الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مثل ذلك)). فقال رجل: يا رسول الله! كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلي أمتك؟ قال: ((هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم)) رواه أحمد. [299]
(1) باب ما يوجب الوضوء
الفصل الأول
300 -
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) متفق عليه.
301 -
وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)) رواه مسلم. [301]
ــ
قوله: ((يؤتون كتبهم بأيمانهم)) وقوله: ((تسعى بين أيديهم ذريتهم)) لم يأت بالوصفين تفضلة وتمييزاً كالأول، بل أتى بهما مدحاً لأمته، وابتهاجاً بما أوتوا من الكرامة والفضيلة.
باب ما يوجب الوضوء
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((لا تقبل صلاة من أحدث)) ((مظ)): المعنى لا يقبل الله صلاة بغير الوضوء، إلا إذا لم يجد الماء ووجد التراب، فيقوم التيمم مقام الوضوء، وإن لم يجدهما يصلي فرض الوقت لحرمة الوقت، ثم إن مات قبل وجدان الماء والتراب لم يأثم، وإن وجدهما يقضي. أقول:((حتى يتوضأ)) غاية قوله: ((لا تقبل))، والضمير في ((يتوضأ)) للمحدث، سماه محدثاً وإن كان طاهراً باعتبار ما كان، كقوله تعالي:{وآتوا اليتامى أموالهم} .
الحديث الثاني عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((من غلول)) الغلول الخيانة من الغنيمة والمراد هنا الحرام، قرن عدم قبول الصدقة من الحرام بعدم قبول الصلاة دون الوضوء إيذاناً بأن
302 -
وعن علي، قال: كنت رجلاً مذاء، فكنت أستحيي أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد، فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ)). متفق عليه.
303 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((توضأوا مما مست النار)) رواه مسلم. [303]
قال الشيخ الإمام الأجل محيي السنة، رحمه الله: هذا منسوخ بحديث ابن عباس:
ــ
التصدق تزكية النفس من الأوضار، وطهارة لها، كما أن الوضوء كذلك، ومن ثم صرح بلفظ الطهور، وهو المبالغة في الطهر.
الحديث الثالث عن علي رضي الله عنه: قوله: ((مذاء)) ((قض)): المذاء كثير المذي من: أمذى، وللشافعي قولان فيما إذا خرج من أحد السبيلين خارج غير معتاد، كالدم والمذي: أحدهما أنه يتعين غسله، ولا يجوز الاقتصار علي الحجر لندوره، وخصوصاً في المذي للزوجته وانتشاره. ويعضده ظاهر الحديث. والثاني جواز الاقتصار نظراً إلي المخرج، والمراد من الأمر بالغسل لتتقلص عروقه، وينقطع المذي.
((تو)): وإنما استحى من سؤال النبي صلوات الله عليه لمكان فاطمة رضي الله عنها منه، ولأن ما يستحى منه من الأوطار النفسإنية والتأثيرات الشهوإنية مما لا يكاد يفصح به أولو الأحلام، وخاصة بحضرة الأكابر. وإنما أمر بالغسل لاحتمال أنهم كانوا لا يتنزهون عن المذي تنزههم عن البول، ولا يرونه بمثابة البول في وجوب التطهر منه، فأمرهم صلوات الله عليه بالغسل، وفيه دليل علي نجاسته.
الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: ((توضؤوا)) ((قض)): الوضوء في أصل اللغة هو غسل بعض الأعضاء وتنظيفه، من الوضاءة بمعنى النظافة، والشرع نقله إلي الفعل المخصوص وقد جاء هاهنا علي أصله والمراد منه وفي نظائره غسل اليدين لإزالة الزهومة توفيقاً بينه وبين حديث ابن عباس وأم سلمة ونحوهما. ومنهم من حمله علي المعنى الشرعي، وزعم أنه منسوخ بحديث ابن عباس، وذلك إنما يتقرر أن لو علم تاريخهما، وتقدم الأول. لا يقال: ابن عباس متأخر الصحبة فيكون حديثه ناسخاً، لأنا نقول: تأخر الصحبة وحده لا يقتضي تأخر الحديث، نعم! لو كانت صحبته بعد وفاة الآخر أو غيبته دل ذلك علي تأخره، أما لو اجتمعنا عند الرسول صلوات الله عليه فلا، لجواز أن يسمع الأقدم صحبة بعد سماعه.
