بالابتداء وهو بالاستدامة، وفي رواية ابن هشام: ولكني تبعت خير الدين دين محمد، قاله كله الفتح، وبسطه المصنف بقوله: وهذا من أسلوب الحكيم، كأنه قال: ما خرجت من الدين؛ لأنكم لستم على دين، فأخرج منه، بل استحدثت دين الله، وأسلمت مع رسول الله رب العالمين، فإن قلت مع تقتضي استحداث المصاحبة؛ لأنها معنى المعية وهي مفاعلة، وقد قيد بها الفعل، فيجب الاشتراك، كذا نص عليه الكشاف في الصافات، أجيب بأنه لا يبعد ذلك، فيكون منه صلى الله عليه وسلم استدامة ومنه استحداث ا. هـ.

"ولا والله" قال الحافظ: فيه حذف تقديره، والله لا أرجع إلى دينكم، ولا أرفق بكم، فأترك المسيرة "تأتيكم من اليمامة حبة حنطة" ويقع في بض نسخ المواهب المصحفة لفظ لما قبل قوله تأتيكم، وفي بعضه لا، ولا وجود لذلك في البخاري ولا مسلم، "حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم".

وعند ابن هشام: بلغني أنه خرج معتمرا حتى إذا كان ببطن مكة لبى، وكان أول من دخل مكة يلبي، فأخذته قريش، فقالوا: قد اجترأت علينا، فلما قدموه ليضربوا عنقه، قال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى اليمامة فخلوه. فقال الحنفي:

ومنا الذي لبى بمكة معلنا

برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم

ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا، فكتبوا إليه صلى الله عليه وسلم إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، فكتب إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل.

وأخرج النسائي والحاكم، عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم قد أكلنا العلهز، يعني الوبر والدم، فأنزل الله:{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} ، رواه البيهقي في الدلائل بلفظ: إن ابن أثال الحنفي لما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أسير خلى سبيله فأسلم فلحق بمكة، ثم رجع فجال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: "بلى"، قال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فنزلت العلهز بكسر العين المهملة، والهاء بينهما لام ساكنة وبزاي آخره، وكأنهم كتبوا

ص: 105

ذكر قصته البخاري.

له أولا، ثم لم يثقوا، ولم يكتفوا بالكتابة لشدة ما هم فيه من القحط، فخرج أبو سفيان، فانظر إلى هذا الحلم العظيم، والرحمة الشاملة، والرأفة العميمة، يواجهه بهذا الخطاب الخشن، مع شدة حاجته إليه، ومحاربته له قريبا، وقومه الأحزاب، ومع ذلك لم يمتنع من قضاء حاجته إنك لعلى خلق عظيم.

"ذكر قصته البخاري" ومسلم، كلاهما في المغازي تاما كما سقناه، واقتصر اليعمري على عزوه لمسلم، وكان اللائق له وللمصنف أن يقولا رواه الشيخان.

قال الحافظ: وفي قصة من الفوائد ربط الكافر في المسجد، والمن على الأسير الكافر، والاغتسال عند الإسلام، وإن الإحسان يزيل البغض، ويثبت الحب، وإن الكافر إذا أراد عمل خير، ثم أسلم، شرع له أن يستمر في ذلك الخير، وملاطفة من يرجى أسلامه من الأسرى، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه، وفيه بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر من وجد منهم، والتخير بعد ذلك في قتله وإبقائه ا. هـ، والله أعلم.

ص: 106

"‌

‌غزوة بني لحيان

":

ثم غزوة بني لحيان -بكسر اللام وفتحها، لغتان- في ربيع الأول سنة ست من الهجرة، وذكرها ابن إسحاق في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من قريظة. قال ابن حزم: الصحيح أنها في الخامسة.

قالوا:

ثم غزوة بني لحيان:

"بكسر اللام وفتحها لغتان"، نسبة إلى لحيان بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر.

قال الحافظ: وزعم الهمداني النسابة أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم، دخلوا في هذيل، فنسبوا إليهم "في" غرة شهر "ربيع الأول، سنة ست من الهجرة" عند ابن سعد، "وذكرها ابن إسحاق" لا بالوضع، بل بالتصريح، بأنها "في جمادى الأولى، على رأس ستة أشهر من" فتح بني "قريظة".

"قال ابن حزم" الحافظ العلامة، "الصحيح، أنها في" السنة "الخامسة" الذي هو قول ابن إسحاق، وقيل: كانت في الرابعة، وقيل: كانت في رجب، وقيل: في شعبان، "قالوا" في سببها، كما ذكر ابن سعد، ورواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمرو وعبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن كعب بن مالك مرسلا.

ص: 106

وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدا شديدا، فأظهر أنه يريد الشام، وعسكر في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسا، واستخلف على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم.

ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران -واد بين أمج وعسفان، وبينها وبين عسفان خمسة أميال- حيث كان مصاب أصحابه أهل الرجيع الذين قتلوا ببئر معونة، فترحم عليهم ودعا لهم.

فسمعت بنو لحيان فهربوا في رءوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين يبعث السرايا

"وجد" حزن "رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاصم بن ثابت وأصحابه،" وكانوا عشرة، أو سبعة على ما مر، وأراد بأصحابه ما يشمل المقتولين ببئر معونة، وهم القراء السبعون؛ لأن عاصما، وأصحابه لم يقتلوا بها، بل كانوا سرية وحدهم، "وجدا شديدا" حزنا قويا، "فأظهر أنه يريد الشام" ليصيب من القوم غرة "وعسكر،" أي: خرج، "في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسا، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم"، فيما قال ابن هشام.

قال ابن إسحاق: فسلك على غراب، أي: بلفظ الطائر جبل بناحية المدينة، ثم على طريقه إلى الشام، ثم على محيص بفتح الميم، وكسر الحاء والصاد المهملتين، ثم على البتراء تأنيث أبتر، ثم صفق بشد الفاء، عدل ذات اليسار، فخرج على بين بفتح التحتية الأولى، وسكون الثانية ونون، وضبطه الصغاني بفتحهما، واد بالمدينة، ثم على صخيرات الثمام، جمع صخيرة مصغرة بمثلثة، وقيل: فوقية، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة.

"ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران" بضم المعجمة، وخفة الراء فنون، "واد" يقال له وادي الأزرق "بين أمج" بفتحتين وجيم، "وعسفان" بضم العين "وبينها" أي: بطن غران، "وبين عسفان خمسة أميال".

قال ابن إسحاق: وهي منازل بني لحيان، "حيث كان مصاب" مصدر ميمي، أي: إصابة "أصحابه أهل الرجيع الذين قتلوا ببئر معونة"، مر أن بعث الرجيع غير بئر معونة، خلافا لما توهمه ترجمة البخاري، والاعتذار عنه، بأنه أدمجهما لقربهما لمجيء خبرهما للمصطفى في ليلة واحة "فترحم عليهم، ودعا لهم" بالمغفرة "فسمعت بنو لحيان، فهربوا في رءوس الجبال" رعبا وخوفا ممن نصر بالرعب، "فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين، يبعث السرايا

ص: 107

في كل ناحية، ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا كراع الغميم، ولم يلقوا كيدا.

وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا وهو يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة.

في كل ناحية" من نواحيهم "ثم خرج حتى أتى عسفان، فبعث أبا بكر في" مع "عشرة فوارس لتسمع بهم قريش، فيذعرهم" بفتح الياء، وذال معجمة وفتح العين المهملة، أي: يفزعهم، "فأتوا كراع" بضم الكاف، وخفة الراء وعين مهملة، "الغميم" بفتح الغين المعجمة، وكسر الميم، فتحتية ساكنة فميم، واد أمام عسفان، بثمانية أميال يضاف إلى كراع، جبل أسود بطرف الحرة ممتد إليه، والكراع ما سال من أنف الجبل، أو الحرة، وطرف كل شيء، كما في النور، "ولم يلقوا كيدا" قاله ابن سعد.

وقال ابن إسحاق: لما أخطأه من غرتهم ما أراد، قال صلى الله عليه وسلم:"لو أنا نزلنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة"، فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كروا يمكن الجمع بأنه بعثهما، ثم بعث أبا بكر في العشرة أو عكسه، "وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيدا"، أي: حربا، "وهو يقول،" كما رواه ابن إسحاق وابن سعد عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله علي وسلم يقول حين وجه راجعا: "آيبون" بمد الهمزة، أي: نحن راجعون إلى الله، نحن "تائبون" إن شاء الله تعالى، كما في الرواية إليه سبحانه، فيه إشارة إلى التقصير في العبادة قاله تواضعا أو تعليما لأمته، نحن "عابدون" من استحقت ذاته للعبادة "لربنا" متعلق بالصفات الثلاثة على طريق التنازع، وكذا بقوله نحن "حامدون" له تعالى.

وقال الطيبي: يجوز أن يتعلق قوله لربنا بقوله عابدون؛ لأن عمل اسم الفاعل ضعيف، فيقوى به، أو بحامدون ليفيد التخصيص، أي: نحمد ربنا لا نحمد غيره، وهذا أولى؛ لأنه الخاتمة للدعاء، وبقية حديث جابر عندهما: أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال.

زاد الواقدي: اللهم بلغنا بلاغا صالحا، ينظر إلى خير مغفرتك ورضوانا، قالوا: وهذا أول ما قال هذا الدعاء، ووعثاء بمثلثة مشقة وكآبة حزن، وأصل الحديث في الصحيح عن ابن عمر كان صلى الله عليه وسلم إذا قفل يقول، كلما أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثا، ثم قال:"لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"، "وغاب عن

المدينة أربع عشرة ليلة،" والله سبحانه وتعالى أعلم.

ص: 108

"غزوة ذي قر" - "غزوة الغابة":

وتعرف بذي قرد -بفتح القاف والراء والدال المهملة- وهو ماء على نحو بريد من المدينة، في ربيع الأول سنة ست، قبل الحديبية.

وعند البخاري أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام، وفي مسلم نحوه.

‌غزوة ذي قرد - غزوة الغابة:

بغين معجمة، فألف، فموحدة على بريد من المدينة في طريق الشام.

قال البرهان: وصحف من قالها بالتحتية، وغلط القائل هي شجر لا مالك له، بل لاحتطاب الناس ومنافعهم.

قال الشريف: ووهم من قال من عوالي المدينة، كيف وهو مغيض مياه أوديتها بعد مجتمع الأسيال، ثم قال: وكان بها أملاك لأهلها استولى عليها الخراب، وبيعت في تركة الزبير بألف ألف، وستمائة ألف ا. هـ، أضيفت إليها الغزوة؛ لأن اللقاح التي أغير عليها كانت بها، "وتعرف بذي قرد" لكونه صلى الله عليه وسلم وصل إليها وصلى بها، كما يأتي "بفتح القاف والراء" زاد الحافظ: وحكي الضم فيها، وحكي ضم أوله وفتح ثانيه.

قال الحازمي: الأول ضبط أصحاب الحديث، والضم عن أهل اللغة.

وقال البلاذري الصواب الأول، "والدال المهملة" آخره، "وهو ماء على نحو بريد من المدينة" مما يلي بلاد غطفان، وقيل: على مسافة يوم ا. هـ.

قال السهيلي: القرد لغة الصوف، واختلف في وقتها، فقال ابن سعد، وشيخه الواقدي:"في ربيع الأول سنة ست"، وقيل: في جمادى الأولى.

وعند ابن إسحاق في شعبان على نقل الفتح، ولعله في رواية يونس أو غيره عنه، وإلا فرواية البكائي، أنها في جمادى الأولى، وعلى الثلاثة هي "قبل الحديبية"؛ لأنها هلال القعدة سنة ست.

"وعند البخاري" جزما، "أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام،" وخيبر بعد الحديبية بنحو عشرين يوما.

قال الحافظ: كذا جزم به، "و" مستنده في ذلك حديث سلمة بن الأكوع، "في مسلم نحوه" حيث قال في آخر الحديث الطويل، فرجعنا، أي: من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال، حتى خرجنا إلى خيبر.

ص: 109

قال مغلطاي: وفي ذلك نظر لإجماع أهل السير على خلافهما. ا. هـ.

قال القرطبي شارح مسلم: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية.

وقال الحافظ ابن حجر: ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكر أهل السير. ا. هـ.

وسببها: أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون لقحة

"قال مغلطاي، وفي ذلك" الذي جزم به البخاري، وأفاده حديث سلمة في مسلم، "نظر لإجماع أهل السير على خلافهما، ا. هـ".

"قال" العلامة أبو العباس، أحمد بن عمر، الفقيه المحدث، "القرطبي" شيخ صاحب التذكرة، والتفسير مر بعض ترجمته، ولذا ميزه، بأنه "شارح مسلم" في الكلام على حديث سلمة، تبعا لأبي عمر، "لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية" فما في حديث سلمة وهم من بعض الرواة.

قال القرطبي: ويحتمل الجمع، بأنه صلى الله عليه وسلم كان أغزى سرية فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه وعمن خرج معه، يعني حيث قال: خرجنا إلى خيبر، قال: ويؤيده أن ابن إسحاق ذكر أنه صلى الله عليه وسلم أغزى إليها ابن رواحة قبل فتحها مرتين.

"وقال الحافظ ابن حجر": سياق الحديث يأبى هذا الجمع، ففيه خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل عمي يرتجز بالقوم، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:"من السائق ومبارزة عمه لمرحب"؟ وقتل عامر، وغير ذلك مما وقع في خيبر، خرج إليها صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا "ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكره أهل السير".

وصرح ابن القيم، بأن ما ذكره وهم.

قال الحافظ: ويحتمل في طريق الجمع، أن تكون إغارة عيينة على اللقاح وقعت مرتين: الأولى التي ذكرها ابن إسحاق، وهي قبل الحديبية، والثانية بعدها قبل الخروج إلى خيبر، وكان رأس الذين أغاروا عبد الرحمن بن عيينة، كما ساق سلمة عند مسلم، ويؤيده أن الحاكم ذكر في الإكليل أن الخروج إلى ذي قرد تكرر، ففي الأول خرج إليها زيد بن حارثة قبل أحد، وفي الثانية خرج إليها صلى الله عليه ووسلم في ربيع الآخر سنة خمس، والثالثة هذه المختلف فيها ا. هـ، فإذا ثبت هذا قوي الجمع الذي ذكرته "انتهى" كلام احافظ بما زدته كله من الفتح، "وسببها أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون لقحة"، بكسر اللام، وقد تفتح، وحاء مهملة، والجمع لقاح بالكسر فقط

ص: 110

-وهي ذوات اللبن القريبة العهد بالولادة -ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن الفزاري ليلة الأربعاء، في أربعين فارسا فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذر.

وقال ابن إسحاق: وكان فيها رجل من بني غفار وامرأة، فقتلوا الرجل وسبوا المرأة

وخفة القاف، "وهي ذوات اللبن، القريبة العهد بالولادة"، بشهر، واثنين، وثلاثة وهو اسم لا صفة، فيقال هذه لقحة لا ناقة لقحة، فإن أريد الوصف فناقة لقوح ولاقح، وقد يقال ذلك قبل الوضع، ثم هي بعد الثلاثة لبون، وقد جاء اللقحة في البقر والغنم أيضا، كما في النور. "ترعى بالغابة" قاله ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، ومثله في حديث سلمة الطويل عند مسلم.

وفي البخاري ومسلم: كانت ترعى بذي قرد.

قال عياض: هو غلط.

قال الشريف: ويمكن الجمع بأنها كانت ترعى هنا تارة وهناك تارة.

"وكان أبو ذر فيها" وابنه وامرأته، "فأغار عليهم" على أبي ذر ومن معه، فلا حاجة لدعوى أنه غلب العاقل على غيره، وأن الأولى عليها، أي: الإبل، "عيينة بن حصن الفزاري" كما عند ابن سعد وغيره.

ورواه الطبراني، عن سلمة بن الأكوع، وروى عنه أحمد، ومسلم، وابن سعد، أن الذي أغار عبد الرحمن بن عيينة بن حصن، ولا منافاة، فكل من عيينة وابنه كان في القوم، وذكر ابن عقبة وابن إسحاق أن مسعدة الفزاري كان رئيسا أيضا في فزارة، في هذه الغزوة، قاله في الفتح "ليلة الأربعاء" من ربيع الأول فقط؛ لأن هذا الذي ساقه المصنف كلام ابن سعد، القائل أنها في في ربيع، ولم يعين الليلة هل هي أول الشهر، أو غيرها "في أربعين فارسا، فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذر" وأسروا المرأة، قاله ابن سعد.

قال الدمياطي: والولد المقتول هو ذر، وكان راعي اللقاح، ونقله عنه في الإصابة.

"وقال ابن إسحاق: وكان فيها" أي: الإبل "رجل من بني غفار" هو ابن أبي ذر، كما صرح به ابن سعد، "وامرأة" لأبي ذر نفسه، "فقتلوا الرجل" الذي هو ابن أبي ذر، "وسبوا المرأة" التي هي زوجة أبي ذر، واسمها ليلى، كما في أبي داود.

وعند الواقدي: أن أبا ذر استأذنه عليه السلام إلى لقاحه، فقال: إني أخاف عليك، ونحن لا نأمن عيينة، فألح عليه فقال صلى الله عليه وسلم: "لكأني بك قد قتل ابنك، وأخذت امرأتك، وجئت توك

ص: 111

فركبت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ليلا على حين غفلتهم، ونذرت لئن نجت لتنحرنها، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته بذلك فقال:"أنه لا نذر في معصية، ولا لأحد فيما لا يملك".

فنودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها.

على عصاك".

قال أبو ذر: عجبا لي يقول لي ذلك وأنا ألح عليه، فكان والله ما قال، فلما كان الليل أحدق بنا عيينة مع أصحابه، فأشرف لهم ابني فقتلوه، وكانت معه امرأته، وثلاثة نفر، فنجوا وتنحيت عنهم، وعليه فكان معهم امرأتان، فنجت امرأة ابنه الذي قتل، وأسرت امرأته هو والعلم عند الله، "فركبت" امرأة أبي ذر المذكورة بعد قفوله صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة، كما فصله ابن إسحاق "ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم" هي العضباء "ليلا على حين غفلتهم".

فروى مسلم وأبو داود، وغيرهما عن عمران بن حصين: أنهم أوثقوا المرأة، وكانوا يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فإذا دنت من البعير رغا، فتتركه حتى انتهت إلى العضباء، فلم ترغ فقعدت في عجزها ثم زجرتها، فانطلقت وعلموا بها، فطلبوها، فأعجزتهم "ونذرت" بفتح النون والمعجمة، "لئن نجت لتنحرنها، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته بذلك، فقال:" في رواية ابن إسحاق من مرسل الحسن قالت: يا رسول الله إني نذرت لله أن أنحرها، إن نجاني الله عليها، فتبسم الله صلى الله عليه وسلم، وقال:"بئسما جزيتيها إن حملك الله عليها، ونجاك أتنحريها""إنه لا نذر في معصية، ولا لأحد فيما لا يملك"، إنما هي ناقة من إبلي، ارجعي إلى أهلك على بركة الله".

وفي حديث عمران: فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا: العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمران: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فذكروا ذلك له صلى الله عليه وسلم فقال:"سبحان الله، بئسما جزتها نذرت إن نجاها الله لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم "، وكونهم أخبروه بذلك، لا ينافي أنها أخبرته أيضا، وأجاب كلا بما ذكر، كما هو مفاد الخبرين فلا خلف، "فنودي" ليس تعقيبا لقصة المرأة، حتى يفيد أن الخبر ما بلغ المصطفى إلا منها، كما يوهمه المصنف، بل هو راجع لكلام ابن سعد الذي فصله بكلام ابن إسحاق هذا، ولفظه عقب قوله: وقتلوا ابن أبي ذر، وجاء الصريخ فنادى الفزع الفزع، ونودي:"يا خيل الله اركبي،" هو من ألطف المجازات وأبدعها.

قال العسكري: هذا على المجاز والتوسع، أراد يا فرسان خيل الله، فاختصر لعلم المخاطبين بما أراد. ا. هـ، ولم يقل: اركبوا مراعاة للفظ خيل، "وكان أول ما نودي بها" قاله ابن

ص: 112

وركب صلى الله عليه وسلم في خمسمائة وقيل: سبعمائة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة يحرسون المدينة.

وكان قد عقد للمقداد بن عمرو لواء في رمحه، وقال له امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك، فأدرك أخريات العدو

سعد، وانتقده اليعمري بما مر عن ابن عائذ، من مرسل قتادة أنه نودي: يا خيل الله اركبي في قريظة، وهي قبل هذه، وأجيب بأن هذا مبني على أن قريظة بعدها، والمصنفون إذا بني كلامهم على قول في موضع، وفي آخر على خلافه لا يعد تناقضا، ومتى أمكن حمله عليه فعل.

وفي البخاري، ومسلم عن سلمة: خرجت قبل أن يؤذن بالأولى، وكان لقاح رسول الله ترعى بذي قرد، فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: من أخذها؟ قال: غطفان وفزارة، فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه، يا صباحاه، فأسمعت ما بين لابتي المدينة الحديث.

قال الحافظ: فيه إشعار أنه كان واسع الصوت جدا، ويحتمل أن يكون ذلك وقع من خوارق العادات.

وللطبراني وابن إسحاق، فأشرفت من سلع، ثم صح: يا صباحاه، فانتهى صياحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس: الفزع الفزع، فترامت الخيول إليه، فكان أول من انتهى إليه فارسا المقداد، ثم عباد بن بشر وسعد بن زيد وأسيد بن حضير، وعكاشة ومحرز بن نضلة وأبو قتادة وأبو عياش، فأمر صلى الله عليه وسلم عليهم سعد بن زيد، ثم قال:"اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس"، "وركب صلى الله عليه وسلم في خمسمائة، وقيل: سبعمائة" حكاهما ابن سعد، "واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم" عبد الله، أو عمرو، "وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة يحرسون الدينة، وكان قد عقد لمقداد بن عمرو" المعروف بابن الأسود؛ لأنه تبناه، وكان أول من أقبل إليه، وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له "لواء في رمحه، وقال له: "امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك، فأدرك أخريات العدو".

ومن هنا اختلف في أنه الأمير، أو سعد بن زيد، ويجمع بأن الأمير سعد، وحامل اللواء المقداد فمن قال: إنه الأمير، نظر إلى حمله اللواء، وإن كان الواقع أنه سعد، ولذا قال ابن سعد وشيخه الواقدي الثبت عندنا أن سعدا أمير هذه السرية، ولكن الناس نسبوها للمقداد لقول حسان غداة فوارس المقداد، فعاتبه سعد، فقال اضطرني الروي والبيت هو:

ولسر أولاد اللقيطة أننا

سلم غداة فوارس المقداد

ذكره إسحاق في قصيدة وأن حسان لما قالها غضب سعد، وحلف أن لا يكلمه أبدا،

ص: 113

وقتل أبو قتادة مسعدة، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وسلاحه، وقتل عكاشة بن محصن أبان بن عمرو، وقتل من المسلمين محرز بن نضلة قتله مسعدة.

وقال: انطلق إلى خيلي وفوارسي، فاجعلها للمقداد، فاعتذر إليه حسان، وقال: والله ما ذاك أردت، ولكن الروي وافق اسم المقداد، وقال رجزا يرضيه به، فلم يقبل به سعد، ولم يغن شيئا. ا. هـ.

واللقيطة أم حصن بن حذيفة جدة عيينة.

"وقتل أبو قتادة" الحارث بن ربعي "مسعدة" بن حكمة، بفتحتين الفزاري رئيس المشركين يومئذ، وسجاه ببرده، فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة، فقال صلى الله عليه وسلم:"ليس بأبي قتادة ولكنه قتيله"، وضع عليه برده لتعرفوه، فتخلوا عن قتيله وسلبه، كذا قاله ابن عقبة.

وعند ابن إسحاق وغيره: أن قتيل أبي قتادة حبيب بن عيينة، وأنه سجاه ببرده وقال فيه المصطفى ذلك القول، وكذا في حديث سلمة عند مسلم، ولكن سماه عبد الرحمن بن عيينة.

قال الحافظ: فيحتمل أن له اسمين "فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وسلاحه".

وذكر ابن سعد أن قاتل ابن عيينة المقداد قتله هو وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر، لكنه لا يعادل ما في الصحيح المسند، أن قاتله أبو قتادة خصوصا، وقد جزم به أمام المغازي، اللهم إلا أن يكونا اشتركا في قتله، "وقتل عكاشة" بشد الكاف وخفتها "بن محصن" بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة "أبان بن عمرو"، كذا في النسخ، والذي عند ابن إسحاق، فأدرك عكاشة أوبارا وابنه عمرا، وهما على بعير، فانتظمهما بالرمح، فقتلهما جميعا، واستنقذ بعض اللقاح، وضبطه البرهان بفتح الهمزة، وسكون الواو، ثم موحدة آخره راء.

وعند ابن سعد، أنه أثار بضم الهمزة وبالمثلثة آخر راء. ا. هـ.

"وقتل من المسلمين محرز بن نضلة" بن عبد الله الأسدي من بني أسد بن خزيمة، وشهد بدرا ونضلة بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة على المعروف، ورأيت عن الدارقطني فتحها، وحكى البغوي عن ابن إسحاق محرز بن عون بن نضلة، وبعضهم يقول: ابن ناضلة، قاله اليعمري.

قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، كان أول فارس لحق بالقوم، وكان يقال له، أي: يلقب الأخرم، ويقال له: قمير، فوقف بين أيديهم، وقالوا: قفوا يا معشر بني اللكيعة، فحمل عليه رجل منهم فقتله، كذا أبهم قاتله.

وفي حديث سلمة عند مسلم التقى، هو وعبد الرحمن بن عيينة، فقتله عبد الرحمن، وتحول على فرسه، فلحقه أبو قتادة، فقتله وتحول على الفرس.

وعند ابن عقبة، كابن عائذ عن عروة قتله أوبار، فشد عليه عكاشة، فقتل أوبارا وابنه، وأما المصنف فقال تبعا للدمياطي "قتله مسعدة"، فإن أردت الترجيح، فما في الصحيح أصح أو

ص: 114

وأدرك سلمة بن الأكوع القوم، وهو على رجليه، فجعل يرميهم بالنبل

الجمع، فيمكن أن الثلاثة اشتركوا في قتله.

قال ابن إسحاق عن عاصم: فلم يقتل يومئذ من المسلمين غيره.

وقال ابن هشام: قتل أيضا وقاص بن مجزز المدلجي، فيما حكى غير واحد من أهل العلم انتهى، وهو بميم مضمومة، فجيم فمعجمتين، الأولى مشددة مكسورة، "وأدرك سلمة" بن عمرو، أو ابن وهب "ابن الأكوع" بن سنان بن عبد الله بن بشير الأسلمي، أبو مسلم، وأبو إياس شهد بيعة الرضوان، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم عند الشجرة على الموت، رواه البخاري، وكان شجاعا راميا يسبق الفرس، وما كذب قط قيل: هو الذي كلمه الذئب، وقيل: أهبان بن صيفي أخرج له الستة وأحمد، ومات بالمدينة سنة أربع وسبعين على الصحيح، وقيل: سنة أربع وستين، وزعم الواقدي أنه عاش ثمانين سنة.

قال في الإصابة: وهو باطل على القول الأول، إذ يلزم أنه في الحديبية، له نحو عشر سنين، ومن في ذلك السن لا يبايع على الموت.

وعند ابن سعد والبلاذري، أنه مات في آخر خلافة معاوية "القوم" بعد صريخه، قبل أن تلحقه الخيل.

فعند ابن إسحاق: صرخ واصباحاه، ثم خرج يشتد في آثار القوم، فكان مثل السبع، حتى لحق بالقوم، "وهو على رجليه، فجعل يرميهم بالنبل".

وفي البخاري عنه: ثم اندفعت على وجهي، حتى أدركتهم، وقد أخذوا يستقون من الماء، فجعلت أرميهم بنبلي، وكنت راميا وأقول:

أن ابن الأكوع

اليوم يوم الرضع

وأرتجز حتى استنقذت اللقاح كلها، وأسلبت ثلاثين بردة.

وفي مسلم وابن سعد: فأقبلت أرميهم بالنبل، وأرتجز، فألحق رجلا منهم، فأمكنه سهما في رجله، فخلص السهم إلى كعبه، فما زلت أرميهم وأعقرهم، فإذا رجع إلي فارس منهم، أتيت شجرة، فجلست في أصلها، ثم رميته فعرت به، إذا تضايق الجبل، فدخلوا في مضايقه، علوت الجبل، فرميتهم بالحجارة، فما زالت كذلك حتى ما خلق الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بعير، إلا خلفته وراء ظهري، ثم أتبعهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا، يتخففون بها، فأتوا مضيقا، فأتاهم عيينة ممدا لهم، فجلسوا يتغدون، وجلست على رأس قرن، فقال: من هذا؟ قالوا: لقينا من هذا البرح بفتح الموحدة، وسكون الراء المشددة، والأذى ما فارقنا السحر حتى الآن، وأخذ كل شيء في أيدينا، وجعله وراء ظهره، فقال عيينة: لولا أنه يرى وراءه طلبا

ص: 115

ويقول:

خذها وأنا ابن الأكوع

واليوم يوم الرضع

يعني يوم هلاك اللئام، من قولهم: لئيم راضع، أي راضع اللؤم في بطن أمه، وقيل معناه: اليوم يعرف من ارتضعته الحرب من صغره وتدرب بها، ويعرف غيره، ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس والخيول

لترككم، ليقم إليه أربعة منكم، فصعدوا في الجبل، فقلت لهم: أتعرفونني؟ فقالوا: ومن أنت؟، قلت: ابن الأكوع، والذي أكرم وجه محمد، لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، فقال رجل منهم، أظن فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، "ويقول: خذها" أي: الرمية "وأنا ابن الأكوع" المشهور في الرمي بالإصابة عن القوس، وهذا من الفخر الجائز في الحرب لاقتضائها فعله لتخويف الخصم، كما قال صلى الله عليه وسلم: " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، "واليوم يوم الرضع" بضم الراء وشد المعجمة، جمع راضع.

قال السهيلي: يجوز رفعهما، ونصب الأول، ورفع الثاني على جعل الأول ظرفا، وهو جائز إذا كان الظرف واسعا، ولم يضق عن الثاني.

قال أهل اللغة: يقال في اللؤم رضع بالفتح، يرضع بالضم رضاعة لا غير، ورضع الصبي بالكسر ثدي أمه، يرضع بالفتح رضاعا، مث سمع يسمع سماعا، "يعني يوم هلاك اللئام من قولهم: لئيم راضع"، والأصل فيه أن شخصا كان شديد البخل، فكان إذا أراد حلب ناقته ارتضع من ثديها لئلا يحلبها فيسمع جيرانه، أو من يمر به صوت الحلب، فيطلبون منه اللبن، وقيل: بل صنع ذلك لئلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء، أو يبى في الإناء شيء إذا شربه، فقالوا في المثل: ألأم من راضع، وقيل: "أي رضع اللؤوم في بطن أمه،" أي: هو معنى المثل، وقيل: كل لئيم يوصف بالمص والرضاع، وقيل: المراد من يمص طرف الخلال إذا خلل أسنانه، وهو دال على شدة الحرص، وقيل: هو الراعي الذي لا يستصحب محلبا، فإذا جاءه الضيف اعتذر بأن لا محلب معه، وإذا أراد أن يحلب ارتضع ثديها.

وقال أبو عمرو الشيباني: هو الذي يرضع الشاة، أو الناقة عند الحلب من شدة الشره، وقيل: أصله الشاة ترضع لبن شاتين من شدة الجوع، وقيل: معناه اليوم يعرف من ارتضع كريمة فأنجيته، أو لئيمة فهجنته، "وقيل: معناه اليوم يعرف من ارتضعته الحرب من صغره، وتدرب بها ويعرف غيره".

وقال الداودي: معناه هذا يوم شديد عليكم، تفارق فيه المرضعة من أرضعته، فلا يجد من يرضعه، قال جميعه في الفتح، "ولحق رسو الله صلى الله عليه وسلم الناس والخيول" بالرفع عطف على

ص: 116

عشاء، قال سلمة: فقلت: يا رسول الله إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ملكت فأسجح" -وهي بهمزة قطع ثم سين مهملة، ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة- أي فارفق وأحسن، والسجاحة: السهولة، أي لا تأخذ بالشدة بل أرفق، فقد حصلت النكاية في العدو ولله الحمد، ثم قال: إنهم الآن ليقرون في غطفان.

رسول الله "عشاء".

قال ابن إسحاق: فنزلوا بذي قرد، وأقام عليه يوما وليلة.

"قال سلمة" عن ابن سعد: "فقلت: يا رسول الله إن القوم" غطفان وفزارة "عطاش" بكسر العين المهملة، وبسبب العطش حصل لهم، وهن لا يقدرون معه على الحرب، "فلو بعثتني في مائة لاستنقذت ما في أيديهم من السرح" بفتح السين، وسكون الراء وحاء مهملات، المال السائم المرسل في المرعى، "وأخذت بأعناق القوم" أي: أسرتهم وقتلتهم.

وللبخاري في الجهاد فقلت: يا رسول الله، إن القوم عطاش وإني أعجلتهم أن يشربوا سقيهم، فابعث في أثرهم، وله في المغازي، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، فقلت: يا نبي الله قد حميت القوم الماء، وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة.

وعند مسلم: وأتاني عمي عامر بماء ولبن، فتوضأت وشربت، ثم آتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا هو قد أخذ كل شيء، استنقذته منهم، ونحر له بلال ناقته، وشوى له من كبدها وسنامها، فقلت: يا رسول الله خلني أنتخب من القوم مائة رجل، فأتبعهم، فلا يبقى منهم مخبر، فضحك حتى بدت نواجذه، وقال:"أتراك كنت فاعلا"؟ قلت: نعم، والذي أكرمك "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا ابن الأكوع "ملكت" أي: قدرت عليهم، "فأسجح" وهي بهمزة قطع" مفتوحة، "ثم سين مهملة" ساكنة، "ثم جيم مكسورة، ثم حاء مهملة، أي: فارفق وأحسن، والسجاحة" بكسر السين المهملة "السهولة".

وفي القاموس: النجاة، فتفسيره بها؛ لأن النجاة تلزمها، "أي: لا تأخذ بالشدة، بل أرفق"، وأحسن العفو "فقد حصلت النكاية في العدو"، فهزموا وقتل رؤساؤهم ابن عيينة وسعدة في جماعة، وسلب منهم الرماح والبرد، "ولله الحمد" على نصر الإسلام، "ثم قال" عقب قوله: فأسجح، كما رواه الشيخان في حديث سلمة مسلم، بلفظ: "إنهم الآن ليقرون" بضم التحتية، وسكون القاف وفتح الراء، وضمها وسكون الواو، من القرى، وهي الضيافة، وقيل: معنى ضم الراء، أنهم يجمعون الماء واللبن، وصحف من قال: يغزون بغين معجمة وزاي "في غطفان".

والبخاري في الجهاد بلفظ: إنهم يقرون في قومهم، يعني وصولا إلى غطفان، وهم

ص: 117

وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم، وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر.

يضيفونهم، ويساعدونهم، فلا فائدة في البعث في الأثر؛ لأنهم لحقوا بأصحابهم.

وزاد مسلم وابن سعد: فجاء رجل من غطفان، فقال: مروا على فلان الغطفاني، فنحر لهم جزورا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة، فتركوها وقالوا: أتاكم القوم، وخرجوا هرابا، وفيه معجزة، حيث أخبر بذلك، فكان كما قال.

وفي بعض الأصول من البخاري يقرون.

قال المصنف: بفتح أوله وفتح الراء، أي: يضيفون الأضياف، فراعى ذلك لهم رجاء توبتهم وإنابتهم.

ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: يقرون بفتح أوله، وكسر القاف وشد الراء.

ولأبي ذر من قومهم. ا. هـ.

واقتصر الحافظ على الضبط الأول قائلا: ولابن إسحاق: أنهم الآن ليغبقون في غطفان، وهو بالغين المعجمة الساكنة، والموحدة المفتوحة، والقاف من الغبوق، وهو شرب أول الليل، والمراد أنهم فاتوا، ووصلوا إلى بلاد قومهم، ونزلوا عليهم، فهم الآن يذبحون لهم، ويطعمونهم انتهى، فعجب من الشامي في تقديمه رواية ابن إسحاق، ثم قوله: وفي لفظ: ليقرون مع أنه رواية الصحيحين، فيوهم أن المشهور ما قدمه ولا كذلك، فالمشهور رواية الشيخين، ولذا اقتصر عليها المصنف.

وفي مسلم وابن سعد في حديث سلمة: فلما أصبحنا قال صلى الله عليه وسلم: "فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا اليوم سلمة"، فأعطاني سهم الراجل والفارس جميعا.

"وذهب الصريخ" بمهملة ومعجمة الاستغاثة، "إلى بني عمرو بن عوف" من الأنصار، "فجاءت الأمداد" جمع مدد، وهم الأعوان والأنصار "فلم تزل الخيل تأتي، والرجال على أقدامهم وعلى الإبل، حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي، وهي عشر" من اللقاح، كذا قاله الواقدي وابن سعد، وابن إسحاق، وهو مخالف لقول سلمة في الصحيحين، أنه استنقذ جميع اللاح.

قال الشامي: وهو المعتمد لصحة سنده، قلت: وقد رواه ابن سعد نفسه عن سلمة، مثل رواية مسلم كما سلف، وما أسنده مقدم على ما ذكره بلا سند، فكيف وقد وافقه الشيخان، وقد تعسف من قال، يحتمل أن سلمة قاله بحسب ظنه، وهو في الواقع نصف اللقاح، فإنه مخالف

ص: 118

وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف، وأقام يوما وليلة ورجع، وقد غاب خمس ليال، وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها.

للمتبادر من قوله حتى ما خلق الله من بعير لرسول الله إلا خلفته وراء ظهري، وكذا قول المشركين لعيينة أخذ كل شيء في أيدينا، وجعله وراء ظهره، ثم كون اللقاح عشرين بمجرده لا ينافي أن معها زيادة عليها الجمل الذي لأبي جهل، وأما الناقة التي رجعت عليها امرأة أبي ذر، فلا ترد؛ لأنها إنما عادت بعد عوده عليه السلام إلى المدينة، كما في قصتها عند ابن إسحاق وغيره.

"وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف، وأقام" به "يوما وليلة" يتجسس الخبر، "ورجع وقد غاب خمس ليال" مردفا سلمة وراءه على العضباء، كما في حديثه عند مسلم، وهو مخالف لما عنده عن عمران، أن امرأة أبي ذر أخذتها من العدو، وركبته ونذرت نحرها، كذا ذكره الشامي وبيض بعده، "وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها" وكانوا خمسمائة، ويقال: سبعمائة، وبعث إليه سعد بن عبادة بأحمال تمر، وبعشر جزائر، فوافته بذي قرد، هذا بقية كلام ابن سعد، فيحتمل أن الجزائر المنحورة مما بعثه، ويحتمل أنها ما أخذوه من القوم.

قال الحافظ: وفي القصة من الفوائد جواز العدو الشديد في الغزو والإنذار بالصياح العالي، وتعريف الشجاع بنفسه، ليرعب خصمه واستحباب الثناء على لاشجاع ومن فيه فضيلة، لا سيما عند الصنع الجميل ليزيد منه، ومحله حيث يؤمن الافتتان انتهى، والله أعلم.

ص: 119

"‌

‌سرية الغمر

":

سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى غمر ومرزوق -بالغين المعجمة المفتوحة- وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد،

سرية الغمر:

"سرية عكاشة" بضم العين المهملة وشد الكاف، وقد تخفف فشين معجمة، "ابن محصن" بكسر، فسكون ففتح كما مر "الأسدي"، وإضافة سرية إليه؛ لأنه أميرها عند ابن سعد.

وقال ابن عائذ: أميرها ثابت بن أقرم، ومعه عكاشة، فيمكن أنهما اشتركا، كما قد يدل عليه قوله، ومعه أو أن أحدهما أمير في الابتداء، والآخر في الانتهاء، لأمر ما "إلى غمر ومرزوق" بلفظ اسم المفعول، وفي نسخة زياة ابن، وهو وهم، فالذي عند ابن سعد، وتبعه اليعمري وغيره بدون ابن، "بالغين المعجمة المفتوحة"، وفي نسخة المكسورة، والصواب المذكور في العيون، وغيرها المفتوحة ساكن الميم بعدها راء مهملة، "وهو ماء لبني أسد، على

ص: 119

في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، في أربعين رجلا، فخرج سريعا، فنذر به القوم -بكسر الذال المعجمة كفرح- فهربوا فنزلوا علياء بلادهم. فاستاقوا مائتي بعير، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا كيدا.

ليلتين من فيد" بفتح الفاء، وسكون التحتية ودال مهملة.

قال في القاموس: قلعة بطريق مكة سميت بفيد بن فلان، "في شهر ربيع الأول، سنة ست من الهجرة" بعد الغابة، قاله ابن سعد، ولم يبين مقدار ما بينهما، ولا اليوم الذي كانت فيه "في أربعين رجلا".

قال الواقدي: منهم ثابت وسباع بن وهب، حكاه الحاكم.

قال اليعمري: كذا وجدته، ولعله شجاع بن وهب.

وعند ابن عائذ: ولقيط بن أعصم.

"فخرج سريعا" عقب أمره صلى الله عليه وسلم دون تراخ.

زاد الواقدي: يغذ السير، كما في العيون.

قال البرهان: بضم أوله، وكسر الغين وبالذال المعجمة، أي: يسرع في السير حتى وصل إلى بلاده، "فنذر به القوم"، فهو عطف على مقدر "بكسر الذال المعجمة"، وفائدة قوله بعده "كفرح" أي: مضارعة بفتحها، "فهربوا" من مائهم، "فنزلوا عليا" بضم المهملة وسكون اللام، مقصورا على"بلادهم" فوجدوا ديارهم خلوفا بضم المعجمة واللام وتقدير مضاف، أي أصحاب ديارهم غيبا، فبعث شجاع بن وهب طليعة، فرأى أثر النعم قريبا، فتحملوا، فأصابوا رجلا منهم، فأمنوه، فدلهم على نعم لبني عم لهم، فأغاروا عليهم، "فاستاقوا مائتي بعير،" فأرسلوا الرجل، "وقدموا" بالإبل "على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلقوا كيدا" أي حربا، ولم يصب منهم أحد، وقول ابن عائذ: أصيب فيها ثابت ليس بشيء؛ لأنه استشهد أيام الردة، قاله الشامي.

ص: 120

"‌

‌سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة

":

ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة -بالقاف والصاد المهملة المشددة المفتوحتين-

سرية ابن مسلمة إلى ذي القصة:

"ثم سرية محمد بن مسلمة" الأنصاري، الصحابي، الشهير "إلى ذي القصة بالقاف، والصاد المهملة المشددة، المفتوحتين".

وحكى اليعمري إعجام الضاد، وسلمة الشامي، غير ملتفت لقول البرهان، لم أر أنا

ص: 120

موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا، في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، ومعه عشرة إلى بني ثعلبة.

فورد عليهم ليلا فأحدق به القوم، وهم مائة

الإعجام؛ لأن من حفظ حجة، "موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا" من طريق الزبدة، قاله ابن سعد وغيره، واقتصر عليه صاحبا العيون والسبل.

زاد الشريف: وقال المجد، موضع على بريد من المدينة تلقاء نجد.

وقال الأسدي: على خمسة أميال من المدينة، "في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة"، الذي قاله ابن سعد، وقطع به اليعمري ربيع الآخر، وفي الشامية أول ربيع الآخر، فإن لم يكن تصحف في المصنف، أمكن الجمع، بأن الخروج في آخر الأول، والوصول إليهم في أول ربيع الآخر، "ومعه عشرة" أبو نائلة، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر، ونعمان بن عصر، ومحيصة، وحويصة ابنا مسعود، وأبو بردة بن نيار، ورجلان من مزينة، ورجل غطفاني، كذا سماهم الواقدي عن شيوخه، وفيه نظر.