304 -
قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلي ولم يتوضأ متفق عليه.
305 -
وعن جابر بن سمرة، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ)). قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم! فتوضأ من لحوم الإبل)). قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: ((نعم)). قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: ((لا)) رواه مسلم [305]
306 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) رواه مسلم. [306]
ــ
وأقول: وقد صرح ابن الصلاح في كتابه بالنسخ، حيث قال: مما يعرف به النسخ قول الصحابي: ((كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار)).
الحديث الخامس عن جابر: قوله: ((أنتوضأ من لحوم الإبل؟)) ((مظ)): الوضوء من أكل لحم الإبل واجب عند أحمد بن حنبل، وعند غيره المراد منه غسل الكفين؛ لما في لحم الإبل من رائحة كريهة، ودسومة غليظة، بخلاف لحم الغنم ((والمرابض)) جمع مربض- بفتح الميم وكسر الباء- وهو موضع الربوض، والربوض للغنم كالاضطجاع للإنسان، وكالبروك للجمل. وكره الصلاة في مبارك الإبل لما لا يؤمن نفورها، فيلحق المصلي ضرر من صدمة وغيرها، فلا يكون له حضور.
الحديث السادس عن أبي هريرة: قوله: ((حتى يسمع)) ((حس)): معناه حتى يتيقن الحدث، لا أن سماع الصوت أو وجود الريح شرط؛ [فإنه قد يكون أصم لا يسمع الصوت] وقد يكون أخشم لا يجد الريح. وينتقض طهره إذا تيقن الحدث. قال الإمام: في الحديث دليل علي أن الريح الخارجة من أحد السبيلين توجب الوضوء. وقال أصحاب أبي حنيفة: خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء. وفيه دليل علي أن اليقين لا يزول بالشك في شيء من أمر الشرع، وهو قول عامة أهل العلم.
307 -
وعن عبد الله بن عباس، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فمضمض، وقال:((إن له دسماً)) متفق عليه.
308 -
وعن بريدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلي الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح علي خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه! فقال: ((عمداً صنعته يا عمر!)) رواه مسلم.
309 -
وعن سويد بن النعمان: أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء- وهي من أدنى خيبر- صلي العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلنا، ثم قام إلي المغرب، فمضمض ومضمضنا، ثم صلي ولم يتوضأ. رواه البخاري.
ــ
قوله: ((فلا يخرجن من المسجد)) أقول: يوهم أن حكم غير المسجد بخلاف المسجد، لكن أشير به إلي أن الأصل أن يصلي المؤمن التقي في المسجد؛ لأنه مكان الصلاة ومعدنها، وكأن من هو خارج منه خارج من حكم المصلي مبالغة، فعلي المؤمن ملازمته، والمواظبة علي إقامة الصلوات مع الجماعات. والله أعلم.
الحديث السابع عن عبد الله بن عباس: قوله: ((إن له دسماً)) الجملة استئنافية، تعليل للتمضمض، وفيها إشعار بأن الدسومة علة مناسبة له، وقيل: المضمضة بالماء مستحبة عن كل ماله دسومة؛ إذ تبقى في الفم منه بقية تصل إلي [بطنه] في الصلاة، فعلي هذا ينبغي أن يمضمض من كل ما خيف منه الوصول إلي بطنه في الصلاة طرداً للعلة، ويؤيده حديث السويق كما سيجيء.
الحديث الثامن عن بريدة: قوله: ((عمداً صنعته)) الضمير المنصوب فيه بمعنى اسم الإشارة، والمشار إليه المذكور في الصلوات الخمس بوضوء واحد، والمسح علي الخفين. ((وعمداً)) تمييز أو حال من الفاعل، قدم اهتماماً بشرعية المسألتين في الدين، أو اختصاصاً رداً لزعم من لا يرى جواز المسح علي الخفين. وفيه دليل علي أن من قدر أن يصلي صلوات كثيرة بوضوء واحد لا تكره صلاته، إلا أن يغلب عليه الأخبثان.
الحديث التاسع عن سويد: قوله: ((ثرى)) أي بل مأخوذ من الثرى- التراب الندي الذي تحت التراب الطاهر، يقال: ثرى التراب تثرية إذا رش عليه الماء. و ((السويق)) ما [يجرش] من الشعير والحنطة وغيرهما للزاد.