فإن في القصة أنهم قتلوا كلهم، إلا الأمير وأبو عبس بن جبر البدري، مات سنة أربع وثلاثين عن سبعين سنة.

وخرج له البخاري والترمذي، والنسائي وابن عصر ذكر ابن ماكولا أنه استشهد في الردة في خلافة الصديق، وحويصة شهد أحدًا، والخندق وسائر المشاهد، وأخوه محيصة صحابي.

روى له أصحاب السنن، وأبو بردة بن نيار، مات سنة إحدى وأربعين، وقيل بعدها، "إلى بني ثعلبة" وبني عوال، قاله ابن سعد.

وفي الشامية إلى بني معوية بفتح الميم، والعين المهملة، وكسر الواو، وسكون التحتية وتاء تأنيث، وبني عوال بعين مهملة، مضمومة فواو مخففة، حي من العرب من بني عبد الله بن غطفان، وقوله: والعين، أي: وبالعين، وليس مراده أنها مفتوحة.

ففي القاموس معوية بفتح فسكون، ابن امرئ القيس بن ثعلبة، فمقتضاه أن بني عوال ليسوا من ثعلبة، وثعلبة بطن من بني ريث بفتح الراء، وإسكان التحتية ومثلثة بن غطفان، وصريحة أن بني معاوية من ثعلبة، فاقتصر عليها المصنف للشهرة، أو العظمة بالنسبة لبني عوال.

"فورد عليهم ليلا" بمن معه، فكمن لهم القوم حتى ناموا، "فأحدق به القوم، وهم مائة"، فما شعر المسلمون إلا بالنبل قد خالطهم، فوثب محمد بن مسلمة، ومع قوس، فصاح في

ص: 121

رجل فتراموا بالنبل ساعة من الليل ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح، فقتلوهم إلا محمد بن سلمة فوقع جريحا، وجردوهم من ثيابهم، فمر رجل من المسلمين بمحمد بن مسلمة فحمله حتى ورد به المدينة.

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في ربيع الآخر في أربعين رجلا إلى مصارعهم، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصاب رجلا واحدا فأسلم وتركه، وأخذ نعما من نعمهم فاستاقه، ورثة من متاعهم وقدم به المدينة، فخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم ما بقي عليهم.

قال في القاموس: الرث: السقط من متا البيت، كالرثة بالكسر.

أصحابه: السلاح، فوثبوا "فتراموا بالنبل ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح"، فقتلوا ثلاثة ثم انحاز أصحاب محمد إليه، فقتلوا من القوم رجلا، ثم حمل القوم، "فقتلوهم إلا محمد بن سلمة، فوقع جريحا" يضرب كعبه، فلا يتحرك "وجردوهم من ثيابهم" وانطلقوا، "فمر رجل من المسلمين بمحمد بن مسلمة"، فرآهم صرعى، فاسترجع، فتحرك له محمد، "فحمله حتى ورد به المدينة جريحا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة" عامر بن عبد الله "بن الجراح" أمين الأمة، أحد العشرة "في ربيع الآخر، في أربعين رجلا إلى مصارعهم، فأغاروا عليهم" فلم يجدوا أحدا، ووجدوا نعما وشاء فساقه، ورجع.

هكذا ذكر ابن سعد والواقدي، ومقتضاه أو صريحه، أن سبب بعث أبي عبيدة طلب ثأر المقتولين، وبذلك أفصح اليعمري، فإنه ترجم لهذه السرية، وذكر فيها كلا ابن سعد والواقدي، عقبها بقوله، ثم سرية أبي عبيدة إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر، وذكر أن سببها، أن بني ثعلبة وأنمارا أجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة، وهي ترعى بهيفاء بهاء مفتوحة، وتحتية ساكنة وفاء موضع على سبعة أميال من المدينة، فبعث أبا عبيدة في أربعين حين صلوا المغرب، فمشوا ليلتهم حتى وافوا ذا القصة مع الصبح، فأغاروا عليهم، "فأعجزوهم هربا" بفتح الهاء والراء "في الجبال، وأصاب رجلا واحدا فأسلم، وتركه وأخذ نعما من نعمهم، فاستاقه.

أفاد أن النعم مذكر، وبه صرح المختار، فقال: يذكر ولا يؤنث، وجمعه أنعام يذكر ويؤنث، قال تعالى:{مِمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون: 21]"ورثة في متاعهم، وقدم به المدينة، فخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي: أخذ خمسه، "وقسم ما بقي" وهو الأربعة أخماس "عليهم،" قمقتضى هذا السياق من العيون، أنه بعث أبا عبيدة مرتين إلى ذي القصة، وذكر نحوه الشامي من رواية الواقدي، عن شيوخه، فقد لفق المصنف بين القصتين، الله إلا أن يكون البعث مرة، ولكن له سببان آخذ ثأر المقتولين، ودفع من أراد الإغارة على السرح، والله أعلم.

"قال في القاموس: الرث" بفتح الراء ومثلثة "السقط" الذي لا قيمة له "من متاع البيت كالرثة بالكسر" للراء، الواقع في الخبر هنا.

ص: 122

"‌

‌سرية زيد إلى الجموم

":

ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم -ويقال: الجمح- ناحية ببطن نخل من المدينة على أربعة أميال، في شهر ربيع الآخر سنة ست، فأصابوا امرأة من مزينة يقال لها: حليمة،

سرية زيد إلى الجموم:

"ثم سرية زيد بن حارثة" أبي أسامة البدري الحب، والد الحب الخليقين للإمارة بالنص النبوي الصحابي، ابن الصحابي، والد الصحابي.

قالت عائشة: ما بعث صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقي لاستخلفه، أخرجه ابن أبي شيبة قوي عنها.

وفي البخاري عن سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع غزوات، يؤمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلى بني سليم" بضم المهملة، وفتح اللام وسكون التحتية، "بالجموم" بفتح الجيم، وضم الميم مخففة، "ويقال" له:"الجموح" بحاء مهملة بدل الميم الأخيرة، حكاهما مغلطاي، "ناحية ببطن نخل من المدينة على أربعة أميال،" وفي نسخة برد، وهي الموافقة لقول ابن سعد عند اليعمري وغيره، ناحية بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد، فأما النسخة الأولى، فبينهما تفاوت كبير، فالأربعة برد ثمانية وأربعون ميلا "في" آخر يوم من "شهر ربيع الآخر،" كما يفيده تعبير المصنف بثم مع قول الشامي: إن أبا عبيدة أمير السرية قبلها، خرج ليلة السبت لليلتين بقيتا من ربيع الآخر، وغاب ليلتين، "سنة ست، فأصابوا" وجدوا "امرأة"، فأسروها "من مزينة يقال لها: حليمة".

قال البرهان: لا أعلم لها إسلاما، ولا صحبة ولا ترجمة، وليس في الصحابيات حليمة إلا المرضعة على الخلاف في إسلامها.

وذكر ابن الجوزي المرضعة وحليمة بنت عروة بن مسعود، قال: ويقال: جميلة، وأنكره عليه البرهان، وليس بمنكر، فبنت عروة، ذكرها الذهبي وسلم له في الإصابة، وأفاد أنها صحابية صغيرة، وأما جميلة بالجيم، بنت أوس المزينة.

ففي الإصابة أن ابن قانع وعبدان صحفاها بزاي ونون، وإنما هي المرئية براء فهمزة من

ص: 123

فدلتهم على محلة من منازل بني سليم، فأصابوا نعما وشاء وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل زيد بما أصاب، وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية نفسها وزوجها.

بني امرئ القيس، وتكنى أم جميل بجمين صحابية بنت صحابي انتهى، فليست هي هذه المسبية التي لم يعلم حالها، "فدلتهم على محلة" بفتح الميم، والمهملة، واللام المشددة ثم تاء تأنيث، منزل "من منازل بني سليم، فأصابوا نعما وشاء، وأسرى" أي: وجدوا جماعة منهم، فأسروهم.

فعند ابن عقبة عن ابن شهاب: فأصاب زيد نعما وشاء، وأسر جماعة من المشركين، "فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل" بفتح القاف والفاء، أي: رجع "زيد بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزنية نفسها وزوجها".

فقال بلال بن الحارث المزني في ذلك:

لعمرك ما أخنى المسول ولا ونت

حليمة حتى راح ركبهما معا

ولم يبين المصنف كغيره عدة الإبل، والغنم والأسرى.

ص: 124

"‌

‌سرية زيد إلى العيص

":

ثم سرية بن حارثة أيضا إلى العيص، موضع على أربع ليال من المدينة، في جمادى الأولى سنة ست، ومعه سبعون راكبا، لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام

سرية زيد إلى العيص:

"ثم سرية زيد بن حارثة أيضا"، المتلو اسمه في محاريب المسلمين، "إلى العيص" بكسر العين، وإسكان التحتية فصاد مهملتين.

قال ابن الأثير: موضع قرب البحر، والصغاني عرض من أعراض المدينة، وهو بكسر العين المهلمة، وإسكان الراء وضاد معجمة، كل واد فيه شجر، كذا في النور، وكونه من أعراضها قد ينافيه قوله تبعا لابن سعد، "موضع على أربع ليال من المدينة"؛ لأن ما في هذه المسافة لا ينسب لها "في جمادى الأولى سنة ست" قاله الواقدي، وابن سعد، وجماعة "ومعه سبعون راكبا" صوابه كما قال ابن سعد وشيخه: سبعون ومائة راكب، وسلمه اليعمري، والبرهان والشامي، "لما بلغه عليه الصلاة والسلام أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام" ذكره الواقدي وابن سعد وغيرهما.

ص: 124

يتعرض لها، فأخذها وما فيها، وأخذ يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية، وأسر منهم ناسا، منهم أبو العاصي بن الربيع، وقدم بهم المدينة، فأجارته زوجته زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونادت في الناس -حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر- إني قد أجرت أبا العاصي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما علمت بشيء من هذا، وقد أجرنا من أجرت"، ورد عليه ما أخذ منه.

قال الشامي: واقتضى كلام ابن إسحاق، أن سرية من السرايا صادفت هذه العير، لا أنه صلى الله عليه وسلم أرسل السرية لأجلها، "يتعرض لها، فأخذها ما فيها، وأخذ يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية" ابن خلف بن وهب القرشي الجمحي، أسلم بعد حنين، وكان من المؤلفة، وحسن إسلامه، وهو أحد الأشراف الفصحاء الأجواد.

روى له مسلم والأربعة، مات أيام قتل عثمان: وقيل: سنة إحدى أو ثنتين وأربعين، "وأسر منهم" ممن كان في العير "ناسا منهم أبو العاصي" لقيط، أو الزبير، أو هشيم، أو مهشم، بكسر فسكون ففتح، أو بضم ففتح فتثقيل، أو ياسر.

قال الحافظ: وأظنه محرفا من قاسم، ورجح البلاذري الأول والزبير الثاني، "ابن الربيع" بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه هالة أخت خديجة بنت خويلد.

قال ابن إسحاق: كان من رجال مكة المعدودين تجارة ومالا وأمانة.

"وقدم بهم المدينة، فأجارته زوجته" السيدة "زينب ابنة النبي صلى الله عليه وسلم" أكبر بناته لما استجار بها، فعند ابن سعد، فاستجار أبو العاصي بزينب، فأجارته "ونادت في الناس حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر".

قال الواقدي وابن إسحاق لما كبر المصطفى، وكبر الناس معه صرخت.

قال ابن إسحاق: من صفة النساء.

وقال الواقدي: قامت على بابها، فنادت بأعلى صوتها: أيها الناس "إني قد أجرت أبا العاصي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زاد الواقدي وابن إسحاق: لما سلم من الصلاة، أقبل على الناس، فقال:"أيها الناس هل سمعتم ما سمعت"؟، قالوا: نعم، قال:"والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من هذا" حتى سمعت ما سمعتم، المؤمنون يد واحدة، يجير عليهم أدناهم".

زاد الواقدي: "وقد أجرنا من أجارت"، فهذا خطاب منه للصحابة، وقال لزينب:"وقد أجرت من أجرت، ورد عليه" بسؤال زينب "ما أخذ" بالبناء للمفعول "منه".

قال ابن إسحاق والواقدي: ثم دخل صلى الله عليه وسلم إلى منزله، فدخلت عليه زينب، فسألته أن يرد

ص: 125

وذكر ابن عقبة: أن أسره كان على يد أبي بصير بعد الحديبية.

عليه ما أخذ منه، فقبل، وقال لها:"أكرمي مثواه، ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له".

وروى البيهقي بسند قوي أن زينب قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا العاصي إن قرب فابن عم وإن بعد، فأبو ولد، وإني قد أجرته.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر، أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى السرية، الذين أصابوا مال أبي العاصي، فقال لهم:"إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي فاء عليكم، فأنتم أحق به"، فقالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه حتى أن الرجل ليأت بالدلو، والرجل بالإداوة حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا، ثم ذهب إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال ماله، ثم قال: هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، قال: هل أوفيت ذمتي؟ قالوا: اللهم نعم، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ووالله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوفا أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما ردها الله تعالى إليكم، وفرغت منها أسلمت، ثم خرج فقدم المدينة.

وأخرج أبو أحمد الحاكم بسند صحيح عن الشعبي أن زينب هاجرت وأبو العاصي على دينه، فخرج إلى الشام في تجارة، فلما كان قرب المدينة، أراد بعض المسلمين الخروج إليه ليأخذوا ما معه ويقتلوه، فبلغ ذلك زينب، فقالت: يا رسول الله، أليس عقد المسلمين وعهدهم واحدًا؟، قال:"نعم"، قالت: فاشهد أني قد أجرت أبا العاصي، فلما رأى ذلك الصحابة خرجوا إليه بغير سلاح، فقالوا له: إنك في شرف من قريش، وأنت ابن عم رسول الله، فهل لك أن تسلم، فتغنم ما معك من أموال أهل مكة، فقال: بئسما أمرتموني به، أن أفتتح ديني بغدرة، فمضى إلى مكة، فسلمهم أموالهم، وأسلم عندهم، ثم هاجر، والجمع بينهما عسر، وقد قال في الإصابة: يمكن الجمع بين الروايتين.

"وذكر" موسى "ابن عقبة" الحافظ تبعا لشيخه الزهري كما رواه عنهما البيهقي: أن الذي أخذ هذه العير أبو جندل، وأبو بصير، و"أن أسره كان على يد أبي بصير" بفتح الموحدة، وكسر المهملة، فتحتية ساكنة فراء، ومن معه من المسلمين، لما أقاموا بالساحل، يقطعون الطريق على تجار قريش في مدة الهدنة "بعد الحديبية" وصوبه ابن القيم، واستظهره البرهان.

قال الشامي: ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يخلصن إليك"، أي: لا يطأك فإنك لا تحلين له؛ لأن تحريم المؤمنات على المشركين، إنما نزل بعد الحديبية انتهى، ثم الآخذ للعير على هذا القول ليس من السرايا، فإن أبا بصير ومن معه كانوا بالساحل، يقطعون الطريق على تجار قريش، ولم

ص: 126

وكانت هاجرت قبله وتركته على شركه، وردها النبي صلى الله عليه وسلم بالنكاح الأول، قيل: بعد سنتين وقيل: بعد ست سنين، وقيل: قبل انقضاء العدة.

يكن ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم، فلا يشكل بأن السرايا لم تتعرض لقريش بعد الحديبية.

نعم، هو ظاهر على قول غير ابن عقبة، أنها كانت قبل الحديبية في جمادى.

وحكى الحاكم أبو أحمد: أنه أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر.

"وكانت هاجرت قبله، وتركته على شركه"، وذلك أنه لما أسر في بدر قبل أسره هذه المرة، وبعثت أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب في فدائه بمال، وبعثت فيه قلادة لها، كانت خديجة أدخلتا بها عليه حين بنى بها، فلما رآها صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال:"إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها فافعلوا"، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه، وردوا عليها الذي لها، وأخذ صلى الله عليه وسلم عليه، أو وعده، هو أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه، أن يخلي سبيل زينب إليه، فلما ذهب إلى مكة، بعث المصطفى زيد بن حارثة وأنصاريا، فقال:"كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فائتياني بها"، فأمرها أبو العاصي باللحوق بأبيها، فتجهزت، وهاجرت، كما أسنده ابن إسحاق عن عائشة.

قال في الروض: وفيها يقول أبو العاص لما كان بالشام تاجرًا:

ذكرت زينب لما يممت أضما

فقلت سقيا لشخص يسكن الحرما

بنت الأمين جزاها الله صالحة

وكل بعل سيثني بالذي علما

"وردها النبي صلى الله عليه وسلم" كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم رد على أبي العاص بنته زينب "بالنكاح الأول"، لم يحدث شيئا.

قال الترمذي: ليس بإسناده بأس، ولكن لا يعرف وجهه.

"قيل: بعد سنتين" من إسلامه الواقع في السادسة، أو السابعة، "وقيل: بعد ست سنين" من الهجرة، وقد عرفت قول الترمذي لا يعرف وهذا الحديث، فكذا هذان القولان المبنيان عليه، وإلا فابتداء السنتين من أي زمن، "وقيل: قبل انقضاء العدة"؛ لأنه لما نزل، لا هن حل لهم بعد الحديبية جعل بمنزل ابتداء إسلامها، وإن كانت أسلمت هي وأخواتها كلهن عقب البعثة، كما مر فوقف أمره إلى إنقضاء العدة، فأسلم قبلها فدام النكاح، فمعنى ردها، مكنه منها بناء على النكاح الأول؛ لأن الفرقة لم تقع، ثم لا يرد على هذا القول ما رواه ابن إسحاق، منقطع أنها لما هاجرت، راعها هبار بن الأسود بالرمح في هودجها، وهي حامل، فطرحت ما في بطنها؛ لأن هجرتها بعد بدر قبل نزول آية التحريم بمدة.

ص: 127

وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ردها له بنكاح جديد سنة سبع.

"وفي حديث" الترمذي، وابن ماجه من طريق حجاج بن أرطأة، عن "عمرو بن شعيب،" عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم "ردها" على أبي العاص "بنكاح جديد" لفظه بمهر جديد.

قال السهيلي: هذا الحديث هو الذي عليه العمل، وإن كان حديث ابن عباس أصح إسنادا ولكن لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت؛ لأن الإسلام فرق بينهما، قال الله تعالى:{لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة: 10] . ا. هـ.

وقد قال الترمذي: سمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن عمرو، وذكر هذين الحديثين يقول: حديث ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب.

قال السهيلي: ومن جمعه بين الحديثين، قال: معنى حديث ابن عباس ردها على مثل النكاح الأول في الصداق والحباء، لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره.

"سنة سبع" أفاد انقضاء العدة؛ لأن نزول آية التحريم بعد الحديبية الواقعة في سنة ست.

وفي الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم أثنى على أبي العاصي في مصاهرته خيرا، وقال: حدثني، فصدقني، ووعدني فوفاني، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب من أبي العاصي، مات سنة اثنتي عشرة في خلافة الصديق، كما قاله ابن سعد، وابن إسحاق وغيرهما، وشذ من قال: سنة ثلاث عشرة، وأغرب منه قول ابن منده مات يوم اليمامة، والله تعالى أعلم.

ص: 128

"‌

‌سريته للطرف

":

ثم سرية زيد بن حارثة أيضا إلى الطرف، ماء على ستة وثلاثين ميلا من المدينة في جمادى الآخرة سنة ست.

سريته للطرف:

"ثم سرية زيد بن حارثة أيضا إلى الطرف" بفتح الطاء المهملة، وكسر الراء وبالفاء.

قال القاموس: ككتف "ماء،" أي: عين، كما في القاموس، "على ستة وثلاثين ميلا من المدينة".

زاد ابن سعد: قريب من المراض دون النخيل، براء، وضاد معجمة كسحاب.

وقال الشريف: هو بطريق العراق على خمسة وعشرين ميلا وربع من المدينة، ولا غبار على المصنف في تعبيره بثم؛ لأن التي قبلها في جمادى الأولى، وقد قال في هذه:"في جمادى الآخرة سنة ست" ولم يقل أحد أن التي قبلها كانت بعد الحديبية، إنما قال ابن عقبة ومن وافقه:

ص: 128

فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب، وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرا، ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال.

أن أخذ العير، وأسر أبي العاصي على يد أبي بصير بعد الحديبية، ولم يكن سرية، ولا هو بأمر المصطفى، ولا علمه على ذلك القول، فوهم من قال تعبيره بثم ظاهر على أن سرية عير قريش في جمادى الأولى، إما على أنها بعد الحديبية فلا، "فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فأصاب نعما وشاء وهربت الأعراب"؛ لأنهم خافوا أن يكون صلى الله عليه وسلم سار إليهم، وأن هؤلاء مقدمة له، كما قال الواقدي، "وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرا" مثله في العيون، والسبل مع قولهم قبل، فأصاب نعما وشاء، فيحتمل أنه لم يسق شيئا من الغنم لمانع، أو ساقها أو بعضها مع الإبل، ثم تركها الطلب العدو إياه حين علموا ن المصطفى ليس معهم، فأعجزهم فترك الغنم لضعفها، وعدم قوتها على السير، واحتياجها لسائق على أن إصابة

الأمرين في محل العدوة، ولا يلزم منه أخذها بالفعل، فعلى بعض المتأخرين الدرك في قوله: صبح بالنعم والشاء، فإنه بمجرده لا يفيد ذلك، "ولم يلق

كيدا" حربا، و"وغاب أربع ليال"، وكان شعار المسلمين أمت أمت، وهو أمر بالموت، ومراده التفاؤل بالنصر بعد الأمر بالإماتة، مع حصول الغرض من الشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها، لأجل ظلمة الليل، ذكره الشامي.

ص: 129

"‌

‌سريته إلى حسمي

":

ثم سرية، زيد أيضا إلى حسمي -بكسر المهملة- وهي وراء القرى،

سريته إلى حسمي:

"ثم سرية زيدا أيضا إلى حسمي بكسر" الحاء "المهملة" وسكون المهملة، وفتح الميم مقصورا قال اليعمري: على مثال فعلى، مكسور، الأول قيده أبو علي، موضع من أرض جذام، وذكر أن الماء في الطوفان، أقام به بعد نضوبه ثمانين سنة.

وقال الجوهري: اسم أرض بالبادية، غليظة لا خير فيها، ينزلها جذام، ويقال: آخر ما نضب من ماء الطوفان حسمي، فبقيت منه بقية إلى اليوم، "وهي وراء القرى"، وفي نسخة: ذات القرى، وصوابه كما في العيون وغيرها، وراء وادي القرى، وهو بضم القاف وفتح الراء، واد كثير القرى، وليس ثم محل يقال له ذات القرى.

قال شيخنا في التقرير: ويمكن تصحي المصنف، بأنه لم يقصد المعنى العلمي، بل الإضافي بتقدير مضاف، موصوف ذات هو، وراء أرض ذات القرى، وعلى النسخة الأولى وراء

ص: 129

وكانت في جمادى الآخرة سنة ست.

وسببها أنه قالوا: أقبل دحية ابن خليفة الكلبي من عند قيصر، وقد أجازه وكساه، فلقيه الهنيد في ناس من جذام بحسمي فقطعوا عليه الطريق، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب، فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فبعث زيد بن حارثة

وادي القرى.

"وكانت في جمادى الآخرة سنة ست،" عند ابن سعد، وقطع به اليعمري "و" غيره.

لكن قال ابن القيم: إنها كانت بعد الحديبية بلا شك، أي: لأن بعث دحية بالكتاب إلى هرقل في آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية، كما قاله الواقدي، فتكون هذه السرية سنة سبع؛ لأن "سببها أنهم" كلهم.

"قالوا: أقبل دحية" بفتح الدال وكسرها، "ابن خليفة الكلبي"، الصحابي الجليل، المتوفى في خلافة معاوية "من عند قيصر" لقب لكل من ملك الروم، واسمه هرقل، لما أرسله صلى الله عليه وسلم إليه بكتابه، يدعوه إلى الإسلام، "وقد أجازه" أي: أعطاه الجائزة، وهي كما في القاموس العطية، والتحفة واللطف، "وكساه"؛ لأنه قارب الإسلام، ولم يسلم خوفا على ملكه، فأكرم دحية.

زاد ابن إسحاق: ومعه أي دحية، تجارة له، "فلقيه الهنيد" بضم الهاء، وفتح النون وسكون التحتية، ابن عارض، وابنه عارض بن الهنيد.

وعند ابن إسحاق: عوض فيهما بدل عارض، "في ناس من جذام" بجيم مضمومة، فذال معجمة فميم، قبيلة من معد، أو اليمن، بجبال "بحسمي، فقطعوا عليه الطريق".

زاد ابن إسحاق وغيره: فأصابوا كل شيء كان معه، فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب.

قال البرهان: بفتح المهملة والميم، الخلق من الثياب.

"فسمع بذلك نفر من بني الضبيب" بضم الضاد المعجمة، ثم موحدتين، أولاهما مفتوحة، بينهما تحتية ساكنة.

قال ابن إسحاق: رهط رفاعة بن زيد الجذامي ممن كان أسلم، وأجاب وقدم على قومه بكتاب رسول الله يدعوهم إلى الإسلام، فاستجابوا له.

"فاستنقذوا لدحية متاعه،" وعند ابن إسحاق: فنفروا إلى الهنيد وابنه، حتى لقوهم، فاقتتلو، فاستنقذوا ما كان في يد الهنيد وابنه، فردوه على دحية، "وقدم دحية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك،" وفي نسخة خبره زاد ابن إسحاق: واستسعاده دم الهنيد وابنه، "فبعث زيد بن حارثة

ص: 130

وخمسمائة رجل، ورد معه دحية، فكان زيد يسير بالليل ويكمن بالنهار، فأقبلوا بهم حتى هجموا مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم. فأخذوا من النعم ألف شاة، ومائة من النساء والصبيان.

فرحل زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه، فدفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه الذي كان كتب له، ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم.

في خمسمائة رجل ورد معه دحية، فكان زيد يسير

بالليل، ويكمن" بضم الميم وفتحها، كما في القاموس "بالنهار" زاد ابن سعد: ومعه دليل من بني عذرة، "فأقبلوا بهم حتى هجموا مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم، فأوجعوا،" أي: أكثروا فيهم القتل، "وقتلوا الهنيد وابنه"، زاد ابن إسحاق: ورجلا من بني خصيب، ورجلين من بني الأحنف، أي: بالنون.

وقال ابن هشام: أي: بالتحتية، "وأغاروا على ماشيتهم" هي الإبل والغنم، قاله ابن السكيت وغيره، ومشى عليه المجد، زاد بعضهم والبقر، فقوله:"ونعمهم" عطف خاص على عام، أو تفسيري؛ لأن النعم كما في القاموس الإبل والشاء، أو خاص بالإبل، "ونسائهم فأخذوا من النعم ألف شاة" لا شك أن فيه سقطا من الناسخ، أو قلم المصنف سهوا، فالذي قله ابن سعد، وتبع اليعمري وغيره من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، "و" من السبي "مائة من النساء والصبيان، فرحل زيد بن رفاعة الجذامي" كذا عند ابن سعد، وهو مقلوب، فالذي عند ابن إسحاق رفاعة بن زيد.

قال اليعمري: وهو الصحيح.

قال البرهان: وكما هو الصحيح، ذكره ابن عبد البر، والذهبي وغيرهما، ولم أر أحدا ذكره في زيد إلا في هذا المكان.

قال ابن إسحاق: وفد فأسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر، وحسن إسلامه، وأهدى للمصطفى غلاما.

وعند ابن منده: أنه قدم في عشرة من قومه.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة في قصة خيبر: فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما أسود، يقال له: مدعم، "في نفر من قومه، فدفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه الذي كان كتبه له، ولقومه ليالي قدم عليه، فأسلم"، وذلك أنه وفد في الهدنة، فأسلم، وكتب له المصطفى كتابا هو: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من حمد رسول الله إلى رفاعة بن زيد، إني

ص: 131

وبعث صلى الله عليه وسلم عليا إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم،

بعثته إلى قومه عامة، ومن دخل فيهم يدعوهم إلى الله وإلى رسوله، فمن أقبل، ففي حزب الله وحزب رسوله، ومن أدبر فله أمان شهرين، فلما قدم على قومه أسلموا، فلم يلبث أن جاء دحية من عند قيصر، ذكره ابن إسحاق، وبسط القصة فقال: فلما سمع بنو الضبيب بما صنع زيد، ركب نفر منهم حسان بن ملة باللام، وروي بالكاف، وأنيف بن سلمة، وأبو زيد بن عمرو، فلما وقفوا على زيد بن حارثة، قال حسان: إنا قوم مسلمون، فقال: اقرأ أم الكتاب، فقرأها فقال زيد: نادوا في الجيش إن الله قد حرم علينا ثغرة القوم التي جاءوا منها إلا من ختر، وكانت أخت حسان في الأساري، فقال له زيد: خذها، فقالت امرأة: أتنطلقون ببناتكم، وتذرون أمهاتكم؟، فقال زيد لأخت حسان: اجلسي مع بنات عمك حتى يحكم الله فيكن، ونهى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه، فأمسوا في أهليهم، فلما شربوا عتمتهم، ركبوا حتى صبحوا رفاعة، فقال له حسان: إنك لجالس، تحلب المعزى، ونساء جذام أسارى، قد غرها كتابك الذي جئت به، فدعا رفاعة بجمل، فشد عليه رحله، وخرج معه جماعة، فساروا ثلاث ليال، فلما دخلوا المدينة، وانتهوا إلى المسجد، دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم، آلاح لهم بيده، أن تعالوا من وراء الناس، فاستفت رفاعة المنطق، فقام رجل، فقال: يا رسول الله إن هؤلاء قوم سحرة، فرددها مرتين، أي: عندهم فصاحة لسان وبيان، فقال رفاعة: رحم الله من لم يحذنا في يومنا هذاإلا خيرا، ثم دفع كتابه إليه صلى الله علي وسلم، فقال: دونك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"يا غلام اقرأه وأعلن"، فلما قرأه استخبرهم، فأخبروه الخبر، فقال صلى الله عليه وسلم:"كيف أصنع بالقتلى"، ثلاث مرار، فقال رفاعة: أنت أعلم يا رسول الله، لا نحرم عليك حلالا، ولا نحل لك حراما، فقال أبو زيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا، ومن قتل تحت قدمي هذه، فقال صلى الله عليه وسلم:"صدق أبو زيد اركب معهم يا علي"، فقال: إن زيد لن يطيعني، قال:"فخذ سيفي هذا"، فأعطاه سيفه، فقال: ليس لي راحلة، فحملوه على بعير وخرجوا، فإذا رسول لزيد على ناقة من إبلهم، فأنزلوه عنها فقال: يا علي ما شأني؟ قال: مالهم عرفوه فأخذوه ثم ساروا، فوجدوا الجيش بفيفاء، فأخذوا ما في أيديهم حتى كانوا ينزعون المرأة من تحت فخذ الرجل.

"وبعث صلى الله عليه وسلم عليا إلى زيد بن حارثة، يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم" بضم المهملة وفتح الراء، جمع حرمة، وهي الأهل "وأموالهم".

وفي رواية، فقال علي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترد على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أسير أو سبي أو مال، فقال زيد: علامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أطلب علامة، فقال علي:

ص: 132

فرد عليهم.

هذا سيفه، فعرفه زيد، فنزل وصاح بالناس، فاجتمعوا فقال: من كان معه شيء من سبي أو مال فليرده، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، "فرد عليهم" كل ما أخذ لهم ثغرة القوم بضم المثلثة، وسكون المعجمة، وفتح الراء وهاء تأنيث، طريقهم، وختر بفتح المعجمة، وسكون الفوقية وبالراء غدر أي أن الله حرم التعرض لهم لإسلامهم ما لم يحصل غدر، ويحذنا بضم التحتية، وسكون الحاء المهملة، وكسر المعجمة، من أحذاه كذا أعطاه، والمعنى رحم الله من لم يتكلم في حقنا اليوم إلا بخير هذا، وظاهره أنهم كانوا يطأون الجواري بلا استبراء؛ لأن وجوبه إنما كان في سبي هوازن، والله أعلم.

ص: 133

"‌

‌سرية زيد أيضا إلى وادي القرى

":

ثم سرية زيد أيضا إلى وادي القرى أيضا، في رجب سنة ست، فقتل من المسلمين قتلى، وارتث زيد، أي حمل من المعركة رثيثا، أي جريحا وبه رمق -وهو مبني للمجهول، قاله في القاموس.

ثم سرية زيد أيضا إلى وادي القرى:

جمع قرية؛ لأن ذا الوادي كثير القرى.

قال المصباح: موضع قريب من المدينة على طريق الحاج من جهة الشام "أيضا"، يقتضي أن التي قبلها إلى وادي القرى، وقد مر قوله: إن حسمي وراء القرى، فلعله أطلق عليها ذلك لقربها منه، "في رجب سنة ست".

قال ابن إسحاق: لقي به بني فزارة، "فقتل من المسلمين قتلى" منهم رد بن مرداس، رواه ابن عائذ عن عروة، "وارتث" بضم أوله، وسكون الراء، وضم الفوقية وبمثلثة "زيد، أي حمل من المعركة، رثيثا، أي: جريح، وبه رمق وهو" أي: ارتث، "مبني للمجهول،" ففعله رث مشددا بزيادة تاء الافتعال التي هي من حروف الزيادة، فيبقى الحرف الأخير مشددا على أصله، فليس هو ارتث بكسر المثناة، وخفة المثلثة كما توهم.

ص: 133

"‌

‌سرية دومة الجندل

":

ثم سرية عبد الرحمن بن عوف

سرية دومة الجندل:

"ثم سرية عبد الرحمن بن عوف"، القرشي الزهري، أسلم قديما، ومناقبه شهيرة، مات سنة

ص: 133

رضي الله عنه إلى دومة الجندل، في شعبان سنة ست.

قالوا: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف، فأقعده بين يديه، وعممه بيده،

اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك، أخرج له الجميع، "رضي الله عنه إلى دومة" بضم المهملة، وتفتح، فواو ساكنة، فميم فتاء تأنيث، ويقال: دوماء بالمد "الجندل" بفتح الجيم، وسكون النون، وفتح الدال وباللام، حصن، وقرى من طرق الشام بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدية خمس عشرة، أو ست عشرة ليلة "في شعبان سنة ست" كما أرخصها ابن سعد، "قالوا: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف،" هذا الحديث أسنده ابن إسحاق وفي أوله زيادة لا بأس بذكرها، قال: حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: كنت عاشر عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود ومعاذ وحذيفة، وأبو سعيد، إذ أقبل فتى من الأنصار فسلم، ثم جلس، فقال: يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟، قال: "أحسنهم خلقا"، قال: فأي المؤمنين أكيس، قال: "أكثرهم للموت ذكرا، وأكثرهم استعداد له قبل أن ينزل به، أولئك هم الأكياس"، ثم سكت الفتى، وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا نزلن بكم، وأعوذ بالله أن تدركوهن، إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها الأظهر، فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين، وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الذكاء من أموالهم إلا منعوا االقطر من السماء، فلولا البهائم ما مطروا، وما نقضوا عهد الله عز وجل، وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم، فأخذوا ما كان في أيديهم، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله، وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم"، ثم أمر عبد الرحمن أن يتجهزوا لسرية بعثه عليها، فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه صلى الله عليه وسلم، "فأقعده بين يديه وعممه بيده" لفظ ابن سعد.

وروى الدارقطني في الأفراد عن ابن عمر: دعا النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، فقال:"تجهز فإني باعثك في سرية من يومك هذا، أو من الغد، إن شاء الله تعالى".

قال عبد الله: فسمعت ذلك، فقلت: لأصلين مع رسول الله الغداة، فلأسمعن وصيته له، وفي حديثه عند ابن إسحاق فأدناه منه ثم نقضها، ثم عممه بها، فأرسل من خلفه أربع أصابع، أو نحوا من ذلك، ثم قال:"هكذا يا ابن عوف، فاعتم فإنه أحسن وأعرف"، ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه فحمد الله وصلى على نفسه، ثم قال: "خذه يا ابن عوف، اغزوا جميعا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد

ص: 134

وقال: "أغر، بسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، ولا تغدر، ولا تقتل وليدا، وبعثه إلى كلب بدومة الجندل، وقال: إن استجابوا لك فتزوج، ابنة ملكهم".

فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيا، وكان رئيسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية.

وتزوج عبد الرحمن تماضر -بضم المثناة الفوقية، وكسر الضاد المعجمة- بنت الأصبغ، وقدم بها المدينة

الله وسيرة نبيه فيكم"، فأخذ عبد الرحمن اللواء، "وقال" كما عند ابن سعد: "أغز بسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، ولا تغدر" ثلاثي، أي: تترك الوفاء "ولا تقتل وليدا" أي: صبيا، فكان اختلاف الأمر جمعا، وإفرادا من تصرف الرواة، أو خاطبه مرة، وجميع الجيش أخرى، و"بعثه في سبعمائة، كما عند الواقدي "إلى كلب بدومة الجندل، وقال: "إن استجابوا لك" أطاعوك فأسلموا، "فتزوج ابنة ملكهم"، فسار عبد الرحمن" بجيشه، "حتى قوم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام".

زاد الدارقطني: وقد كانوا أبو أول ما قدم أن لا يعطوا إلا السيف، "فأسلم" في اليوم الثالث "الأصبغ" بفتح الهمزة، وسكون الصد المهملة، وفتح الموحدة، وبالغين المعجمة "ابن عمرو" بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب "الكلبي" القضاعي، ذكره صاحب الإصابة في القسم الثالث، فيمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، ولذا قال البرهان: لم تثبت له صحبة، "وكان نصرانيا وكان رئيسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية، وتزوج عبد الرحمن تماضر".

قال الواقدي: وهي أول كلبية نكحها قرشي.

"بضم المثناة الفوقية، وكسر الضاد المعجمة" ومنع الصرف للعلمية، والتأنيث "بنت الأصبغ"، وقيل: بنت رباب بن الأصبغ، كما في الإصابة، "وقدم بها المدينة"، ففازت بشرف الصحبة، والمصنف تابع في هذا الذي ذكره في هذه السرية، لابن سعد، وقد أسنده عن شيخه الواقدي بسند له مرسل عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.

وعند الدارقطني: فكتب عبد الرحمن مع رافع بن مكيث الجهني إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره، وأنه أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ابنة الأصبغ، فتزوجها، وقد يمكن الجمع بين الروايتين، بأن عبد الرحمن لم يكتف بقوله أولا:"فإن استجابوا لك، فتزوج ابنة ملكهم" لاحتمال

ص: 135

فولدت له أبا سلمة.

أنه أراد إن أسلم الجميع، مع أنه قد بقي منه جماعة على الجزية، فكتب إليه احتياطا، "فولدت له" بعد ذلك سنة بضع وعشرين "أبا سلمة" المدني الزهري، قيل اسمه كنيته، وقيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل التابعي الكبير الحافظ الثقة، كثير الحديث، إمام من العلماء، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة.

روى له الجميع.

قال الواقدي: ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة، وذكر في السبل عقب هذه سرية زيد إلى مدين، وقال: روى ابن إسحاق عن فاطمة بنت الحسين، أنه صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة نحو مدين، ومعه ضميرة، مولى علي بن أبي طالب وأخ له، فأصاب سبيا من أهل مينا، وهي السواحل، وفيها جماع من الناس فبيعوا، ففرق بينهم، فخرج صلى الله عليه وسلم وهم يبكون، فقال:"ما لهم"؟، قيل: فرق بينهم، فقال:"لا تبيعوهم إلا جميعا".

قال ابن هشام: أراد الأمهات والأولاد.

ص: 136

"‌

‌سرية علي إلى بني سعد

":

ثم سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه في شعبان سنة ست من الهجرة، ومعه مائة رجل إلى بني سعد بن بكر، لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر.

سرية علي إلى بني سعد:

"ثم سرية علي بن أبي طالب" الهاشمي، ورجع جمع أنه أول من أسلم مات في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل أحياء بني آدم بالأرض بإجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون سنة على الأرجح "رضي الله عنه في شعبان سنة ست من الهجرة، ومعه مائة رجل إلى بني سعد بن بكر،" أي: إلى حي منهم كما قال الواقدي، "لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن لهم جميعا" مصدر، أي: أنهم ساعون في جمع الناس وليس المراد جماعة الناس؛ لأنه لو أراده لقال: إنهم اجتمعوا "يريدون أن يمدوا" بضم أوله وكسر الميم رباعي، كما قال البرهان، وتبعه الشامي أن يقووا ويعينوا "يهود خيبر".

وفي المصباح المدد بفتحتين الجيش، ومددته أعنته وقويته، وكأنما اقتصرا على الرباعي؛ لأنه أنسب بهذا المعنى دون المجرد، وإن كان متعديا أيضا كقوله: ويمدهم في طغيانهم الذي معناه يزيدهم لاستعمال الزيادة في الإمهال، وفي التقوية والإعانة، والمشترك دون المختص في

ص: 136

فأغاروا عليهم بالغمج بين فدك وخيبر، فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد، وقدم علي ومن معه المدينة ولم يلقوا كيدا.

الاستعمال هكذا كتبنا من تقرير الشيخ وهو أفيد مما في الحاشية، "فأغاروا عليهم بالغمج" بغين معجمة فميم مكسورة فجيم ماء "بين فدك" بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف.

قال المجد اللغوي: على يومين من المدينة، وقال عياض: يومين، وقيل: ثلاثة. وقال ابن سعد: على ست ليال من المدينة.

قال السمهودي: وأظنه الصواب لكن استبعد صحته البران وقال: إنه سأل به بعض أهل المدينة عنها، فقال بينهما يومان ذكره الشامي "وخيبر"، وفيه مسامحة فإنهم حين وصلوا المحل المذكور لم يجدوا به أحدًا منهم غير عين لهم، فعند ابن سعد وشيخه الواقدي، وسار على الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الغمج، فوجدوا به رجلا فقالوا: ما أنت؟ قال: باغ، أي: طالب لشيء ضل مني، فقالوا: هل كل علم بما وراءك من جميع بني سعد؟ قال: لا أعلم لي فشددوا عليه فأقر أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر يعرض على يهودها نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم ويقدمون عليهم، فقالوا له: فأين القوم؟ قال: تركتهم قد تجمع منهم مائتا رجل، قالوا: فسر بنا حتى تدلنا؟ قال: على أن تؤمنوني، قالوا: إن دللتنا عليهم أو على سرحهم أمناك وإلا فلا أمان لك، قال: فذاك، فخرج بهم دليلا حتى ساء ظنهم، ثم أفضى بهم إلى الأرض مستوية فإذا نعم كثيرة وشاء، فقال: هذه نعمهم وشاؤهم، فأغاروا عليها، فقال: أرسلوني، فقال: حتى نأمن الطلب وهرب الرعاء إلى جمعهم فحذرهم فتفرقوا، فقال الدليل: علام تحبسني قد تفرقت الأعراب، قال علي: حتى نبلغ معسكرهم، فانتهى بهم إليه فلم ير أحدًا فأرسلوه وساقوا النعم والشاء، "فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة وهربت بنو سعد" بالظعن ورأسهم وبر بفتح الواو وسكون الموحدة وبالراء ابن عليم بضم العين المهملة، فعزل على صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوحا تدعى الحفدة، ثم عز ل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه قاله ابن سعد، والحفدة بفتح الحاء وكسر الفاء وفتح الدال المهملة وتاء تأنيث السريعة السير، "وقدم علي ومن معه المدينة ولم يلقوا كيدا"، ورد الله كيد المشركين فلم يمدوا اليهود"، ولله الحمد.

ص: 137

"‌

‌سرية زيد إلى أم قرفة

":

ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة

سرية زيد إلى أم قرفة:

"ثم سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة" بكسر القاف، وسكون الراء وبالفاء وتأء تأنيث "فاطمة

ص: 137

فاطمة بن ربيعة بدر الفزارية، بناحية وادي القرى، على سبع ليال من المدينة في رمضان سنة ست من الهجرة.

وكان سببها: أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان بوادي القرى لقيه ناس من فزارة من بني بدر، فضربوه وضربوا أصحابه، وأخذوا ما كان معهم.

وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فبعثه عليه الصلاة والسلام إليهم، فكمن هو وأصحابه بالنهار وساروا بالليل، ثم صحبهم زيد وأصحابه، فكبروا وأحاطوا

بنت ربيعة بن بدر الفزارية" التي جرى فيها المثل أمنع من أم قرفة؛ لأنها كان يعلق في بيتها خمسون سيفا لخمسين رجلا كلهم لها محرم، كنيت بابنها قرفة قتله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر الواقدي، وذكر أن سائر بنيها وهم تسعة قتلوا مع طليحة يوم بزاخة في الردة، وذكر أن عبد الله بن جعفر أنكر عليه ذلك، وهو الصحيح كذا في الروض، وفي الزهر الباسم أن ولدها اثنا عشر ولا منافاة، فالبنون عشرة وبنتان "بناحية وادي القرى على سبع ليال من المدينة في رمضان سنة ست من الهجرة" كما ذكر ابن سعد قائلا: "وكان سببها أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان بوادي القرى" لفظ ابن سعد دون وادي القرى "لقيه ناس من فزارة من بني بدر، فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم"، وهذا ظاهر في لقيهم له في ذهابه من المدينة لا في عوده من الشام بالتجارو كما فهم الشارح، "وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره" خبره، وأما ابن إسحاق فقال: إن سببها أن زيدا لما لقي بني فزارة بوادي القرى في سريته التي قبل هذه، وأصيب ناس من أصحابه وارتث زيد من بين القتلى حلف أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة، ويجمع بتعدد السبب بأن كون لما صح ذهب للتجارة، فنهبوه فرجع وأخبره صلى الله عليه وسلم، "فبعثه عليه الصلاة والسلام إليهم" في جيش، وقال لهم: اكمنوا النهار وسيروا الليل، "فكمن" القاموس كنصر وسمع "هو وأصحابه بالنهار وساروا بالليل"، ومعهم دليل من فزارة وعلمت بهم بنو بدر، فجعلوا لهن ناظورا ينظر قدر مسافة يوم حين يصبحون على جبل مشرف وجه الطريق الذي يرون أنهم يؤتون منه، فيقول: اسرحوا لا بأس عليكم فإذا كان العشاء أشرف على ذلك الجبل، فينظر مسيرة ليلة فيقول: ناموا لا بأس عليكم، فلما كان الصحابة على نحو ليلة أخطأ دليلهم الطريق، فسار في أخرى حتى أمسوا وهم على خطأ، فعاينوا الحاضر من بني فزارة فحمدوا خطأهم، "ثم صبحهم زيد وأصحابه، وكبروا وأحاطوا

ص: 138

بالحاضر، وأخذوا أم قرفة -وكانت ملكة رئيسة- وأخذوا ابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر.

وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة -وهي عجوز كبير- فقتلهما قتلا عنيفا، وربط بين رجليها حبل، ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما، فذهبا فقطعاها.

بالحاضر" أي: بمن حضر ثمة من فزارة.

قال ابن إسحاق: فقتلهم وأصاب فيهم "وأخذوا أم قرفة، وكانت ملك رئيسة"، وعند ابن إسحاق وكانت في بيت شرف من قومها كانت العرب تقول: لو كنت أعز من أم قرفة ما زدت، "وأخذوا ابنتها جارية" ظاهره أنه اسمها، وتبعه الشامي ولعلهما اطلعا على أنه اسمها فلا ينافي قول البرهان هذه البنت لا أعرف اسمها، "بنت مالك بن حذيفة بن بدر وعمد" كقصد "قيس بن المحسر" الكناني الليثي الصحابي.

قال اليعمري: بفتح السين المهملة، وقد تكسر، وقيل: بتقديم السين على الحاء، زاد في الإصابة، وقيل: ابن مسحل بكسر الميم وسكون السين وفتح الحاء المهملة بعدها لام، وكون قيس ابنه جزم به الأخباريون وصدر الإصابة بأنه قيس بن مالك بن المحسر، وقيل: بإسقاط مالك. ا. هـ.

وفي القاموس: وبطن محسر قرب المزدلفة، وكذا قيس بن المحسر الصحابي "إلى أم قرفة وهي عجوز كبيرة" زاد ابن إسحاق في رواية يونس، فأسرها وبنتها وقتل مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، فأمره زيد بن حارثة، "فقتلهما قتلا عنيفا".

وفي رواية البكائي وأسرت أم قرفة، وبنتها وعبد الله بن مسعدة بالبناء للمجهول وهو الصواب؛ لأن الذي أسرهما سلمة بن الأكوع كما صرح به بعد، وما ذكر من قتل قيس لمسعدة يومئذ قول غير المتقدم: إن قائله أبو قتادة في غزوة الغابة، "وربط بين رجليها حبلا ثم ربطها بين بعيرين، ثم زجرهما فذهبا فقطعاها" صريحه أنه ربط رجليها بحبل ثم ربط فيه آخر، وجعله في البعيرين والذي في ابن إسحاق كما في العيون ربط رجليها بحبلين ثم ربطا إلى بعيرين حتى شقاها، وذكر الدولابي أن زيدا إنما قتلها كذلك لسبها رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: ولأنها جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها، وقالت: اغزوا المدينة واقتلوا محمدا، لن قال بعضهم: أنه خبر منكر هذا، وقد التبس سبب السرية الذي هو السير للتجارة بالسرية نفسها على من زعم أن قول اليعمري كشيخه الدمياطي كذا ثبت عند ابن سعد لزيد سريتان بوادي القرى إحداهما في رجب، والآخرى في رمضان مشكل لاقتضائه أنه أرسل غازيا في المرتين لبني فزارة مع أنه إنما كان في

ص: 139

وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك، فقرع باب النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه عريانا يجر ثوبه، حتى اعتنقه وقبله، وسأله فأخبره بما أظفره الله تعالى به.

الأولى تاجرا اجتاز بهم كما دل عليه كلام ابن سعد، ففيه إطلاق السرية على الطائفة الخارجة للتجارة، ولا يختص ذلك بالخارجة للتجارة، ولا يختص ذلك بالخارجة للقتال، أو تحسس الأخبار وهو وهم فكلام ابن سعد كما علمت إنما هو في سبب غزو زيد لهم في رمضان مع أن الثلاثة مع كونهم حفاظا متقنين لم ينفردوا بأنهما سريتان لزيد بل سبقهم إلى ذلك الواقدي، وابن عائذ وابن إسحاق، وإن خالفهم في سببها ولم يذكر تاريخا، وقول الشارح لم يذكر ابن سيد الناس في رمضان إلا مجرد قدومه بالتجارة، وذكر قتل أم قرفة في رجب فيه أنه لم يذكر قدومه بالتجارة إنما نقل عن ابن سعد خروجه بالتجارة إلى قوله، فأخذوا ما كان معهم ثم قال عقبه.

وذكر ابن سعد نحو ما سبق عن ابن إسحاق في خبر أم قرفة، وقال في آخره فنقل عنه ما ذكره المصنف بقوله:"وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي صلى الله عليه وسلم، فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وسأله، فأخبره بما ظفره الله تعالى به".

"وعند ابن إسحاق وغيره: وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن مسعدة وبابنة أم قرفة، وكان سلمة بن الأكوع هو الذي أصابها، فسألها صلى الله عليه وسلم فوهبها له فوهبها لخاله، حزن ابن أبي وهب فولدت له عبد الرحمن بن حزن، هكذا ذكر ابن إسحاق وابن سعد والواقدي، وابن عائذ وغيرهم هذه السرية، وأن أميرها زي بن حارثة، وفي صحي مسلم وأبي داود عن سلمة بن الأكوع بعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى فزارة، وخرجت معه حتى إذا صلينا الصبح أمرنا، فشننا الغارة فوردنا الماء فقتل أبو بكر، أي: جيشه من قتل ورأيت طائفة مهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا وفيهم امرأة وهي أم قرفة عليها قشع من أدم معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها فلم أكشف لها ثوبا، فقدمن المدينة فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك"، فقلت: هي لك يا رسول الله، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين.

وفي لفظ: فدى بها أسيرا كان في قريش.

قال الإمام السهيلي في الروض: وهذه الرواية أحسن وأصح من رواية ابن إسحاق أن وهبها لخاله حزن بمكة انتهى، ويقال مثله في كون أميرها الصديق.

قال الشامي: ويحتمل أنهما سريتان اتفق لسلمة فيهما ذلك، ويؤيد ذلك أن في سرية زيد أنه صلى الله عليه وسلم وهب المرأة لخاله فولدت له، وفي سرية أبي بكر أنه بعث بها إلى مكة، ففدى به أسرى

ولم أر من تعرض لتحرير ذلك انتهى، واستبعد باقتضائه تعدد أم قرفة وأن كلا لها بنت جميلة، وأن سلمة أسرهما وأن المصطفى أخذهما منه إلا أن يقال: لا تعدد لأم قرفة، وتسميتها في سرية أبي بكر وهم من بعض الرواة؛ لأن ابن سعد لم يسمها، وفيه توهيم رواية الصحيح بلا حجة، فإن تسميتها فيه من زيادة الثقة، فما في الصحيح أصح كما قال السهيلي، وتبعه البرهان.

ص: 140

"‌

‌قتل أبي رافع

":

ثم سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي رافع، عبد الله -ويقال سلام- بن أبي الحقيق اليهودي، وهو الذي حزب الأحزاب يوم الخندق.

وكانت هذه السرية في شهر رمضان سنة ست، كما ذكره ابن سعد ههنا وذكر في ترجمة عبد الله بن عتيك: أنه بعثه في ذي الحجة إلى أبي

قتل أبي رافع:

"ثم سرية عبد الله بن عتيك" بفتح العين المهملة وكسر الفوقية، وسكو التحتية وبالكاف، ابن قيس بن الأسود الخزرجي من بني سلمة، قال أبو عمر: شهد أحدًا وما بعدها بلا خلاف وأظنه شهد بدرًا، وزعم ابن أبي داود أنه استشهد باليمامة، وأما ابن الكلبي: فقال: شهد صفين.

وقال البغوي: بلغني أنه استشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر سنة اثنتي عشرة "لقتل أبي رافع عبد الله، ويقال: سلام" بشد اللام كما جزم به في الفتح، وتبعه المصنف "ابن أبي الحقيق" بضم المهملة، وقافين بينهما تحتية مصغر، "اليهودي".

حكى البخاري القولين في اسمه ممرضا الثاني كما حكى المصنف سواء، وجزم ابن إسحاق بأن اسمه سلام وتبعه اليعمري، وأفاد في الفتح أنه اسمه الأصلي، حيث قال: الذي سماه عبد الله هو عبد الله بن أنيس كما أخرجه الحاكم في الإكليل من حديثه مطولا "وهو الذي حزب" بفتحات والزاي مشددة "الأحزاب" الطوائف على محاربة المصطفى "يوم الخندق".

وفي ابن إسحاق كما فيمن حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أولى لما قدمته ثمة عن ابن إسحاق أنه خرج وهو وحيي، وكنانة وهوذة وأبو عمار، لكن المصنف حصر التخريب فيه؛ لأنه أعان المشركين بالمال الكثير كما يأتي، فكان غيره لم يحزب "وكانت هذه السرية في شهر رمضان سنة ست كما ذكره ابن سعد ههنا" وضعا وتصريحا.

"وذكر في ترجمة عبد الله بن عتيك" أمير السرية "أنه بعثه في ذي الحجة إلى أبي

ص: 141

رافع سنة خمس بعد وقعة بني قريظة، وقيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث.

وفي البخاري: قال الزهري: بعد قتل كعب بن الأشرف.

وأرسل معه أربعة: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأبا قتادة

رافع سنة خمس بعد وقعة بني قريظة"، ومشى عليه ابن إسحاق فذكرها بعد قريظة، "وقيل: في جمادى الآخرة سنة ثلاث" لعله اطلع عليه وإلا فالذي في الفتح، وتبعه في السبل، وقيل: في رجب سنة ثلاث، وقيل: في ذي الحجة سنة أربع.

"وفي البخاري قال الزهري:" مما وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه عن حجاج بن أبي منيع، عن جده، عن الزهري هو، أي قتله، "بعد قتل كعب بن الأشرف" الواقع ليلة أربعة عشر من ربيع الأول سنة ثلاث، وهذا قد يقرب حكاية المصنف القول أنه في جمادى الآخرة سنة ثلاث.

قال الحافظ: وبين ابن إسحاق أن الزهري أخذ ذلك عن ابن كعب، فقال: لما قتلت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته للنبي بعد إذنه صلى الله عليه وسلم، وتحريضه عليه استأذنته الخزرج في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم.

حدثني محمد بن مسلم بن شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان مما صنع الله لرسوله أن الأوس، والخزرج كانتا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئا فيه عنه صلى الله عليه وسلم غناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله، وفي الإسلام، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك، ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته، لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا أبدا، فتذاكروا من رجل لرسول الله في العداوة كابن الأشرف، فذكروا سلام بن أبي الحقيق، فاستأذنوه صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم، فخرج إليهم من الخزرج من بني سلمة خمسة. ا. هـ.

ويتصاولان بتحتية ففوقية فصاد مهملة مفتوحات يقال: تصاول الفحلان، إذا حمل كل منهما على الآخر، والمراد أن كلا من الأوس والخزرج كان يدفع عن المصطفى ويتفاخر بذلك.

"وأرسل معه أربعة" فصارت الجملة خمسة "عبد الله بن عتيك" بدل من الجملة المقدرة التي دل عليها السياق، لا من أربعة؛ لأنه لا يصح بعثه مع نفسه، ولا أنه غيره شاركه في الاسم؛ لأنه خلاف المنقول، ويلزم أنهم خمسة معه لا أربعة، "وعبد الله بن أنيس" بضم أوله وفتح النون وسكون التحتية، الجهني، حليف الأنصار، وفرق المنذري تبعا لابن المديني بينه وبين عبد الله الأنصاري، وجزم بأن الأنصاري، هو الذي كان في قتل أبي رافع، وجزم غير واحد بأنهما واحد، وهو جهني حالف الأنصار، قاله في الفتح، "وأبا قتادة" الحارث أو النعمان، أو عمرو بن ربعي

ص: 142

والأسود بن خزاعي، ومسعود بن سنان، وأمرهم بقتله.

فذهبوا إلى خيبر،

بكسر الراء وسكون الموحدة فهملة السلمي شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا، ومات على الأصح سنة أربع وخمسين، "والأسود بن خزاعي" بضم المعجمة وبالزاي، فألف فمهملة مكسورة فتحتية مشددة اسم علم بلفظ النسب مثل مكي.

قال في الإصابة: كذا سماه ابن عقبة عن ابن شهاب، وسماه ابن إسحاق خزاعي بن الأسود، فقال: حليف لهم من أسلم، وكذا معمر عن الزهري، واعتمد هذا في الفتح وقلبه بعضهم فقال: أسود بن خزاعي.

وفي الإكليل للحاكم ومغازي ابن عقبة أسود بن حرام، فإن كان غيره وإلا فهو تصحيف ثم وجدته في دلائل البيهقي عن ابن عقبة أسود بن خزاعي، أو أسود بن حرام بالشك، "ومسعود بن سنان" بكسر المهملة وبالنون الأنصاري، ونسبه بعضهم أسلميا، فكان أسلمي حالف بني سلمة.

قال أبو عمر: شهد أحدا، واستشهد يوم اليمامة كما في الإصابة، وقد سمي البراء بن عازب في رواية يوسف بن إسحاق عن جده عنه الأمير عبد الله بن عتيك، وقال في ناس معهم، قال الفتح: لم يذكر عبد الله بن عتبة إلا في هذا الطريق، وزعم ابن الأثير في جامع الأصول أنه ابن عنبة بكسر العين وفتح النون وهو غلط منه، فإنه خولاني لا أنصاري ومتأخر الإسلام، وهذه القصة متقدمة، والرواية بضم العين وسكون المثناة لا بالنون. ا. هـ.

وجزم الجلال البلقيني في مبهماته بأنه عبد الله بن عتبة أبو قيس الذكواني، وهو خلاف ما في الإصابة، فإنه ترجم للذكواني ثم ترجم بعده عبد الله بن عتبة الأنصاري أحد من توجه لقتل ابن أبي الحقيق، وقع ذلك في حديث البراء عند البخاري، ولم يزد على هذا فجعله غيره، وزعم الدمياطي أن صوابه عبد الله بن أنيس عجيب، ولذا لما وقع مثله لمغلطاي معللا بأنه ذكواني لا أنصاري رده بأن الصحيح ما في الصحيح لصحة سنده، وكونه ذكوانيا لا يخالف من قال: إنه من

الأنصار، لاحتمال أنه حليفهم، وفي الحديث: وحليفنا منا، وابن أنيس كان معهم وليس أنصاريا قطعا بل جهني حالفهم. ا. هـ.

"وأمرهم بقتله" زاد ابن إسحاق: ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، "فذهبوا إلى خيبر".

قال البخاري: كان، أي أبو رافع، بخيبر، ويقال: في حصن له بأرض الحجاز.

قال الحافظ: هو قول وقع في سياق الحديث الموصول في الباب، ويحتمل أن حصنه كان قريبا من خيبر في طرف أرض الحجاز، ووقع عند موسى بن عقبة فطرقوا باب أبي رافع

ص: 143

فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاؤوا إلى منزله فصعدوا درجة له، وقدموا عبد الله بن عتيك؛ لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية، ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا عليه فما عرفوه إلا ببياضه، فعلوه بأسيافهم.

بخيبر، فقتلوه في بيته. ا. هـ.

وقال غيره: لا منافاة؛ لأن خيبر من الحجاز، أي من قراه وهو واضح في نفسه، لكن المطلوب تعيين المحل الذي كان فيه "فكمنوا، فلما هدأت" بفتح الهمزة، أي: سكنت، "الرجل" عن الحركة.

وفي البخاري: هدأت الأصوات.

وقال السفاقسي: هدت بغير همز ولا ألف، ووجهه الدماميني بأنه خفف الهمزة المفتوحة بإبدالها ألفا مثل منساة، فالتقت هي والتاء الساكنة فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وهذا وإن كان على غير قياس لكنه يستأنس به دفعا للخطأ.

قال المصنف: وصوب السفاقسي الهمز، ولم أر تركه في أصل من الأصول التي رأيتها "جاؤوا إلى منزله فصعدوا درجة له".

وعند ابن إسحاق: أتوا داره وكان في عليه له إليها عجلة، أي: شبه الدرجة من جزع منقور ليصعد فيه، فاستندوا إليها حتى قاموا على بابه، "وقدموا عبد الله بن عتيك" الأمير؛ "لأنه كان يرطن" بضم الطاء، أي: يتكلم، "باليهودية" فيظنوه منهم فلا يفزعوا "فاستفتح، وقال:" لما قالت له امرأة أبي رافع: من أنت؟ "جئت أبا رافع بهدية ففتحت له امرأته" هكذا عند ابن سعد.

وفي رواية ابن إسحاق: فاستأذنوا فخرجت امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: أناس من العرب نلتمس الميرة، قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه، قال: فلما دخلنا أغقلنا عليها وعليه الحجرة تخوفا أن تكون دونه محاولة تحول بيننا وبينه، "فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف، فسكتت" هكذا عند ابن سعد أيضا.

وفي ابن إسحاق: فصاحت امرأته فنوهت بنا فيمكن أنهم لما دخلوا صاحت صياحا لم يسمع، ثم أرادت رفع صوتها ومداومة الصياح ليسمع الجيران، فرفعوا عليها السلاح، فسكتت، "فدخلوا عليه، فما عرفوه إلا ببياضه فعلوه بأسيافهم".

وعند ابن إسحاق: وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة بضم القاف وسكون الموحدة، وكسر الطاء المهملة، ثوب من كتان

ص: 144

وفي البخاري: وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان في حصن له، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب،

رقيق يعمل بمصر. قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكره نهيه صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك لفرغنا منها بليل.

"وفي البخاري" في المغازي من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك، "وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه".

ذكر ابن عائذ من طريق أبي الأسود، عن عروة أنه كان ممن أعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله صلى الله عليه وسلم، "وكان في حصن" مكان لا يقدر عليه لارتفاعه "له" بأرض الحجاز كما في الرواية، ومر ما فيه "فلما دنوا" بفتح الدال والنون، قربوا "منه، وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم" بفتح السين وسكون الراء وحاء مهملات، أي: رجعوا بمواشيهم التي ترعى وتسرح وهي السائمة من إبل وبقر وغنم. "قال" ولغير أبي ذر فقال "عبد الله" بن عتيك "لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق" إلى حصن أبي رافع "ومتلطف للبواب" أي: متخشع، أي مظهر له صورة الخاشع "لعلي أن أدخل" إلى الحصن "فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع" تغطى "بثوبه" ليخفي شخصه كي لا يعرف "كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس" ذكر البخاري أيضا في رواية يوسف عن أبي إسحاق عن البراء سبب تأخير غلق الباب فقال، قال: أي ابن عتيك، فتلطفت أن أدخل الحصن ففقدوا حمارا لهم، فخرجوا بقبس يطلبونه فخشيت أن أعرف فغطيت رأسي وجلست كأني أقضي حاجة "فهتف به البواب" قال الحافظ: أي ناداه، ولم أقف على اسمه "يا عبد الله".

قال الحافظ: لم يرد اسمه العلم لأنه لو كان كذلك لعرفه، والواقع أنه كان مستخفيا منه فالذي يظهر أنه أراد معناه الحقيقي، لأن الجميع عبيد الله "إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب".

وفي رواية يوسف بن عمر ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، ومقتضاهما أن عادته أن لا يمنع الداخلين، ومقتضى قوله متلطف وتلطفت أن عادته منعهم، فيمكن أنها عادته إذا ارتاب في الداخل وابن عتيك لما تقنع وجلس على تلك الهيئة ظن أنه من

ص: 145

فدخلت، فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على وتد، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب.

وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجلعت كلما

أهل الحصن وأنه من جملة من خرج لطلب الحمار الذي فقدوه "فدخلت فكمنت" بفتح الكاف والميم، أي: اختبأت هكذا في رواية إسرائيل عن جده عن البراء عند البخاري بإبهام موضع كونه. وفي رواية يوسف عن جده عن البراء عنده أيضا، فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، "فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق" بعين مهملة ولام مشددة "الأغاليق" بفتح الهمزة والغين المعجمة، جمع غلق بفتح أوله ما يغلق به، والمراد هنا المفاتيح لأنها يفتح بها ويغلق كذا في رواية أبي ذر، ولغيره بالعين المهملة وهو المفتاح بلا أسنان قاله في الفتح واللغة لم تنحصر في المصباح والقاموس والمختار فلا يتوقف في ألفاظ المروية في أصح الصحيح بأنهم لم يذكروا الأغاليق بالمعجمة ولا ذكر المصباح في معنى المهملة المفتاح "على وتد" بفتح الواو وكسر الفوقية، ولأبي ذر على ود بفتح الواو وشد الدال، أي: وتد.

وفي رواية يوسف وضع مفتاح الحصن في كوة بالفتح وقد تضم، وقيل: بالضم النافذة، وبالفتح غيرها فكأنه وضعها على وتد داخل الكوة.

"قال" ابن عتيك: "فقمت إلى الأقاليد" بالقاف جمع إقليد، أي: المفاتيح "فأخذتها ففتحت الباب".

وفي رواية يوسف: ففتحت باب الحصن.

"وكان أبو رافع يسمر" بضم أوله وسكون ثانية مبني للمفعول، أي: يتحدث "عنده" ليلا.

وفي رواية يوسف: فتعشوا عند أبي رافع، وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل.

"وكان في علالي" بفتح العين المهملة، وتخفيف اللام فألف فلام مكسورة فتحتية مشددة، جمع علية بالضم وكسر اللام مشددة، أي: غرفة "له".

وفي رواية ابن إسحاق: وكان في علية له إليها عجلة.

قال الحافظ: والعجلة بفتح المهملة والجيم، السلم من الخشب، وقيده ابن قتيبة بخشب النخل، "فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه" أفاد هذا أن محالهم داخل الحصن الذي أغلقه البواب، وبه صرح في رواية يوسف فقال: ثم رجعوا إلى بيوتهم داخل الحصن، "فجعلت

ص: 146

فتحت بابا أغلقت علي من داخل، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف، وأنا دهش، فما أغنيت شيئا، وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف. قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ضبيب السيف

كلما فتحت بابا أغلق علي من داخل" قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إليّ حتى أقتله، هذا أسقطه المصنف من البخاري في هذه الرواية.

وفي رواية يوسف: فلما هدأت الأصوات ولا أسمع خرجت ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته، ففتحت به باب الحصن فقلت: إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم "فانتيهت إليه فإذا هو في بيت مظلم". زاد يوسف: قد طفئ سراجه، "وسط" أي: بين، "عياله" لا أنه وسطهم حقيقة فلا ينافي قوله "لا أدري أين هو من البيت" أي: خصوص المكان الذي هو فيه، "قلت" ولغير أبي ذر فقلت:"أبا رافع! " لأعرف موضعه، ولغير أبي ذر: يا أبا رافع، "قال: من هذا؟ فأهويت".

قال الحافظ وغيره، أي: قصدت. "نحو" صاحب "الصوت".

وفي رواية يوسف: فعمدت نحو الصوت. "فأضربه ضربة بالسيف" بلفظ المضارع مبالغة، والأصل ضربته لاستحضار صورة الحال. "وأنا" أي: الحال أني "دهش" بفتح الدال المهملة وكسر الهاء فمعجمة، صفة مشبهة، أي: حيران. ولأبي ذر: داهش، بألف بعد الدال، "فما أغنيت شيئا" أي: فلم أقتله، "وصاح" أبو رافع "فخرجت من البيت فأمكث" بهمزة قبل الميم آخره مثلثة "غير بعيد ثم دخلت عليه" كأني أغيثه وغيرت صوتي "فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع" في حديث عبد الله بن أنيس عند الحاكم فقالت امرأته: يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عتيك، قال: ثكلتك أمك وأين عبد الله بن عتيك؟ "قال: لأمك" خبر مبتدؤه "الويل".

قال المصنف: وهو دعاء عليه.

وقال شيخنا: أتى بالويل للتعجب.

"إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه أثخنته" بفتح الهمزة وسكون المثلثة وفتح الخاء المعجمة والنون بعدها فوقية، أي: الضربة. وفي نسخة بسكون النون، أي: بالغت في جراحته "ولم أقتله ثم" بعد أن بعدت عنه، جئت "ووضعت ضبيب السيف".

ص: 147

في بطنه، حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قد قتلته.

وفي رواية له: ثم جئت كأني أغيثه فقلت: ما لك يا أبا رافع؟ وغيرت الصوت فقال: لأمك الويل، دخل علي رجل فضربني، فعمدت إليه أخرى فأضربه، فلم تغن شيئا، فصاح وقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي، كهيئة المغيث

قال الحافظ: بضاد معجمة مفتوحة وموحدتين وزن رغيف.

قال الخطابي: هكذا يروى وما أراه محفوظا، وإنما هو ظبة السيف وهو حده، ويجمع على ظبات قال: وضبيب لا معنى له هنا لأنه سيلان الدم من الفم.

وقال عياض: هو في رواية أبي ذر بالصاد المهملة، وكذا ذكره الحربي، وقال: أظنه طرفه.

وفي رواية غير أبي ذر بالمعجمة وهو حد السيف انتهى.

وقول الخطابي لا معنى له مردود.

ففي القاموس: ضبيب السيف بالمعجمة حده، وسبقه عياض لمثله كما ترى.

"في بطنه" وصدر المصنف بظبة، وقال: بضم الظاء، المشالة المعجمة وفتح الموحدة المخففة فهاء تأنيث كما في الفروع وأصله.

قال في المحكم: الظبة حد سيف وسنان ونصل وخنجر وما أشبه ذلك، والجمع ظبات وظُبون وظِبون، أي: بالضم والكسر، وظبي، أي: كمدي، "حتى أخذ،" أي: دخل، "في ظهره فعرفت أن قد قتلته" وهذا صريح في أن فاعل ذلك كله ابن عتيك، وهو الصواب كما يأتي.

"وفي رواية له" للبخاري أيضا من طريق يوسف عن أبي إسحاق عن البراء، فذكر الحديث بنحو السابق وقد بينا زياداته إلى أن قال: ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل، فقلت: يا أبا رافع! قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئا.

قال "ثم جئت كأني أغيثه" بهمزة مضمومة فغين معجمة مكسورة ومثلثة، من الإغاثة "فقلت: ما لك" بفتح اللام، أي: ما شأنك "أبا رافع؟ وغيرت الصوت فقال: لأمك الويل دخل علي رجل فضربني" بالسيف "فعمدت" بفتحتين، قصدت "إليه أخرى فأضربه فلم تغن" تنفع الضربة "شيئا فصاح وقام أهله".

وفي رواية ابن إسحاق: فصاحت امرأته فنوهت بنا فجعلنا نرفع السيف عليها ثم نذكر نهييه صلى الله عليه وسلم فنكف عنها، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل، "ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث،

ص: 148

فإذا هو مستلق على ظهره، فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفئ عليه، فسمعت صوت العظم.

فجعلت أفتح الأبواب حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، فلما صاح الديك قام الناعي على السور

وإذا" بالواو، وفي رواية بالفاء، "هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفئ" بفتح الهمزة وسكون النون، أي: أنقلب، "عليه حتى سمعت صوت العظم" وصريح هذه الرواية أنه لما ضربه الثانية بعد عنه ثم رجع فوضع فيه السيف، وظاهر التي قبلها أنه لما رأى ضربته الأولى لم تفد وضع السيف فيه، فيحتمل تلك على هذه جمعا بينهما، لأن الروايات يفسر بعضها بعضا، ثم عاد المؤلف لتتميم الرواية الأولى دون بيان فقال عقب قوله فيها: فعرفت أني قتلته.

"فجعلت أفتح الأبواب" بابا بابا هكذا في الرواية، "حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي" قال المصنف بالإفراد، "وأنا أرى" بضم الهمزة، أظن "أني قد انتهيت إلى الأرض" لأنه كان سيئ أي: ضعيف البصر، كما عند ابن إسحاق:"فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها" بخفة الصاد "بعمامة".

وفي رواية يوسف عقب قوله: صوت العظم ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها.

قال الحافظ: ويجمع بينهما بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت الساق.

وقال الداودي: هذا اختلاف، وقد يتجوز في التعبير بأحدهما عن الآخر، لأن الخلع هو زوال المفصل من غير بينونة، أي بخلاف الكسر.

قال الحافظ: والجمع بينهما بالحمل على وقوعهما معا أولى، ووقع في رواية ابن إسحاق: فوثبت يده وهو وهم، والصواب رجله، وإن كان محفوظا، فوقع جميع ذلك.

وذكر ابن إسحاق، أنهم كمنوا في نهر، وأن اليهود أوقدوا النيران، وذهبوا في كل وجه، يطلبون حتى إذا يئسوا رجعوا إليه، وهو يقضي انتهى، وأسقط المصنف من هذه الرواية عقب بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته، "فلما صاح الديك قام الناعي" وفي رواية يوسف: فلما كان في وجه الصبح، صعد الناعية "على السور،" فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، كما في رواية إسرائيل هذه، وكذا في رواية أخيه يوسف.

قال الحافظ: كذا ثبت أنعي بفتح الين في الروايات.

ص: 149

فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع.

فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال: "ابسط رجلك". فمسحها، فكأنما لم أشتكها قط

قال ابن التين: هي لغة، والمعروف أنعو، والنعي خبر الموت، وذكر الأصمعي أن العرب كانوا إذا مات فيهم الكبير، ركب راكب فرسا، وسار فقال: أنعي فلانا انتهى.

وعند ابن إسحاق قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات، فقال: رجل منا قال الواقدي: هو الأسود بن خزاعي، أنا أذهب فأنظر حتى دخل في الناس، فوجدتها، أي امرأته، ورجال يهود حوله، وفي يده المصباح، تنظر في وجهه، وتحدثهم، وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم كذبت نفسي، وقلت: أتى ابن عتيك بهذه البلاد، ثم نظرت في وجهه، وقالت فاظ وإله يهود، فما سمعت من كلمة، كانت ألذ في نفسي منها، ثم جاءنا فأخبرنا الخبر، وفاظ بفاء، فألف فمعجمة مشالة: مات.

"فانطلقت إلى أصحابي، فقلت النجاء" قال الحافظ: بالنصب، أي أسرعوا، وقال المصنف: مهموز ممدود منصوب مفعول مطلق، والمد أشهر، إذا أفرد، فإن كرر قصر، أي: أسرعوا، "فقد قتل الله أبا رافع".

وفي رواية يوسف عقب قوله: فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا، فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان وجه الصبح، صعد الناعية، فقال: أنعي أبا رافع، فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته، وهذ ظاهره التعرض مع قوله "فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته" بما وقع، فقال:"ابسط رجلك"، أسقط المصنف قوله: فبسطت رجلي، "فمسحها" بيده المباركة، "فكأنما" بما زائدة في رواية أبي الوقت، وأبي ذر ولغيرهما، فكأنها بالهاء، أي فكأن رجلي "لم أشتكها قط"، أي: لم أشتك منها، فحذف الجار، فهذا مخالف لقوله: ما بي قلبة بفتح القاف واللام والموحدة، أي علة أنقلب بها.

قال الحافظ: فيحمل على أنه، لما سقط من الدرجة، وقع له جميع ما تقدم، لكنه من شدة ما كان فيه من الاهتمام بالأمر، ما أحس بالألم، وأعين على المشي أولا، وعليه يدل قوله: ما بي قلبة، ثم لما تمادى عليه المشي، أحس بالألم، فحمله أصحابه، كما وقع في رواية ابن إسحاق، ثم لما أتاه صلى الله عليه وسلم فزال عنه جميع الألم ببركته.

وفي حديث عبد الله بن أنيس عند الحاكم: وتوجهنا من خيبر، فكنا نكمن النهار، ونسير الليل، وإذا كمنا، أقعدنا منا واحدًا يحرسنا، فإذا رأى ما يخافه، أشار إلينا، فلما قربنا من المدينة

ص: 150

هذا لفظ رواية البخاري.

وفي رواية محمد بن سعد: أن الذي قتله عبد الله بن أنيس: والصواب: أن الذي دخل عليه وقتله عبد الله بن عتيك وحده، كما في البخاري.

كانت نوبتي، فأشرت إليهم فخرجوا سراعا، ثم لحقتهم، فدخلنا المدينة، فقالوا: ماذا رأيت؟ قلت: ما رأيت شيئا ولكن خشيت أن تكونوا عييتم أن يحملكم الفزع.

وروى ابن منده عند عتيك، قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل ابن أبي الحقيق، وهو على المنبر فلما رآنا قال:"أفلحت الوجوه".

وفي هذا الحديث من الفوائد جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة، وأصر، وقتل من أعان عليه صلى الله عليه وسلم، بيده أو ماله، أو لسانه، وجواز التجسس على أهل الحرب، وتطلب غرتهم والأخذ بالشدة في محاربتهم، وإيهام القول للمصلحة، وتعرض القليل من المسلمين لكثير من المشركين، والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته.

"هذا لفظ" مقصوده من "رواية البخاري" وإلا فقد علمت أنه أسقط منه ألفاظا، "و" وقع "في رواية محمد بن سعد"، الحافظ المشهور، "أن الذي قتل عبد الله بن أنيس" وكذا وقع في رواية ابن إسحاق عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، مرسلا فلما ضربناه بأسيافنا، تحامل عليه عبد الله بن أنيس في بطنه، حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني أي حسبي حسبي الحديث، وفي فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه فقال صلى الله عليه وسلم:"هاتوا أسيافكم". فجئناه به، فنظر إليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس:"هذا قتله أرى فيه أثر الطعام"، ومعلوم أن المرسل لا يعادل الصحيح المسند.

"و" لذا كان "الصواب أن الذي دخل عليه وقتله عبد الله بن عتيك وحده، كما في البخاري".

وعند ابن إسحاق، فقال حسن يذكر قتله، وقتل كعب بن الأشرف:

لله در عصابة لاقيتهم

يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف

يسرون بالبيض الخفاف إليكم

مرحا كأسد في عرين معرف

حتى أتوكم في محل بلادكم

فسقوكم حتفا ببيض ذفف

مستنصرين لنصر دين نبيهم

مستصغرين لكل أمر مجحف

ص: 151

"‌

‌سرية ابن رواحة

":

ثم سرية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى أُسَيْر بن رزام اليهودي بخيبر في شوال سنة ست.

وكان سببها أنه لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق، أمرت يهود عليها أسيرا، فسار في غطفان وغيرهم

سرية ابن رواحة:

"ثم سرية عبد الله بن رواحة" بن ثعلبة بن امرئ القيس، الأنصاري، الخزرجي، الشاعر، أحد السابقين، البدري، استشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان.

روى له النسائي، وابن ماجه، وأبو داود في الناسخ. "رضي الله عنه إلى أسير" بضم الهمزة، وفتح السين المهملة، وسكون التحتية وبالراء، كذا يقول ابن سعد وغيره، كابن إسحاق يقول: يسير بضم التحتية، وفتح السين المهملة "ابن رزام" براء مكسورة، فزاي مخففة، فألف فميم، "اليهودي بخيبر في شوال سنة ست"، كما قاله ابن سعد، وجزم به اليعمري، فاقتفاه المصنف، فهو صريح في أنه قبل فتح خيبر، لأنه إما في آخر سنة ست، أو في المحرم سنة سبع، كما يأتي.

وذكر البيهقي، وتبعه في زاد المعاد هذه السرية بعد خيبر.

قال البرهان: وهو الذي يظهر، فإنهم قالوا له، إنه صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك ليستعملك على خيبر، وهذا لا يناسب أنها كانت قبل فتحها.

وقال الشامي: كونها قبل خيبر أظهر لما في القصة، أنه سار في غطفان وغيرهم لحربه صلى الله عليه وسلم بموافقة يهود، وذلك قبل فتح خيبر قطعا إذ لم يصدر من يهود بعد فتحها شيء من ذلك، وقول الصحابة: بعثنا إليك ليستعملك، لا ينافي ذلك لأن مرادهم باستعماله المصالحة، وترك القتال والاتفاق على أمر يحصل به ذلك، "وكان سببها أنه لما قتل" بالبناء للمفعول، ونائبه "أبو رافع سلام بن أبي الحقيق"، بدل من أبو رافع، كما هو ظاهر "أمرت" بفتح أوله، والميم المشددة، والراء وسكون التاء "يهود عليها أسيرا" أي: جعلته أميرا عليها فقام فيهم، فقال: والله ما سار محمد إلى أحد من يهود، ولا بعث أحدًا من أصحابه إلا أصاب منهم ما أراد، ولكني أصنع ما لم يصنع أصحابي، فقالوا: وما عسيت أن تصنع؟ قال: أسير في غطفان فأجمعهم ونسير إلى محمد في عقر داره بفتح العين، وضمها وسكون القاف، أي: أصلها فإنه لم يغز أحد في عقر داره إلا أدرك منه عدوه بعض ما يريد، قالوا: نعم ما رأيت، "فسار في غطفان وغيرهم

ص: 152

يجمعهم لحربه صلى الله عليه وسلم.

وبلغه ذلك فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر، في شهر رمضان سرا، فسأل عن خبره وغرته، فأخبر بذلك، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره.

فندب عليه الصلاة والسلام الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا عليه فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك لتخرج إليه، يستعملك على خيبر ويحسن إليك، فطمع في ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع رجل رديف من المسلمين، حتى إذا كانوا بقرقرة ضربه عبد الله بن أنيس وكان في السرية

يجمعهم لحربه صلى الله عليه وسلم وبلغه" صلى الله عليه وسلم "ذلك، فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر، في شهر رمضان سرا" ليستكشف له الخبر، "فسأل عن خبره وغرته" بكسر الغين المعجمة، وشد الراء مفتوحة، الغفلة، "فأخبر بذلك"، وذلك أنه أتى ناحية خيبر، فدخل في الحوائط، وفرق الثلاثة في ثلاثة من حصونها، فوعوا ما سمعوا من أسير وغيره، ثم خرجوا بعد ثلاثة أيام، "فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم" لليال بقين من رمضان، "فأخبره" بكل ما رآه، وسمع وقدم عليه أيضا خارجه بن حسيل بمهملتين مصغر، فاستخبره صلى الله عليه وسلم ما وراءه، فقال: تركت أسير بن رزام يسير إليك في كتائب يهود.

قال الشامي: ولم أر خارجة في كتب الصحابة، "فندب عليه الصلاة والسلام الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا فبعث عليهم عبد الله بن رواحة، فقدموا عليه".

زاد ابن سعد: فقالوا: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له؟ قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك، فقالوا: نعم، "فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك، لتخرج إليه، يستعملك على خيبر، ويحسن إليك، فطمع في ذلك،" فشاور يهود، فخالفوه في الخروج، وقالوا: ما كان محمد يستعمل رجلا ن بني إسرائيل، قال: بلى قد مللنا الحرب، "وخرج" وعند ابن إسحاق: فلما قدموا عليه كلموه، وقربوا له، وقالوا: إنك إن قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعملك وأكرمك، فلم يزالوا به حتى خرج معهم، "وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين" ظاهره أن المسلمين خرجوا مشاة، حتى أردفتهم اليهود.

وعند ابن إسحاق فحمله، أي أسيرا عبد الله بن أنيس على بعيره، "حتى إذا كانوا بقرقرة" بفتح القافين، بعد كل راء، الأولى، ساكنة والثانية مفتوحة فهاء تأنيث. قال ابن إسحاق على ستة أميال من خيبر، "ضربه عبد الله بن أنيس" حين فطن لغدره، "وكان في السرية" مردفا أسيرا، ولفظ ابن إسحاق: حتى إذا كانوا بالقرقرة من خيبر على ستة أميال، ندم أسير على مسيره إلى

ص: 153

بالسيف فسقط عن بعيره ومالوا على أصحابه فقتلوهم غير رجل ولم يصب من المسلمين أحد، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"قد نجاكم الهل من القوم الظالمين".

رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففطن له عبد الله بن أنيس، وهو يريد السيف، فاقتحم به، ثم ضربه بالسيف، فقطع رجله وضربه أسير بمخرش في يده من شوحط، فأمه، وعند ابن سعد: وأهوى أسير بيده إلى سيفي، ففطنت له، فدفعت بعيري، وقلت: غدرا أي عدو الله! مرتين، فنزلت، فسقت بالقوم حتى انفرد لي أسير، فضربته "بالسيف" فأندرت عامة فخذه، وساقه، "فسقط عن بعيره" إضافة إليه لركوبه عليه، وإن كان لابن أنيس، وقوله: أهوى إليّ سيفي، يقتضي أنه كان رديفه، كما هو الواقع في رواية ابن أسحاق، ودفعه البعير بمعنى اقتحامه به لئلا يعينه أصحابه، كما أفاده قوله: فنزلت وسقت

إلخ، فلا تخالف بين الروايتين كما زعم، ومخرش بكسر الميم، فسكون الخاء المعجمة، فراء مفتوحة فشين معجمة، من شوحط بمعجمة، فواو، ساكنة فحاء مفتوحة فطاء مهملتين، من شجر الجبال، يتخذ منه القسي، "ومالوا على أصحابه، فقتلوهم" لفظ ابن سعد.

وعند ابن إسحاق: ومال كل واحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم إلى صاحبه من يهود، فقتله "غير رجل،" واحد أعجزنا شدا قاله ابن سعد، أي جريا، وقال ابن إسحاق: إلا رجلا واحدًا أفلت على رجليه، "ولم يصب من المسلمين أحد" ولله الحمد، ثم بهذا الذي سقناه من عند ابن سعد وابن إسحاق علم وجه قتلهم لهم بعد التأمين، لكونهم غدروا وما كان ينبغي للمصنف إسقاطه لإيهامه "ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم".