الفصل الثاني
310 -
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح)). رواه أحمد، والترمذي [310].
311 -
وعن علي، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي، فقال:((من المذي الوضوء، ومن المني الغسل)) رواه الترمذي [311].
312 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) رواه أبو داود، والترمذي، والدارمي [312].
313 -
ورواه ابن ماجه عنه وعن أبي سعيد.
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((لا وضوء إلا من صوت)) نفي جنس أسباب التوضؤ، واستثنى منه الصوت والريح، والنواقض كثيرة، لعل ذلك في صورة مخصوصة، فالمراد نفي جنس الشك وإثبات اليقين، أي لا يتوضأ عن شك مع سبق ظن الطهارة إلا بيقين الصوت والريح.
الحديث الثاني ظاهر.
الحديث الثالث عن علي رضي الله عنه: قوله: ((وتحريمها التكبير)) ((مظ)): سمى الدخول في الصلاة تحريماً، لأنه يحرم الكلام، والأكل، والشرب، وغيرها علي المصلي، فلا يجوز الدخول في الصلاة إلا بالتكبير مقارناً به النية. والتحليل جعل الشيء المحرم حلالا، وسمى التسليم به لتحليل ما كان محرماً علي المصلي؛ لخروجه عن الصلاة، وهو واجب عند الشافعي، مستحب عند أبي حنيفة رضي الله عنهما؛ إذ لو خرج من الصلاة بما يناقضها بعد ما جلس في آخر الصلاة بقدر التشهد تمت.
وأقول: شبه الشروع في الصلاة بالدخول في تحريم الملك الكريم المحمي عن الأغيار، وجعل فتح باب الحرم بالتطهر عن الأدناس والأوضار، وجعل الالتفات إلي الغير والاشتغال به تحليلاً، تنبيهاً علي التكميل بعد الكمال، والله أعلم.
314 -
وعن علي بن طلق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن)). رواه الترمذي، وأبو داود. [314]
315 -
وعن معاوية بن أبي سفيان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إنما العينان وكاء السه، فإذا نامت العين استطلق الوكاء)) رواه الدارمي. [315]
316 -
وعن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ)). رواه أبو داود [316]
قال الشيخ الإمام محيي السنة، رحمه الله: هذا في غير القاعد، لما صح:
ــ
الحديث الرابع عن علي بن طلق: قوله: ((إذا فسا أحدكم)) فإن قلت: ما وجه اتصال هاتين الهنتين؟ قلت: لعل ذلك أن الله تعالي إذا لم يجوز للعبد المؤمن هذا القدر من الهنات، ومنعه من التقرب إليه بسببها- فما ظنك بتلك العظيمة الشنعاء؟ ومن ثمة جعل {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} معترضاً بين المفسر وهو قوله تعالي:{نساؤكم حرث لكم} والمفسر وهو قوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله} .
الحديث الخامس عن معاوية: قوله: ((إنما العينان)) أي العينان كالوكاء للسه، شبه عين الإنسان وجوفه ودبره بقربة لها فم مشدود بالخيط، وشبه ما يطلقه من الغفلة عند النوم بحل ذلك الخيط من فم القربة، وفيه تصوير لقبح صدور هذه الغفلة من الإنسان.
((قض)): ((الوكاء)) ما يشد به الشيء، و ((السه)) الدبر، وأصله السته، لجمعه علي استاه، وتصغيره علي ستيهة، والمعنى أن الإنسان إذا تيقظ أمسك ما في بطنه، فإذا نام زال اختياره، واسترخت مفاصله، فلعله يخرج منها ما ينقض طهره. وذلك إشارة إلي أن نقض الطهارة بالنوم وسائر ما يزيل العقل ليس لأنفسها، بل لأنها مظنة خروج ما ينتقض الطهر به، ولذلك خص عنه نوم ممكن المقعد من الأرض.
الحديث السادس عن علي ظاهر.
317 -
عن أنس، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون. رواه أبو داود، والترمذي، إلا أنه ذكر فيه: ينامون. بدل: ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم. [317]
318 -
وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الوضوء علي من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)) رواه الترمذي وأبو داود. [318]
319 -
وعن بسرة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا مس أحدكم ذكره، فليتوضأ)) رواه مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. [319]
ــ
الحديث السابع عن أنس: قوله: ((حتى تخفق)) ((فا)): الخفقة النعسة الخفيفة، وفي الغريبين: معنى تخفق رءوسهم أي تسقط أذقانهم علي صدورهم. وقيل: هو من الخفوق والاضطراب.