زاد في رواية: فبينا هو يحدث أصحابه إذ قالوا: تمشوا بنا إلى الثنية لنبحث عن أصحابنا، فخرجوا معه، فلما أشرفوا عليها إذا هم بسرعان أصحابنا، فجلس صلى الله عليه وسلم في أصحابه فانتهينا إليه، فحدثناه الحديث، فقال:"قد نجاكم الله من القوم الظالمين"، وعند ابن عائذ وابن إسحاق: وتفل صلى الله عليه وسلم على شجة عبد الله بن أنيس، فلم تفلح، ولم تؤذه حتى مات، زاد في رواية: وقد كان العظم نغل بنون ومعجمة مكسورة ولام، فسد ومسح وجهي، ودعا لي، وقطع لي قطعة من عصاه، فقال:"أمسك هذه معك، علامة بيني وبينك يوم القيامة، أعرفك بها، فإنك تأتي يوم القيامة متحصرا"، فلما دفن عبد الله، جعلت معه على جلده دون ثيابه، ومر له مثل ذلك لما جاء برأس الهذلي، قيل: فيحتمل أن هذا وهم من بعض الرواة، وأنه لا مانع من تكرار إعطائه عصاه، وأنه جعل الصعوين بين جلده وكفنه والشارع، إذا خص بعض صحبه بشيء، لا يسأل لِمَ لَمْ يفعله مع بقية الصحابة، والله أعلم.

ص: 154

"‌

‌قصة عكل وعرينة

":

سرية كرز بن جابر الفهري -بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي- ابن جابر الفهري، إلى العرنيين -بضم العين وفتح الراء المهملتين- حي من قضاعة، وحي من بجيلة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره ابن عقبة في المغازي.

وذكر ابن إسحاق في المغازي: أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست.

وذكرها البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها.

وعند الواقدي: في شوال منها

قصة عكل وعرينة:

"سرية كرز بن جابر" القرشي "الفهري" بكسر الفاء نسبة إلى جده فهر بن مالك بن النضر، أحد الرؤساء من قريش، المستشهد يوم الفتح، وهو "بضم الكاف، وسكون الراء، بعدها زاي إلى العرنيين، بضم العين، وفتح الراء المهملتين" نسبة إلى عرينة، "حي من قضاعة وحي من بجيلة" بفتح الموحدة، وكسر الجيم وسكون التحتية، "والمراد هنا الثاني، كذا ذكره" أي كونهم من بجيلة، موسى "ابن عقبة في المغازي" وكذا رواه الطبراني عن أنس، ولعبد الرازق عن أبي هريرة، بإسناد ساقط، أنهم من بني فزارة، وهو غلط؛ لأن بني فزارة من مضر، لا يجتمعون مع عكل، ولا مع عرينة أصلا، ذكره الحافظ متصلا بقوله.

"وذكر ابن إسحاق في المغازي" فليس كلامه مقابلا، كما قد يتوهمه غبي من المصنف، بل مستأنف لإفادة "أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت" ذو قرد عند ابن إسحاق في رواية البكائي "في جمادى الآخرة سنة ست"، فتكون هذه السرية عنده فيه لقوله فأتى بهم كرز، مرجع المصطفى من ذي قرد، وأما كون ذي قرد في ربيع، فهو قول ابن سعد، فلا يحصل عليه كلام ابن إسحاق، لأنه قائل بغيره.

قال الحافظ: وأشار بعض أهل المغازي إلى أن قصة العرنيين متحدة مع غزوة ذي قرد، والراجح خلافه "وذكرها" أي: سرية العرنيين، "البخاري" وضعا "بعد الحديبية" وقبل خيبر، "وكانت" الحديبية "في" هلال "ذي القعدة منها"، أي: سنة ست، والبعدية صادقة، ببقية السنة، وبمحرم سنة سبع، لأنه سار إلى خيبر فيه.

"وعند الواقدي" محمد بن عمر بن واقد، "كانت" هذه السرية "في شوال منها" من سنة

ص: 155

وتبعه ابن سعد وابن حبان.

وفي البخاري -في كتاب المغازي- عن أنس أن ناسا من عكل -يعني بضم العين وسكون الكاف- وعرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فقالوا

ست "وتبعه" تلميذه "ابن سعد وابن حبان" وغيرهما، وزعم أن ضمير كانت للحديبية خلاف المنقول عن الواقدي وتابعيه، فالحاصل أن أصحاب المغازي اتفقوا على أنها سنة ست، واختلفوا في الشهر: جمادى أو شوال، وأما البخاري، فصنيعه يقتضي أنها في آخر الحجة، أو المحرم، ولا يشكل بأن المصطفى عاد من الحديبية في أواخر ذي الحجة، فلم يكن بالمدينة والسرية، خرجت وعادت، وهو بها كما زعم، لأنه لما عاد في أواخر الحجة، بعثها لما جاءه الخبر أول النهار، وعادت إليه لما ارتفع النهار، كما في حديث أنس عند البخاري ومسلم، لأن المحل قريب، فسارت وعادت في بعض يوم.

"وفي البخاري في كتاب المغازي" والطهارة، والمحاربين، والجهاد، والتفسير، والديات من طرق عديدة، لكنه اختار المغازي، لأن سعيد بن أبي عروبة راويه، عن قتادة، "عن أنس" لم يشك، بل قال:"إن ناسا من عكل بضم العين" المهملة، "وسكون الكاف" فلام قبيلة من تيم الرباب، "وعرينة" بواو العطف، وللبخاري في الزكاة من عرينة فقط، وله في الجهاد والمحاربين من عكل فقط، وله في الطهارة من عكل أو عرينة بالشك.

قال الحافظ: والصواب بالواو العاطفة، ويؤيده ما رواه أبو عوانة، عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل، ولا يخالفه ما للبخاري في الجهاد، والديات عن أنس، أن ناسا من عكل ثمانية، لاحتمال أن الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم ينسب. انتهى.

قال شيخنا: لما قرأ البخاري، وهو جواب تام بالنسبة إلى العدو، ليس بتام بالنسبة لرواية عكل، ولم يقل: عرينة، ورواية عرينة ولم يقل: عكل، فإما أنه اكتفى بذكر إحدى القبيلتين عن الأخرى، أو تجوز بإحداهما إلى ما يشمل الأخرى، قلت: الحافظ أشار بقوله الصواب، رواية واو العطف إلى أن روايتي النقص نقص في السماع، فتقدم رواية من زاد، لأن معه زيادة علم، وهو ثقة زيادة مقبولة.

"قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم" وللبخاري في المحاربين، فأسلموا، وله في الديات، فبايعوه على الإسلام، فكأنهم لم يثبتوا عليه، نزله هنا منزلة العدم، فقال:"وتكلموا بالإسلام".

قال المصنف: أي تلفظوا بكلمة التوحيد، وأظهروا الإسلام.

"فقالوا": بالفاء، كما رأيته في نسخ البخاري، ونقله عنه في الفتح، والمصنف في الطهارة بالفاء، وكذا في نسخ المواهب الصحيحة، فما في بعضها بالواو تحريف، وليست على فرض

ص: 156

يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل رديف، واستوخموا المدينة، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراعي

صحتها للتفسير، بل استئنافية، لأن تلفظهم بالتوحيد غير قولهم:"يا نبي الله إن كنا أهل ضرع" بفتح المعجمة وسكون الراء، ماشية وإبل، قال المصنف، "ولم نكن أهل رديف، واستوخموا المدينة" أي: كرهوا الإقامة بها، لما فيها من الوخم، أو لم يوافقهم طعامها.

وفي الطهارة والجهاد: فاجتووا المدينة بجيم وواوين.

قال ابن العربي: وهو بمعنى استوخموا.

وقال غيره: الجواء داء يصيب الجوف.

وله في الطب: أن ناسا كان بهم سقم، فقالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحوا، قالوا: إن المدينة وخمة.

قال الحافظ: والظاهر أنهم قدموا سقاما، فلما صحوا من السقم، كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، فأما السقم الذي كان بهم، فهو الهزال الشديد، والجهد من الجوع.

فعند أبي عوانة، كان بهم هزال، مصفرة ألوانهم، وأما الوخم الذي شكا منه بعد أن صحت أجسامهم، فهو من حمى المدينة.

ولمسلم عن أنس ووقع بالمدينة الموم، أي بضم الميم وسكون الواو. قال: هو البرسام، أي بكسر الموحدة سرياني معرب اختلال العقل، وورم الصدر، وهو المراد.

فعند أبي عوانة: فعظمت بطونهم.

"فأمرهم" ولأبي ذر لهم بزيادة لام، وكذا البخاري في المحاربين.

قال الحافظ: فيحتمل أنها زائدة، أو للتعليل، أو لشبه الملك، أو الاختصاص وليست للتمليك. "رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود" بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو ودال مهملة، من الإبل ما بين الثلاثة إلى العشرة، "وراعي" بالياء. ورواية أبي ذر ولغيره: راع كقاض، أي فأمرهم أن يلحقوا بهما.

وللبخاري أيضا: فأمرهم أن يلحقوا براعيه، وله أيضا: فأمرهم بلقاح.

وعند أبي عوانة: أنهم بدءوا بطلب الخروج، فقالوا: يا رسول الله قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا لخرجنا إلى الإبل.

وللبخاري في الجهاد: أنهم قالوا: يا رسول الله ابغنا رسلا، أي: اطلب لنا لبنا، قال:"ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود".

وفي الديات: هذه نعم لنا تخرج فاخرجوا فيها، وظاهر هذا أن الإبل له صلى الله عليه وسلم، وصرح

ص: 157

وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها.

فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة، كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم

بذلك البخاري في المحاربين، فقال: إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله فيه أيضا وفي الزكاة: فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة.

قال الحافظ: والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة وصادف بعثه صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء الخروج إلى الصحراء لشرب الألبان فأمرهم بالخروج مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم:"إن المدينة تنفي خبثها".

"وأمرهم أن يخرجوا فيه،" أي مع الذود لمصادفتهم خروج راعي المصطفى بإبله، فلا تخالف بين الروايات كما علمت، "فيشربوا من ألبانها وأبوالها" أي: الإبل.

وله في الديات: فاشربوا من ألبانها وأبوالها بصيغة الأمر الصريح.

وفي الزكاة: فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا، أي لأنهم أبناء سبيل. وأما لقاح المصطفى فبإذنه، وفيه حجة لمالك وأحمد ومن وافقهما على طهارة بول مأكول اللحم، نصا في الإبل وقياسا وفيه حجة لمالك وأحمد ومن وافقهما على طهارة بول مأكول اللحم، نصا في الإبل وقياسا في غيرها، فإنه لو كان نجسا ما أمرهم بالتداول، به، وقد قال: إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها، رواه أبو داود وغيره، وخالفهم أبو حنيفة والشافعي والجمهور، فذهبوا إلى نجاسة الأبوال كلها، وحملوا الحديث على التداوي، فلا يفيد الإباحة في غير حال الضرورة، وحديث:"إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". على الاختيار، وإلا فلا حرمة كالميتة للمضطر، وفيه أنه لم يتعين طريقا للدواء.

وقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعا: "إن في أبوال الإبل شفاء للذرية بطونهم، والذرب" بمعجمة، فساد المعدة، فهذا صريح أنه حالة الاختيار وهو يمنع حمل الحديث على ما ذكروه، وبسط الجدال يطول.

"فانطلقوا" زاد في الديات: فشربوا، وفي الطهارة: وصحوا، وفي الجهاد: وسمنوا، وللإسماعيلي، ورجعت ألوانهم، "حتى إذا كانوا ناحية الحرة" بفتح الحاء المهملة وشد الراء أرض ذت حجارة سود بظاهر المدينة كأنها أحرقت بالنار، كانت بها الواقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية، "كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم".

قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعيه عليه السلام، وفي ذكره بالإفراد، وكذا لمسلم لكن عنده من رواية عبد العزيز.

ص: 158

واستاقوا الذود. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم

وعند ابن حبان من رواية يحيى بن سعيد، كلاهما عن أنس، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم بصيغة الجمع، فيحتمل أن الإبل رعاة، فقتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرواة على راعيه عليه السلام، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن بعض الرواة ذكره بالمعنى، فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع وهذا أرجح، لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار، "و" ذلك أنهم لما "استاقوا" من السوق، وهو السير العنيف "الذود" أدركهم، فقاتلهم فقتلوه، ومثلوا به "فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم".

وفي الجهاد: فجاء الصريخ بمعجمة فعيل بمعنى فاعل، أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم.

قال الحافظ: ولم أقف على اسمه، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة وهو أحد الراعيين، كما في صحيح أبي عوانة، ولفظه: فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع، فقال: قد قتلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل، "فبعث الطلب في آثارهم" أي وراءهم، ويروى أنه قال:"اللهم أعم عليهم الطريق، واجعله عليهم أضيق من مسك جمل"، فعمى الله عليهم السبيل.

وفي الطهارة: فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم.

وعند الواقدي: فبعث في آثارهم، فغدوا فإذا هم بامرأة تحمل كتف بعير، فسألوها، فقالت: مررت بقوم قد نحروا بعيرا، فأعطوني هذا وهم بتلك المفازة، فساروا، فوجدوهم، فأسروهم، فلم يفلت منهم إنسان، فربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا المدينة، "فأمر بهم" صلى الله عليه وسلم "فسمروا أعينهم" بخفة الميم، ولأبي ذر بشدها.

قال المنذري: والأول أشهر وأوجه.

قال الحافظ: لم تختلف روايات البخاري في أنه بالراء، ووقع لمسلم من رواية عبد العزيز عن أنس وسمل بالتخفيف واللام.

قال الخطابي: السمل فقء العين بأي شيء كان.

قال أبو ذؤيب الهذلي:

والعين بعدهم كان حداقها

سملت بشوك فهي عورا تدمع

قال: والسمر لغة في السمل ومخرجهما متقارب، وقد يكون من المسمار يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت. قلت: قد وقع التصريح بالمراد عند البخاري في الجهاد، وفي المحاربين، ولفظه: ثم أمر بمسامير، فأحميت فكحلهم بها، فهذا يوضح ما تقدم، ولا يخالف رواية اللام، لأنه فقء العين بأي شيء كان.

ص: 159

وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم.

وفي لفظ: وسمروا أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا.

وفي لفظ: ولم يحسمهم، أي لم يكو مواضع القطع فينحسم الدم.

وقال أنس: إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة رواه مسلم. فيكون ما فعل بهم قصاصا.

"وقطعوا" بتخفيف الطاء "أيديهم" زاد في الطهارة: وأرجلهم، وللترمذي والإسماعيلي من خلاف، وبها رد الحافظ على الداودي قوله: قطع يدي كل واحد، ورجليه، "وتركوا في ناحية الحرة" لكونها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا "حتى ماتوا على حالهم" وللبخاري في الطهارة: فيستسقون لا يسقون.

"وفي لفظ" عند البخاري في الديات: "وسمروا أعينهم"، أي: كحلوها بالمسامير المحمية، "بالنار "فينحسم الدم" بل تركه ينزف.

"وقال أنس: إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينهم، لأنهم سملوا أعين الرعاة" مر أن ذا الجمع إما مجاز عن المفرد، أو قتلوا من رعاة إبل الصدقة، "رواه مسلم".

قال الحافظ: وقصر من اقتصر يعني اليعمري في عزوه للترمذي والنسائي "فيكون ما فعل بهم قصاصا"، كما مال إليه جماعة منهم ابن الجوزي تمسكا بهذا الحديث، وتعقبه ابن دقيق العيد، بأن المثلة وقعت فيهم من جهات، وليس في الحديث إلا السمل، فيحتاج إلى ثبوت القضية.

قال الحافظ: كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي، أنهم مثلوا بالراعي، وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ، كما رواه البخاري عن قتادة بلاغا، وأخرجه أبو داود، عن قتادة عن الحسن البصري، هن هياج بتحتية ثقيلة وجيم، ابن عمران بن حصين عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة.

قال ابن شاهين: هذا الحديث ينسخ كل مثلة، وتعقبه ابن الجوزي، بأنه يحتاج إلى تاريخ.

قال الحافظ: يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد، عن أبي هريرة في النهي، عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه.

وقصة العرنيين قبل إسلامه، فقد حصل الإذن، ثم النهي.

ص: 160

وفي رواية أنهم كانوا ثمانية.

وعند البخاري أيضا -في المحاربين- أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل.

وفي رواية قال أنس: فلقد رأيت أحدهم

وروى قتادة عن ابن سيرين: أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود.

وقال موسى بن عقبة: ذكروا أنه صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين عن الشافعي، واستشكل عياض عدم سقيهم للماء، للإجماع على أن من وجب عليه القتل، فاستسقى لا يمنع، وأجاب بأنه لم يقع عن أمره صلى الله عليه وسلم ولا وقع منه نهي عن سقيهم.

قال الحافظ: وهو ضعيف جدا، لأنه اطلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم، وأجاب النووي، بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه أن من معه ماء لطهارته لا يتيمم، بل يستعمله، ولو مات المرتد عطشا.

وقال الخطابي: إنما فعل صلى الله عليه وسلم ذلك، لأنه أراد بهم الموت به، وقيل الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم الشفاء بها من الجوع والوخم، ولأنه صلى الله عليه وسلم دعا بالعطش على من عطش آل بيته رواه النسائي، فيحتمل أنهم تلك الليلة منعوا إرسال اللبن الذي كان يراح به من لقاحه كل ليلة، كما ذكره ابن سعد انتهى.

"وفي رواية" عند البخاري في الجهاد من طريق أيوب.

وفي الديات من طريق أبي رجاء، كلاهما عن أبي قلابة، عن أنس، "أنهم كانوا ثمانية"، ولفظه: أن رهطا، ولفظ الديات ناسا من عكل ثمانية، أو عرينة لرواية ابن جرير وأبي عوانة من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، فيحتمل أن الثامن ليس من القبيلتين، بل من أتباعهم فلم ينسب، كما مر على الحافظ، ثم اعلم أنه رواية البخاري في المحلين التي صرح فيها، بأنهم ثمانية لم يقع فيها وعرينة، بل اقتصر على عكل كما ترى، وإنما هي روايته في المغازي لكن لم يعدهم.

"وعند البخاري أيضا في" كتاب "المحاربين" من صحيحه من طريق أبي قلابة عن أنس: "أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل" وتقديم هذه عقب تاريخ وقتها كما صنع الفتح أنسب.

"وفي رواية" للبخاري في الطب عن ثابت "قال أنس: فلقد رأيت أحدهم" وفي رواية:

ص: 161

يكدم الأرض بفيه حتى مات.

وعند الدمياطي وابن سعد أن اللقاح كانت خمسة عشر لقحة -بكسر اللام وسكون القاف- ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر.

وفي صحيح مسلم: أن السرية كانت قريبا من عشرين فارسا من الأنصار.

وروى ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مولى يقال له: يسار

الرجل منهم، "يكدم" بكسر الدال وضمها، أي: يعض "الأرض بفيه" ولأبي عوانة يعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة "حتى مات".

وللبخاري في الزكاة يعضون الحجارة حتى ماتوا، وزعم الواقدي أنهم صلبوا، والروايات الصحيحة ترده لكن عند أبي عوانة، فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين، كذا ذكر ستة فقط، فإن كان محفوظا فعقوبتهم كانت موزعة قاله الحافظ.

"وعند الدمياطي وابن سعد: أن اللقاح" التي للنبي صلى الله عليه وسلم المعبر عنها تارة بلفظ: فأمرهم بلقاح، وأخرى بذود، وهي التي اقتصر عليها المصنف، والمعنى واحدة، فالذود إناث الإبل كاللقاح "كانت خمسة عشر" الذي في الفتح، وهو الأولى عن ابن سعد خمس عشرة "لقحة" ونحروا منها واحدة يقال لها الحناء، وهو في ذلك تابع للواقدي، وقد ذكره الواقدي في المغازي بإسناد ضعيف مرسل انتهى "بكسر اللام وسكون القاف" جمعها لقاح بلام مكسورة وآخره مهملة، وهي النوق ذوات الألبان، "ويقال لها ذلك إلى ثلاثة أشهر" ثم هي لبون، قاله أبو عمرو ومر له مزيد.

"وفي صحيح مسلم" من رواية معاوية بن قرة عن أنس " أن السرية" التي بعثت في طلبهم "كانت قريبا من عشرين فارسا من" شباب "الأنصار" قال: وبعث معهم قائفا يقص آثارهم.

قال الحافظ: ولم أقف على اسم القائف ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقدي أنهم كانوا عشرين، ولم يقل من الأنصار، بل سمى منهم جماعة من المهاجرين منهم بريدة بن الحصيب وسلمة بن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع بن مكيث الجهنيان، وأبو ذر وأبو رهم الغفاريان، وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، لكن يحتمل أن من لم يسمه الأنصار فأطلق الأنصار تغليبا، أو قيل للجمع أنصار بالمعنى الأعم انتهى.

"وروى ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم مولى يقال له يسار"

ص: 162

فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاءوا -وهم مرضى موعوكون قد عظمت بطونهم- وغدوا على يسار فذبحوه وجعلوا الشوك في عينيه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين، أميرهم كرز بن جابر الفهري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. قال ابن كثير: غريب جدا.

وروى ابن جرير عن محمد بن إبراهيم عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة

الحديث. وفيه قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفرا من

بتحتية فمهملة خفيفة. زاد ابن إسحاق: أصابه في غزوة بني ثعلبة، "فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة وجاءوا وهم مرضى موعوكون" اسم مفعول من وعكته الحمى صفة مبينة لمرضى، "قد عظمت بطونهم" وههنا حذف أي: فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى اللقاح، فلما صحوا ساقوها "وغدوا على يسار، فذبحوه وجعلوا الشوك في عينيه" قبل موته.

فعند ابن سعد: ورواه الواقدي بسند مرسل: غدوا على اللقاح فاستاقوها، فأدركهم يسار فقاتلهم، فقطعوا يده ورجله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه فمات، وصحف من قال: يديه ورجليه بالتثنية، لأنه خلاف الرواية بالإفراد، "فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم خيلا من المسلمين أميرهم كرز بن جابر" بن حسل بكسر الحاء وسكون السين المهملتين ولام، ابن الأحب بفتح المهملة وبموحدة ابن حبيب بن عمرو بن سنان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر، "الفهري" نسبة لجده فهر المذكور، "فلحقهم فجاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم" من خلاف "وسمر أعينهم".

"قال ابن كثير": حديث "غريب جدا" وقد رواه الطبراني بإسناد صالح كما في الفتح، فلو عزاه له المصنف كان أولى.

"وروى" محمد "بن جرير" الطبري الحافظ، "عن محمد بن إبراهيم" بن الحارث بن خالد التيمي المدني الثقة، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح، "عن جابر بن عبد الله" بن جابر "البجلي" الصحابي المشهور، مات سنة إحدى وخمسين، وقيل: بعدها، "قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة

الحديث، وفيه: قال جرير: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفرا من

ص: 163

المسلمين حتى أدركناهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"النار"، حتى هلكوا. قال: وكره الله سمر الأعين، فأنزل الله تعالى هذه الآية:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} إلى آخر الآية. وهو حديث غريب ضعيف. وفيه: أن أمير السرية جرير بن عبد الله البجلي. قال مغلطاي: وفيه نظر، لأن إسلام جرير كان بعد هذه بنحو أربع سنين.

المسلمين حتى أدركناهم" فجئنا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم "فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم" وإسناد الفعل فيه إليه عليه السلام مجاز بدليل رواية الصحيح، فأمر بقطع "فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"النار" حتى هلكوا" فنهى عن سقيهم، لأنهم ارتدوا عن الإسلام فلا حرمة لهم كالكلب العقور، فلا ينافي الإجماع على أن من وجب قتله لا يمنع سقي الماء، وهذا الحديث لو صح لرد قول عياض لم يكن منعهم بأمره ولا نهى عن سقيهم على أنه أطلع على ذلك وسكوته كاف في ثبوت الحكم، كما مر قريبا مع زيادات حسنة.

"قال" جرير: "وكره الله سمر الأعين"، أي: أراد إظهار تحريمه لاستحالة الكراهة والبغضاء عليه سبحانه، وإنما يطلقان عليه باعتبار الغاية وهي هنا إرادة التحريم، "فأنزل الله تعالى هذه اآية:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33] بمحاربة المسلمين "إلى آخر الآية" وهذا كما هو بين لا ينافي ما مر في أحد من نزول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] إلى آخر السورة، لما حلف المصطفى والصحابة أنهم إن قدروا على قريش ليزيدون عليهم لأنه لم يحرم فيها التمثيل كما زعم إنما قال: إن أردتموه فلا تزيدوا، وحرمة التمثيل إنما كانت بعد هذه القصة، كما في الحديث المرفوع، ومال إليه البخاري، وحكاه الإمام في النهاية عن الإمام الشافعي، كما مر قريبا مفصلا، "وهو حديث غريب ضعيف" جمع بينهما، لأن الغرابة تجامع الصحة والحسن، لأنها لتفرد الراوي فلا تستلزم الضعف، وقد اقتصر الحافظ على قوله إسناده ضعيف. انتهى. لكن له شاهد عن أبي هريرة نحوه، رواه عبد الرزاق، وعن أنس عند ابن جرير مثله. و"فيه" إفادة "أن أمير السرية جرير بن عبد الله البجلي" فيخالف ما رواه ابن إسحاق والأكثرون أن أميرها كرز، وهو المصرح به في حديث سلمة بن الأكوع على أن المعروف أن جريرا تأخر إسلامه ولذا "قال مغلطاي: وفيه نظر، لأن إسلام جرير كان بعد هذه" السرية "بنحو أربع سنين" في سنة الوفود سنة تسع على الصحيح، ووهم من قال: قبل موت المصطفى بأربعين يوما لما في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال له: "استنصت الناس في حجة الوداع، وذلك قبل موته بأكثر من ثمانين يوما" ذكره الفتح في المناقب.

ص: 164

وفي مغازي ابن عقبة: أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، كذا عنده بزيادة ياء، وعند غيره: أنه سعد -بسكون العين- ابن زيد الأشهلي، وهذا أنصاري، فيحتمل أن يكون رأس الأنصار، وكان كرز أمير الجماعة.

وأما قوله: فكره الله سمر الأعين فأنزل الله تعالى هذه الآية، فإنه منكر. فقد تقدم أن في صحيح مسلم أنهم سملوا أعين الرعاة، فكان ما فعل بهم قصاصا والله أعلم.

تنبيه: قال في فتح الباري: وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان، عكل من عدنان، وعرينة من قحطان.

"وفي مغازي ابن عقبة أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد" بن عمرو بن نفيل القرشي العدوي، أحد العشرة والسابقين إلى الإسلام "كذا عنده بزيادة ياء".

قال الحافظ: "و" الذي "عنده غير أنه سعد بسكون العين، بن زيد" بن مالك بن عبد كعب ابن عبد الأشهل، "الأشهلي" العقبي البدري، "وهذا أنصاري" فيتقوى أنه هو لا سعيد المهاجري بما في مسلم أنهم من الأنصار، "فيحتمل أن يكون رأس الأنصار" فتجوز من أطلق أنه الأمير عن كونه عظيما فيهم، "وكان كرز أمير الجماعة" كلهم الأنصار والمهاجرين، "وأما قوله: فكره الله سمر الأعين وأنزل الله هذه الآية، فإنه منكر، فقد تقدم أن في صحيح مسلم" عن أنس "أنهم سملوا أعين الرعاة".

قال في العيون: وأكثر ما في الآية مما تشعره إنما هو الاقتصار في حد الحرابة على ما فيها، أما من زاد عليها جنايات أر كهؤلاء حيث ارتدوا ومثلوا بالرعاة، فليس في الآية ما يمنع من التغليظ عليهم، أي بمثل ما فعلوه "فكان ما فعل بهم قصاصا" ليس بمثلة، فالمثلة كانت ابتداء بغير جزاء. انتهى. "والله أعلم" بما في نفس الأمر هل كان قصاصا، أو مثلة قبل النهي.

"تنبيه: قال في فتح الباري" في كتاب الطهارة، "وزعم" عبد الواحد "ابن التين" السفاقسي "تبعا للداودي" أحمد بن نصر، كلاهما في شرح البخاري:"أن عرينة هم عكل،" وكأنهما حاولا الجمع بين رواية من اقتصر على عكل، ورواية من اقتصر على عرينة، "وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان عكل من عدنان، وعرينة من قحطان" لا يشكل بما مر أن عرينة حيان من قضاعة، وبجيلة هو المراد هنا لأن قحطان كما أفاده كلامه، ففي قول القاموس: بجيلة كسفينة، حي من معد نظر مع هذا، وفي هذه القصة كما قال الحافظ من الفوائد غير ما تقدم قدوم الوفود على الإمام ونظره في مصالحهم ومشروعية الطب والتداوي بألبان الإبل وأبوالها، وأن

كل جسد يطب بما اعتاد وقتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حرابة، إن قلنا: إن قتلهم كان قصاصا والمماثلة في القصاص، وأنه ليس من المثلة المنهي عنها، وثبوت حكم المحاربة في الصحراء، وأما في القرى ففيه خلاف، وجواز استعمال أبناء السبيل إبل الصدقة في الشرب وفي غيره قياسا عليه بإذن الإمام والعمل بقول القائف وللعرب في ذلك المعرفة التامة، انتهى والله تعالى أعلم.

ص: 165

‌بعث الضمري ليغتال أبا سفين

"بعث الضمري ليغتال أبا سفيان":

ثم سرية عمرو بن أمية الضمري إلى أبي سفيان بن حرب بمكة، لأنه أرسل للنبي صلى الله عليه وسلم من يقتله غدرا، فأقبل الرجل ومعه خنجر ليغتاله، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن هذا يريد غدرا". فجذبه أسيد بن حضير بداخلة إزاره فإذا بالخنجر، فسقط في يده.

بعث الضمري ليغتال أبا سفيان:

"ثم سرية عمرو بن أمية" بن خويلد بن عبد الله أبي أمية، "الضمري" الصحابي المشهور، أول مشاهده بئر معونة بالنون. مات بالمدينة في خلافة معاوية. قال أبو نعيم: قبل الستين "إلى أبي سفيان" صخر "بن حرب بمكة لأنه أرسل للنبي صلى الله عليه وسلم مَنْ"، أي: رجلا "يقتله" قال ابن سعد: وذلك أبا سفيان قال لنفر من قريش ألا أحد يغتر محمدا فإنه يمشي في الأسواق، فأتاه رجل من الأعراب في منزله، فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا وأشدهم بطشا وأسرعهم شدا فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر فأسوره ثم آخذ في غير فأسير وأسبق القوم عدوا فإني هاد بالطريق قال: أنت صحبنا فأعطاه بعيرا ونفقة وقال: اطو أمرك فخرج ليلا، فسار على راحلته خمسا، وصبح ظهر الحرة صبح سادسة، ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دل عليه فعقل راحلته، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد بني عبد الأشهل "فأقبل الرجل ومعه خنجر" بفتح المعجمة، وكسرها فنون، فجيم مفتوحة فراء مثل خافية بخاء معجمة فألف ففاء مكسورة فتحتية مفتوحة فتاء تأنيث ريشة صغيرة في جناح النسر دون العشر ريشات من مقدم الجناح قال الأصمعي "ليغتاله" أي: يأخذه غفلة وهو معنى قوله: يغتر بفتح أوله وسكون المعجمة وفتح الفوقية وشد الراء وأسوره بضم الهمزة، وفتح المهملة وكسر الواو الشديدة والراء وضمير الغائب، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن هذا ليريد غدرا". زاد في رواية البيهقي: "والله حائل بينه وبين ما يريد". فذهب لينحني على رسول الله صلى الله عليه وسلم "فجذبه أسيد" بضم الهمزة وفتح المهملة "ابن حضير" بضم المهملة وفتح المعجمة ابن سماك الأنصاري، الأشهلي أبو يحيى، الصحابي الجليل، المتوفى سنة عشرين أو إحدى وعشرين "بداخلة إزاره"

ص: 166

فقال صلى الله عليه وسلم: "اصدقني ما أنت"؟ ، قال: وأنا آمن؟ قال: "نعم". فأخبره بخبره فخلى عنه صلى الله عليه وسلم.

وبعث عمرو بن أمية ومعه سلمة بن أسلم، ويقال: جبار بن صخر إلى أبي سفيان، وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه، فدخلا مكة.

ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبي سفيان

أي طرفه وحاشيته من داخل، قاله البرهان، ثم الشامي "فإذا بالخنجر فسقط في يده" لفظ سعد فأسقط في يديه بضم الهمزة وكسر القاف أي ندم وقال: دمي دمي أي: اتركوا أو خلوا فأخذ أسيد بلببه بلام فموحدتين أولاهما مفتوحة أي: منحره فذعته بمعجمة فمهملة ففوقية أي خنقه أشد الخنق، فقال صلى الله عليه وسلم:"اصدقني" بهمزة وصل وضم الدال "ما أنت" أي: ما صفتك أو خاطبه خطاب ما لا يعقل لأن هذا فعل ما لا يعقل قاله البرهان أو استعمل ما للعاقل على اللغة القليلة لكن لا يحمل عليها كلام سيد الفصحاء مع إمكان غيرها "قال: وأنا آمن؟ " بمد الهمزة وكسر الميم، قال:"نعم" ، فأخبره بخبره فخلى عنه صلى الله عليه وسلم، زاد ابن سعد وغيره فأسلم وقال: يا محمد والله ما كنت أفرق الرجال بفتح الراء أي أخافهم فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي ثم اطلعت على ما هممت به مما لم يعلمه أحد فعرفت أنك ممنوع وأنك على حق وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان فجعل صلى الله عليه وسلم يتبسم، فأقام الرجل أياما ليستأذنه صلى الله عليه وسلم فخرج ولم يسمع له بذكر.

قال البرهان: وهذا الرجل لا أعرف اسمه "وبعث عمرو بن أمية ومعه" في قول ابن سعد وشيخه الواقدي "سلمة بن أسلم" بن حريس بحاء مهملة فراء مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة وقد ينسب إلى جده الأنصاري الحارثي يكنى أبا سعيد ذكره ابن إسحاق فيهم شهد بدرا قال أبو حاتم: قتل يوم جسر أبي عبيد، "ويقال" بدل سلمة وهو قول ابن هشام وعزاه اليعمري لابن إسحاق لكن ابن هشام ذكر هذا البعث من زيادته، وأن ابن إسحاق لم يذكر "جبار" بفتح الجيم وشد الموحدة "ابن صخر" بن أمية الأنصاري السلمي العقببي البردي له حديث عند أحمد وغيره، وآخر عند ابن السكن وغيره، مات سنة ثلاثين عن ثنتين وستين سنة "إلى أبي سفيان، وقال: إن أصبتما منه غرة" بكسر الغين المعجمة وشد الراء وتاء تأنيث أي غفلة "فاقتلاه فدخلا مكة ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبي سفيان" كذا عند ابن سعد ومقتضاه أنه رآه حال الطواف، وعند ابن هشام وغيره فقدما مكة وجلسا بشعب ثم دخلا مكة ليلا فقال جبار لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين فقال عمران: القوم إذا تغشوا وجلسوا بأفنيتهم وأنهم إن رأوني عرفوني فإني أعرف بمكة من الفرس الأبلق فقال: كلا إن شاء الله. قال عمرو: فأبى أن

ص: 167

فأخبر قريشا بمكانه، فخافوه وطلبوه، وكان فاتكا في الجاهلية، فحشد له أهل مكة وتجمعوا له.

فهرب عمرو وسلمة، فلقي عمرو عبيد الله بن مالك التيمي فقتله، وقتل آخر، ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتحسسان الخبر، فقتل أحدهما وأسر الآخر، فقدم به المدينة. فجعل عمرو يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، وهو يضحك.

يطيعني فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان فوالله إنا لنمشي بمكة إذ نظر إلى الرجل من أهلها فعرفني فقال عمرو بن مية: فوالله إن قدمها إلا لشر. فصريح هذا أنه لم يره إلا بعد خروجهما من الطواف في أزقة مكة فيحمل التعقيب في الأول على التراخي وإن كان بالفاء جمعا بينهما، كما حل الرجل المبهم في الثانية على معاوية للأولى، لأن الروايات يفسر بعضها بعضا "فأخبر قريشا بمكانه" أي: بكون أي: وجود عمرو بمكة، "فخافوه وطلبوه وكان فاتكا" بفاء فألف ففوقية مكسورة جريا "في الجاهلية" والفتك مثلث الفاء القتل على غفلة، "فحشد" أي: جمع "له أهل مكة، وتجمعوا" عطف تفسير، "فهرب عمرو وسلمة" لم يقل: أو جبار؛ لأنه ناقل كلام ابن سعد لم يزد عليه إلا حكاية القول بأنه جبار، "فلقي عمرو عبيد الله بن مالك" بن عبيد الله "التيمي" نسبة إلى تيم من قريش كذا سماه ابن سعد وقال ابن إسحاق: هو عثمان بن مالك أو عبد الله، "فقتله وقتل آخر" من بني الديل سمعه يتغنى ويقول:

ولست بمسلم ما دمت حيا

ولست أدين دين المسلمينا

هذا أسقطه المصنف من كلام ابن سعد، "ولقي رسولين لقريش" قال البرهان: لا أعرفهما ولا الآخر "بعثتهما" عينا إلى المدينة "يتجسسان الخبر فقتل أحدهما" بسهم "وأسر الآخر فقدم به المدينة فجعل عمرو يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وهو يضحك" ثم دعا له بخير، ولم يبين في رواية ابن سعد هذه التي اقتصر عليها المصنف تبعا لليعمري محل قتل هؤلاء، وعند ابن هشام وغيره بعد قوله السابق: إن قدمها إلا لشر، فقتل لصاحبي: النجاء فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل، وخرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فرجعنا فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا فيه، وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا. فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له ويختلي عليها فغشينا ونحن في الغار فقلت: إن رآنا صاح بنا فأخذنا وقتلنا قال: ومعي خنجر قد أعددته لأبي سفيان فأخرج إليه فأضربه على ثديه ضربة، فصاح صيحة أسمع أهل مكة وأرجع فأدخل مكاني، وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق، فقالوا: من ضربك؟ فقال: عمرو بن أمية، وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا فاحتملوه. فقلت لصاحبي لما أمسينا: النجاء، فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة، فمررنا بالحرس وهم يحرسون جثة حبيب بن عدي، فقال أحدهم:

ص: 168

...........................

والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية، لولا أنه بالمدينة لقلت أنه عمرو بن أمية، فلما حاذى الخشبة شد عليها فاحتملها وخرجا شدا وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى الجثة في الجرف فغيبه الله عنهم، فلم يقدروا عليه فقلت لصاحبي النجاء ومضيت، ثم أويت إلى جبل فأدخل كهفا، فبينا أنا فيه دخل علي شيخ من بني الديل أعور في غنيمة له، فقال: من الرجل؟ قلت: من بني بكر فمن أنت؟ قال: من بني بكر. فقلت: مرحبا فاضطجع، ثم رفع عقيرته فقال:

ولست بمسلم ما دمت حيا

ولا دان لدين المسلمينا

فقلت في نفسي ستعلم ثم أمهلته حتى إذا نام أخذت قوسي، فجعلت سيتها في عينه الصحيحة بكسر المهملة، وفتح التحتية ما عطف من طرفها، ثم تحاملت عليه حت بلغت العظم، ثم خرجت حتى جئت العرج، ثم سلكت حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من قريش كانت بعثتهما عينا إلى المدينة. فقلت: استأسرا فأبيا فأرمي أحدهما بسهم واستأسر الآخر فأوثقته رباطا وقدمت به المدينة. انتهى.

وقد مر أنه صلى الله عليه وسلم بعث الزبير، والمقداد لإنزال خبيب فأنزلاه وخافا الطلب فألقياه فابتلعته الأرض، والله أعلم.

ص: 169

"أمر الحديبية":

ثم الحديبية -بتخفيف الياء وتشديدها- وهي بئر سمي المكان بها، وقيل: شجرة، وقال المحب الطبري: قرية قريبة من مكة

أمر الحديبية:

"ثم الحديبية" بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وسكون التحتية وكسر الموحدة، ولم يقل: غزوة أو عمرة لتكون الترجمة محتملة، وقد ترجم البخاري غزوة ولأبي ذر عن الكشميهني عمرة بدل غزوة "بتخفيف الياء" عند الأكثر كالشافعي، والأصمعي، حتى قال ثعلب وهو أحمد بن يحيى لا يجوز فيها غيره، وقال النحاس: لم يختلف من أثق بعلمه في أنها مخففة "وتشديدها" عند كثير من المحدثين واللغويين، قال في الفتح وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف. وقال أبو عبيد البكري: أهل العراق يثقلون وأهل الحجاز يخففون. انتهى.

"وهي بئر" كما ثبت في الصحيح عن البراء "سمي المكان بها وقيل: شجرة" سمي المكان بها فيحتمل أن المكان واد فدفعه بقوله: "وقال المحب الطبري: قرية" ليست كبيرة "قريبة" قال المصنف: على مرحلة، والشامي: نحو مرحلة، والمصباح: دون مرحلة "من مكة" سميت

ص: 169

أكثرها في الحرم، وهي على تسعة أميال من مكة.

خرج عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة للعمرة، وأخرج معه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة. ويقال: ألف وخمسمائة وقيل: ألف وثلاثمائة.

والجمع بين هذا الاختلاف: أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة

بالبئر أو الشجرة "أكثرها في الحرم" وباقيها في الحل "وهي على تسعة أميال من مكة". وقال الواقدي: من المسجد فإن حمل عليه قدر مضاف "خرج عليه الصلاة والسلام" لأنه رأى في منامه أنه دخل البيت هو وأصحابه آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين، كما ذكره الواقدي. وأما ما رواه الفريابي وعبد بن حميد، والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: أرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين فلما نحر الهدي بالحديبية، قال أصحابه أين رؤياك يا رسول الله؟ فنزلت:{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} الآية فهي رؤيا رآها بالحديبية تبشيرا من الله له ثانيا فلا يصلح جعلها سببا في خروجه من المدينة "يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة" عند الجمهور كالزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، وابن سعد، وغيرهم. قال في الفتح وجاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال وشذ في ذلك وقد وافق أبو الأسود عن عروة الجمهور ومضى في الحج قول عائشة ما اعتمر إلا في ذي القعدة. انتهى.

وقال ابن القيم قول هشام وهم إنما كانت غزاة الفتح في رمضان. وقد قال أبو الأسود عن عروة في ذي القعدة على الصواب، وفي الصحيحين عن أنس اعتمر صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة فذكر منها عمة الحديبية "للعمرة".

قال الزهري: لا يريد قتالا، قال ابن إسحاق واستنفر العرب من البوادي ومن حوله من الأعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش أن يتعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق من العرب، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائرا للبيت ومعظما له، "وأخرج معه زوجته أم سلمة في ألف وأربعمائة"، كما في الصحيحين من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ومن طريق عمرو بن دينار عن جابر، "ويقال: ألف وخمسمائة" كما فيهما من طريق سعيد بن المسيب عن جابر وابن أبي شيبة عن مجمع بن جارية، "وقيل: ألف وثلاثمائة"، كما في الصحيحين عن عبد الله بن أبي أوفى، فليس مراد المصنف تضعيفهما، بل مجرد الحكاية، ولذا قال: "والجمع بين هذا الاختلاف" كما قال في الفتح "أنهم كانوا أكثر من ألف

ص: 170

فمن قال: ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألف وأربعمائة ألغاه، ويؤيده رواية البراء: ألف وأربعمائة أو أكثر.

واعتمد على هذا الجمع النووي. وأما رواية ألف وثلاثمائة فيمكن حملها على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة مائتين لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة.

وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافقه أحد عليه، لأنه قاله استنباطا من قول جابر: نحرنا عن عشرة، وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدل على أنهم ما كانوا نحروا غير البدن

وأربعمائة. فمن قال: ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: ألف وأربعمائة ألغاه".

"ويؤيده رواية" البخاري من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء" أنهم كانوا "ألفا وأربعمائة أو أكثر" فأو بمعنى بل فيظهر وجه الجمع، ولعل وجه من زاد عد من تبعه بعد خروجه من الأعراب أو على بابها، فالجمع على تقدير الكثرة، ويكفي في الجمع احتمال الزيادة "واعتمد على هذا الجمع النووي" لصحة الروايات كلها.

ومال البيهقي إلى الترجيح وقال: رواية ألف وأربعمائة أصح لاتفاق البراء وجابر وسلمة بن الأكوع ومعقل بن يسار والمسيب بن حزن عليه ثم أسنده عنهم.

قال ابن القيم: والقلب إليه أميل، "وأما رواية" ابن أبي أوفى "ألف وثلاثمائة فيمكن حملها على ما اطلع هو عليه واطلع غيره على زيادة مائتين" لو حذفها كان أولى ليشمل ألفا على ما اطلع هو عليه واطلع غيره على زيادة مائتين" لو حذفه كان أولى ليشمل ألفا وأربعمائة، لكنها تصحفت على المصنف حين نقل من الفتح، ولفظه زيادة ناس بنون فألف فسين مهملة "لم يطلع هو عليهم والزيادة من الثقة مقبولة" فلا تعارضها رواية من نقص عنها.

زاد الحافظ أو العدد الذي ذكره جملة من ابتدأ الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتلة والزيادة عليها من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم.

"وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه لأنه قاله استنباطا من قول جابر نحرنا البدنة عن عشرة وكانوا نحروا سبعين بدنة" لما تحللوا، "وهذا لا يدل على أنهم ما كانوا نحروا".

هكذا في النسخ الصحيحة ويقع حذف ما في نسخ من تحريف النساخ والأول الصواب الموافق لقول الفتح وأتباعه لم ينحروا "غير البدن" من بقر وغنم لمن زاد على السبعمائة التي

ص: 171

مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا.

وجزم موسى بن عقبة: بأنهم كانوا ألفا وستمائة.

وعند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع: ألف وسبعمائة.

وحكى ابن سعد: ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين.

واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ولم يخرج معه بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب.

نحروها عنها "مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا" فيجوز أن الزائد على سبعمائة لم يحرموا فهو جواب ثان وكأن الجوابين من باب التنزل وإلا فقد قال ابن القيم: إنه غلط بين، وقول جابر لا يدل له فإنه صرح أن البدنة في هذه العمرة عن سبعة فلو كانت السبعون عن جميعهم كانوا أربعمائة وتسعين وقد قال في تمام الحديث بعينه أنهم كانوا ألفا وأربعمائة انتهى.

"وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفا وستمائة، وعند ابن أبي شيبة من حديث سلمة بن الأكوع"، أنهم "ألف وسبعمائة" فهو خبر إن المقدرة بلا كان وإلا فالظاهر رسمه بالألف وهو الذي في الفتح، "وحكى" وفي نسخة وعند "ابن سعد" أنهم كانوا "ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين".

قال الحافظ وهذا إن ثبت تحرير بالغ ثم وجدته موصولا عن ابن عباس عند ابن مردويه، وفيه رد على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحديد، وإنما ذكره بالحدس والتخمين، "واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم" ويقال: أبو رهم كلثوم بن الحصين حكاهما البلاذري. قال وقوم يقولون استخلفهما جميعا. وكان ابن أم مكتوم على الصلاة. وقال ابن هشام ومن تبعه استخلف نميلة تصغير نملة، ابن عبد الله الليثي فيحتمل أنه استخلفه وكلثوما على المصالح والإمام ابن أم مكتوم. "ولم يخرج" بضم الياء وكسر الراء أي النبي صلى الله عليه وسلم "معه" أحدًا فحذف المفعول لأنه فضلة "بسلاح" وهو ما يقاتل به في الحرب، ويدافع والتذكير أغلب من التأنيث كما في المصباح، ويجوز بناؤه للمفعول لكنه قليل الإنابة الجار والمجرور مع وجود المفعول المحذوف تخفيفا.

فالأول أظهر وأولى "إلا سلاح" بالجر، بدل من سلاح "المسافر السيوف"، بدل من سلاح، وصح إبداله وإن كان لفظ سلاح مفردا؛ لأنه اسم جنس شامل للواحد وغيره. وأما الجمع في خذوا حذركم وأسلحتكم، فباعتبار الأفراد ويجوز نصب سلاح المسافر على الاستثناء، فالسيوف بالنصب أيضا "في القرب" بضمتين جمع قراب ويجمع أيضا على أقربة.

ص: 172

وفي البخاري -في المغازي- عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي، وأشعر وأحرم منها. وفي رواية: أحرم منها

"وفي البخاري في" الحديث الثامن من كتاب "المغازي" في هذه الغزوة، "عن المسور" بكسر الميم وسكون المهملة "ابن مخرمة" بفتح الميم وسكون المعجمة ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي، الزهري له ولأبيه صحبة مات سنة أربع وستين، "ومروان بن الحكم" بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أبو عبد الملك ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون سنة لا تثبت له صحبة.

"قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية" قال الحافظ: هذا مرسل فمروان لا صحبة له والمسور لم يحضر القصة وقد رواه البخاري في أول كتاب الشروط من طريق أخرى عن الزهري عن عروة أنه سمع المسور ومروان يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر بعض الحديث، وقد سمعا جمعا صحابة شهدوا هذه القصة كعمر، وعثمان، وعلي، والمغيرة، وأم سلمة، وسهل بن حنيف وغيرهم "في بضع عشرة مائة" هكذا في نسخ، وهو الثابت في البخاري، وهو واضح لأن الهاء تثبت في بضع مع المذكر وتحذف مع المؤنث كما في المصباح وهو هنا عشرة، ويقع في بعض نسخ المصنف بعض عشر بلا هاء فيهما، فإن كانت رواية فلعل حذف الهاء من بضع نظرا للفظ مائة ومن عشرة لكون المعدود رجالا لأن العشرة تجري على القياس أفردت أو ركبت "من أصحابه" وكان معهم مائتا فارس.

وفي رواية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال الحافظ: ويجمع أيضا يعني بين هذه الرواية والسابقات بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدم، وما زاد على ذلك كانوا غائبين عنها كمن توجه مع عثمان، على أن لفظ بضع يصدق على الخمس والأربع فلا تخالف، "فلما كان بذي الحليفة"، ميقات أهل المدينة، "قلد الهدي" بأن علق في عنقه شيئا وهو نعل ليعلم أنه هدى "وأشعر" بأن ضرب صفحة السنام اليمني بحديدة فلطخها بدمها إشعارا بأنه هدى أيضا، قاله المصنف "وأحرم منها" فقلد المسلمون بدنهم وأشعروها.

"وفي رواية" للبخاري أيضا في المغازي وهو الخامس والعشرون عن مسور ومروان أيضا قالا: خروج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما أتى ذا الحليف قلد الهدي وأشعره و"أحرم منها" بعدما صلى ركعتين وركب من باب مسجد ذي الحليفة، فلما

ص: 173

بعمرة، وبعث عينا له من خزاعة. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه فقال: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك من مكة.

انبعثت به راحلته مستقبل القبلة أحرم "بعمرة" إعلاما بأنه لم يخرج لحرب، "وبعث عينا" أي جاسوسا "له من خزاعة" وهو بسر بضم الموحدة وسكون المهملة على الصحيح كما قال الحافظ: هكذا جزم به ابن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما، إلا أنه وقع لابن إسحاق بكسر الباء وإعجام الشين ورده عليه ابن هشام ووقع عند ابن أبي شيبة تسمية العين ناجية. قال الحافظ: والمعروف أن ناجية اسم الذي بعث معه الهدي كما جزم به ابن إسحاق وغيره انتهى.

واختار بعث بسر بن سفيان، بن عمر وهذا لقرب عهده بالإسلام، لأنه أسلم في شوال فلا يظنه من رآه عينا فلا يؤذيه. "وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير" بفتح الغين المعجمة وكسر الدال المهملة "الأشطاط"، زاد أحمد قريبا من عسفان بشين معجمة وطاءين مهملتين جمع شط وهو جانب الوادي كما جزم به صاحب المشارق ووقع في بعض نسخ أبي ذر بطاءين معجمتين قاله الفتح.

قال المصنف: وهو موضع تلقاء الحديبية "أتاه عينه فقال: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش" بحاء مهملة وموحدة آخره معجمة جمع أحبوش بضم الهمزة والباء وهم بنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناة وبنو المصطلق من خزاعة، كانوا تحالفوا مع قريش، قيل: تحت جبل يقال له: الحبشي أسفل مكة، وقيل: سموا بذلك لتحبشهم أي: تجمعهم والتحبش التجمع والحباشة الجماعة.

وروى الفاكهي عن عبد العزيز بن أبي ثابت أن ابتداء حلفهم مع قريش كان على يد قصي بن كلاب، "وهم مقاتلوك وصادوك" بشد الدال "عن البيت، ومانعوك من" الدخول إلى "مكة"، وعند ابن إسحاق قال الزهري: وخرج صلى الله عليه وسلم فلقيه بعسفان بسر، فقال: هذه قريش قد سمعت بمسير فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمر، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وعند ابن سعد وبلغ المشركين خروجه، فأجمع رأيهم على صده عن مكة وعسكروا ببلد بفتح الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة، ثم حاء مهملة موضع خارج مكة.

وأخرج الخرائطي في الهواتف عن ابن عباس لما توجه صلى الله عليه وسلم عام الحديبية قدم عليه بسر بن سفيان الكعبي، فقال: يا بسر هل عندك علم إنْ أهل مكة علموا بمسيري فقال: إني لأطوف بالبيت في ليلة كذا وكذا وقريش في أنديتها إذ صرخ صارخ من أعلى جبل أبي قبيس

ص: 174

فقال: "أشيروا عليّ أيها الناس، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت".

وفيه: قال أبو بكر: يا رسول الله! خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، قال:"امضوا على اسم الله".

بصوت أسمع أهل مكة:

هبوا لصاحبكم مثلى صحابته

سيروا إليه وكونوا معشرا كرما

بعد الطواف وبعد السعي في مهل

وأن يحوزهم من مكة الحرما

شاهت وجوههم من معشر ثكل

لا ينصرون إذا ما حاربوا صنما

فارتجت مكة وتعاقدوا أن لا تدخل عليهم عامهم هذا، فقال صلى الله عليه وسلم:"هذا الهاتف سلفع شيطان الأصنام يوشك أن يقتله الله إن شاء الله". فبينما هم كذلك سمعوا من أعلى الجبل صوتا:

شاهت وجوه رجال حالفوا صنما

وخاب سعيهم ما أقصر الهمما

إني قتلت عدو الله سلفعة

شيطان أوثانكم سحقا لمن ظلما

وقد أتاكم رسول الله في نفر

وكلهم محرم لا يسفكون دما

فإن ثبت هذا فكأنه لما أخبره بعثه عينا، هل اجتمعوا فذهب وعاد مخبرا له باجتماعهم، فقال:"أشيروا عليّ أيها الناس أترون" بتفح التاء "أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء" الكفار "الذين يريدون أن يصدونا عن البيت" فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين "وفيه" عقب ما ذكرته، وما كان الكتاب يزيد به ومحروبين بالواو والموحدة أي مسلوبين منهوبين الأموال والعيال.

وفي رواية أحمد أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله.

وفي رواية: "أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه"؟ ، "قال أبو بكر" زاد أحمد: الله ورسوله أعلم "يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له" للبيت، "فمن صدنا عنه قاتلناه" قال الحافظ، والمراد أنه صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه هل يخالف الذين نصورا قريشا إلى مواضعهم فيسبي أهلهم فإن جاءوا إلى نصرهم اشتغلوا بهم، وانفرد هو وأصحابه بقريش وذلك المراد بقوله يكون عنقا قطعه الله، فأشار عليه الصديق بترك القتال والاستمرار على ما خرج له من العمرة حتى يكون بدء القتال منهم فرجع إلى رأيه وقال:"امضوا على اسم الله" ، ويروى أن المقداد بن عمرو الشهير بابن الأسود؛ لأنه تبناه قال نحو مقالته يوم

ص: 175

وزاد أحمد: كان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط، كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية للبخاري: حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين".

بدر بعد كلام أبي بكر إنا والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فقال صلى الله عليه وسلم: $"فسيروا على اسم الله تعالى".

"وزاد أحمد" عن عبد الرزاق وساقه ابن حبان من طريقه قال: قال معمر: قال الزهري: "كان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم" امتثالا لقول ربه: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} .

قال الحافظ: وهذا القدر حذفه البخاري لإرساله لأن الزهري لم يسمع من أبي هريرة.

"وفي رواية للبخاري" في كتاب الشروط: حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور ومروان قالا: خرج صلى الله عليه وسلم ومن الحديبية "حتى إذا" هي رواية أبي ذر ولغيره بحذف إذا "كانوا ببعض الطريق" وهو عسفان، كما عند ابن إسحاق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن خالد بن الوليد" المخزومي سيف الله الذي سله بعد قريب جدا على المشركين "بالغميم" بفتح المعجمة وكسر الميم، وحكى عياض تصغيره، وكذا وقع في شعر جرير والشماخ قال محد بن حبيب موضع قريب من مكة بين رابغ والجحفة، وقول المحب الطبري يظهر أن المراد كراع الغميم وهو موضع بين مكة والمدينة، رده الحافظ بأن سياق الحديث ظاهر في أنه كان قريبا من الحديبية، فهو غير كراع الغميم فتعين قول ابن حبيب "في خيل لقريش" بين ابن سعد أنهم مائتا فارس فيهم عكرمة بن أبي جهل "طليعة" وهي مقدمة الجيش قال المصنف: بالنصب حال ولأبي ذر بالرفع انتهى.

وعند ابن أبي شيبة وابن إسحاق عن الزهري: فقال له عينه هذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم والجمع سهل جدا، بأنه لما أخبره عنه بذلك قال: ذلك ليسلكوا طريقا غير طريقهم، كما قال:"فخذوا ذات اليمين" وفي رواية ابن إسحاق: "من رجل يخرج بنا على غير طريقهم التي هم بها"؟ فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلا من أسلم قال: أنا يا رسول الله! فسلك بهم طريقا وعرا فخرجوا منه بعد أن شق عليهم وأفضوا إلى طريق سهلة فقال لهم: "قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه". فقالوا ذلك، فقال: "والله إنها اللحظة التي عرضت على بني

ص: 176

فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش.

وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته، فقال الناس: حل حل

إسرائيل فلم يقولوها". وسمى ابن سعد السالك بهم حمزة بن عمرو الأسلمي.

وعند ابن إسحاق فقال صلى الله عليه وسلم: "واسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض" بفتح الحاء المهملة وإسكان الميم وبالضاد المعجمة اسم موضع من طريق تخرجه على ثنية المرار بكسر الميم وخفة الراء مهبط الحديبية من أسفل مكة، فسلك الجيس ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش وهو معنى قوله "فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة" أي حتى فاجأهم قترة "الجيش" بفتح القاف والفوقية قال المصنف وسكنها في الفرع أي غبار الجيش الأسود، وكذا قيد به الحافظ وتبعه المصنف، وفي القاموس القتر والقترة محركتين والقترة بالفتح الغبرة انتهى.

فلم يقيد وهو صريح في أن القتر ليس جمعا وفي النورانة جمع قترة، "فانطلق" خالد حال كونه "يركض" يضرب برجله دابته استعجالا للسير حال كونه "نذيرا" منذرا "لقريش" بمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر هذا الحديث الصحيح أنه بمجرد رؤيته انطلق نذيرا.

وعند ابن سعد وغيره أن خالدا دنا في خيله حتى نظر المصطفى والصحابة وصف خيله بينهم وبين القبلة فأمر صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر فتقدم في خيله، فقام بإزائه فصف أصحابه وحانت الظهر فصلاها بهم صلى الله عليه وسلم فقال خالد: قد كانوا على غرة لو حملنا عليهم أصبنا منهم، ولكن تأتي الساعة صلاة أخرى هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم فنزل جبرل بين الظهر والعصر بقوله:{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} الآية، فحانت العصر فصلى صلاة الخوف، فإن أردت الترجيح فما في الصحيح أصح أو الجمع أمكن أن انطلاقه بعدما صف أصحابه، ووقف إلى العصر حتى أيس من إصابة المسلمين، "وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية" أي ثنية المرار بكسر الميم وتخفيف الراء، طريق في الجبل تشرف على الحديبية، وزعم الدوادي أنها الثنية التي بأسفل مكة وهو وهم قاله الفتح "التي يهبط" بضم أوله، وفتح ثالثه مبنيا للمفعول "عليهم" أي قريش "منها بركت" به عليه السلام "راحلته" ناقته القصواء "فقال الناس حل حل" بفتح الحاء، وسكون اللام فيهما كلمة تقال للناقة إذا تركت السير.

وقال الخطابي: إن قلت حل واحدة، فبالسكون وإن أعدتها تؤنث الأولى، وسكنت الثانية، وحكى غيره السكون فيهما والتنوين، كنظيره في بخ بخ. يقال: حلحلت فلانا إذا أزعجته عن موضعه، ذكره الحافظ.

ص: 177

فألحت -يعني تمادت على عدم القيام- فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل".

أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذلك أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة، وصدتهم قريش لوقع بينهم القتال المفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل، لكن سبق في علم الله أنه سيدخل في الإسلام منهم خلق، ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون. انتهى.

قال المصنف: لكن الرواية بالسكون فيها. انتهى.

"فألحت" بفتح الهمزة وتشديد الحاء المهملة من الإلحاح. قال المصنف تبعا للفتح يعني تمادت على عدم القيام"، فلم تبرح من مكانها، فليس التفسير مدرجا في الحديث.

"فقالوا: خلأت" بخاء معجمة، ولام وهمزة مفتوحات، أي حرنت وبركت من غير علة "القصواء" بفتح القاف وسكون المهملة وفتح الواو مهموز اسم ناقته صلى الله عليه وسلم "خلأت القصواء" مرتين قيل كان طرف أذنها مقطوعا والقصور قطع طرف الأذن يقال بعير أقصى وناقة قصواء، وكان القياس القصر، كما في بعض نسخ أبي ذر، وزعم الداودي أنها كانت لا تسبق، فقيل لها: القصواء، لأنها بلغت من السبق أقصاه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام:"ما خلأت القصواء" قال الحافظ الخلاء بالمعجمة والمد للإبل كالحران للخيل، وقال ابن قتيبة لا يكون الخلاء إلا للنوق خاصة، وقال ابن فارس: لا يقال للجمل خلأ لكن ألح "وما ذاك لها بخلق" بضم الخاء المعجمة واللام أي ليس إخلاؤها بعادة كما حسبتم "ولكن حبسها" أي القصواء "حابس الفيل".

زاد ابن إسحاق عن مكة "أي حبسها الله" عز وجل "عن دخول مكة، كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذلك" أي التشبيه بقصة الفيل، كما قال الحافظ:"أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة، وصدتهم قريش لوقع بينهم القتال المفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل" وأصحابه "لكن سبق في علم الله" في الموضعين "أنه سيدخل في الإسلام خلق منهم، ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون" وكان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكة لما أمن أن يصاب منهم ناس بغير عمد، كما أشار إليه في قوله تعالى:{وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُون} الآية، "انتهى".

ص: 178

ثم قال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".

ما فصل به الحديث من حكمة حبس الناقة، واستبعد المهلب جواز حابس الفيل على الله، فقال المراد: حبسه أمر الله، وتعقب أنه يجوز إطلاق ذلك في حق الله. فيقال حبسها الله حابس الفيل، وإنما الذي يمكن أن يمنع تسميته سبحانه حابس الفيل ونحوه، كذا أجاب ابن المنير وهو مبني على الصحيح من أن الأسماء توقيفية، وقد توسط الغزالي وطائفة فقالوا: محل المنع ما لم يرد نص بما يشتق منه بشرط أن لا يكون ذلك الاسم المشتق مشعرا بنقص فيجوز تسميته الواقي لقوله تعالى: {وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} [غافر: 9]، ولا يجوز تسميته البناء وإن ورد قوله:{وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} ، وفي هذه القصة جواز التشبيه من الجهة العامة، وإن اختلفت الجهة الخاصة لأن أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة كانوا على حق محض، ولكن جاء التشبيه من جهة إرادة الله منع الحرم مطلقا.

أما من أهل الباطل فواضح وأما من أهل الحق فللمعنى المتقدم وفيه رب المثل واعتبار من بقي بمن مضى، واستدل بعضهم بهذه القصة لمن قال من الصوفية علامة الإذن التيسير وعكسه وفيه نظر.

قال ابن بطال وغيره وفيه جواز الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش طلبا لغرتهم والسفر وحده للحاجة والتنكب عن الطريق السهل إلى الوعرة للمصلحة، والحكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ عليه غيره وإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويرد على من نسبه إليها ومعذرة من نسبه إليها ممن لا يعرف صورة حاله، لأن خلاء القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة صحيحا، ولم يعاتبهم صلى الله عليه وسلم على ذلك لعذرهم والتصرف في ملك الغير بالمصلحة بغير إذنه الصريح إذ سبق منه ما يدل على الرضا بذلك، لأنهم زجروها بغير إذن ولم يعاتبهم انتهى.

من فتح الباري "ثم قال صلى الله عليه وسلم" عقب قوله: "حابس الفيل": "والذي نفسي بيده" فيه تأكيد القول باليمين ليكون أدعى إلى القبول، وقد حفظ عنه صلى الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعا، قاله ابن القيم في الهدي "لا يسألوني" أي قريش، ولأبي ذر لا يسألونني بنونين على الأصل "خطة" بضم الخاء المعجمة وشد الطاء المهملة، أي: خصلة "يعظمون فيها حرمات الله" أي من ترك القتال في الحرم والجنوح إلى السلم والكف عن إراقة الدماء قاله الخطابي.

وفي رواية ابن إسحاق لا يدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم وهي من حرمات الله "إلا أعطيتهم إياها" أي: أجبتهم إليها وإن كان فيها تحمل مشقة، وقيل المراد

ص: 179

ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء -يعني حفرة فيها ماء قليل- يتربضه الناس تبرضا -أي يأخذونه قليلا قليلا- فلم يلبثه الناس

حرمة الحرم والشهر والإحرام قال الحافظ: وفي الثالث نظر لأنهم لو عظموا الإحرام لما صدره قال السهيلي: لم يقع في شيء من طرق الحديث أنه قال: إن شاء الله مع أنه مأمور بها في كل حالة، وأجاب بأنه كان أمرا واجبا حتما فلا يحتاج فيه إلى الاستثناء، وتعقب بأنه تعالى قال في هذه القصة {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] .

فقال: إن شاء الله مع تحقق وقوع ذلك تعليما وإرشادا، فالأولى أن يحمل على أن الاستثناء سقط من الراوي أو كانت القصة قبل نزول الأمر بذلك، ولا يعارضه أن الكهف مكية إذ لا مانع أن يتأخر نزول بعض السورة، كذا في الفتح، والجوابان اللذان "قال إنهما الأولى مذكوران في الروض عن غيره، وسلمهما البرهان فقال: ما قاله حسن مليح "ثم زجرها" أي الناقة "فوثبت" بمثلثة آخره فوقية أي: قامت "قال فعدل عنهم" في رواية ابن سعد فولى راجعا "حتى نزل بأقصى الحديبية".

وفي رواية ابن إسحاق، ثم قال للناس:"انزلوا" قالوا: يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه "على ثمد" بفتح المثلثة والميم ودال مهملة "قليل الماء"، وفسره المصنف كغيره بقوله:"يعني حفرة فيها ماء قليل" يقال ماء مثمود أي: قليل فقوله: قليل الماء تأكيد لدفع توهم أن يراد، لغة من يقول الثمد الماء الكثير، وقيل: الثمد ما يظهر من الماء في الشتاء ويذهب في الصيف كذا في الفتح، وعورض بأنه إنما يتوجه إن ثبت لغة أن الثمد الماء الكثير، واعترض الدماميني قوله تأكيد بأنه لو اقتصر على قليل أمكن أم مع إضافته إلى الماء فيشكل، وكذلك إنا نقول هذا ماء قليل الماء نعم.

قال الراوي: في الثمد العين، وقال غيره حفرة فيها ماء فإن صح فلا إشكال "يتبرضه" بتحتية ففوقية فموحدة فراء مشددة فضاد معجمة "الناس تبرضا".

قال المصنف نصب على أنه مفعول مطلق من باب التفعيل للتكلف، "أي يأخذونه قليلا قليلا" قال الحافظ البرض بالفتح والسكون اليسير من العطاء، وقال صاحب العين هو جمع الماء بالكفين، وذكر أبو الأسود عن عروة وسبقت قريش إلى الماء ونزلوا عليه ونزل صلى الله عليه وسلم الحديبية في حر شديد وليس به إلا بئر واحدة، "فلم يلبثه الناس" قال الحافظ بضم أوله وسكون اللام من الإلباث، وقال ابن التين بضم أوله وكسر الموحدة المثقلة أي: لم يتركوه يلبث أي يقيم وقال المصنف: بضم أوله وفتح اللام وشد الموحدة وسكون المثلثة في الفرع، وأصله مصححا عليه

ص: 180

حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.

"حتى نزحوه" بنون فزاي فحاء مهملة أي لم يبقوا منه شيئا.

يقال: نزحت البئر على صيغة واحدة في التعدي واللزوم قال الحافظ: ووقع في شرح ابن التين بفاء بدل الحاء ومعناهما واحد، وهو أخذ الماء شيئا بعد شيء إلى أن يبقى منه شيء، "وشكي" بضم أوله مبني للمفعول "إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش" بالرفع نائب الفاعل، "فانتزع" أخرج "سهما من كنانته" بكسر الكاف جعبته التي فيها النبل، "ثم أمرهم أن يجعلوه فيه" في الثمد. قال الحافظ في المقدمة: روى ابن سعد من طريق أبي مروان حدثني أربعة عشرة رجلا من الصحابة بالأنصار أن الذي نزل البئر ناجية بن الأعجم وقيل: هو ناجية بن جندب وقيل: البراء بن عازب، وقيل: عبادة بن خالد.

حكاه عن الواقدي ووقع في الاستيعاب خالد بن عبادة، وقال في الفتح: يمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره، "فوالله ما زال يجيش" بفتح أوله وكسر الجيم آخره معجمة أي يفور "بالري".

قال الحافظ: بكسر الراء ويجوز فتحها "حتى صدروا عنه" أي رجعوا رواء بعد ورودهم.

زاد ابن سعد حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسا على شفير البئر، وكذا في رواية أبي الأسود عن عروة وعند ابن إسحاق فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن.

وفي حديث البراء عند البخاري أنه صلى الله عليه وسلم جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا ثم صبه فيها ثم قال: " دعوها ساعة" فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا ويمكن الجمع بأن الأمرين وقعا معا، وقد روى الواقدي عن أوس بن خولي: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ في الدلو، ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها، وهكذا ذكر أبو الأسود عن عروة وهذه القصة غير القصة التي في حديث جابر عند الشيخين قال: عطش الناس يوم الحديبية وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ركوة يتوضأ منها، فأقبل الناس نحوه، فقال:"ما لكم" قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، وجمع ابن حبان بينهما بأن ذلك وقع في وقتين، وكان ذلك قبل قصة البئر وسيأتي في الأشربة يعني من كتاب البخاري بيان أن حديث جابر كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك، ويحتمل أن الماء لما تفجر من أصابعه ويده في الركوة وتوضئوا كلهم وشربوا أمر حينئذ بصب الماء الباقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها، وقد أخرج أحمد حديث جابر وفيه: فجاءه رجل بإداوة فيها شيء من ماء ليس في

ص: 181

فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة

القوم ماء غيره فصبه صلى الله عليه وسلم في قدح، ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم انصرف وترك القدح فتزاحم الناس عليه، فقال:"على رسلكم" فوضع كفه في القدح ثم قال: "أسبغوا الوضوء". قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه. وفي حديث زيد بن خالد أنهم أصابهم مطر بالحديبية، فكان ذلك وقع بعد القصتين المذكورتين، والله أعلم، وفي هذا معجزات ظاهرة وفيه بركة سلاحه وما ينسب إليه صلى الله عليه وسلم. انتهى.

من الفتح في موضعين وسيكون لنا إن شاء الله تعالى عودة لمزيد الكلام على ذلك في المعجزات "فبينما" بالميم الزائدة للكشميهني بإسقاطها وبين مضافة الجملة "هم كذلك" تقدير مضاف أي أوقات "إذ جاء بديل" بالموحدة والتصغير "ابن ورقاء" بفتح الواو وسكون الراء بالقاف والمد ابن عمرو بن ربيعة "الخزاعي" بضم الخاء وبالزاي نسبة إلى خزاعة قبيلة من الأزد الصحابي المشهور كان سيد قومه. قال أبو عمر: أسلم يوم الفتح بمهر الظهران. قال ابن إسحاق: وشهد بديل حنينا والطائف وتبوك وكان من كبار مسلمة الفتح وقيل: أسلم قبل الفتح. وقال ابن منده وأبو نعيم أسلم قديما "في نفر من قومه". قال الحافظ: سمى الواقدي منهم عمرو بن سالم وخراش بن أمية وفي رواية أبي الأسود عن عروة منهم خارجة بن كرز ويزيد بن أمية انتهى.

فقصر البرهان في قوله لا أعرفهم أو مراده جميعهم "من خزاعة" أتى به مع علمه من إضافة قوم إلى ضميره لدفع توهم أن يراد، معاشروه ومخالطوه وإن لم يكونوا من خزاعة. "وكانوا" قال شيخنا: أي خزاعة وذكر باعتبار الحي وقال المصنف أي بديل والنفر الذين معه لكن يؤيد شيخنا أن الروايات تفسر بعضها. وقد رواه ابن إسحاق بلفظ: وكانت خزاعة "عيبة" بفتح المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة ما يوضع فيه الثياب لحفظها أي: أنهم موضع "نصح" بضم النون. وحكى ابن التين: فتحها "رسول الله صلى الله عليه وسلم" وموضع الأمانة على سره كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب. قاله الحافظ وتبعه المصنف وغيره وأصله قول النهاية تبعا للقزاز وغيره من اللغويين العرب تكنى عن الصدور والقلوب بالعياب لأنها مستودع السرائر، كما أن العياب مستودع الثياب "من أهل تهامة" لبيان الجنس، لأن خزاعة من جملة أهل تهامة بكسر الفوقية وهي مكة وما حولها وأصله من التهم وهو شدة الحرور كود الريح. وفي رواية ابن إسحاق وكانت خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عليه شيئا كان بمكة. وعند الواقدي أن بديلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم غورت ولا سلاح معك فقال:"لم نجئ لقتال" فتكلم أبو بكر فقال له: بديل أنا لا آتيهم ولا قومي. انتهى.

ص: 182

فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.

والعوذ: بالذال المعجمة: جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن.

والمطافيل: الأمهات اللاتي معها أطفالها.

يريد أنهم خرجوا معهم

والأصل في موالاتهم له صلى الله عليه وسلم أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة فاستمروا على ذلك في الإسلام، وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة إذا دلت القرائن على نصحهم، وشهدت التجربة بإيثارهم أهل الإسلام على غيرهم ولو كانوا من أهل دينهم، ويستفاد منه جواز استنصاح بعض ملوك العدو واستظهارا على غيرهم، ولا يعد ذلك من موالاة الكفار، ولا من موادة أعداء الله، بل من قبيل استخدامهم، وتقليل شوكة جمعهم وإنكاء بعضهم ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق، "فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي" إنما اقتصر على هذين لرجوع أنساب قريش الذين بمكة، أجمع إليهما وبقي من قريش بنو سامة بن لؤي وبنو عوف من لؤي وهم قريش البطاح ولم يكن بمكة منهم أحد، وكذلك قريش الظواهر الذين منهم بنو تميم بن غالب ومحارب بن فهر "نزلوا أعداد" بفتح الهمزة وسكون العين المهملة جمع عد بالكسر والتشديد وهو الماء الذي لا انقطاع له، وغفل الداودي فقال: هو موضع بمكة، ذكر كله الفتح فإضافة أعداد إلى "مياه الحديبية" من إضافة الأعم إلى الأخص، وفي القاموس أن عد يطلق أيضا على الكثرة في الشيء فإن أريدت فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي مياه الحديبية الكثيرة.

قال الحافظ: وهذا يشعر بأنه كان بها مياه كثيرة وأن قريشا سبقوا إلى النزول عليها، فلذا عطش المسلمون حيث نزلوا على الثمد المذكور، وقد مر قول عروة وسبقت قريش إلى الماء، ونزلوا عليه "ومعهم العوذ" بضم العين المهملة، وسكون الواو "المطافيل" بفتح الميم والطاء المهملة فألف ففاء مكسورة فتحتية ساكنة فلام، "وهم مقاتلوك وصادوك"، مانعوك "عن البيت" الحرام "والعوذ بالذال المعجمة" آخره "جمع عائذ" بالهمز، وإن رسم بصورة الياء، ولا يرد أنه اسم فاعل وصف به مؤنث، فقياسه عائذة بالتاء لاختصاصه بالمؤنث، فلا مذكر له يفرق بينه وبين مؤنثه بالتاء على أنه جعل اسما، فليست الوصفية مرادة منه كما يصرح به قوله "وهي الناقة ذات اللبن"، فعلى هذا يقال هذا عائذ لا ناقة عائذ ومر نظيره في لقحة، "والمطافيل الأمهات اللاتي معها أطفالها يريد"، كما جزم به في الروض وصدر به الفتح، فتبعه المصنف، "أنهم

ص: 183

بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال. والمراد أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام ليكون أدعى إلى عدم الفرار.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس إن شاءوا، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمعوا -يعني استراحوا

خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو" كما قال ابن قتيبة "كنى بذلك" على سبيل الاستعارة "عن النساء معهن الأطفال والمراد أنهم خرجوا بنسائهم وأولادهم لإرادة طول المقام" إن دعا إليه الأمر "ليكون أدعى إلى عدم الفرار".

زاد الحافظ ويحتمل إرادة المعنى الأعم.

قال ابن فارس كل أنثى إذا وضعت فهي إلى سبعة أيام وعائذ والجمع عوذ كأنها سميت بذلك لأنها تعوذ ولدها وتلتزم الشغل به، وقال السهيلي: سميت بذلك وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها لأنها تعطف عليه بالشفقة والحنو كما قالوا تجارة رابحة وإن كانت مربوحا فيها، وعند ابن سعد معهم العوذ المطافيل والنساء والصبيان، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" مجيبا لبديل:"إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب" بفتح النون والهاء وكسرها في الفرع كأصله أي أبلغت فيهم حتى أضعفت قوتهم وهزلتهم وأضعفت أموالهم.

كذا في شرح المصنف والذي اقتصر عليها لحافظ وغيره كسر الهاء "وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم" أي جعلت بيني وبينهم "مدة " تترك الحرب بيننا وبينهم فيها، "ويخلوا بيني وبين الناس" من كفار العرب وغيرهم.

"إن شاءوا" كذا عزاه المصنف لأبي ذر عن المستملي، والكشميهني، وسقط للباقين، فكان ذكرها مجرد تأكيد، "فإن أظهر" بالجزم بإظهار الله تعالى ديني بحيث يدخله الناس، ويتبعوني فيما جئت به "فإن شاءوا" مرتب على ظهور قال المصنف معطوف على الشرط الأول "أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس" من طاعتي "فعلوا" جواب الشرطين "وإلا" أي وإن لم أظهر، "فقد جموا" بفتح الجيم وشد الميم المضمومة، "يعني استراحوا" من القتال، ولابن عائذ فإن ظهر الناس عليّ فذاك الذي يبغون فصرح بما حذفه هنا من القسم الأول. انتهى.

وقال الحافظ: هو شرط بعد شرط والتقدير، فإن ظهر غيرهم عليّ كفاهم المؤنة، وإن

ص: 184

وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي -أي صفحة العنق، كنى بذلك عن القتل- ولينقذن الله أمره".

فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا

أظهر أنا على غيرهم، فإن شاءوا أطاعوني وإلا فلا تنقضي مدة الصلح إلا وقد جموا أي استراحوا أي قووا، وفي رواية ابن إسحاق:"وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة". وإنما ردد الأمر مع أنه جازم بأنه تعالى سينصره ويظهره لوعد الله تعالى له بذلك على طريق التنزل مع الخصم وفرض الأمر على ما زعمه ولهذه النكتة حذف القسم الأول وهو التصريح بظهور غيره عليه لكن صرح به في رواية ابن إسحاق ولفظه: "فإن أصابوني كان الذي أرادوا". ولابن عائذ من وجه آخر عن الزهري: "فإن ظهر الناس علي فذاك الذي يبتغون". فالظاهر أن الحذف وقع من بعض الرواة تأدبا. انتهى.

"وإن هم أبوا" امتنعوا، "فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي" بالسين المهملة، وكسر اللام، "أي صفحة العنق كنى بذلك"، كما قال السهيلي "عن القتل" لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه، وقال الداودي المراد الموت أي حتى أموت وأبقى منفردا في قبري، ويحتمل أنه أراد أنه يقاتل حتى ينفرد وحده في مقاتلتهم، وقال ابن المنير: لعله نبه بالأدنى على الأعلى، أي أن لي من القوة بالله والحول به ما يقتضي مقاتلتهم عن دينه لو انفردت، فكيف لا أقاتل عن دينه مع كثرة المسلمين ونفاذ بصائرهم في نصر دين الله، "ولينفذن" بضم أوله وسكون النون وكسر الفاء وذال معجمة فنون مشددة الزركشي والدماميني ضبطاه بفتح النون الأولى وشد الفاء مكسورة.

قاله المصنف وكلام الفتح محتمل فإنه قال بضم أوله وكسر الفاء أي: ليمضين "لله أمره" في نصر دينه وحسن الإتيان بهذا الجزم بعد ذلك التردد للتنبيه على أنه لم يورده إلا على سبيل الفرض، وفي هذا ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من القوة والثبات في تنفيذ حكم الله، وتبليغ أمره والندب إلى صلة الرحم والإبقاء على ما كان من أهلها وبذل النصيحة للقرابة، "فقال بديل سأبلغهم" بفتح الموحدة وشدة اللام "ما تقول".

قال الحافظ أي فأذن له "فانطلق" بديل مع ركبه "حتى أتى قريشا".

زاد الواقدي فقال ناس منهم هذا بديل وأصحابه وإنما يريدون أن يستخبروكم فلا تسألوهم عن حرف واحد، فرأى بديل أنهم لا يستخبرونه، "فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل" يعني النبي صلى الله عليه وسلم: "وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه" بفتح النون "عليكم فعلنا"، وللواقدي إنا

ص: 185

فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ

جئنا من عند محمد أتحبون أن نخبركم عنه؟ "فقال سفهاؤهم" قال الحافظ: سمى الواقدي منهم عكرمة بن أبي جهل والحكم بن العاصي "لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء" زاد الواقدي، ولكن أخبره عنا أنه لا يدخلها علينا عامه هذا أبدًا حتى لا يبقى منا رجل واحد، "وقال ذو الرأي منهم: هات".

قال المصنف بكسر التاء أي أعطني، وقال شيخنا أي اذكر "ما سمعته يقول،" وفي رواية الواقدي فأشار عليهم عروة الثقفي بأن يسمعوا كلام بديل فإن أعجبهم قبلوه وإلا تركوه فقال صفوان والحارث بن هشام: أخبرونا بالذي رأيتم وسمعتم، "قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم" وفي رواية ابن إسحاق فرجعوا إلى قريش فقالوا: إنكم تعجلون على محمد أنه لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت، فاتهموهم وجبهوهم وقالوا: وإن جاء لا يريد قتالا، فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا تحدث بذلك عنا العرب أبدا، "فقام عروة بن مسعود" بن معتب بضم الميم وفتح المهملة وشد الفوقية المكسورة بعدها موحدة الثقفي أسلم عند منصرفه صلى الله عليه وسلم عن الطائف، ورجع إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فقتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم:"مثله في قومه كصاحب يس".

ووقع في رواية أحمد عن ابن إسحاق عروة بن عمرو بن مسعود قال الحافظ: والصواب الأول وهو الذي في السيرة "فقال: أي قوم ألستم بالوالد" أي: مثله في الشفقة عل ولده، "قالوا: بلى قال: أو لست بالولد" أي مثله في النصح لوالده، "قالوا: بلى" وعند ابن إسحاق أن أم عروة سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف، فأراد أنهم قد ولدوه في الجملة لكون أمه منهم ولأبي ذر ألستم بالولد وألست بالوالد، وجرى عليه بعض الشراح، فقال: أي أنتم عندي في الشفقة والنصح بمنزلة الولد، قال ولعله كان يخاطب قوما هو أسن منهم.

قال الحافظ والصواب الأول وهو الذي في رواية أحمد وابن إسحاق وغيرهما "قال: فهل تتهمونني" بنونين رواية أبي ذر على الأصل، ولغيره بواحدة أي تنسبوني إلى التهمة؟ "قالوا: لا" نتهمك، وعند ابن إسحاق قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، "قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ" بضم المهملة، وخفة الكاف وآخره طاء معجمة مصروف، ولأبي ذر بمنعه،

ص: 186

فلما بلحوا علي -وهو بالحاء المهملة، أي تمنعوا من الإجابة- جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد -أي خصلة خير وصلاح- اقبلوها، ودعوني آته، قالوا: ائته.

فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى

أي دعوتهم إلى نصركم، "فلما بلحوا علي وهو" بالموحدة وشد اللام المفتوحتين، و"بالمهملة" المضمومة "أي امتنعوا من الإجابة" قال الحافظ والتبلح التمنع من الإجابة وبلح الغريم إذا امتنع من أداء ما عليه "جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني، قالوا: بلى".

"قال فإن هذا" -يعني النبي صلى الله عليه وسلم "قد عرض عليكم" وللكشميهني: لكم "خطة" بضم الخاء المعجمة وشد المهملة "رشد" بضم الراء وسكون المعجمة وبفتحهما، "أي خصلة خير وصلاح" وإنصاف "اقبلوها" وبين ابن إسحاق أن سبب تقديمه لهذا الكلام ما رآه من ردهم العنيف على من يجيء من عند المصطفى، ووقع عنده تقديم مجيء مكرز ثم الحليس على عروة، ولا ريب أن ما في الصحيح أصح "ودعوني" اتركوني "آته" بالمد مجزوم على جواب الأمر، وأصله آتيه أي أجيء إليه، هكذا اقتصر عليه الفتح، وعزاه المصنف لأبي ذر، وصدر بأنه آتيه بالياء على الاستئناف. "قالوا: ائته" قال الحافظ: بألف وصل بعدها همزة ساكنة ثم مثناة مكسورة، ثم هاء ويجوز كسرها.

زاد المصنف أمر من أتى يأتي "فأتاه أي: فأتى عروة النبي صلى الله عليه وسلم هكذا هو ثابت في البخاري، وسقط في كثير من نسخ المصنف، فاحتاج شيخنا لتقديرها، "فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم" بنحو ما قال: بديل، "فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل" السابق.