الحديث الثامن عن ابن عباس ظاهر.
الحديث التاسع عن بسرة: قوله: ((إذا مس أحدكم ذكره)) ((تو)) قيل: ما روى طلق: أن النبي
320 -
وعن طلق بن علي، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ. قال: ((وهل هو إلا بضعة منه؟)) رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وروى ابن ماجه نحوه.
قال الشيخ الإمام محيي السنة، رحمه الله: هذا منسوخ؛ لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق. [320]
321 -
وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا أفضى أحدكم بيده
ــ
صلى الله عليه وسلم سئل عن مس الذكر فقال: ((هل هو إلا بضعة منك)) منسوخ؛ لأن أبا هريرة أسلم بعد قدوم طلق، وذلك أن طلقاً قدم علي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني مسجد المدينة، وذلك في السنة الأولي من الهجرة، وأسلم أبو هريرة عام خيبر في السنة السابعة. وقال: ادعاء النسخ فيه قول مبني علي الاحتمال، وهو خارج عن الاحتياط، إلا أن يثبت هذا القائل أن طلقا توفي قبل إسلام أبي هريرة، أو رجع إلي أرضه ولم يبق له صحبة بعد ذلك، وما يدري هذا القائل أن طلقا سمع هذا الحديث بعد إسلام أبي هريرة؟.
وذكر الخطابي أن أحمد بن حنبل كان يرى الوضوء من مس الذكر، وكان ابن معين يرى خلاف ذلك، وفي ذلك دليل ظاهر علي أن لا سبيل إلي معرفة الناسخ والمنسوخ منهما. وأقول: فإذن الأخذ بالأحوط أولي.
((مظ)): قال محيي السنة في حديث طلق: إنه منسوخ، هو قول الخطابي، وعلي تقدير تعارضهما نعود إلي قول الصحابة. قال علي وابن مسعود، وابن عباس، وأبو الدرداء، وعمار رضي الله عنهم: إن المس لا يبطل، وبه أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه. وقال عمر، وابنه، وابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وعائشة رضي الله عنهم: إنه يبطل، وبه أخذ الشافعي رضي الله عنه.
الحديث العاشر عن أبي هريرة: قوله: ((إذا أفضى)) أوصل، وهو لازم عدى بالباء، و ((البضعة)) قطعة من اللحم.
الحديث الحادي عشر عن عائشة: قوله: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض أزواجه)) ((خط)): يحتج به من يذهب إلي أن الملامسة المذكورة في الآية معناها الجماع دون اللمس بسائر البدن، إلا أن أبا داود ضعفه، وقال: هو منقطع؛ لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، والمرسل أن يروي
إلى ذكره ليس بينه وبينها شيء فليتوضأ)) رواه الشافعي والدارقطني. [321]
322 -
ورواه النسائي عن بسرة؛ إلا أنه لم يذكر: ((ليس بينه وبينها شيء)).
323 -
وعن عائشة، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وقال الترمذي: لا يصح عند أصحابنا بحال إسناد عروة عن عائشة، وأيضاً إسناد إبراهيم التيمي عنها.
وقال أبو داود: هذا مرسل، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة. [323]
324 -
وعن ابن عباس، قال: أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتفاً ثم مسح يده بمسح كان تحته، ثم قام فصلي. رواه أبو داود، وابن ماجه. [324]
ــ
الرجل حديثاً عمن لم يعاصره. وهو بين المحدثين علي أنواع، واصطلحوا في تسمية أنواعه، فمنه المرسل المطلق، وهو أن يقول التابعي: قال رسول الله كذا، ومنه قسم يسمى بالمنقطع، وهو غير الأول، ومنه قسم يسمى بالمعضل، وهو أن يكون بين المرسل إلي رسول الله أكثر من رجل.
((مظ)): اختلف العلماء في المسألة: قال أبو حنيفة: المس لا يبطل بدليل هذا الحديث، وقال الشافعي وأحمد: يبطل بلمس الأجنبيات، وهذا القول مروي عن عبد الله بن عمر، وابن مسعود. وعند مالك يبطل بالشهوة وإلا فلا.