زاد ابن إسحاق وأخبره أنه لم يأت يريد حربا، "فقال عروة عند ذلك" قال الحافظ: أي عند قوله لأقاتلنهم، "أي: محمد أرأيت" أي: أخبرني "إن استأصلت أمر قومك" أي أهلكتهم بالكلية، "هل سمعت بأحد من العرب اجتاح" بجيم، ثم حاء مهملة أي أهلك "أهله قبلك" حتى يكون سلفك، فلا تلام أولا فتلام لإحداثك ما لم يسبقك إليه أحد من العرب، "وإن تكن الأخرى" قال الحافظ حذف الجزاء تأدبا معه صلى الله عليه وسلم والمعنى وإن تكن الغلبة لقريش فلا آمنهم عليك مثلا وقوله: فإني

إلخ، كالتعليل هذا المقدر المحذوف، والحاصل أنه ردد الأمر بين شيئين غير مستحسنين، وهو هلاك قومه إن غَلب وذهاب أصحابه إن غُلب، لكن كل منهما مستحسن شرعا، كما قال

ص: 187

فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا يعني أخلاطا من الناس خليقا أن يفروا عنك ويدعوك.

فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه: امصص بظر اللات

تعالى: {تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52] انتهى.

ونحو تقديره للكرماني وتبعه العيني وقدر الزركشي وإن كانت الأخرى كانت الدولة للعدو، وكان الظفر لهم عليك وعلى أصحابك. ورده الدماميني باتحاد الشرط والجزاء لأن الأخرى هي انتصار العدو وظفرهم فيئول تقديره إلى أن انتصر أعداؤك وظفروا كانت الدولة لهم وظهورا. قال فالمستقيم تقدير لم ينفعك أصحابك "فإني والله لأرى" هكذا، هو في البخاري بالإثبات "وجوها" قال المصنف: أي أعيان الناس. انتهى.

فيعني بهم قريشا، والمعنى أن أعداءه أعيان وأصحابه بأخلاط، ويقع في بعض نسخ المواهب مصحفا لا أرى بزيادة ألف واقتصر عليها الشارح، وتكلف شرحها بأنه كالتعليل لعدم ثباتهم، أي: لا يظهر منهم نصر ولا ثبات؛ لأنهم أخلاط ليسوا من قبيلة واحدة حتى يحرصوا على الثبات على مناصرة بعضهم بعضا، لكن حيث لم تأت بها الرواية، ولم يتكلم عليها الشرح، ولا ذكروها نسخة فلا عبرة بها. "وإني لأرى" بالإثبات أيضا "أشوابا" بتقديم المعجمة على الواو للأكثر، وعليها اقتصر صاحب المشارق.

قال المصنف ولأبي ذر عن الكشميهني أوشابا بتقديم الواو المعجمة ويروى أوباشا بتقديم الواو على الموحدة "يعني أخلاطا من الناس" قال الحافظ: والأشواب الأخلاط من أنواع شتى والأوباش الأخلاط من السفلة فالأوباش أخص من الأشواب، "خليقا" بالخاء المعجمة والقاف. أي: حقيقا وزنا ومعنى ويقال للواحد والجمع، ولذا وقع صفة لأشواب "أن يفروا عنك ويدعوك" بفتح الدال أي: يتركوك.

وفي رواية أبي المليح عن الهري فكأني بهم لو قد لقيت قريشا قد أسلموك فتؤخذ أسيرا، فأي شيء أشد عليك من هذا، وفيه أن العادة جرت أن الجيوش المجمعة لا يؤمن عليها الفرار، بخلاف من كان من قبيلة واحدة، فإنهم يأنفون الفرار عادة، وما درى عروة أن مودة الإسلام أعظم من مودة القرابة، وقد ظهر له ذلك من مبالغة المسلمين في تعظيمه صلى الله عليه وسلم. انتهى.

"فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه" زاد ابن إسحاق وأبو بكر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد: "امصص" بألف وصل، وصادين مهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر، وحكى ابن التين عن رواية القابسي ضم الصاد الأولى وخطأها، وأقره الحافظ والمصنف؛ لأنه خلاف الرواية، وإن جاء لغة "بظر" بباء واحدة رواية أبي ذر ولغيره ببظر بباءين "اللات" زاد ابن عائذ من وجه آخر عن

ص: 188

أنحن نفر عنه وندعه؟

قال العلماء: وهذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة، فإنه أقام معبود عروة، وهو صنمه مقام أمه، وحمله على ذلك ما أغضبه به نسبته إلى الفرار.

والبظر: بالموحدة المفتوحة والظاء المعجمة الساكنة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة. واللات: اسم صنم. والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم. انتهى.

فقال عروة: من هذا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده

الزهري وهو طاغيته التي تعبد أي طاغية عروة "أنحن نفر عنه وندعه" استفهام إنكار قصد به توبيخه في نسبة الفرار لهم.

قال العلماء هذا مبالغة من أبي بكر في سب عروة فإنه أقام معبود عروة وهو صنمه مقام أمه"؛ لأن عادة العرب الشتم بذلك بلفظ الأم فأبدله الصديق باللات فنزله منزلة امرأة تحقيرا لمعبوده "وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار والبظر بالموحدة المفتوحة والظاء المعجمة الساكنة" وبالراء وجمعه بظور وأبظر كفلوس وأفلس، "قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة" كما جزم به في الفتح وزاد المصنف في الشرح، وقال الداودي: هو فرج المرأة.

قال السفاقسي: والذي عند أهل اللغة أنه ما يخفض من فرج المرأة، أي يقطع عند خفضها. انتهى.

وفي المصباح البظر لحمة بين شفري المرأة، وهي الغلفة التي تقطع في الختان، "واللات اسم صنم" كانت ثقيف وقريش يعبدونها، "والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم" فيقولون: امصص بظر أمك، فاستعار ذلك أبو بكر في اللات. "انتهى".

زاد الحافظ وفيه جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك، وقال ابن المنير: في قول أبي بكر تخسيس للعدو ولدينهم وتعريض بإلزامهم من قولهم اللات بنت الله تعالى عن ذلك بأنها لو كانت بنتا كان لها ما يكون للإناث، "فقال عروة: من هذا" لفظ البخاري: من ذا، "قالوا: أبو بكر، فقال" وفي رواية ابن إسحاق: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أبي قحافة"، واستفهم عنه لجلوسه خلف المصطفى، فلا ينافي أنه يعرفه، وله عليه يد، كما قال "أما" بفتح الهمزة وخفة الميم حرف استفتاح، "والذي نفسي بيده".

ص: 189

لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.

قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف عليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كانت عادة العرب

قال الحافظ هذا يدل على أن القسم به كان عادة العرب، "لولا يد" نعمة ومنة "كانت لك عندي لم أجزك" بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالزاي لم أكافئك "بها لأجبتك".

زاد ابن إسحاق ولكن هذه بها أي جازاه بعدم إجابته عن شتمه بيده التي كان أحسن إليه بها وبين عبد العزيز في روايته عن الزهري، أن اليد المذكورة أن عروة كان تحمل بدية، فأعانه فيها أبو بكر بعون حسن، وفي رواية الواقدي بعشر قلائص وكان غيره يعينه بالاثنين والثلاث.

"قال وجعل" عروة "يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم" زاد أبو ذر عن الحموي، والكشميهني كلمة وفي رواية فكلما كلمه "أخذ بلحيته" الشريفة، وفي رواية ابن إسحاق، فجعل يتناول لحية النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، "والمغيرة بن شعبة" بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي الشهير أسلم قبل الحديبية، توفي سنة خمسين على الصحيح "قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف" قصدا لحراسته، "وعليه المغفر" بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء، وفي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير أن المغيرة لما رأى عروة مقبلا لبس لأمته وجعل على رأسه المغفر ليستخفي من عروة عمه.

قال الحافظ: فيه جواز القيام على رأس الأمير بالسيف لقصد الحراسة ونحوها من ترهيب العدو، ولا يعارضه النهي عن القيام على رأس الجالس لأن محله ما إذا كان على وجه العظمة والكبر، "فكلما أهوى" أي مد أو قصد أو أشار أو أومأ "عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده" إجلالا وتعظيما له صلى الله عليه وسلم "بنعل السيف".

قال الحافظ: هو ما يكون أسفل القراب من فضة أو غيره وبعه المصنف وغيره فقول الجوهري وأتباعه: هو الحديدة التي في أسفل جفنه وهو غلافه ليس قيدا. "وقال: أخر" فعل أمر من التأخير "يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم".

زاد ابن إسحاق: قبل أن لا تصل إليك، وزاد عروة بن الزبير: فإنه لا ينبغي لمشرك أن يمسه، وفي رواية ابن إسحاق: فيقول عروة: ما أفظك وأغلظك "وقد كانت عادة العرب" كما قال في

ص: 190

أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، لا سيما عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كان صلى الله عليه وسلم يغضي لعروة استمالة وتأليفا. والمغيرة يمنعه إجلالا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما. انتهى.

قال: فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم

الفتح وغيره "أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، ولا سيما عند الملاطفة".

قال البرهان: يريدون بذلك التحية والتواصل، وأكثرهم فعلا لذلك أهل اليمن، وحكي ذلك عن بعض العجم أيضا، "وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير" فربما رأى عروة لعظمته في قومه أنه نظير للمصطفى وما علم حينئذ أنه لا نظير له فاللائق منعه، "لكن كان صلى الله عليه وسلم يغضي" بغين وضاد معجمتين يتغافل ويسكت "لعروة" فلا يؤاخذه بفعله، ولا يمنعه "استمالة وتأليفا" له ولقومه، "والمغيرة يمنعه إجلالا للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما" لعلمه بأن الله تعالى لم يخلق له نظيرا. "انتهى".

ما فصل به بين أجزاء الحديث من حكمة تناول اللحية ومنع المغيرة له، "قال فرفع عروة رأسه فقال:"من هذا؟ " وفي رواية أبي الأسود عن عروة بن الزبير، فلما أكثر المغيرة مما يقرع يده غضب، وقال: ليت شعري من هذا الذي آذاني من بين أصحابك، والله لا أحسب فيكم ألأم منه، ولا أشر منزلة "قال" كذا لأبي ذر، ولغيره قالوا:"المغيرة" وفي رواية ابن إسحاق فتبسم صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أخيك "بن شعبة" وكذا أخرجه ابن أبي شيبة، وابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة نفسه بإسناد صحيح "فقال: أي غدر" بالمعجمة بوزن عمر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر، أي ترك الوفاء "ألست أسعى في" دفع شر "غدرتك" بفتح الغين أي جنايتك ببذل المال، وفي مغازي عروة: والله ما غسلت يدي من غدرتك ولقد أورثتنا العداوة في ثقيف، وفي رواية ابن إسحاق: وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس.

"وكان المغيرة" قبل إسلامه "صحب قوما في الجاهلية" ثلاثة عشرة من ثقيف من بني مالك لما خرجوا للمقوقس بمصر بهدايا، فأحسن إليهم وأعطاهم وقصر بالمغيرة، لأنه ليس من القوم، بل من أحلافهم فغار منهم، ولم يواسه أحد منهم فلما كانوا ببعض الطريق شربوا الخمر وناموا فوثب المغيرة "فقتلهم" كلهم، "وأخذ أموالهم ثم جاء" إلى المدينة "فأسلم" فقال أبو بكر: ما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قال: قتلتهم وجئت بأسلابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ص: 191

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء".

ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، فقال: والله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذ توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له.

ليحسن أو ليرى رأيه فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أما الإسلام" بالنصب على المفعولية.

كذا قال المصنف "فأقبل" بلفظ المتكلم أي أقبله، "وأما المال فلست منه في شيء" أي لا أتعرض له لكونه أخذ غدرا؛ لأنه لا يحل أخذ مال الكفار غدرا حال الأمن، لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة وهي تؤدى إلى أهلها مسلما كان أو كافرا، وإنما تحل أموالهم بالمحاربة والمغالبة فلعله صلى الله عليه وسلم ترك المال في يده لإمكان إسلام قومه فيرد إليهم أموالهم، وفيه أن الحربي إذا أتلف مال الحربي لم يضمن وهو أحد وجهين للشافعية. كذا في الفتح فبلغ ذلك ثقيفا فتهايج الفريقان للقتال بنو مالك والأحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة عمه حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفرا واصطلحوا، وقد ساق الواقدي وابن الكلبي القصة مطولة وهذا حاصلها قال اليعمري: كذا في الخبر أن عروة عم المغيرة، وإنما هو عم أبيه. انتهى.

ولا ضير في ذلك فعم الأب عم فمراده مجرد الفائدة، لا الانتقاد كيف وقد نطق به سيد الفصحاء "ثم إن عروة جعل يرمق" بضم الميم، أي يلحظ "أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه" بالتثنية، "فقال" الراوي حين حدث الحديث لمسور ومروان حكاية عن حال الصحابة مع المصطفى بحضرة عروة:"واله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة" قال المصنف بضم النون ما يخرج من الصدر إلى الفم "إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده تبركا.

زاد ابن إسحاق ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، "وإذا أمرهم ابتدروا أمره" أي أسرعوا إلى فعله، "وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه" بفتح الواو فضلة الماء الذي توضأ به أي على ما يجتمع من القطرات وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء.

قاله المصنف وهو صريح في أنه الشرعي، وزعم أنه المراد غسيل يديه وأنه أبلغ لأنه يكون من الطعام ومما يستقذر، فإذا تبادروا إلى ذلك فأولى للشرعي، "وإذا تكلم" عليه الصلاة والسلام، لأبي ذر: تكلموا، أي: الصحابة "خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون" بضم أوله وكسر الحاء المهملة، أي: يديمون "النظر إليه تعظيما له".

ص: 192

قال في فتح الباري: فيه إشارة إلى الرد ما خشيه من فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال: من نحبه هذه المحبة ونعظمه هذا التعظيم كيف يظن أنه نفر عنه ونسلمه لعدوه، بل هم أشد اغتباطا به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم والله أعلم. انتهى.

قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم. والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم

"قال في فتح الباري: فيه" أي فعل الصحابة ما ذكر وليس الضمير للقول المذكور ويتعسف توجيهه بأنه قال: لأرى وجوها

إلخ، بحسب ظنه على ما جرت به عادة الأخلاط، فتبين له خطؤه بفعل الصحابة فإن لفظ الفتح، ولعل الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عروة، وبالغوا في ذلك "إشارة إلى الرد على ما خشيه من فرارهم، فكأنهم قالوا بلسان الحال من نحبه هذه المحبة، ونعظمه هذا التعظيم كيف يظن به أن نفر عنه ونسلمه" بضم أوله وسكون السين "لعدوه" من أسلمه إذا خذله.

فالمعنى من كانت هذه صفته كيف يترك نصره ويخلى بينه وبين عدوه، "بل هم أشد اغتباطا" بمعجمة، أي تعلقا وتمسكا "به وبدينه ونصره من هذه القبائل التي تراعي بعضها بمجرد الرحم" بقية كلام الفتح، فيستفاد منه جواز التوصل إلى المقصود بكل طريق سائغ "والله أعلم. انتهى".

"قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت" بفتح الفاء قدمت "على الملوك، ووفت على قيصر" غير منصرف للعجمة لقب لكل من ملك الروم "وكسرى" بكسر الكاف، وتفتح لكل من ملك الفرس "والنجاشي" بفتح النون وتكسر، وخفة الجيم وأخطأ من شددها، فألف فشين معجمة، فتحتية مشددة ومخففة لقب لمن ملك الحبشة، وهذا من عطف الخاص على العام، وخص الثلاثة بالذكر لأنهم أعظم ملوك ذلك الزمان، "والله إن" بكسر الهمزة وسكون النون نافية، أي ما "رأيت ملكا قط تعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن" بكسر فسكون أيضا، أي: ما "يتنخم" مصارع رواية أبي ذر ولغيره تنخم بلفظ الماضي "نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم" عليه الصلاة والسلام، ولأبي ذر تكلموا، أي

ص: 193

خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.

فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له". فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت

الصحابة "خفضوا أصواتهم عنده" إجلالا وتوقيرا، "وما يحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه" بكسر الهمزة "قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها" بهمزة وصل وفتح الموحدة عند ابن إسحاق.

ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدًا فروا رأيكم.

وعند ابن أبي شيبة من مرسل علي بن زيد فقال عروة: أي قوم قد رأيت الملوك ما رأيت مثل محمد وما هو بملك ولقد رأيت الهدي معكوفا وما أراكم إلا ستصيبكم قارعة فانصرف هو ومن تبعه إلى الطائف.

وفي قصة عروة من الفوائد ما يدل على جودة عقله وتفطنه، وما كان على الصحابة من المبالغة في تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره ومراعاة أموره وردع من جفا عليه بقول أو فعل والتبرك بآثاره "فقال رجل" هو الحليس بمهملتين مصغر، وسمى ابن إسحاق والزبير بن بكار أباه علقمة وكان الحليس سيد الأحابيش يومئذ قال البرهان: لا أعلم له إسلاما والظاهر هلاكه على كفره "من بني كنانة دعوني آته" بالجزم وكسر الهاء رواية أبي ذر أي: أذهب إليه، ولغيره آتيه بتحتية قبل الهاء "فقالوا: ائته" بهمزة ساكنة وكسر الهاء فأتاه "فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن" جمع بدنة، وهي البعير ذكرا كان أو أنثى والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث.

وعن مالك أنه كان يتعجب ممن يخصها بالأنثى، وقال الأزهري: البدنة لا تكون إلا من الإبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، فنقل النووي عنه أن البدنة من الإبل والبقر، والغنم خطأ نشأ عن سقط، وفي الصحاح البدنة ناقة أو بقرة تنحر بمكة سميت بذلك، لأنهم كانوا يسمنونها، قاله الحافظ في كتاب الجمعة "فابعثوها" أي أثيروها دفعة واحدة "له" ، "فبعثوها له" ليعتبر برؤيتها، ويتحقق أنهم لم يريدوا حربا، فيعينهم على دخول مكة لنسكهم، "واستقبله الناس يلبون" بالعمرة "فلما رأى" الكناني "ذلك قال" متعجبا "سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا" بضم أوله وفتح المهملة يمنعوا "عن البيت".

ص: 194

فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت.

فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فلما أشرف عليهم قال

وفي رواية الزبير بن بكار أبى الله أن تحج لخم وجذام وكندة وحمير، ويمنع ابن عبد المطلب وعند ابن إسحاق والواقدي، وابن سعد فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي بقلائده، وقد حبس عن محله رجع ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن في مغازي عروة عند الحاكم: فصاح الحليس فقال: هلكت قريش ورب الكعبة إن القوم إنما أتوا عمارا، فقال صلى الله عليه وسلم:"أجل يا أخا بني كنانة" قال الحافظ: فيحتمل أنه خاطبه على بعد، "فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت" بضم القاف وكسر اللام مشددة "وأشعرت" بضم أوله وسكون المعجمة وكسر المهملة "فما أرى" بفتح الهمزة "أن يصدوا عن البيت".

زاد ابن إسحاق فقالوا له: اجلس فإنما أنت إعرابي لا علم لك وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاهدناكم.

أيصد عن بيت الله من جاء معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: اكفف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.

قال الحافظ: وفي هذه القصة جواز المخادعة في الحرب وإظهار إرادة الشيء والمقصود غيره، وأن كثيرا من المشركين كانوا يعظمون حرمات الإحرام والحرم وينكرون على من يصد ذلك تمسكا منهم ببقايا دين إبراهيم عليه السلام. "فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص" زاد ابن إسحاق بن الأخيف وهو بمعجمة فتحتية ففاء من بني عامر بن لؤي، قال في الإصابة والنور: لم أر من ذكره في الصحابة إلا ابن حبان بلفظ يقال له: صحبة ومكرز بكسر الميم، وسكون الكاف، وفتح الراء بعدها زاي كما ضبطه الحافظ أبو علي الغساني وغيره.

قال السهيلي في غزوة ودان، وهكذا الرواية حيث وقع قال ابن ماكولا: ووجدته بخط ابن عبدة النسابة بفتح الميم، قال الحافظ في الفتح: وبخط يوسف بن خليل الحافظ بضم الميم، وكسر الراء، والأول المعتمد، "فقال: دعوني آته" بالجزم وكسر الهاء رواية أبي ذر مضارع أتى بالقصر جاء أما بالمد فمعناه أعطى ولغيره آتيه بياء على الاستئناف، "فلما أشرف عليهم قال:

ص: 195

النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مكرز، وهو رجل فاجر". فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم.

فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو

النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مكرز وهو رجل فاجر" بالفاء والجيم. وفي رواية ابن إسحاق: "غادر".

قال الحافظ: وهو أرجح، وما زلت متعجبا من وصفه بالفجور مع أنه لم يقع منه في قصة الحديبية فجور ظاهر، بل فيها ما يشعر بخلاف ذلك، كما سيأتي من كلامه في قصة أبي جندل، إلى أن رأيت في مغازي الواقدي في غزوة بدر أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: كيف نخرج من مكة وبنو كنانة خلفنا لا نأمنهم على ذرارينا، وذلك أن حفص بن الأخيف كان له ولد وضيء، فقتله رجل من بني بكر بن كنانة بدم لهم كان في قريش فتكلمت قريش في ذلك، ثم اصطلحوا فعدا مكرز بعد ذلك على عامر بن يزيد سيد بني بكر غرة، فقتله فنفرت من ذلك كنانة، فجاءت وقعة بدر أثناء ذلك، فكان مكرز معروفا بالغدر.

وذكر الواقدي أيضا أنه أراد أن يثبت المسلمين بالحديبية فخرج في خمسين رجلا فأخذهم محمد بن مسلمة، وهو على الحرس وانفلت مكرز، فكأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك. انتهى، وبه تعلم أنه لا وجه لقول الشارح: إن قوله: وهو رجل غادر بوحي؛ لأنه لو كان ناشئا عن خبر لذكروه. انتهى.

فهذا خبره "فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم" زاد ابن إسحاق: فقال له صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه، "فبينما" بالميم "هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو" القرشي، العامري خطيب قريش سكن مكة، ثم المدينة أسلم في الفتح قال الإمام الشافعي: كان محمود الإسلام من حين أسلم.

روى البخاري في تاريخه، والباوردي عن الحسن قال: كان من الطلقاء فنظر بعضهم إلى بعض فقال سهيل: على أنفسكم فاغضبوا دعي القوم ودعيتم فأسرعوا وأبطأتم فكيف بكم إذا دعيتم إلى أبواب الجنة، ثم خرج إلى الجهاد.

وروى ابن شاهين عن ثابت البناني قال: قال سهيل والله لا أدع موقفا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها، لعل أمري أن يتلو بعضه بعضا مات بالشام بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة عند الأكثر، ويقال: قتل باليرموك، ويقال: بمرج الصفراء وقضية هذا الحديث الصحيح أنه جاء قبل انصراف مكرز من عند المصطفى، وفي رواية ابن إسحاق: أن مكرزا رجع إلى قريش فأخبرهم بقوله صلى الله عليه وسلم وأن ذهاب الحليس، ثم عروة بعد مكرز فيجمع بأنه رجع فأخبرهم، ثم جاء مع سهيل في الصلح هو وحويطب كما رواه الواقدي، وابن عائذ، فكان مكرز سبق سهيلا في المجيء فكلم المصطفى فجاء سهيل.

ص: 196

قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد سهل لكم من أمركم".

وفي رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سهيل بن عمرو فقالت: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه، فقال صلى الله عليه وسلم:"قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا". فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جرى بينهما القول

وأما ثم في رواية ابن إسحاق في قوله: ثم بعثوا الحليس ثم عروة، فإنما هي للترتيب الذكري فلا تعارض رواية الصحيح وإلا فما في الصحيح أصح.

"قال معمر" بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة ابن راشد مما هو موصول إليه بالإسناد السابق، "فأخبرني" بالإفراد "أيوب" هو السختياني "عن عكرمة" بن عبد الله البربري مولى ابن عباس: أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد سهل لكم" بفتح السين وضم الهاء، كما اقتصر عليه المصنف، زاد الدماميني وبضم السين وكسر الهاء مشددة:"من أمركم". قال الكرماني: فاعل سهل ومن زائدة أو تبعيضية أي سهل بعض أمركم. انتهى.

أي على جعل الفاعل مضمون الجار والمجرور أو جعلهما صفة لمحذوف أي شيء من أمركم فسمي فاعلا لقيامه مقام الموصوف المحذوف فلا يرد على جعلها تبعيضية أن الفاعل لا يجر إلا بحرف الجر الزائد وهو من أو الباء قال المصنف، وهذا من باب التفاؤل وكان يعجبه الفأل الحسن وأتى بمن التبعيضية إيذانا بأن السهولة الواقعة في هذه القصة ليست عظيمة.

قيل: ولعله عليه السلام أخذ ذلك من التصغير في سهيل فإن تصغيره يقتضي كونه ليس عظيما انتهى.

قال في الفتح: وهذا مرسل ولم أقف على من وصله، فذكر ابن عباس فيه لكن له شاهد موصول عند ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع قال: بعثت قريش سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصالحوه، فلما رأى صلى الله عليه وسلم سهيلا قال:"قد سهل لكم من أمركم". وللطبراني نحوه من حديث عبد الله بن السائب.

"وفي رواية ابن إسحاق: فدعت قريش سهيل بن عمرو، فقالت: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه"، ولا تكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا، فأتى سهيل "فقال صلى الله عليه وسلم" لما رآه مقبلا:"قد أرادت قريش الصلح حين بعثت هذا" الرجل، "فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم" وبرك على ركبتيه، وتربع المصطفى، وقام عباد بن بشر وسلمة بن أسلم على رأسه مقنعان في الحديد، وجلس المسلمون حوله "جرى بينهما القول"

ص: 197

حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين وأن يؤامر بعضهم بعضا، وأن يرجع عنهم عامهم هذا.

وقال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن الرحيم فوالله، ما أدري ما هو

وأطال سهيل الكلام وتراجعا، وقال له عباد: اخفض صوتك عند النبي صلى الله عليه وسلم "حتى وقع بينهما الصلح على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين"، كما في رواية ابن إسحاق هذه، وبه جزم ابن سعد وأخرجه الحاكم من حديث علي، وهو المعتمد وقع في مغازي ابن عائذ عن ابن عباس وغير أنه كان سنتين، وكذا عند ابن عقبة قال الحافظ: ويجمع بأن العشر هي المدة التي وقع الصلح عليها والسنتين هي التي انتهى أمر الصلح فيها حتى نقضته قريش، كما يأتي في غزوة الفتح وما وقع في كامل ابن عدي ومستدرك الحاكم وأوسط الطبراني عن ابن عمران مدة الصلح كانت أربع سنين، فهو مع ضعف إسناده منكر مخالف للصحيح "وأن يؤامر بعضهم بعضا، وأن يرجع عنهم عامهم، هذا" إلى هنا نقله من رواية ابن إسحاق، "و" عاد المصنف لحديث البخاري. فقال:"قال معمر" هو موصول بالإسناد الأول إلى معمر وهو بقية الحديث، وإنما اعترض حديث عكرمة في أثنائه.

قال الحافظ: "قال الزهري في حديثه" السابق بسنده عن عروة عن مسور ومروان "فجاء سهيل بن عمر، فقال: هات" بكسر التاء أي افعل معنا ما يؤكد ما اصطلحنا عليه فمفعول هات محذوف، وكأنه قيل: ماذا تريد؟ قال: "اكتب بيننا وبينكم كتابا"، فهو استئناف مبين للمطلوب، فلا يراد أن أكتب للطلب، والطب لا يحسن كونه مطلوبا بالطلب الأول "فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب" هو علي بن أبي طالب، كما رواه البخاري في كتاب الصلح عن البراء بن عازب، وكذا أخرجه عمر بن شبة عن سلمة بن الأكوع وعنده أيضا عن سهيل بن عمرو.

الكتاب عندنا كاتبه محمد بن مسلمة ويجمع بأن أصل كتاب الصلح بخط علي كما هو في الصحيح ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل، ومن الأوهام ما وقع عند عمر بن شبة أنه هشام بن عكرمة وهو غلط فاحش، فإن الصحيفة التي كتبها هشام هي التي اتفقت عليها قريش لما حصروا بني هاشم في الشعب بمكة قبل الهجرة وبينها وبين هذه نحو عشر سنين. ونبهت على هذا لئلا يغتر من لا يعرف فيعتقده خلافا في اسم كاتب قصة الحديبية قال الحافظ: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو" ولأبي ذر عن الحموي، والمستملي ما هو بتأنيث الضمير أي كلمة الرحمن.

ص: 198

ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا تكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اكتب باسمك اللهم". ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الحاكم: " هذا ما صالح محمد رسول الله أهل مكة"

الحديث. فقال سهيل: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله.

وفي رواية فقال سهيل: لا أعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، "ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب" قبل ذلك في بدء الإسلام، كما كانوا يكتبونها في الجاهلية، فلما نزلت آية النمل كتب بسم الله الرحمن الرحيم، فأدركتهم حمية الجاهلية، وفي حديث أنس فقال سهيل: ما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن أكتب ما نعرف باسمك الله، وللحاكم عن عبد الله بن مغفل فأمسك سهيل يده، فقال: أكتب في قضيتنا ما نعرف باسمك اللهم، "فقال المسلمون: والله لا تكتبها" أي التسمية ملتبسة بصيغة ما "إلا" إذا كانت "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم" فكتب كما في رواية الحاكم، والظاهر أنهم لم يكفروا عن أيمانهم لأن نيتهم ما لم يتحتم بأمر المصطفى، "ثم قال" اكتب "هذا" إشارة إلى ما في الذهن، "ما قاضى" بوزن فاعل من قضيت الشيء، أي فصلت الحكم فيه "عليه محمد رسول الله" فيه جواز كتابة مثل ذلك في المعاقدات، والرد على من منعه معتلا بخشية أن يظن ما أنها النافية نبه عليه الخطابي، "وفي حديث عبد الله بن مغفل" بضم الميم وفتح المعجمة والفاء الثقيلة ولام ابن عبد نهم بفتح النون وسكون الهاء أبي عبد الرحمن المزني بايع تحت الشجرة ونزل البصرة، مات سنة سبع وخمسين، وقيل بعدها "عند الحاكم"، فكتب "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة"

الحديث. والغرض منه بيان أن المراد بقاضى صالح والمفعول، وهو أهل مكة، "فقال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله: ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك" وللبخاري في الصلح لا نقر لك بها، أي بالنبوة وله في المغازي لا نقر لك بهذا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ولبايعناك.

وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فقال سهيل: ظلمناك إن أقررنا لك بها، ومنعناك وللحاكم عن عبد الله بن مغفل لقد ظلمناك إن كنت رسولا. قال المصنف عن الطيبي وعبر بالمضارع بعد لو التي للماضي ليدل على الاستمرار، أي استمر عدم علمنا برسالتك في سائر الأزمنة من الماضي والمضارع، وهذا كقوله تعالى:{لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] .

قال شيخنا: الأولى التعبير بالحال بدل المضارع لأنه إذا أطلق، فالمراد به لفظ الفعل، وهو لا يصلح لبيان الزمان، "ولكن اكتب محمد بن عبد الله" وفي حديث أنس: ولكن اكتب

ص: 199

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله إني لرسول الله كذبتموني".

وفي رواية له -أي البخاري- ومسلم: فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: "امحه" فقال ما أنا بالذي أمحاه، وهي لغة في أمحوه.

قال العلماء: وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب، لأنه لم يفهم من النبي صلى الله عليه وسلم تحتم محو على نفسه، ولهذا لم ينكر عليه، ولم حتم محوه لنفسه لم يجز لعلي تركه انتهى.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: "أرني مكانها" فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله.

اسمك واسم أبيك.

وفي حديث عبد الله بن مغفل عند الحاكم فقال: اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، "فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إني لرسول الله وإن كذبتموني" قال المصنف: بتشديد المعجمة وجزاؤه محذوف. انتهى. وتقديره لا يضرني ذلك في رسالتي أو نحوه وبعد هذا في البخاري اكتب محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك أي إجابته لسهيل في الأمرين لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"، وللنسائي عن علي كنت كاتب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فكتبت: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه. امحها قلت: هو رسول الله وإن رغم أنفك لا والله لا أمحوها أبدا.

"وفي رواية له أي للبخاري" في عمرة القضاء والصلح والجزية "ومسلم" كلاهما من حديث البراء بن عازب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي:"امحه"، وفي رواية:"امح رسول الله واكتب ما أرادوه". "فقال: ما أنا بالي أمحاه"، وفي رواية: لا والله لا أمحوك أبدا، "وهي" أي: أمحاه بالألف "لغة في أمحوه" بالواو وفيه لغة ثالثة: أمحيه كما في المختار، ولم يذكرها المصباح، فلعله اقتصر على الواو لقلة أمحي بالياء "قال العلماء وهذا الذي فعله علي من باب الأدب المستحب" لأن العظيم إذا أمر بشيء وظن المأمور أنه لم يحتمه، فالأدب في حقه التوقف حتى يتحقق ما عند الآمر، "لأنه لم يفهم من النبي صلى الله عليه وسلم تحتم محو على نفسه، ولهذا لم ينكر عليه ولو حتم" النبي صلى الله عليه وسلم "محوه" أي على "لنفسه" أي على اسمه الشريف "لم يجز لعلي تركه. انتهى".

وعند الواقدي أن أسيد بن حضير وسعد بن عبادة أخذا بيد علي ومنعاه أن يكتب إلا محمد رسول الله وإلا فالسيف بيننا وبينهم وارتفعت الأصوات فجعل صلى الله عليه وسلم يخفضهم ويومئ بيديه إليهم اسكتوا، "ثم قال صلى الله عليه وسلم" في حديث البراء هذا لعلي "أرني مكانها". "فأراه مكانها، فمحاه" أي لفظ رسول الله "وكتب: ابن عبد الله".

ص: 200

وفي رواية البخاري -في المغازي- فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب -وليس يحسن يكتب- فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله.

وكذا أخرجه النسائي وأحمد ولفظه: فأخذ الكتاب -وليس يحسن أن يكتب- فكتب مكان رسول الله: محمد بن عبد الله.

قال في فتح الباري: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي

زاد النسائي عن علي: "أما أن لك مثلها وستأتيها وأنت مضطر". يشير إلى ما وقع لعلي يوم الحكمين فإنه لما كتب الكاتب: بهذا ما صالح عليه علي أمير المؤمنين. أرسل معاوية يقول: لو كنت أعلم أنه أمير المؤمنين ما قاتلته، امحها واكتب ابن أبي طالب، فقال علي: الله أكبر مثل بمثل، امحها.

"وفي رواية البخاري في" باب عمرة القضاء من كتاب "المغازي" من حديث البراء، "فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب" أي، فقال لعلي:"أرني مكانها". فأراه فمحاه كما في الرواية التي فوقها، ثم أعادها لعلي "فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله،" أي: فصار جملة المكتوب ذلك، لأن الممحو لفظ رسول الله فقط، كما في الرواية فوقه قال الحافظ: وقد روى البخاري في الصلح هذا الحديث بهذا الإسناد، وليس فيه لفظة: ليس يحسن يكتب، ولذا أنكر بعض المتأخرين علي بن موسى يعني المديني نسبتها للبخاري، فقال: ليست فيه ولا في مسلم وهو كما قال عن مسلم فإنه عنده بلفظ فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبد الله، وقد عرفت ثوبتها في البخاري في مظنة الحديث، "وكذا أخرجه النسائي" بلفظ رواية البخاري سواء "وأحمد لفظه، فأخذ الكتاب وليس يحسن أن يكتب فكتب مكان رسول الله محمد بن عبد الله قال في فتح الباري" عقب هذا: "وقد تمسك بظاهر هذه الرواية" التي هي: فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب "أبو الوليد الباجي" بفتح الموحدة وبالجيم نسبة إلى باجة مدينة بالأندلس العلامة الحافظ ذو الفنون سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب، ولد سنة ثلاث وأربعمائة وأخذ بالأندلس عن جمع ج ثم رحل ولازم أبا ذر الهروي الحافظ ثلاثة أعوام بالحجاز، وتفقه بأبي الطيب وغيره، وأخذ العقليات بالموصل عن أبي جعفر السمناني، وسمع بمصر، والشام والعراق والحجاز، وحج أربع حجات وبرع في الحديث وعلله ورجاله والفقه وغوامضه والكلام ومضايقه، وفقه الناس، وروى عنه خلائق وصنف في الجرح والتعديل والتفسير والفقه والأصول.

قال عياض: آجر نفسه ببغداد لحراسة دربه فكان يستعين بالأجرة على نفقته. ولما رجع

ص: 201

فادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب.

فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرءان حتى قال قائلهم شعرا:

برئت ممن شرى دنيا بآخرة

وقال إن رسول الله قد كتبا

فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال الأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن، قال الله تعالى:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48] وبعد أن تحققت أميته وتقررت لذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فيكون معجزة أخرى.

إلى الأندلس كان يضرب ورق الذهب ويعقد الوثائق قال لي أصحابه: كان يخرج لإقرائنا وفي يده أثر المطرقة إلى أن فشا علمه واشتهرت تآليفه فعرف حقه وعظم جاهه وقرب من الرؤساء فأجزلوا صلاته حتى مات عن مال كثير تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة، "فادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن أن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس" بفتح الهمزة والدال على المشهور ويقال بضمهما، واقتصر عليه أبو الفتح الهمداني "في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن" وأطلقوا عليه العيبة وقبحوا عند العامة ما أتى به، وتكلم به خطباؤهم في الجمع "حتى قال قائلهم" فيه شعرا:

برئت ممن شرى دنيا بآخرة

وقال إن رسول الله قد كتبا

وشرى بمعنى اشترى ومراد هذا الشاعر الإزراء على الباجي، وأنه قاله ليتميز به على غيره ويتقرب به إلى عظماء بلده ليكرموه ويقدموه على غيره "فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه" عنده "من المعرفة" بأساليب الكلام التي لا تنافي القرآن، "وقال للأمير هذا" أي الأخذ من الحديث أنه كتب "لا ينافي القرآن بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن قال الله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} ، "وبعد أن تحققت أمنيته، وتقررت بذلك معجزته وأمن الارتياب في ذلك لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فيكون معجزة أخرى".

وصنف الباجي في ذلك رسالة فرجع بها جماعة، وذكر اليعمري أنه بعث إلى الآفاق يستفتي بمصر، والشام والعراق فجمهورهم قال: لم يكتب بيده قط، ورأوا ذلك عل المجاز أي أمر بالكتابة وقالت طائفة: كتب جرت هذه المسألة بحضرة شيخنا الإمام أبي الفتح القشيري

ص: 202

وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي على ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية.

واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجالد عن عون بن عبد الله قال: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ.

قال مجالد: فذكرته للشعبي فقال: صدق، قد سمعت من يذكر ذلك.

وقال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها، كقوله لكاتبه:

يعني ابن دقيق العيد فلم يعبأ يقول من قال: وقال هو قول أحوج الباجي إلى أن يستنجد بالعلماء من الآفاق، "وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء، وافقوا الباجي على ذلك منهم شيخه" العلامة الإمام الحافظ عبد -بغير إضافة- ابن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري "أبو ذر الهروي" المالكي، شيخ الحرم، صاحب التصانيف الزاهد الورع العابد العالم كثير الشيوخ، مات في شوال سنة أربع وثلاثين وأربعمائة "وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية" وغيرها كما في الفتح "واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة" بفتح المعجمة وتشديد الموحدة ابن عبيد بن زيد النميري بنون مصغر.

أبو زيد البصري، نزيل بغداد صدوق له تصانيف مات سنة اثنتين وستين ومائتين، وقد جاور التسعين "من طريق مجالد" بضم الميم وتخفيف الجيم فألف فلام، فدال مهملة ابن سعد بن عمير الهمداني بسكون الميم، أبي عمر والكوفي ليس بالقوي وتغير في آخر عمره، مات سنة أربع وأربعين ومائة "عن عون بن عبد الله" بن عتبة بن مسعد الهذلي أبي عبد الله المكي العابد الثقة، المتوفى قبل سنة عشرين ومائة "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب وقرأ قال مجالد: فذكرته للشعبي" عامر بن شراحيل التابعي المشهور، "فقال: صدق" عون "قد سمعت من يذكر ذلك".

وبعد هذا في الفتح ومن طريق أي وبما أخرجه المذكوران أيضا من طريق يونس بن ميسرة، عن أبي كبشة السلولي، عن سهل ابن الحنظلية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس فأخذ صلى الله عليه وسلم الصحيفة فنظر فيها فقال: "قد كتب لك بما أمرت لك".

قال يونس: فنرى أنه صلى الله عليه وسلم كتب بعدما أنزل عليه، "وقال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط، وحسن تصويرها كقوله لكاتبه" فيما رواه الترمذي عن زيد بن ثابت

ص: 203

"ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك"، وقوله لمعاوية:"ألق الدواة وحرف القلم وفرق السين ولا تعور الميم" إلى غير ذلك. قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء.

وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث.

وعن قصة الحديبية: بأن القصة واحدة، والكاتب فيها هو علي بن أبي طالب رضي الله

"ضع القلم على أذنك" اليمنى "فإنه أذكر لك" أي أكثر ذكرا بكسر الذال وضمها، "وقوله لمعاوية" كاتبه أيضا كثيرا بعد عام الفتح:"ألق الدواة" بفتح الهمزة وكسر اللام والقاف لالتقاء الساكنين، أي أصلح مدادها من لاق إذا لصق واشتهر فيما يجعل من حرير أو لبد ونحوه؛ لأنه يصلحها لمنعه كثرة أخذ المداد في القلم الذي قد يفسد الخط "وحرف القلم" أي اجعل قطه محرفا لأنه أعون على التصوير ويكون تحريفه من جهة اليمين "وأقم الباء" اجعلها مستقيمة أو طولها قليلا، لأنها عوض عن ألف اسم "وفرق السين" اجعل سننها منفصلا بعضها من بعض، "ولا تعور الميم" بضم الفوقية وفتح المهملة وكسر الواو الثقيلة وراء مهملة، أي لا تجعل دائرتها مطموسة كالعين العوراء، وبقية هذا الحديث في الشفاء:"وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم".

ورواه الديلمي في مسند الفردوس، وأورد في الشفاء أيضا حديث:"لا تمد بسم الله الرحمن الرحيم".

رواه ابن شعبان من طريق ابن عباس، وإليه أشار بقوله "إلى غير ذلك"، لكن قال السيوطي حديث ابن عباس هذا لم أجده، وللديلمي عن أنس:"إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن"، وله عن زيد: إذا كتبت فبين السين في بسم الله الرحمن الرحيم "قال" عياض: "وهذا" المذكور من هذه الآثار، "وإن لم يثبت أنه كتب" لجواز أنه عرف صورة الحروف بالسماع مثلا "فلا بعد" عقلا "أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتي علم كل شيء وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث" فلا حجة فيها، وقد صنف أبو محمد بن مفوز كتابا رد فيه على الباجي وبين خطأه وحكي أن أبا محمد الهواري كان يرى ذلك، فرأى في النوم أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم انشق وماج فلم يستقر فاندهش لذلك وقال لعله لاعتقادي لهذه المقالة ثم عقدت التوبة مع نفسي فسكن واستقر، ثم قص الرؤيا على ابن مفوز فعبرها بذلك واستظهر بقوله تعالى:{تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ} [مريم: 90] .

"وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة والكاتب فيها هو علي بن أبي طالب رضي الله

ص: 204

عنه، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة بأن عليا هو الذي كتب فيحتمل أن النكتة في قوله فأخذ الكتاب، وليس يحسن يكتب لبيان أن قوله "أرني إياها" إلى أنه إنما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة.

وعلى أن قوله بعد ذلك: فكتب، فيه حذف تقديره: فمحاها فأعادها لعلي فكتب:

أو أطلق "كتب" بمعنى: أمر بالكتابة، وهو كثير، كقوله: كتب إلى كسرى وقيصر.

وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم -وهو لا يحسن الكتابة- أن يصير عالما بالكتابة، ويخرج عن كونه أميا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا ككثير من الملوك.

ويحتمل أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في

عنه، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة" وغيره عند البخاري وغيره، "أن عليا هو الذي كتب" فمجرد رواية أن المصطفى كتب لا تدل على خلافه لقبولها التأويل، "فيحتمل أن النكتة في قوله، فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب لبيان أن قوله أرني إياها إنما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك فكتب فيه حذف تقديره فمحاها" إبرار القسم علي "فأعادها لعلي فكتب".

وبهذا جزم ابن التين "أو أطلق كتب بمعنى أمر بالكتابة وهو كثير، كقوله كتب إلى كسرى وقيصر وعلى تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم، وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالما بالكتابة" كا ادعى الباجي ومن وافقه "ويخرج عن كونه أميا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده وخصوصا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا ككثير من الملوك ويحتمل أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في

ص: 205

ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا، وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي.

وتعقب ذلك السهيلي وغيره:

بأن هذا وإن كان ممكنا، ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة، وأفحم الجاحد، وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتب ذلك.

قال السهيلي: والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا، والحق: أن معنى قوله "كتب" أمر عليا أن يكتب. انتهى.

قال: وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة

ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا".

"وبهذا أجاب أبو جعفر" محمد بن أحمد بن محمد بن محمود الفقيه الحنفي "السمناني" بكسر السين المهملة، وسكون الميم وفتح النون الأولى نسبة إلى سمنان العراق "أحد أئمة الأصول من الأشاعرة" سكن بغداد وسمع الدارقطني وغيره وعنه الخطيب، وقال: كان ثقة عالما فاضلا حسن الكلام والباجي، وغيرهما ولد سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ومات بالموصل وهو قاض بها سنة أربع وأربعين وأربعمائة، "وتبعه ابن الجوزي" أبو الفرج الحافظ عبد الرحمن البكري المشهور، "وتعقب ذلك السهيلي وغيره بأن هذا وإن كان ممكنا، ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميا لا يكتب وهي الآية التي قامت بها الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة" التي افتراها عليه الكفار، فقالوا: أساطير الأولين اكتتبها، فهي تملي عليه، ونحو ذلك، "فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة وقال المعاند" الكافر: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتم ذلك".

"قال السهيلي": تقوية لرد هذا الاحتمال "والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضا،" فلو قلنا أن كتابته يومئذ معجزة أخرى دفعت كونه أميا "والحق أن معنى قوله: كتب، أمر عليا أن يكتب" كما قاله الجمهور. "انتهى" قول السهيلي.

"قال" صاحب الفتح: لا عياض كما وهم، فإنه متقدم على السهيلي، فلا يتأتى تنظيره في كلامه، "وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة" التي هي جريان يده

ص: 206

تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير، والله أعلم. انتهى.

وأما قوله: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" وقوله: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم

إلخ.

فقال العلماء: وافقهم عليه الصلاة والسلام في عدم كتابة: بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب: باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله، وترك كتابة: رسول الله للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح.

مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور: أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله: محمد بن عبد الله، هو أيضا رسوله، وليس في ترك وصف الله تعالى

بالكتابة، وهو لا يحسنها "تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظير كبير" لأنه خارق للعادة لا اختيار له فيه، حتى لو أراد كتابة غيره اختيارا لم يقدر فهو باق على أميته، وأجاب شيخنا بأن كونه خارقا للعادة باعتبار نفس الأمر وأما الواقف عليه فإنما يحمله على أنه فعله اختيارا فتعود الشبهة التي أريد دفعها عنه صلى الله عليه وسلم "والله أعلم" بما في نفس الأمر "انتهى" كلام فتح الباري. "وأما قوله" صلى الله عليه وسلم:"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". "وقوله" أي سهيل: "أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم

إلخ".

"فقال العلماء وافقهم عليه الصلاة والسلام في عدم كتابة: بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب: باسمك اللهم، وكذا وافقهم في محمد بن عبد الله، وترك كتابة: رسول الله للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح"؛ لأنه يترك المصلحة مع الإمكان قال أبو بكر رضي الله عنه: ما كان فتح أعظم من صلح الحديبية، ولكن قصر رأيهم عما كان بين رسول الله وبين ربه والعباد يعجلون، والله تعالى لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد.

لقد رأيت سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه ورسول الله ينحرها بيده، ودعا الحلاق، فحلق رأسه، فانظر إلى سهيل يلتقط من شعره، وجعل بعضه على عينيه، وأذكر امتناعه أن يقر يوم الحديبية ببسم الله الرحمن الرحيم، فحمدت الله الذي هداه للإسلام. "مع أنه لا مفسدة في هذ الأمور،" ووجه نفي المفسدة بقوله: "أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله "محمد بن عبد الله" هو أيضا رسوله" كما قال عليه السلام في رواية للبخاري: "أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله" وليس من ترك وصف

ص: 207

في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه صلى الله عليه وسلم هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة فيما طلبوه، وإنما المفسدة لو طلبوا أن يكتبوا ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك. انتهى.

قال في رواية البخاري: فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله.

فقال صلى الله عليه وسلم: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به".

فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب.

فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا.

الله في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفي ذلك، ولا في ترك وصفه صلى الله عليه وسلم هنا بالرسالة ما ينفيها فلا مفسدة فيما طلبوه"، فلذا وافقهم عليه، "وإنما المفسدة لو طلبوا أن يكتبوا ما لا يحل من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك" ولم يقع "انتهى" ما قاله العلماء "قال في رواية البخاري": التي في الشروط عقب ما مر قبل قوله، وفي رواية له بعدما نقلته ثمة، فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فقال" النبي صلى الله عليه وسلم: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به" بالتخفيف بالنصب عطف على المنصوب السابق، وفي نسخة نطوف بالرفع على الاستئناف، وفي أخرى فنطوف بتشديد الطاء والواو وأصله نتطوف بالنصب والرفع، "فقال سهيل: والله لا" نخلي بينك وبين البيت "تتحدث العرب أنا أخذنا" بضم الهمزة، وكسر الخاء "ضغطة" بضم الضاد، وسكون الغين المعجمتين، والنصب على التمييز قهرا والجملة استئنافية، وليست مدخولة لا قاله كله المصنف، "ولكن ذلك" الذي أردته من التخلية "من العام المقبل فكتب" على ذلك، "فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا".

وفي رواية للبخاري أيضا في أول كتاب الشروط بلفظ، ولا يأتيك منا أحد وهي تعم الرجال والنساء، فدخلن في هذا الصلح، ثم نسخ ذلك فيهن أو لم يدخلن إلا بطريق العموم، فخصص زاد ابن إسحاق ومن جاء قريشا ممن تبع محمدا لم يردوه إليه، ولمسلم من حديث أنس أن قريشا صالحت البي صلى الله عليه وسلم على أن من جاء منكم لم نرده إليكم، ومن جاءكم منا رددتموه إلينا فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: "نعم، فإنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا". وللبخاري في أول الشروط، وكان فيما

ص: 208

فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟

والضغطة، بالضم، قال في القاموس: الضيق والإكراه والشدة. انتهى.

فإن قلت: ما الحكمة في كونه عليه الصلاة وافق سهيلا على أنه لا يأتيه رجل منهم وإن كان على دين الإسلام إلا ويرده إلى المشركين.

اشترط سهيل على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحد، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه فكره المؤمنون ذلك، وامتعضوا منه بعين مهملة وضاد معجمة أي غضبوا من هذا الشرط وأنفوا منه. قال: فأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك "فقال المسلمون" متعجبين:"سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء" حال كونه "مسلما".

قال الحافظ: قائل ذلك يشبه أن يكون عمر لما سيأتي وسمى الواقدي ممن قال ذلك أسيد بن حضير وسعد بن عبادة وسهل بن حنيف أنكر ذلك أيضا كما في المغازي من البخاري، "والضغطة بالضم" للضاد وسكون الغين المعجمتين ثم طاء مهملة، كما اقتصر عليه الفتح "قال في القاموس: الضيق والإكراه والشدة. انتهى".

وهي ألفاظ متقاربة وفي النهاية، أي عصرا وقهرا، يقال: أخذت فلانا ضغطة إذا ضيقت عليه لتكرهه على الشيء، وفي ترتيب المطالع بفتح الضاد وضمها للأصيلي، أي قهرا واضطرارا، وفي حديث البراء عند البخاري لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، أن لا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها وعند ابن إسحاق: وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة أي أمورا مطوية في صدور سليمة إشارة إلى ترك المؤاخذة بما تقدم بينهم من أسباب الحرب وغيرها، وأنه لا إسلال ولا إغلال أي لا سرقة ولا خيانة.

فالإسلال من السل وهي السرقة والإغلال الخيانة، تقول أغل الرجل أي خان أما في الغنيمة فيقال: غل بغير ألف، والمراد أن يأمن بعضهم من بعض ونفوسهم وأموالهم سرا وجهرا، وقيل الإسلال من سل السيوف والإغلال من لبس الدروع، ووهاه أبو عبيد قال: وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وإنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل مكة علينا، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيره، "فإن قلت ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام وافق سهيلا على أن لا يأتيه رجل منهم، وإن كان على دين الإسلام إلا ويرده إلى المشركين".

ص: 209

فالجواب: إن المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح ما ظهر من ثمراته الباهرة، وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين الله أفواجا.

وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبي صلى الله عليه وسلم كما هي، ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة، فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونه، وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، فمالت نفوسهم إلى الإيمان، حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام، قبل فتح مكة، فأسلموا بين صلح الحديبية وفتح مكة، وازداد الآخرون ميلا إلى الإسلام.

"فالجواب" كما نقله النووي عن العلماء "أن المصلحة المترتبة على إتمام هذا الصلح" هي "ما ظهر من ثمراته الباهرة" الغالبة، "وفوائده المتظاهرة" التي علمها صلى الله عليه وسلم وخفيت على غيره، فحمله ذلك على موافقتهم لأنه لا يترك ما فيه مصلحة للمسلمين.

وقد علم أن الله سيجعل للمستضعفين فرجا ومخرجا كما أخبر بذلك فكان كما قال فظهرت مصلحة هذا الفتح "التي كانت عاقبتها فتح مكة وإسلام أهلها كلهم ودخول الناس في دين الله أفواجا" جماعات، "وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تتظاهر" أي تظهر "عندم أمور النبي صلى الله عليه وسلم كما هي"، وعبر بالمفاعلة إشارة إلى أنه بعد الصلح صار بعض الأمور لظهوره، كأنه يعاون البعض وهو مستلزم لكمال الظهور.

وفي المختار: التظاهر التعاون، "ولا يخلون بمن يعلمهم بها مفصلة فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونهم، وسمعوا منهم أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته الظاهرة، وأعلام نبوته المتظاهرة، وحسن سيرته" طريقته وهيئته من إضافة الصفة للموصوف "وجميل طريقته" مساو لما قبله حسنه اختلاف اللفظ.

"وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك فمالت نفسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة، فأسلموا فيما بين صلح الحديبية وفتح مكة" كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاصي، وغيرهما، "وازداد الآخرون" وهم من لم يسلم حينئذ "ميلا إلى الإسلام".

ص: 210

فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما كان قد تمهد لهم من الميل.

وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش، فلما أسلمت قريش أسلمت العرب في البوادي. قال الله تعالى:{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1، 2] فالله ورسوله أعلم. انتهى.

قال في رواية البخاري: فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده

"فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش في البوادي ينتظرون بإسلامهم إسلام قريش" لما يعلمونه فيهم من القوة والرأي، ولأنهم كانوا يقولون: قوم الرجل أعلم به.

"فلما أسلمت قريش أسلمت العرب، قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} نبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه {وَالْفَتْحُ} ، فتح مكة باتفاق كقوله: "لا هجرة بعد الفتح" {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} جماعات، جاءه العرب بعد فتح مكة من أقطار الأرض طائعين، "فالله ورسوله أعلم" بالحكمة البالغة التي منها أن صد المسلمين عن البيت كان في الظاهر هضما وفي الباطن عزا لهم وقوة، فذل المشركون من حيث أرادوا العزة وقهروا من حيث أرادوا الغلبة ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. "انتهى" كلام العلماء.

"قال في رواية البخاري" التي في الشرط: "فبينما" بالميم "هم كذلك" وعند ابن إسحاق: فإن الصحيفة لتكتب، "إذ دخل أبو جندل" بالجيم، والنون وزن جعفر، "ابن سهيل بن عمرو" القرشي العامري، وكان اسمه العاصي فتركه لما أسلم، حبس بمكة ومنع الهجرة وعذب بسبب الإسلام، وله أخ اسمه عبد الله أسلم أيضا قديما وحضر مع المشركين بدرا ففر منهم إلى المسلمين، ثم كان معهم بالحديبية.

وقد وهم من جعلهما واحدا، وقد استشهد عبد الله باليمامة قبل أبي جندل بمدة، فإنه استشهد بالشام في خلافة عمر كما ذكره ابن عقبة عن الزهري، قاله في الفتح، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: وكان سهيل أوثقه وسجنه حين أسلم فخرج من السجن وتنكب الطريق وركب الجبال حتى هبط على المسلمين ففرح به المسلمون وتلقوه حال كونه "يرسف" بفتح أوله وضم المهملة وبالفاء أي يمشي مشيا بطيئا بسبب أنه "في قيوده".

هكذا ضبطه في الفتح والنور والمصنف وغيرهم فهو الرواية، وقال الحافظ في المقدمة

ص: 211

وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين.

فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نقض الكتاب بعد".

قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فأجزه لي". قال: ما أنا بمجيز ذلك.

قال: "بلى فافعل". قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى

بضم السين، ويقال بكسرها هو مشي المقيد، فقوله: يقال أي في اللفظ من حيث هو بدليل اقتصاره في الفتح على الضم، "وقد خرج" لما خرج من السجن "من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين".

زاد ابن إسحاق فقام سهيل إلى أبي جندل فضرب وجهه، وأخذ يتلببه قال البرهان: أي جمع عليه ثوبه الذي هو لابسه، وقبض عليه نحره، "فقال" أبوه "سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك،" أي أول شيء أحاكمك "عليه أن ترده إليّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنا لم نقض الكتاب بعد". قال المصنف بنون مفتوحة، فقاف ساكنة، فضاد معجمة، أي لم نفرغ من كتابته ولأبي ذر عن المستملي والحموي: لم نفض بالفاء وتشديد المعجمة. انتهى.

والمراد به أيضا الفراغ مجازا؛ لأنه بالفاء: الكسر. فض الإناء: كسره، فأطلق اللازم وأراد الملزوم، وهو عدم الفراغ من الكتاب:"قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا"، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فأجزه لي" بالجيم والزاي بصيغة فعل الأمر من الإجازة، أي أمض لي فعلي فيه ولا أرده إليك أو استثنه من القضية، ووقع في الجمع للحميدي بالراء.

ورجح ابن الجوزي الزاي وفيه أن الاعتبار في العقود بالقول ولو تأخرت الكتابة والإشهاد، ولذا أمضى صلى الله عليه وسلم لسهيل الأمر في ابنه إليه.

وكان تلطف به بقوله: "لم نقض الكتاب" رجاء أن يجيبه ولا تنكره بقية قريش؛ لأنه ولده فلما أصر على الامتناع تركه له.

قال الحافظ: وبه تعلم سقوط قول الشارح كأنه أشار بذلك إلى عدم انبرام الصلح بينهم، فكأنه قال لم يستقر الأمر على رد من جاءنا منكم.

"قال: ما أنا بمجيز ذلك" هي رواية أبي ذر ولغيره: بمجيزه لك.

قال: "بلى فافعل". "قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز"، زاد الواقدي: وحويطب: "بلى" كذا للأكثر

ص: 212

قد أجزناه لك.

قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟

ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب في الله عذابا شديدا.

زاد ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا"

بلفظ الإضراب وللكشميهني: بلى "قد أجزناه لك" فأخذاه فأدخلاه فسطاطا وكفا أباه عنه كما في رواية الواقدي وغيره.

وفي فتح الباري لم يذكر هنا من أجاب به سهيل مكرزا، فزعم بعض الشراح أنه لم يجبه؛ لأن مكرزا لم يكن ممن جعل له عقد الصلح وفيه نظر، فقد روى الواقدي وابن عائذ أنه كان ممن جاء في الصلح مع سهيل ومعهما حويطب بن عبد العزى، لكن ذكرا أن إجازته إنما هي في تأمينه من العذاب ونحو ذلك لا بأن يقرأه عند المسلمين لكن يعكر عليه رواية الصحيح. فقال مكرز:"قد أجزناه لك" يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ولذا استشكل ما وقع منه لأنه خلاف قوله عليه السلام وهو فاجر، فكان الظاهر أن يساعد سهيلا على ابنه وأجيب بأن الفجور حقيقة ولا يلزم أن لا يقع منه شيء من البر نادرا أو قال ذلك نفاقا وفي بطنه خلافه، أو سمع قوله صلى الله عليه وسلم هو رجل فاجر فأراد إظهار خلافه فهو من جملة فجوره، ولو ثبتت رواية الواقدي وابن عائذ لكانت أقوى من هذه الاحتمالات، فإنه إنما أجازه ليكف عنه العذاب ليرجع إلى طاعة أبيه فما خرج بذلك عن الفجور. انتهى ملخصا.

وفي رواية ابن إسحاق: ثم قال أي سهيل: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال:"صدقت". "قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد" بضم الهمزة وفتح الراء "إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ " بكسر القاف وفتحها بعضهم، "وكان قد عذب في الله عذابا شديدا".

"زاد ابن إسحاق" بعد نحو، هذا وهو قوله وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني، فزاد الناس ذلك إى ما بهم، "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أبا جندل اصبر واحتسب فإنا لا نغدر" وقد تم الصلح قبل أن تأتي وتلطفت بأبيك، فأبى "وإن الله جاعل لك" ولمن معك من المستضعفين، كما في نفس رواية ابن إسحاق، وأسقطها المصنف تبعا للفتح "فرجا ومخرجا" كأنه علم ذلك بالوحي.

وفي رواية أبي المليح فأرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أبا جندل وبقية رواية ابن إسحاق: "فإنا

ص: 213

فوثب عمر يمشي إلى جنبه ويقول، اصبر فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب.

قال الخطابي: تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين:

أحدهما: أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم تمكن التورية، فلم يكن رده إليهم إسلاما لأبي جندل إلى الهلاك، مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية.

والوجه الثاني: إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك، وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة بالتقية أيضا.

وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله تعالى يبتلي به صبر عباده المؤمنين.

قد عقنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وإنا لا نغدر بهم". قال "فوثب عمر" بن الخطاب مع أبي جندل "يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر" يا أبا جندل، "فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم الكلب" ويدني قائم السيف يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، قال: فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية انتهى كلام ابن إسحاق.

"قال الخطابي تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين أحدهما أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم" أي ما يبقى به نفسه مما ظهره كفر، "إذ خاف الهلال ورخص له أن يتكلم بالكفر"، أو يفعل ما ظاهره كفر كسجود لصنم "مع إضمار الإيمان" بأن يصمم عليه بقلبه، فقال تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} فالمكره غير مكلف "إن لم تمكن التورية" لعدم معرفتها أو قبولهم لها، "فلم يكن رده إليهم إسلاما لأبي جندل إلى الهلاك" أي تسليطا لهم عليه وتخذيلا له "مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية".

"والوجه الثاني إنه إنما رده إلى أبيه، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك" لما جبلت عليه النفوس من محبة الولد "وإن عذبه أو سجنه فله مندوحة" بفتح الميم أي سعة وفسحة "بالتقية أيضا"، فليس رده لأبيه طريقا للهلاك، لأنه يمكن أن يوافقهم على الكفر ظاهرا، وقلبه مطمئن بالإيمان فيسلم من الهلاك والتعذيب، "وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به صبر عباده المؤمنين" أي يتحنهم ليظهر بذلك صبرهم للناس، فالابتلاء سبب لظهور الصبر لا ليعلمه إذ لا يعزب عن علمه شيء.

ص: 214

واختلف العلماء: هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم، أم لا؟

فقيل: نعم، على ما دلت عليه قصة أبي جندل وأبي بصير.

"واختلف العلماء" في جواب قول السائل "هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم، أم لا، فقيل: نعم" يجوز "على ما دلت عليه قصة أبي جندل" المذكور، "وأبي بصير" بفتح الموحدة، وكسر الصاد المهملة فتحتية ساكنة فراء عتبة بضم المهملة وسكون الفوقية وقيل عبيد بموحدة مصغر. قال الحافظ وهو وهم بن أسيد بفتح الهمزة وكسر السين على الصحيح ابن جارية بجيم وتحتية ابن عبد الله الثقفي حليف بني زهرة، فقوله في الصحيح رجل من قريش أي بالحلف؛ لأن بني زهرة من قريش، أسلم قديما. وقصته عند البخاري في بقية هذا الحديث الذي ساقه عنه المصنف من كتاب الشروط قال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين سماهما ابن سعد خنيس بمعجمة ونون وآخره مهملة مصغر ابن جابر ومولى يقال له كوثر، وقيل اسم أحدهما مرثد بن حمران بن إسحاق، وكتب الأخنس بن شريق والأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا به مع مولى لهما ورجل من بني عامر استأجراه ببكرين.

زاد الواقدي فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام، ورواية أبي المليح جاء أبو بصير مسلما، وجاء وليه خلفه على مجاز الحذف أي رسول وليه. انتهى.

فقالوا: العهد الذي جعلته لنا فدفعه إلى الرجلين، زاد ابن إسحاق فقال أتردني إلى المشركين يفتنونني عن ديني يعذبونني، قال:"اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا" زاد أبو المليح فقال له عمر: أنت رجل وهو رجل ومعك السيف انتهى.

فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين في رواية ابن سعد الخنيس بن جابر. انتهى.

والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به، ثم جربت وفي رواية لأضربن به في الأوس والخزرج يوما إلى الليل. انتهى.

فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه، فضربه أبو بصير حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال صلى الله عليه وسلم لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، ولابن إسحاق قتل صاحبكم صاحبي انتهى، وإني لمقتول أي إن لم ترده عني.

وعند ابن عائذ وتبعه أبو بصير حتى دفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه وهو عاض على أسفل ثوبه، وقد بدا طرف ذكره والحصى يطير من تحت قدميه من شدة عدوه وأبو

ص: 215

.....................................

بصير يتبعه انتهى.

فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال صلى الله عليه وسلم:"ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد ينصره". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ولابن عقبة، وجاء أبو بصير بسلبه فقال: خمسه يا رسول الله، فقال:"إني إذا خمسته لم أوف بالعهد الذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك واذهب حيث شئت". فخرج معه خمسة قدموا معه مسلمين من مكة. انتهى.

فخرج حتى أتى سيف البحر بكسر المهملة، وسكون التحتية بعدها فاء أي ساحله، وعين ابن إسحاق المكان، فقال حتى نزل العيص بكسر المهملة، وسكون التحتية بعدها مهملة قال وكان طريق مكة إذا قصدوا الشام، وهو يحاذي المدينة إلى جهة الساحل انتهى.

قال وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، وعند ابن عقبة كأبي الأسود عن عروة انفلت في سبعين راكبا مسلمين، فلحقوا بأبي بصير قريبا من ذي المروة على طريق قريش، فقطعوا مادتهم من طريق الشام وأبو بصير يصلي بأصحابه، فلما قدم أبو جندل كان يؤمهم، أي لأنه قرشي. انتهى.

فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمع منهم عصابة بكسر العين تطلق على أربعين فما دونها، ودل هذا الحديث على إطلاقها على أكثر، فلابن إسحاق بلغوا نحوا من سبعين، ولأبي المليح أربعين أو سبعين، وجزم عروة بأنهم بلغوا سبعين، وزعم السهيلي أنهم بلغوا ثلاثمائة رجل، كذا قال في الفتح: وفيه أن السهيلي لم يقله من عنده بل عزاه لرواية معمر عن الزهري.

وهكذا جزم به ابن عقبة في مغازيه فقال: واجتمع إلى أبي جندل ناس من غفار، وأسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون.

زاد عروة وكرهوا أن يقدموا المدينة في الهدنة خشية أن يعادوا إلى المشركين. انتهى.

فوالله ما يسمعون بعير خرجت من مكة لقريش إلى الشام إلا اعترضو لها وأخذوا أموالهم ولابن إسحاق لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم عير إلا اقتطعوها. انتهى.

فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، ولأبي الأسود عن عروة، فأرسلوا أبا سفيان بن حرب إليه صلى الله عليه وسلم يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي جندل ومن معه، قالوا: ومن خرج منا إليك فهو لك حلال غير حرج. انتهى.

فأرسل صلى الله عليه وسلم إليهم، وفي رواية ابن عقبة عن الزهري، فكتب صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير، فقدم

ص: 216

وقيل: لا، وإن الذي وقع في القصة منسوخ. وإن ناسخه حديث:"أنا بريء من مسلم بين مشركين" وهو قول الحنفية.

وعند الشافعية: يفصل بين العاقل والمجنون والصبي، فلا يردان. وقال بعض الشافعية: ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب. والله أعلم. قاله في فتح الباري.

قال في رواية البخاري: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى"

كتابه وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا، وقدم أبو جندل ومن معه المدينة، فلم يزل بها حتى خرج إلى الشام مجاهدا، فاستشهد في خلافة عمر، ولابن الأسود عن عروة فعلم الذين أشاروا أن لا يسلم أبا جندل إلى أبيه أن طاعته صلى الله عليه وسلم خير مما كرهوا. انتهى.

وقد بينت الزائد على رواية البخاري بعزو أوله وقول انتهى آخره.

"وقيل: لا" يجوز صلح المشركين على رد من جاء مسلما منهم، "وأن الذي وقع في القصة" المذكورة لكل من أبي جندل وأبي بصير "منسوخ، وأن ناسخه حديث" أبي داود، والترمذي وصححه الضياء عن جرير مرفوعا:"أنا بريء من مسلم بين مشركين"، واختصره المصنف، ولفظه عند رواية المذكورين:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تراءى ناراهما"، "وهو قول الحنفية" ولا شاهد فيه للنسخ، لأنه فيمن تمكن من الفرار ولا عشيرة له تحميه أو قاله بعد رضا المشركين برد من جاء مسلما.

"وعند الشافعية يفصل بين العاقل و"بين "المجنون والصبي، فلا يردان" بخلاف العاقل، فيجوز شرط رده إن كان له عشيرة تحميه. "وقال بعض الشافعية ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب والله أعلم".

"قاله في فتح الباري، قال في رواية البخاري" الذكورة، "فقال" بالفاء ولأبي ذر، قال "عمر بن الخطاب" هذا بما يقوي أنه الذي حدث المسور ومروان بالقصة، وكذا ما مر قريبا من قصته مع أبي جندل قاله الحافظ، "فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت" له "ألست نبي الله" بالنصب خبر ليس والاستفهام تقريري "حقا؟ " قال:"بلى" ألسنا على الحق وعدونا على الباطل، قال:"بلى". زاد البخاري في الجزية والتفسير: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟، قال:"بلى".

ص: 217

قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: "إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري". قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام"؟ قلت: لا، قال:"فإنك آتيه ومطوف به".

قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في

"قلت: فلم نعطي الدنية" بفتح الدال المهملة، وكسر النون وشد التحتية والأصل فيه الهمزة، لكنه خفف وهو صفة لمحذوف أي الحالة الدنية الخسيسة، "في ديننا إذا" بالتنوين أي حين إذ كان كذلك زاد في التفسير والجزية ونرجع ولم يحكم الله بيننا، قال:"إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري" ، فيه تنبيه لعمر على إزالة ما عنده من القلق، وأنه لم يفعل ذلك إلا لأمر أطلعه الله عليه، وأنه لم يفعل شيئا من ذلك إلا بوحي "قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ " قال المصنف: بالتخفيف وفي نسخة فنطوف بشد الطاء والواو وقال شيخنا: وهي أنسب بقوله بعد ومطوف به.

وعند ابن إسحاق كانت الصحابة لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها صلى الله عليه وسلم فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون.

وعند الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم كان رأى في منامه قبل أن يعتمر هو وأصحابه دخول البيت فلما رأوا تأخير ذلك شق عليهم، قال:"بلى أفخبرتك أنا نأتيه العام" هذا "قلت: لا" فيه حمل الكلام على عمومه وإطلاقه حتى يظهر إرادة التخصيص والتقييد، قال:"فإنك آتية ومطوف به" بفتح الطاء وكسر الواو الثقيلتين.

وروى الواقدي عن أبي سعيد، قال عمر: لقد دخلني أمر عظيم وراجعت النبي صلى الله عليه وسلم مراجعة ما راجعته مثلها قط.

وروى البزار عن عمر اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي وما ألوت عن الحق وفيه، فرضي صلى الله عليه وسلم وأبيت حتى قال:"يا عمر تراني رضيت وتأبى"؟.

وعند البخاري في الجزية والتفسير من حديث سهل بن حنيف، فقال:"يابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله". فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، "قال" عمر:"فأتيت أبا بكر" الصديق رضي الله عنه "فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم" نعطي الخصلة "الدنية" الخسيسة

ص: 218

ديننا إذا؟ قال أبو بكر: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به.

قال العلماء: لم يكن سؤال عمر رضي الله عنه وكلامه شكا، بل طلبا لكشف ما خفي عليه، وحثا على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما عرف في خلقه وقوته في نصرة الدين، وإذلال المبطلين.

وأما جواب أبي بكر لعمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم فهو من الدلائل الظاهرة على عظم فضله

"في ديننا إذا؟ " بالتنوين "قال أبو بكر" لعمر: "أيها الرجل أنه رسول" رواية أبي ذر ولغيره لرسول "الله" بلام "وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه" بفتح الغين المعجمة، وسكون الراء بعدها زاي، وهو للإبل بمنزلة الركاب للفرس، أي تمسك بأمره ولا تخالفه كالذي يتمسك بركاب الفارس فلا يفارقه. "فوالله إنه على الحق قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف" بالفاء لأبي ذر ولغيره بالواو "به قال: بلى أفأخبرك أنا نأتيه العام، قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به" فأجابه بمثل جوابه له صلى الله عليه وسلم سواء، فدل أنه أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال المصطفى، وأعلمهم بأمور الدين، وأشدهم موافقة لأمر الله تعالى ولجلالة قدر أبي بكر وسعة علمه عند عمر لم يراجع أحدًا في ذلك بعده صلى الله عليه وسلم غير الصديق، وإنما سأله بعد المصطفى وجوابه له لشدة ما حصل له من الغيظ وقوته في نصر الدين وإذلال الكافرين.

كما أفصح عن ذلك سهل بن حنيف الصحابي بقوله فرجع متغيظا فلم يصبر حتى جاء أبا بكر كما مر على الصحيح.

ووقع في رواية ابن إسحاق تقديم سؤاله لأبي بكر على سؤال للنبي صلى الله عليه وسلم وما في الصحيح أصح. لا سيما وقد أفصح في الحديث الآخر بسبب إتيانه له بعده كما ترى.

"قال العلماء: لم يكن سؤا عمر رضي الله عنه وكلامه شكا" في الدين حاشاه من ذلك، ففي رواية ابن إسحاق أنه لما قال له: الزم غرزه فإنه رسول الله قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. "بل طلبا لكشف ما خفي عليه" من المصلحة وعدمها في هذا الصلح، "وحثا على إذلال الكفار وظهور الإسلام كما عرف في خلقه" بضمتين عادته "وقوته" شدته "في نصر الدين وإذلال المبطلين" ففيه جواز البحث في العلم حتى يظهر المعنى، "أما جواب أبي بكر لعمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم" حرفا بحرف "فهو من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله

ص: 219

وبارع علمه، وزيادة عرفانه ورسوخه، وزيادته في كل ذلك على غيره.

وكان الصلح بينهم عشر سنين، كما في السير. وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر.

ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار كانت أربع سنين. وكذا أخرجه الحاكم في البيوع من المستدرك

وبارع علمه وزيادة عرفانه" بأحوال المصطفى، "ورسوخه وزيادته في كل ذلك على غيره" ألا ترى أنه صرح في الحديث، أن المسلمين استنكروا الصلح المذكور وكانوا على رأي عمر، فلم يوافقهم أبو بكر بل كان قلبه على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء.

ومر في الهجرة أن ابن الدغنة وصفه بمثل ما وصفت به خديجة النبي صلى الله عليه وسلم سواء من كونه يصل الرحم ويحمل الكل ويعين على نوائب الحق وغيره ذلك، فلما تشابهت صفاتهما من الابتداء استمر ذلك إلى الانتهاء.

وفي البخاري قال عمر: فعملت لذلك أعمالا.

وفي ابن إسحاق ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرا.

وعند الواحدي عن ابن عباس: لقد أعتقت بسبب ذلك رقابا وصمت دهرا. وإنما عمل ذلك وإن كان معذورا في جميع ما صدر من، بل مأجورا لأنه مجتهد لتوقفه عن المبادرة في امتثال الأمر، حتى قال: ما شككت منذ أسلمت إلا هذه الساعة.

قال السهيلي: هذا الشك هو ما لا يصر عليه وإنما هو من باب الوسوسة. التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة"، ففيه أن المؤمن قد يشك ثم يجدد النظر في دلائل الحق فيذهب شكه، قال الحافظ لكن الذي يظهر أنه توقف منه ليقف على الحكة في القضية وتنكشف عند الشبه. انتهى.

"وكان الصلح بينهم عشر سنين، كما في السير" سيرة ابن إسحاق وغيرها، "وأخرجه أبو داود من حديث ابن عمر" والحاكم حديث عليّ وجزم به ابن سعد وهو المعتمد.

"ولأبي نعيم في مسند عبد الله بن دينار" العدوي مولاهم المدني التابعي الصغير ثقة كثير الحديث، مات سنة سبع وعشرين ومائة أي ما أسنده عن مولاه عبد الله بن عمر "كانت" مدة الصلح "أربع سنين".

"وكذا أخرجه الحاكم في" أواخر "البيوع من المستدرك" عن ابن عمر وقال: صحيح ورده

ص: 220

والأول أشهر.

وكان الصلح على وضع الحرب، بحيث يأمن الناس فيها، ويكف بعضهم عن بعض.

وأن لا يدخل البيت إلا العام المقبل ثلاثة أيام.

ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، وهو القراب بما فيه.

والجلبان -بضم الجيم وسكون اللام- شبه الجراب يوضع فيه السيف مغمودا. ورواه القتيبي: بضم الجيم واللام وتشديد الباء، وقال: هو أوعية السلاح بما فيها.

وفي بعض الروايات: لا يدخلها إلا بجلبان السلاح: السيف والقوس.

وإنما اشترطوا ذلك ليكون علما وأمارة للسلم

الذهبي فقال: بل ضعيف فإن عاصما أحد رجاله ضعفوه "والأول أشهر،" بل هو المعتمد الصحيح، وهذا مع ضعف إسناده منكر مخالف للصحيح كما مر عن الحافظ مع زيادة.

واختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين، فقال الشافعي والجمهور لا تجاوز عشر سنين لهذا الحديث لأن منع الصلح هو الأصل لآية القتال، فورد الحديث بعشر فالزيادة على أصل المنع، وقيل تجوز الزيادة، وقيل لا تجاوز أربع سنين وقيل ثلاثا وقيل سنتين.

"وكان الصلح على وضع الحرب بحيث يأمن الناس فيها" أي مدة الصلح "ويكف بعضهم عن بعض" القتال ونهب الأموال، "وأن لا يدخل البيت إلا العام القابل" ويقيم "ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجلبان السلاح، وهو" أي السلاح "القراب بما فيه والجلبان بضم الجيم وسكون الجيم" وخفة الموحدة، فألف فنون "شبه الجراب يوضع فيه السيف مغمودا".

"ورواه القتيبي" بضم القاف، وفتح الفوقية، عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبي محمد الدينوري مؤلف غريب الحديث وأدب الكاتب وغيره نسبة إلى جده قتيبة المذكور، فالصواب حذف الياء قبل الموحدة لوجوب حذفها في النسبة إلى فعيلة بالضم كجهينة وقريظة، فيقال: جهني وقرظي "بضم الجيم و" ضم "اللام وتشديد الباء" الموحدة "وقال: هو أوعية السلاح بما فيها، وفي بعض الروايات، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح السيف والقوس" بدل من السلاح، وفي نسخة والسيف بواو عطف التفسير، "وإنما اشترطوا ذلك ليكون علما وأمارة للسلم إذ كان دخولهم

ص: 221

إذ كان دخولهم صلحا.

وقال مكي بن أبي طالب القيرواني في تفسيره.

وبعث عليه الصلاة والسلام بالكتاب إليهم مع عثمان بن عفان

صلحا،" فهو أبلغ في الدلالة على أنهم غير محاربين، "وقال مكي" بميم وكاف ونسخة علي من أوهام النساخ "ابن أبي طالب" حموش بفتح المهملة وشد الميم المضمومة، وسكون الواو فشين معجمة بن محمد بن مختار "القيرواني" أبو محمد القيسي المالكي، الفقيه، الأديب المقري، أخذ بالقيروان عن ابن أبي زيد والقابسي، ورحل وحج وأخذ عن جميع بالمشرق كإبراهيم المروزي وابن فارس، ودخل قرطبة فنوه بمكانه القاضي ابن ذكوان فأجلسه في الجامع فعلا ذكره ونشر علمه ورحل إليه الناس من كل قطر.

وروى عنه ابن عتاب وحاتم بن محمد وابن سهل وغيرهم، وصنف كثيرا في علوم القرآن وغيره ومات صدر محرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة "في تفسيره" وهو في عشرة أجزاء، "وبعث عليه الصلة والسلام بالكتاب إليهم" ليس المراد كتاب الصلح، كما يوهمه سياق المصنف، بل هذا كتاب أرسله لأشراف قريش كما أخرجه البيهقي، والحاكم في الإكليل عن عروة، وابن إسحاق من وجه آخر وابن سعد والواقدي، قالوا: ما محصله لما نزل صلى الله عليه وسلم الحديبية أحب أن يبعث إلى قريش يعلمهم أنه إنما قدم معتمرا، فبعث خراش بن أمية الخزاعي على جمله عليه السلام، فعقره عكرمة بن أبي جهل وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش، فأتاه صلى الله عليه وسلم وأخبره فدعا عمر فاعتذر بأنه يخافهم على نفسه لما عرفوه من عداوته وغلظته عليهم ولا عشيرة له بمكة، ودله على عثمان لعزته عليهم وعشيرته فدعاه وكتب كتابا بعثه "مع عثمان بن عفان" وأمره أن يبشر المستضعفين بمكة بالفتح قريبا، وأن الله سيظهر دينه، فتوجه عثمان فوجد قريشا ببلدح قد اتفقوا على منعهم من مكة، فأجاره أبان بن سعيد بن العاصي وحمله على فرسه، وركب هو وراءه وقال له شعرا:

أقبل وأدبر ولا تخف أحدا

بنو سعيد أعزة الحرم

فانطلق حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم الكتاب واحدا واحدا فما أجابوا، وصمموا أنه لا يدخلها هذا العام، وقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال المسلمون: هنيئا لعثمان خلص إلى البيت فطاف به دوننا، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن ظني به أن لا يطوف حتى نطوف معا". وبشر عثمان المستضعفين، ولما تم الصلح وهم ينظرون نفاذ ذلك وإمضاءه رمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر، فكانت معركة بالنبل والحجارة، فارتهن كل فريق من عندهم،

ص: 222

وأمسك سهيل بن عمرو عنده، وأمسك المشركون عثمان فغضب المسلمون.

وقال مغلطاي: فاحتبسته قريش عندها. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا الناس إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت، وقيل: على أن لا يفروا. انتهى.

"وأمسك" عليه السلام "سهيل بن عمرو عنده"، كما في مغازي أبي الأسود عن عروة وابن عائذ عن ابن عباس وابن عقبة، عن الزهري، وقد نقله عن صاحب العيون. فالاعتراض على المصنف بأن الذي في ابن سيد الناس والشامي صريح في أنه إنما أمسك الذين جاءوا له مع مكرز، والاثني عشر الذين أسرهم بعد ذلك، وهم قلم يقع ذلك في العيون، وما في الشامية مما يوهم ذلك، إنما تبع فيه الواقدي ولا يعادل ما قاله هؤلاء الثقات على أنه لم ينف أنه أمسك سهيلا عنده، بل صح أنه أطلق الذين جاءوا مع مكرز كلهم، ففي مسلم عن سلمة: جاء عمي برجل يقال له: مكرز في ناس من المشركين، فقال صلى الله عليه وسلم:"دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثنياه". فعفا عنهم، وأنزل الله:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ} الآية، "وأمسك المشركون عثمان" في عشرة دخلوا مكة بإذنه عليه السلام في أمان عثمان أو سرا "فغضب المسلمون، وقال مغلطاي" ملخصا لكلام ابن إسحاق: "فاحتبسته" أي عثمان "قريش عندها، فبلغ النبي صلى اله عليه وسلم أن عثمان قد قتل" فقال: "لا نبرح حتى نناجز القوم". "فدعا الناس إلى بيعة الرضوان" سميت بذلك لقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} سمرة أو أم غيلان كان صلى الله عليه وسلم نازلا تحتها يستظل بها، فبايعوه "على الموت" كما قاله سلمة بن الأكوع عند البخاري، والترمذي، والنسائي، وروى الشيخان عن عبد الله بن زيد لا أبايع على هذا أي الموت أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، "وقيل" لم يبايعهم على الموت، بل "على أن لا يفروا" قاله جابر بن عبد الله، ورواه مسلم عن معقل بن يسار. "انتهى".

وفي الصحيح أن نافعا سئل أبايعهم على الموت، قال: لا بايعهم على الصبر. وجمع الترمذي بأن بعضا بايع على الموت وبعضا على أن لا يفروا، واستدل لكل منهما بقوله:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} الآية، لأن المبايعة وقعت مطلقة فيها، وقد أخبر سلمة وهو ممن بايع أنه بايع على الموت فدل على أن المراد، وقال ابن المنير: قوله {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} والسكينة الطمأنينة في موقف الحرب يدل على أنهم أضمروا في قلوبهم أن لا يفروا فأعانهم على ذلك.

قال الحافظ: على أنه لا منافاة فالمراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس المراد أن يقع الموت، ولا بد وهو الذي أنكره نافع وعدل إلى قوله بايعهم على الصبر، أي على الثبات وعدم الفرار سواء أفضي بهم ذلك إلى الموت أم لا.

ص: 223

...................................................

وقال في محل آخر، وحاصل الجمع أن من أطلق أنها على الموت أراد لازمها؛ لأنه إذا بايع على أن لا يفر لزم من ذلك أن يثبت، والذي يثبت أما أن يغلب وإما أن يؤسر والذي يؤسر، إما أن القتل وإما أن يموت، ولما كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلق الراوي، وحاصله أن أحدهما حكى صورة البيعة، والآخر حكى ما تئول إليه.

وفي الصحيح عن ابن عمر والمسيب بن حزن والد سعيد أن الشجرة أخفيت، والحكمة في ذلك أن لا يحصل افتتان بها لما وقع تحتها من الخبر، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها حتى ربما اعتقدوا أن لها قوة نفع وضر كما نشاهده الآن فيما دونها.

وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: كانت رحمة من الله، أي كان إخفاؤها رحمة من الله، ويحتمل أن معناه كانت الشجرة موضع رحمة الله ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها، لكن إنكار سعيد بن المسيب على من زعم أنه يعرفها معتمدا على قول أبيه أنهم لم يعرفوها في العام المقبل، لا يدل على رفع معرفتها أصلا، لما في البخاري عن جابر، لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة، فهذا يدل على أنه كان يعرفها بعينها، لأنها كانت قطعت قبل مقالته، كما روى ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع: أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة، فيصلون عندها، فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت.

انتهى من الفتح وكان أول من بايع أبو سنان الأسدي، وهو وهب أو عارم أو عبد الله بن مصحن أخو عكاشة.

أخرج الطبراني عن ابن عمر لما دعا صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان، فقال: ابسط يدك أبايعك، فقال صلى الله عليه وسلم:"علام تبايعني"؟، قال: على ما في نفسي، قال:"وما في نفسك"؟، قال: أضرب بسيفي حتى يظهرك الله، أو أقتل فبايعه وبايعه الناس على بيعة أبي سنان.