الحديث الثاني عشر عن ابن عباس: قوله: ((بمسح)) وهو بكسر الميم الكساء والجمع أمساح، ومسوح. وفيه دليل علي أن كل ما مسته النار لا يبطل الوضوء وكذا الذي يليه.
325 -
وعن أم سلمة، أنها قالت: قربت إلي النبي صلى الله عليه وسلم جنباً مشوياً فأكل منه، ثم قام إلي الصلاة ولم يتوضأ، رواه أحمد. [325]
الفصل الثالث
326 -
وعن أبي رافع، قال: أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطن الشاة، ثم صلي ولم يتوضأ. رواه مسلم.
327 -
وعنه قال: أهديت له شاة، فجعلها في القدر، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:((ما هذا يا أبا رافع؟)) فقال: شاة أهديت لنا يا رسول الله! فطبختها في القدر. قال: ((ناولني الذراع يا أبا رافع!))، فناولته الذراع. ثم قال:((ناولني الذراع الآخر))، فناولته الذراع الآخر. ثم قال:((ناولني الآخر)). فقال: يا رسول الله! إنما للشاة ذراعان. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما إنك لو سكت لناولتني ذراعاً فذراعاً ما سكت)). ثم دعا بماء فتمضمض فاه، وغسل أطراف أصابعه، ثم قام فصلي، ثم عاد إليهم فوجد عندهم لحماً بارداً، فأكل، ثم دخل المسجد فصلي ولم يمس ماء. رواه أحمد. [327].
ــ
الحديث الثالث عشر عن أم سلمة ظاهر.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي رافع: قوله: ((بطن الشاة)) يعني الكبد وما معها من القلب وغيرهما. قوله: ((أشهد)) فيه معنى القسم، ولهذا أدخل اللام علي ((قد)) جواباً له، أي والله لقد كنت أشوي، وفيه دلالة علي إثبات هذه الدعوى عند الخلاف فيها بين الصحابة، وإنما ضمن الشهادة معنى القسم لأن الشهادة إخبار عن مواطأة القلب اللسان واعتقاد ثبوت المدعي.
الحديث الثاني عن أبي رافع: قوله: ((ذراعاً فذراعاً)) الفاء فيه للتعاقب كما في قوله: ((الأمثل
328 -
ورواه الدارمي عن أبي عبيد إلا أنه لم يذكر ((ثم دعا بماء)) إلي آخره. [328]
329 -
وعن أنس بن مالك، قال: كنت أنا وأبي وأبو طلحة جلوساً، فأكلنا لحماً وخبزاً، ثم دعوت بوضوء، فقالا: لم تتوضأ؟ فقلت: لهذا الطعام الذي أكلنا. فقالا: أتتوضأ من الطيبات؟! لم يتوضأ منه من هو خير منك. رواه أحمد. [329]
330 -
وعن ابن عمر، كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة. ومن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء. رواه مالك والشافعي. [330]
331 -
وعن ابن مسعود، كان يقول: من قبلة الرجل امرأته الوضوء. رواه مالك.
ــ
فالأمثل)) و ((ما)) في ((ما سكت)) للمدة، المعنى ناولني، ذراعاً غب ذراع إلي ما لا نهاية له ما دمت ساكتاً، فلما نطقت انقطعت.
الحديث الثالث والرابع عن ابن عمر: قوله: ((وجسها)) ((نه)): التجسس التفتيش عن بواطن الأمور، وقوله:((من الملامسة)) أي التي ذكرها الله تعالي في قوله سبحانه: {أو لامستم النساء} . وقوله: ((ومن قبل)) إلي آخره، تفريع علي ما أصله من قبل، أي إذا كان التقبيل والجس من جملة الملامسة المنصوص عليها فيلزم أن يتوضأ من قبل أو جس. ولو كان بدل الواو في ((ومن قبل)) فاء لكان أظهر، إلا أن الرواية أفصح؛ لأنه أخبر عن القضيتين، وفوض الترتيب إلي ذهن السامع.
الحديث الخامس عن ابن مسعود: قوله: ((من قبلة الرجل)) أي يجب منها الوضوء، وفي تقديم الخبر علي المبتدأ المعرف إشعار بالخلاف، ورد علي من يقول: ليس حكم التقبيل والجس حكم سائر النواقض، فرد وقيل: ليس حكمه إلا كحكم تلك النواقض، فيكون من قصر القلب.