وكذا رواه ابن منده عن زر بن حبيش، والبيهقي عن الشعبي وصححه أبو عمر قائلا أنه الأكثر والأشهر، وقيل: ابنه سنان؛ لأن أباه مات في حصار بني قريظة قبل اليوم.

قاله الواقدي، وضعفه بعض الحفاظ وقيل: ابن عمر. قال ابن عبد البر: ول يصح. وفي صحيح مسلم أن سلمة بن الأكوع أول من بايع.

قال البرهان: والجمع ممكن وكلهم بايع مرة إلا ابن عمر، فبايع مرتين، مرة قبل أبيه ومرة بعده، كما في الصحيح، وإلا سلمة بن الأكوع، فبايع مرتين، كما في البخاري، وثلاثا كما في مسلم.

ص: 224

ووضع النبي صلى الله عليه وسلم شماله في يمينه وقال: "هذه عن عثمان". وفي البخاري: فقال صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: "هذه يد عثمان". فضرب بها على يده اليسرى فقال: "هذه لعثمان"

الحديث.

ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا

قال ابن المنير: الحكمة في تكراره البيعة لسلمة أنه كان مقداما في الحرب، فأكد عليه العقد احتياطا.

قال الحافظ أو لأنه كان يقاتل قتال الفارس والراجل، فتعددت البيع بتعدد الصفة انتهى.

قال الشامي وكأنه لم يستحضر ما في مسلم من مبايعته ثلاثا، ولو استحضره لوجهه. انتهى، وفيه شيء، فتوجيه ابن المنير يجري فيه، "ووضع النبي صلى الله عليه وسلم شماله في يمينه"، وقال:"هذه" أي شماله "عن عثمان" وهذا قد يشعر بأنه علم بأنه لم يقتل، فيكون معجزة.

ويؤيده ما جاء أنه لما بايع الناس قال: "اللهم إن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك". فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يده لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.

"وفي البخاري" في المناقب والمغازي عن ابن عمر أن رجلا من أهل مصر سأله هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد، وتغيب عن بدر وعن بيعة الرضوان، قال: نعم. قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وغفر له، وأما تغيبه عن بدر، فكان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه". وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة لبعثه مكان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، "فقال صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى" من إطلاق القول على الفعل، أي: مشيرا بها: "هذه يد عثمان" أي: بدلها "فضرب بها على يده اليسرى"، فقال:"هذه لعثمان" أي عنه ولا ريب أن يده صلى الله عليه وسلم لعثمان خير من يده لنفسه كما ثبت ذلك عن عثمان نفسه.

روى البزار بإسناد جيد أنه عاتب عبد الرحمن بن عوف، فقال له: لم ترفع صوتك عليّ، فذكر الأمور الثلاثة وأجابه عثمان بمثل ما أجاب به ابن عمر، قال عثمان: في هذه فشمال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لي من يميني "الحديث" بقيته فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك.

"ولما سمع المشركون بهذه البيعة خافوا" وألقى الله في قلوبهم الرعب، فأذعنوا إلى الصلح وقال سهيل: ما كان من حبس أصحابك وقتالك لم يكن من رأي ذوي رأينا، كنا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت، فقال:"إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي". فقالوا: أنصفتنا. فبعث سهيل ومن معه إلى قريش فأذعنوا

ص: 225

وبعثوا عثمان وجماعة من المسلمين.

وفي هذه البيعة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 18] .

وحلق الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم

"وبعثوا عثمان وجماعة من المسلمين" قال الشامي عشرة: كرز بن جابر وعبد الله بن سهيل، وعبد الله بن حذافة، وأبو الروم بن عمير العبدري، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي، وحاطب بن عمرو، وعمير بن وهب الجمحي، وحاطب بن أبي بلتعة، وعبد الله بن أمية، وكانوا دخلوا مكة بإذنه عليه السلام، قيل: في جوار عثمان، وقيل: سرا. "وحلق الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم" بعد توقفهم.

ففي البخاري في الشروط، فلما فرغ من الكتاب قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"قوموا فانحروا، ثم احلقوا رءوسكم". فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس.

وفي رواية ابن إسحاق فقال لها: "ألا ترين إلى الناس إني أمرتهم بالأمر فلا يفعلونه". فقالت: يا رسول الله لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح.

وفي رواية أبي المليح فاشتد ذلك عليه فدخل على أم سلمة، فقال:"هلك المسلمون أمرتهم أن يحلقوا وينحروا، فلم يفعلوا". قال: فجلا الله عنهم يومئذ بأم سلمة. انتهى. فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم منهم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم منهم أحدا حتى نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا.

قال ابن إسحاق بلغني أن الذي حلقه يومئذ خراش بمعجمتين ابن أمية بن الفضل الخزاعي وكانت ابدن سبعين.

حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس كان فيها جمل لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيط به المشركين، وكان غنمه منه في بدر، وحلق رجال يومئذ وقصر آخرون فقال صلى الله عليه وسلم:"يرحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين؟ قال: "يرحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين؟ قال: "والمقصرين". قالوا: لم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين. قال: "لم يشكوا".

ص: 226

ونحروا هداياهم بالحديبية، قال مغلطاي: وأرسل الله ريحا حملت شعورهم فألقتها في الحرم.

رواه ابن إسحاق أيضا عن ابن عباس قيل: كان توقف الصحابة رضي الله عنهم بعد الأمر لاحتمال أن للندب أو لرجاء نزول الوحي بإبطال الصلح أو تخصيصه بالإذن لهم في دخول مكة العام لإتمام نسكهم، وساغ ذلك لهم لأنه زمان وقوع النسخ، ويحتمل أن صورة الحال أبهتتهم، فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند نفوسهم مع ظهور واعتقادهم القدرة قضاء نسكهم بالغلبة أو لأن الأمر المطلق لا يقتضي الفور.

ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم أو فهموا أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتحلل أخذا بالرخصة في حقهم، وأنه هو يستمر على الإحرام أخذا بالعزيمة في حق نفسه فأشارت عليه أم سلمة بالتحلل لينفي هذا الاحتمال وعرف صوابه ففعله، فلما رأوه بادروا إلى فعل ما أمرهم به، إذ لم يبق غاية ينتظرونها ونظيره ما وقع لهم، في غزوة الفتح من أمره لهم بالفرط في رمضان، فأبوا حتى شرب فشربوا وفيه فضل المشورة، ومشاورة المرأة الفاضلة وفضل أم سلمة ووفر عقلها، حتى قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأت فأصابت إلا أم سلمة، واستدرك عليه بعضهم بنت شعيب في أمر موسى انتهى من الفتح، "ونحروا هداياهم" أي من كان معه هدي منهم "بالحديبية" وهي في الحرم في قول مالك وبعضها في الحل وبعضها في الحرم في قول الشافعي. وقال الماوردي: هي في طرف الحل ولأبي الأسود، عن عروة: أمر صلى الله عليه وسلم بالنحر.

قال ابن عباس لما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها، فنحر صلى الله عليه وسلم بدنه حيث حبسوه وهي الحديبية أي أكثرها، فلا ينافي ما رواه ابن سعد عن جابر أنه بعث من هديه بعشرين بدنة لتنحر عنه عند المروة مع رجل من أسلم.

"قال مغلطاي وأرسل الله ريحا" كما روا ابن سعد من مرسل يعقوب بن مجمع الأنصاري لما صد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وحلقوا بالحديبية ونحروا بعث الله ريحا عاصفا "حملت شعورهم فألقتها في الحرم" جبرا لهم في صدهم عن البيت، وقد زاد أبو عمر فاستبشروا بقبول عمرتهم.

ولعل المراد غير شعره عليه السلام، فلا ينافي ما جاء أن خراشا لما حلقه رمى شعره على شجرة إلى جنبه من سمرة خضراء فجعل الناس يأخذونه من فوقها، وأخذت أم عمارة طاقات من شعره فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ، ويحتمل أنهم أخذوا أكثره، وألقت الريح باقيه في الحرم.

وفي الصحيح عن جابر قال لنا صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وأخرج مسلم وغيره عن جابر مرفوعا لا يدخل النار من شهد بدرا والحديبية.

ص: 227

وأقام عليه الصلاة والسلام بالحديبية بضعة عشر يوما، وقيل عشرين يوما، ثم قفل وفي نفوس بعضهم شيء، فأنزل الله تعالى سورة الفتح يسليهم بها ويذكرهم نعمه، فقال تعالى:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] .

قال ابن عباس وأنس والبراء بن عازب: الفتح هنا فتح الحديبية، ووقوع

وروى أحمد بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري، قال: لما كنا بالحديبية. قال صلى الله عليه وسلم: "لا توقدوا نارا بليل". فلما كان بعد ذلك، قال:"أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم".

وروى مسلم من حديث أم مبشر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: يقول: "لا يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة" وتمسك به من فضل عليا على عثمان؛ لأنه كان ممن خوطب بذلك وبايع وعثمان بمكة، ولا حجة فيه لأنه صلى الله عليه وسلم بايع عن عثمان فاستوى معهم ولم يقصد تفضيل بعضهم على بعض، واحتج به على موت الخضر لأنه لو كان حيا مع أنه نبي بالأدلة الواضحة لزم تفضيل غير النبي على النبي وهو باطل، وأجاب من قال بحياته باحتمال حضوره معهم أو لم يكن على وجه الأرض أو كان في البحر والثاني ساقط، وأما ابن التين فاستدل به على أنه ليس بنبي وأنه دخل في عموم من فضل صلى الله عليه وسلم أهل الشجرة عليه، ورده الحافظ بالأدلة الواضحة على ثبوت نبوة الخضر، وأما قولهم العشرة المبشرة بالجنة فلورود النص عليهم بأسمائهم في حديث واحد، وقد قال أبو عمر ليس في الغزوات ما يعدل بدرا أو يقرب منها إلا الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان.

لكن قال غير الراجح تقديم أحد بالحدبية وإنها التي تلي غزوة بدر في الفضل، "وأقام عليه الصلاة والسلام بالحديبية بضعة عشر يوما وقيل: عشرين يوما" حكاهما الواقدي، وابن سعد بإبهام البضع.

وفي الشامي عنهما تسعة عشر يوما، وذكر ابن عائذ أنه قام في غزواته هذه شهرا ونصفا، "ثم قفل وفي نفوسهم بعض شيء" من عدم الفتح الذي كانوا لا يشكون فيه، "فأنزل الله تعالى سورة الفتح" بين مكة والمدينة، كما في حديث ابن إسحاق أي بضجنان، كما عند ابن سعد بفتح الضاد المعجمة، وسكون الجيم ونونين بينهما ألف جبل على بريد من مكة "يسليهم بها ويذكرهم نعمه، فقال تعالى:" وفي الموطأ وأخرجه البخاري من طريقه عن عمر مرفوعا: "لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب مما طلعت عليه الشمس". ثم قرأ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الفتح الظفر بالبلد عنوة أو صلحا بحرب أو بغيره، لأنه مغلق لم يظفر به فإذا ظفر به فقد فتح، ثم اختلف فيه "قال ابن عباس، وأنس والبراء بن عازب: الفتح هنا فتح الحديبية

ص: 228

الصلح بعد أن كان المنافقون يظنون أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، أي حسبوا أنهم لا يرجعون بل يقتلون كلهم.

وأما قوله تعالى: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] فالمراد فتح خيبر على الصحيح؛ لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين.

وقد روى أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن جارية قال: شهدنا الحديبية

ووقوع الصلح".

قال الحافظ: فإن الفتح في اللغة فتح المغلق والصلح كان مغلقا حتى فتحه الله وكان من أسباب فتحه صد المسلمين عن البيت، فكانت الصورة الظاهرة ضيما للمسلمين والباطنة عزا لهم، فإن الناس للأمن الذي وقع فيهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية، فظهر من كان يخفي إسلامه، فذل المشركون من حيث أرادوا العزة، وقهروا من حيث أرادوا الغلبة، "بعد أن كان المنافقون يظنون أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا" كما أخبر الله، "أي حسبوا أنهم لا يرجعون، بل يقتلون كلهم" وقيل: هو فتح مكة فنزلت مرجعه من الحديبية عدة له بفتحها، أو أتى به ماضيا لتحقق وقوعه وفيه من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر به ما لا يخفى.

وقيل: المعنى قضينا لك قضاء بينا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك قابلا من الفتاحة وهي الحكومة.

وفي الصحيح عن البراء تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان قال الحافظ: يعني أنا فتحنا لك فتحا مبينا، وقد وقع فيه اختلاف قديم والتحقيق أنه يختلف باختلاف المراد من الآيات، فالمراد بقوله تعالى:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ، فتح الحديبية لما ترتب على الصلح من الأمن ورفع الحرب، وتمكن من كان يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة منه، وتتابع الأنساب إلى أن كمل الفتح.

قال: "وأما قوله تعالى: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} فالمراد به فتح خيبر على الصحيح لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين"، وقد قال الله تعالى:{مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} ، "وقد روى أحمد، وأبو داود والحاكم من حديث مجمع" بضم الميم وفتح الجيم وشد الميم الثانية المكسورة "بن جارية" بالجيم والراء والياء، ابن عامر الأنصاري الأوسي المدني الصحابي، المتوفى في خلافة معاوية، روى له الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه "قال: شهدنا

ص: 229

فلما انصرفنا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا عند كراع الغميم، وقد جمع الناس وقرأ عليهم:{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الآية فقال رجل: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال:"إي والذي نفسي بيده إنه لفتح".

وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الآية، صلح الحديبية

الحديبية" سفرا وإقامة وصلحا، ولا أدري ما وجه القصر عليه، "فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا عند كراع الغميم" بفتح المعجمة، وكسر الميم على الصواب المشهور عند أهل الحديث واللغة والتواريخ والسير وغيرهم كما قال النووي.

وحكى ابن قرقول: ضم الغين وفتح الميم واد أمام عسفان "وقد جمع الناس" دعاهم من أماكن متفرقة وأحضرهم عنده "وقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الآية. فقال رجل: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: "إي والذي نفسي بيده إنه لفتح". وعند ابن سعد: فلما نزل بها جبريل. قال: نهنيك يا رسول الله فلما هنأه جبريل هنأه الناس.

وروى موسى بن عقبة في حديثه عن الزهري وأخرجه البيهقي عن عروة، قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم راجعا فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا ورد صلى الله عليه وسلم رجلين من المؤمنين أخرجا إليه فبلغه ذلك صلى الله عليه وسلم، فقال:"بئس الكام بل هو أعظم الفتح قد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان، ولقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين فهو أعظم الفتوح، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"؟. فقال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا.

"وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي" في قوله {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} الآية قال: "صلح الحديبية" الذي قال فيه الزهري، لم يكن في الإسلام فتح قبله أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضع الحرب وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة لم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا في تلك المدة لا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام، قيل ذلك أو أكثر.

قال ابن هشام: ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج بعد

ص: 230

وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتبايعوا بيعة الرضوان وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بنصر الله.

وأما قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحِ} [النصر: 1] وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح". ففتح مكة باتفاق.

قال الحافظ ابن حجر: فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال والله أعلم.

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

سنتين إلى فتح مكة في عشرة آلاف. انتهى.

ومما ظهر من مصلحة الصلح غير ما ذكره الزهري، أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين الله أفواجا، فكانت قصة الحديبية مقدمة للفتح فسميت فتحا، إذ مقدمة الظهور ظهور، "وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، كناية عن العصمة أي عصمة، أي حال بينه وبين الذنوب فلا يأتيها، لأن الغفر الستر وهو إما بين العبد والذنب، وهو اللائق بالأنبياء وإما بين الذنب وعقوبته وهو اللائق بأممهم، وهذا قول في غاية الحسن. ويأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في محله، وقد أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس قال: أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر مرجعه من الحديبية، فقال صلى الله عله وسلم:"لقد نزلت عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض". ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئا لك يا رسول الله لقد بين الله ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} حتى بلغ {فَوْزًا عَظِيمًا} "وتبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم" وهم أهل كتاب "على فارس" وهم مجوس يعبدون الأوثان، أي غلبوهم لما التقوا بعدما غلبت فارس الروم وفرح بذلك كفار مكة. وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبوهم فإنكم كالروم أهل كتاب ونحن كفار نعبد الأوثان. "وفرح المؤمنون بنصر الله" الروم على فارس كما أشير إليه في قوله تعالى {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ} الآية، ففسر الشعبي الفتح المبين بهذه المذكورات، ولا ينافي هذا أن غنائم خيبر أريدت بقوله:{وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} لأنه لا مانع من إرادتها بكل من الآيتين، فتكون مستعملة في الحاصل وقت النزول وهو الصلح وفيما لم يحصل بعد وهو غنائم خيبر.

"وأما قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحِ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا هجرة بعد الفتح". "ففتح مكة باتفاق" في الآية.

والحديث "قال الحافظ ابن حجر فبهذا يرتفع الإشكال" في المراد بالفتح في هذه المواضع "وتجتمع الأقوال" لأن المراد بالفتح مختلف "والله أعلم" بمراده، "ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة". بعد نزول سورة الفتح وجمعه الصحابة وقراءتها عليهم بكراع

ص: 231

وفي هذه السنة كسفت الشمس.

وظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة بنت ثعلبة.

الغميم فليس مكررا مع قوله قبل، ثم قفل لأن المراد به سار من الحديبية.

"وفي هذه السنة كسفت الشمس" سنة ست بالحديبية، وكسفت أيضا بالمدينة يوم مات السيد إبراهيم وفي وقت موته خلاف حكاه المصنف في شرح الحديث تبعا للفتح، وسيأتي في المقصد الثاني، فتوهم بعضهم أنها إنما كسفت مرة اختلف في وقتها وساق كلام المصنف في شرح البخاري، وهم؛ لأن إبراهيم لم يكن ولد سنة الحديبية، بل لم تكن أمه أهديت للمصطفى، لأن بعثه للملوك إنما كان بعد العود منها في غرة لمحرم سنة سبع كما يأتي.

"وظاهر أوس بن الصامت" الأنصاري الخزرجي البدري وشهد المشاهد أخو عبادة، ووقع لبعض الرواة تسمية المظاهر عبادة.

قال ابن عبد البر وهو وهم.

قال ابن حبان: مات أيام عثمان وله خمس وثمانون سنة "من امرأته خولة" ويقال لها: خويلة بالتصغير، ويقال: اسمها جميلة وفي اسم أبيها خلاف والأكثر أنها "بنت ثعلبة" بن أصرم الأنصارية الخزرجية، ويقال: مالك أو حكيم أو دلعج أو خويلد بالتصغير وآخره دال مهملة أو الصامت.

روى الإمام أحمد عنها قالت: في والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله عز وجل صدر سورة المجادلة. كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، وضجر فدخل عليّ يوما، فراجعته في شيء فغضب وقال: أنت علي كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل عليّ، فإذا هو يريدني فقلت: كلا والذي نفسي بيده لا تخلص إليّ، وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا، فواثبني فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إلى الله ما ألقى من سوء خلقه، فجعل صلى الله عليه وسلم يقول:"يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه". قالت: فوالله ما برحت حتى نزل فيّ القرآن فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سري عنه فقال:"يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك". ثم قرأ عليّ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} إلى قوله: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فقال صلى الله عليه وسلم:"مريه فليعتق رقبة". فقلت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق. قال: "فليصم شهرين متتابعين". فقلت: والله إنه لشيخ كبير ما به طاقة. قال: "فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر". فقلت: ما ذاك عنده، فقال صلى الله عليه وسلم:"فإنا سنعينك بفرق من تمر". فقلت: يا رسول الله وأنا سأعينه بفرق آخر، قال:"قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا". قالت: قد فعلت.

ص: 232

وفي هذه السنة أيضا استسقى في رمضان ومطر الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أصبح الناس مؤمنا بالله وكافرا بالكواكب".

وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة. قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} وهو أوس بن الصامت.

قال ابن عبد البر: رويناه من وجوه عن عمر أنه خرج ومعه الناس فمر بعجوز فاستوقفته، فوقف فجعل يحدثها وتحدثه، فقال رجل: يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجور. قل: ويلك تدري من هي؟ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة التي أنزل الله فيها:{قَدْ سَمِعَ اللَّهُ} . والله لو حبستني إلى الليل ما فارقتها إلا للصلاة، ثم أرجع إليها.

وعن قتادة خرج عمر من المسجد، فإذا بامرأة برزت على ظهر الطريق فسلم عليها فردت عليه، وقالت: هيها يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين فاتق الله في الرعية واعلم أنه من خاف الله قرب عليه البعيد ومن خاف الموت خشي الفوت، فقال الجارود العبدي: لقد أكثرت على أمير المؤمنين، فقال عمر: دعها أما تعرفها؟ هذه التي سمع الله قولها من فوق سبع سموات، فعمر والله أحق أن سمع لها.

"وفي هذه السنة أيضا استسقى في رمضان" قبل الحديبية "ومطر الناس"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أصبح الناس" قسمين "مؤمنا بالله وكافرا بالكواكب" ، ومؤمنا بالكواكب وكافرا بالله، وقد قال هذا الحديث عن ربه عز وجل بالحديبية.

أخرج الشيخان عن زيد بن خالد الجهني: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى لنا الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه فقال:"أتدرون ماذا قال ربكم"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال:"قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي".

قال في الفتح: يحتمل أن المراد كفر الشرك بقرينة مقابلته بالإيمان. ولأحمد عن معاوية الليثي مرفوعا: "يكون الناس مجدبين فينزل الله عليهم رزقا من رزقه فيصبحون مشركين يقولون: مطرنا بنوء كذا". ويحتمل أن المراد كفر النعمة ويرشد إليه رواية: "فأما من حمدني على سقياي

ص: 233

قال مغلطاي: وجزم الدمياطي في سيرته بأن تحريم الخمر كان في سنة الحديبية.

وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير، وهي بعد أحد، وذلك سنة أربع على الراجح.

وفيه نظر؛ لأن أنسا كان الساقي يوم حرمت، وأنه لما سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها، فلو كان ذلك سنة أربع، لكان أنس يصغر عن ذلك.

وقال النسائي والبيهقي بسند صحيح

وأثنى عليّ فذاك آمن بي". ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "قال الله ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين". وعلى الأول حمله كثير من العلماء أعلاهم الشافعي، قال في الأم: من قال مطرنا بنوء كذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطر نوء كذا فذلك كفر، كما قال صلى الله عليه وسلم؛ لأن النوء وقت، وهو مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا، ومن قاله على معنى مطرنا في وقت كذا فلا يكون كفرا وغيره أحب إليّ منه، يعني حسما للمادة وعلى هذا يحمل إطلاق الحديث.

وللنسائي عن أبي سعيد مطرنا بنوء المجدج بكسر الميم، ويقال: بضمها وفتح الدال وحاء مهملتين، وهو نجم أحمر منير وفي طرح الإمام المسألة على أصحابه، وإن كانت لا تدرك إلا بدقة نظر، ويؤخذ منه أن للولي المتمكن من النظر في الإشارات أن يأخذ منها عبارات ينسبها إلى الله تعالى. كذا قال بعض شيوخنا وكأنه أخذه من استفهامه أصحابه عما قال ربهم، وحمل الاستفهام على حقيقته لكونهم فهموا خلاف ذلك، ولذا لم يجيبوا إلا بتفويض الأمر إلى الله ورسوله. "قال مغلطاي: وجزم الدمياطي في سيرته بأن تحريم الخمر كان في سنة الحديبية".

"وذكر ابن إسحاق أنه كان في وقعة بني النضير وهي بعد أحد وذلك سنة أربع على الراجح وفيه نظر، لأن أنسا كان الساقي يوم حرمت" كما ثبت في الصحيحين عنه: إني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا. في مسلم. وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء، وأبا عبيدة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبا أيوب، إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ قالوا: وماذا؟ قال: حرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس. قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل. "وأنه لما سمع المنادي" قال الحافظ: لم أرَ التصريح باسمه "بتحريمها بادر، فأراقها" بأمر الصحابة الذين كان يسقيهم، "فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك" وهذا النظر عجيب من مثل مغلطاي، فقد ثبت أنه خدم المصطفى لما قدم المدينة وهو ابن عشر سنين، فمن عمره أربع عشرة سنة كيف يصغر عن ذلك، "وقال" أي روى "النسائي، والبيهقي بسند صحيح عن

ص: 234

عن ابن عباس: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر فيقول: صنع هذا أخي فلان -وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن- فيقول: والله لو كان بي رحيما ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى {مُنْتَهُونَ} . فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان وفلان، وقد قتل يوم أحد، فأنزل الله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}

ابن عباس إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من" قبائل "الأنصار شربوا، فلما ثمل" بكسر الميم "القوم" قال الجوهري: ثمل الرجل بالكسر إذا أخذ فيه الشراب فهو ثمل، أي نشوان. "عبث بعضهم ببعض" لعب بكسر الباء، وفتحه خلط، كما في القاموس ويصحان هنا أي فعل بعضهم ببعض لا فائدة فيه. وخلطوا على بعضهم "فلما أن صحوا" من السكر "جعل الرجل يرى في وجهه ورأسه الأثر، فيقول صنع" بي "هذا أخي فلان، وكانوا أخوة". أقارب وأصدقاء. قال: بعض جمع النسب إخوة والصديق إخوان، فكأنه نزلهم لشدة الوصلة بينهم منزلة إخوة النسب، فسماهم إخوة، وربما يشير إليه قوله:"ليس في قلوبهم ضغائن" جمع ضغينة أي حقد، كما في النهاية "فيقول: والله لو كان بي" رءوفا، كما في حديث ابن عباس عند من عزاه لهما قبل قوله: "رحيما ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] .

زاد في رواية أحمد عن أبي هريرة، فقالوا: انتهينا ربنا وأخرج مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص، قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتى سكرنا فتفاخرنا إلى أن قال: فنزلت إلى قوله فهل أنتم منتهون، ولا تنافي "فقال ناس من المتكلفين" المبالغين في البحث الحاملين له مع المشقة "هي رجس وهي في بطن فلان"، كحمزة رضي الله عنه، "وقد قتل يوم أحد" قبل تحريمها فهل عليه مؤاخذة هذا على أن قائله من المسلمين.

لكن في الفتح روى البزار من حديث جابر أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود، وفي رواية أحمد عن أبي هريرة فقال: الناس يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فراشهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان "فأنزل الله تعالى:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} أكلوا من

ص: 235

إلى {الْمُحْسِنِينَ} .

وآية تحريم الخمر نزلت في عام الفتح قبل الفتح.

الخمر والميسر قبل التحريم "إلى" قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} بمعنى أنه يثيبهم، وفي ختم الكلام به إشعار بأن فعل ذلك من المحسنين وأنه يستجلب المحبة الإلهية، "وآية تحريم الخمر" التحريم المؤبد المطلق وهي:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ} ، إلى قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} فالإضافة للعهد الذكري كأنه قال: وهذه الآية "نزلت في عام الفتح قبل الفتح" سنة ثمان.

كما قال الحافظ: إنه الذي يظهر لما روى أحمد عن ابن عباس كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال:"يا فلان أما علمت أن الله حرمها". فأقبل الرجل على غلامه فقال: بعها. فقال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها".

وأخرج مسلم نحوه لكن ليس فيه تعيين الوقت.

وروى أحمد عن نافع بن كيسان الثقفي عن أبيه أنه كان يتجر في الخمر وأنه أقبل من الشام، فقال: يا رسول الله إني جئتك بشراب جيد، فقال:"يا كيسان إنها حرمت بعدك". قال: فأبيعه. قال: "إنها قد حرمت وحرم ثمنها".

وروى أحمد، وأبو يعلى عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية خمر، فلما كان عام حرمت جاء براويته فقا:"أشعرت أنها قد حرمت بعدك"؟. قال: أفلا أبيعها وأنتفع بحقها فنهاه، ويستفاد من حديث كيسان تسمية المبهم في حديث ابن عباس ومن حديث تميم تأييدا لوقت المذكور، فإن إسلام تميم كان بعد الفتح.

وروى أصحاب السنن عن عمر أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت:{قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219] ، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] ، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت آية المائة إلى قوله:{مُنْتَهُونَ} قال عمر: انتهينا وصححه علي بن المديني، والترمذي. انتهى.

وبحديث عمر هذا قد يجمع بين هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرها المصنف في وقت تحريمها وهي سنة أربع أو ست أو ثمان باحتمال أن كل مرة كانت في سنة منها وقد مر له في حمراء الأسد عن مغلطاي أنها حرمت في شوال سنة ثلاث.

قال الحافظ: وزعم الواقدي أنه عقب قول حمزة إنما أنتم عبيد لأبي يعني سنة اثنتين، وحديث جابر يرد عليه يعني قوله: اصطبح ناس الخمر يوم أحد فقتلوا من يومهم جميعا شهداء.

ص: 236

والخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره، سمي به عصير العنب إذا اشتد وغلا كأنه يخمر العقل، كما سمي مسكرا لأنه يسكره، أي يحجره.

وهي حرام مطلقا، وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء. وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون سكر. انتهى.

وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندي والحيدرية والقلندرية فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ولا غيرهم من علماء السلف، لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في أواخر المائة السادسة وأول السابعة.

واختلف هل هي مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب التعزير

أخرجه البخاري في مواضع "والخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره سمي به عصير العنب إذا اشتد وغلا" بفتح الغين عطف تفسير، يقال للشيء إذا زاد وارتفع: قد غلا، "كأنه يخمر" بضم الياء وشد الميم يغطي ويستر "العقل، كما سمي مسكرا؛ لأنه سكره" بضم فسكون من الإسكار، "أي يحجره" بضم الجيم والراء المهملة، أي يمنعه من الإدراك "وهي حرام مطلقا" أسكرت أم لا قلت: أم لا "وكذا كل ما أسكر" أي: ما شأنه الإسكار أسكر بالفعل أم لا فلا تنافي بين ما أفاده قوله كذا من التعميم.

وقوله: أسكر "عند أكثر العلماء" لقول عمر على المنبر: إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل. أخرجه الشيخان وغيرهما.

"وقال أبو حنيفة: نقيع الزبيب، والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر،" أي حل شرب القدر الذي لا يسكر، وهو ضعيف المدرك جدا بحيث قال مالك والشافعي: يحد الحنفي إذا شربه. "انتهى".

"وأما الحشيشة وتسمى القنب الهندي" بضم القاف وكسرها والنون المشددة، كما في القاموس قال الهيتمي: لم أره بغير مصر يزرع في البساتين "والحيدرية والقلندرية، فلم يتكلم فيها الأئمة الأربعة ولا غيرهم من علماء السلف؛ لأنها لم تكن في زمنهم وإنما ظهرت في أواخر المائة السادسة، و" تزايدت وكثرت في "أول السابعة" حين ظهرت دولة التتار، "واختلف هل هي مسكرة فيجب فيها الحد، أو مفسدة للعقل فيجب التعزير"، وهو الصحيح عند الشافعية

ص: 237

والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، وبه جزم الفقهاء وصرح به أبو إسحاق الشيرازي في كتاب التذكرة في الخلاف، والنووي في شرح المهذب، ولا نعرف فيه خلافا عندنا.

ونقل عن ابن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها ينشون عنها ولذلك يتناولونها بخلاف البنج فإنه لا ينشي ولا يشتهى.

قال الزركشي: ولم أر من خالف في ذلك إلا القرافي في قواعده فقال: نص العلماء بالنبات أنها مسكرة، والذي يظهر لي أنها مفسدة

في كلام تعقبه الزركشي يطول ذكره.

وقد تضافرت الأدلة على حرمتها: ففي صحيح مسلم كل مسكر حرام وقد قال تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وأي خبيث أعظم مما

والمالكية إن استعمل ما أفسد العقل.

"والذي أجمع عليه الأطباء أنها مسكرة، وبه جزم الفقهاء" أي كثير منهم "وصرح به أبو إسحاق الشيرازي" بكسر المعجمة آخره زاي نسبة إلى شيراز قصبة فارس "في كتاب التذكرة في الخلاف، والنووي في شرح المهذب" قائلا "ولا نعرف فيه خلافا عندنا ونقل عن ابن تيمية" الحنبلي "أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب، فإن أكلتها ينشون عنها" بفتح الشين وإسكان الواو، أي يسكرون منها، "ولذلك يتناولونها بخلاف البنج" بفتح الموحدة وسكون النون، وجيم بنت مخبط للعقل مجبن مسكن لأوجاع الأورام والبثور ووجع الآذان وأخبثه الأسود، ثم الأحمر، وأسلمه الأبيض، كما في القاموس، "فإنه لا ينشي ولا يشتهى" وكذا قال العلامة ولي الله، المتوفى من المالكية قال: لأنا رأينا من يتعاطاها يبيع أمواله لأجلها، فلولا أن لهم فيها طربا لما فعلوا ذلك. يبين ذلك أنا لا نجد أحدا يبيع داره ليأكل بها سيكرانا "قال الزركشي: ولم أرَ من خالف في ذلك إلا القرافي في قواعده" التي سماها الفروق، "فقال: نص العلماء بالنبات" أي: بأحواله نفعا وضررا على "إنها مسكرة والذي يظهر لي أنها مفسدة".

وبين ذلك القرافي بما منه لأني لم أرهم يميلون إلى القتال والنصرة، بل عليهم الذلة والمسكنة، وربما عرض لهم البكاء "في كلام تعقبه الزركشي يطول ذكره وقد تضافرت الأدلة على حرمتها، ففي صحيح مسلم" مرفوعا: "كل مسكر حرام" تقول به لكن لا نسلم أنها مسكرة فلم تدخل فيه، وقد قال تعالى:{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وأي خبيث أعظم مما

ص: 238

يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع على إيجاب حفظها. ولا ريب أن تناول الحشيشة يظهر به أثر التغير في انتظام العقل والقول المستمد كماله من نور العقل. وقد روى أبو داود -بإسناد حسن- عن ديلم الحميري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله! إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، قال:"فهل يسكر"؟ ، قلت: نعم، قال:"فاجتنبوه"، قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال:"فإن لم يتركوه فقاتلوهم".

وهذا منه صلى الله عليه وسلم تنبيه على العلة التي لأجلها حرم المزر فوجب أن كل شيء عمل عمله يجب تحريمه، ولا شك أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه.

يفسد العقول التي اتفقت الملل والشرائع" جمع شريعة، وهي مع الملة ما صدقهما واحد "على إيجاب حفظها ولا ريب" شك "أن تناول الحشيشة يظهر به أثر التغير في انتظام العقل والقول المستمد كماله من نور العقل" وهذا غاية ما ينتج حرمة تناول ما يفسد العقل منها لا ما لا يفسده كما هو الصحيح.

"وقد روى أبو داود بإسناد حسن عن ديلم الحميري" الجيشاني، بفتح الجيم فتحتية فمعجمة نسبه ابن يونس، فقال: ابن هوشع ابن أبي جناب بن مسعود، ووصل نسبه إلى جيشان، وقال: كان أول وافد على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن أرسله معاذ، ثم شهد فتح مصر ونزلها، وروى عنه أبو الخير، مرثد ووقع لجمع من أكابر الحفاظ فيه تخبيط تكفل برده في الإصابة، وقال في التقريب: أخطأ، من زعم أنه أبو وهب الجيشاني.

"قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إنا بأرض باردة، نعالج فيها عملا شديدا، وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح، نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا. قال: "فهل يسكر"؟. قلت: نعم. قال: "فاجتنبوه". قلت: فإن الناس غير تاركيه. قال: "فإن لم يتركوه فقاتلوهم". وهذا منه صلى الله عليه وسلم تنبيه على العلة التي لأجلها حرم المزر" بكسر الميم، وسكون الزاي وبالراء نبيذ الذرة والشعير كما في القاموس.

ومفاد هذا أنه كان تحريم المزر معلوما للسائل قبل السؤال وأنه أشار الحديث إلى أن علته إسكاره فيقاس عليه كل ما شاركه في العلة، "فوجب أن كل شيء عمل عمله يجب تحريمه، ولا شك أن الحشيشة تعمل ذلك وفوقه" فيحرم تعاطي ما عمل ذلك منها لا مطلق التعاطي، كما هو مختاره.

ص: 239

وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر.

قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف. وهذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات، فإنها إن لم تكن مسكرة كانت مفترة، مخدرة ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رءوسهم بواسطة تبخيرها في الدماغ.

واختلف هل يحرم تعاطي اليسير الذي لا يسكر؟

فقال النووي في شرح المهذب: إنه لا يحرم أكل القليل الذي لا يسكر من الحشيش، بخلاف الخمر، حيث حرم قليلها الذي لا يسكر. والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة.

وتعقبه الزركشي بأنه صح في الحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"

"وروى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر".

"قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور" وهو الانكسار والضعف "والخدر" بفتح الخاء، والدال المهملة الاسترخاء "في الأطراف" فلا يطيق الحركة فهو من عطف الأخص على الأعم "وهذا الحديث أدل دليل على تحريم الحشيشة وغيرها من المخدرات، فإنها إن لم تكن مسكرة كانت مفترة مخدرة، ولذلك يكثر النوم من متعاطيها، وتثقل رءوسهم بواسطة تبخيرها في الدماغ" أي إيصالها البخار له.

والمعنى أنه ينفصل منه بخار يصعد إلى الدماغ، فتثقل الرءوس منه، "واختلف هل يحرم تعاطي اليسير الذي لا يسكر، فقال النووي في شرح المهذب: إنه لا يحرم أكل القليل الذي لا يسكر من الحشيش"، وهذا هو الصحيح المعتمد عند الشافعية والمالكية "بخلاف الخمر حيث حرم قليلها الذي لا يسكر، والفرق أن الحشيش طاهر والخمر نجس فلا يجوز شرب قليله للنجاسة".

وتعقبه الزركشي بأنه صح في الحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".

يعني والنووي قد قال في نفس شرح المهذب: إنها مسكرة بلا خلاف نعلمه عندهم، كما مر قريبا فكيف يقول ذلك، ويجوز أكل القليل مع نص الحديث على حرمة قليل المسكر،

ص: 240

قال: والمتجه أنه لا يجوز من الحشيش لا قليل ولا كثير.

وقد نقل الإجماع على تحريمها غير واحد، منهم القرافي وابن تيمية وقال: إن من استحلها فقد كفر.

وتعقبه الزركشي: بأن تحريمها ليس معلوما من الدين بالضرورة، سلمنا ذلك، لكن لا بد أن يكون دليل الإجماع قطعيا على أحد الوجهين، وقد ذكر أصحابنا أن المسكر من غير عصير العنب، كعصير العنب في وجوب الحد، لكن لا يكفر مستحله لاختلاف العلماء فيه.

وأما قول النووي: إنها طاهرة وليست بنجسة، فقطع به ابن دقيق العيد وحكى الإجماع عليه. قال: والأفيون وهو لبن الخشخاش، أقوى فعلا من الحشيش، لأن القليل منه يسكر جدا، وكذلك السيكران وجوز الطيب

وجواب المعتمد عن الحديث: إنا لا نسلم أنها مسكرة، "قال: والمتجه أنه لا يجوز تناول شيء من الحشيش لا قليل ولا كثير، وقد نقل الإجماع على تحريمها غير واحد منهم القرافي وابن تيمية. وقال: إن استحلها فقد كفر".

"وتعقبه الزركشي بأن تحريمها ليس معلوما من الدين بالضرورة" فلا يلزم من الإجماع على تحريمها كفر مستحلها؛ لأنه إنما يكفر إذا أنكر مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة بأن يشترك الخاص والعام في معرفته "سلما ذلك لكن" لا نسلم الكفر؛ لأنه "لا بد" لا فراق، ولا محالة "أن يكون دليل الإجماع قطعيا على أحد الوجهين".

"وقد ذكر أصحابنا أن المسكر" أي ما من شأنه الإسكار "من غير عصير العنب كعصير العنب، في وجوب الحد" سكر به الشارب أم لا، "لكن لا يكفر مستحله"، ولو سكر منه "لاختلاف العلماء فيه"، فأولى مستحل الحشيشة، وهذا مراد من ذكره وإن لم يقدم فيه خلافا. "وأما قول النووي أنها طاهرة وليست بنجسة" تأكيد "فقطع به ابن دقيق العيد وحكى الإجماع عليه" وغلط بعض الشافعية، فقال: بنجاسة الحشيشة.

"قال" الزركشي: "والأفيون وهو لبن الخشخاش" المصري الأسود نافع من الأورام الحارة خاصة في العين مخدر وقليله نافع منوم، كذا في القاموس "أقوى فعلا من الحشيش، لأن القليل منه يسكر جدا" بعض الأمزجة، أو في ابتداء استعماله ولا خالف المشاهد، "وكذلك السيكران" بفتح السين مهملة ومعجمة، وضم الكاف: نبت دائم الخضرة يؤكل حبه.

"وجوز الطيب" حرام مسكر عند ابن دقيق العيد، واعتمده كثير منهم الزركشي، كما ترى

ص: 241

مع أنه طاهر بالإجماع. انتهى.

وقد جمع بعضهم في الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية وبدنية، حتى قال بعضهم: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيش وزيادة. فإن أكثر ضرر الخمر في الدين لا في البدن. وضررها فيهما.

فمن ذلك: فساد العقل، وعدم المروءة، وكشف العورة، وترك الصلوات، والوقوع في المحرمات، وقطع النسل، والبرص والجذام والأسقام والرعشة والأبنة، ونتن الفم وسقوط شعر الأجفان، وتفتيت الأسنان وتسويدها، وتضييق النفس وتصفير الألوان، وتفتيت الكبد، وتجعل الأسد كالجعل، وتورث الكسل والفشل، وتعيد العزيز ذليلا، والصحيح عليلا، والفصيح أبكما، والذكي أبلما، وتذهب السعادة

ولم يعتمده المالكية فقد قال الإمام العلامة أبو القاسم البرزلي: أجاز بعض أئمتنا أكل قليل جوزة الطيب لتسخين الدماغ، واشترط بعضهم خلطها مع أدوية والصواب العموم. انتهى.

وقال العلامة ابن فرحون يمنع أكل عقاقير الهند إن أكلت لما تؤكل له الحشيشة لا للهضم وغيره من المنافع إلا ما أفسد العقل والجوزة وكثير الزعفران والبنج، والسيكران من المفسدات، قليلها جائز، "مع أنه طاهر بالإجماع. انتهى" كلام الزركشي.

"وقد جمع بعضهم في الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية وبدنية حتى قال بعضهم: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيشة، و" فيها "زيادة، فإن أكثر ضرر الخمر في الدين لا في البدن، وضررها فيهما، فمن ذلك فساد العقل، وعدم المروءة" بضم الميم كسهولة: آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف على محاسن الأخلاق وجميل العادات ما في المصباح، وأثبته في تقريب الغريب "وكشف العورة وترك الصلوات والوقوع في المحرمات" فهذه من الدينية "و" من البدنية وترجع للدينية أيضا "قطع النسل والبرص، والجذام والأسقام والرعشة، والأبنة، ونتن الفم، وسقوط شعر الأجفان، وتفتيت الأسنان، وتسويدها، وتضييق النفس، وتصفير الألوان، وتفتيت الكبد، وتجعل الأسد كالجعل" بضم الجيم وفتح العين المهملة دويبة أكبر من الخنفساء شديد السواد في بطنه لون حمرة للذكر قرنان تسميه الناس أبا جعران؛ لأنه يجمع الجعر اليابس ويدخره في بيته، ويموت من ريح الورد والطيب فإذا أعيد إلى الروث عاش قاله في حياة الحيوان، "وتورث الكسل، والفشل" والضعف والتراخي والجبن، "وتعيد العزيز ذليلا، والصحيح عليلا، والفصيح أبكما والذكي أبلما. وتذهب السعادة

ص: 242

‌أمر الحديبية

ص: 20