الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصلاة تسليمة تلقاء وجهه، ثم يميل إلي الشق الأيمن شيئاً. رواه الترمذي. [957]
958 -
وعن سمرة، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرد علي الإمام، ونتحاب، وأن يسلم بعضنا علي بعض. رواه أبو داود. [958]
(18) باب الذكر بعد الصلاة
الفصل الأول
959 -
عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير. متفق عليه.
ــ
وإني ليرضيني قليل نوالكم وإن كنت لا أرضي لكم بقليل
بحرمة ما قد كان بيني وبينكم من الود إلا عدثم بجميل
الحديث الثاني والثالث والرابع عن سمرة: قوله: ((أن نرد علي الإمام)) قيل: ((الرد)) رد المأموم علي الإمام سلامة أي يقول ما قاله، وهو مذهب مالك، يسلم المأموم ثلاث تسليمات: تسليمة يخرج بها من الصلاة تلقاء وجهه ويتيامن يسيرا، وتسليمة علي الإمام. وتسليمة علي من كان علي يساره.
قوله: ((ونتحاب)) تفاعل من المحبة. وقوله: ((أن يسلم بعضنا علي بعض)) من عطف الخاص علي العام؛ لأن التحاب أشمل معنى من التسليم، ليؤذن بأنه فتح باب المحبة ومقدمتها.
باب الذكر بعد الصلاة
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس: قوله: ((كنت أعرف)) ((شف)): يعين كان يكبر الله في الذكر المعتاد بعد الصلاة، فأعرف انقضاء صلاته به. وأقول: هذا إنما يستقيم إذا كان ابن عباس بعيداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخفض صوته إلا في هذه التكبيرة. ويحتمل أن يراد كنت أعرف انقضاء كل هيئة يتحول منها إلي أخرى بتكبيرة أسمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا التأويل يخالف الباب.
960 -
وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)).
961 -
وعن ثوبان، رضي الله عنه، قال: كان رسول الله إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال:((اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام)). رواه مسلم.
962 -
وعن المغيرة بن شعبة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو علي كل
ــ
الحديث الثاني عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((لم يقعد)) ((قض)): إنما ذلك في صلاة بعدها راتبة، أما التي لا راتبة بعدها كصلاة الصبح فلا؛ إذ روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقعد بعد الصبح علي مصلاه حتى تطلع الشمس. ودل حديث أنس رضي الله عنه علي استحباب الذكر وفضله بعد صلاة الصبح، وبعد العصر إلي الطلوع والغروب.
الحديث الثالث عن ثوبان: قوله: ((أنت السلام)) ((تو)): أي أنت السلام من المعائب، والحوادث، والتغير، والآفات ((ومنك السلام)) أي منك يرجى، ويستوهب، ويستفاد. ((وإليك يرجع السلام)) أي السلام منك بدؤه، وإليك عوده، في حالتي الإيجاد والإعدام. وأرى قوله ((منك السلام، وإليك يرجع السلام)) واردا مورد البيان لقوله: ((أنت السلام)) وذلك الموصوف بالسلامة فيما يتعارفه الناس لما كان هو الذي وجد تعترضه آفة ممن يصيبه بضرر، وهذا مما لا يتصور في صفات الله- بين أن وصفه سبحانه بالسلام لا يشبه أوصاف المخلوقين فإنهم بصدد الافتقار، وهو المتعالي عن ذلك، فهو السلام الذي يعطي السلامة ويمنعها، ويبسطها ويقبضها، لا تبدأ إلا منه، ولا تعود إلا إليه.
وأقول: قد حققنا القول في هذه الكلمات الثلاث في التحيات علي ما يقتضيه علم المعإني من الخواص، لكن ما قدرنا المضاف في قوله:((وإليه يرجع))؛ ليفيد أن مبدأ السلام منه، ومرجعه إليه، فإذا قدر المضاف بأن يقال: إلي رضاه يرجع السلام، يرجع بمعنى القصر إلي أن السلام مقصور علي رضاه لا إلي رضا الغير، فيبعد المتناول، وهذه القرينة الأخيرة أعني:((وإليك يرجع السلام)) ما وجدناها في الروايات.
الحديث الرابع عن المغيرة: قوله: ((في دبر كل صلاة)) مضى شرحه في الحديث العاشر من الفصل الأول من باب الركوع.
شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) متفق عليه.
963 -
وعن عبد الله بن الزبير، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلي: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو علي كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون)). رواه مسلم.
964 -
وعن سعد أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر)). رواه البخاري.
965 -
وعن أبي هريرة، قال، إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلي والنعيم المقيم. فقال: ((وما ذاك؟)) قالوا:
ــ
الحديث الخامس عن عبد الله بن الزبير: قوله: ((مخلصين)) هو حال عامله محذوف، وهو الدال علي مفعول ((كره))، أي نقول: لا إله إلا الله حال كوننا مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قولنا، كقوله تعالي:{وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} قوله: ((الدين)) مفعول به لـ ((مخلصين))، و ((له)) ظرف له، قدم الاهتمام.
الحديث السادس عن سعد: قوله: ((أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل)) اعلم أن الجود إما بالنفس، وإما بالمال، ويسمى الأول شجاعة ويقابلها الجبن، والثاني سخاوة، ويقابلها البخل، ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفس كاملة، ولا ينعدمان إلا من متناه في النقص.
قوله: ((من أرذل العمر)) ((نه)): أي آخر في حال الكبر والعجز والخوف، والأرذل من كل شيء الرديء منه. أقول: المطلوب عند المحققين من العمر التفكير في آلاء الله تعالي ونعمائه من خلق الموجودات [فيقيموا] بواجب الشكر بالقلب والجوارح، والخرف الفاقد لهما، فهو كالشيء الردي الذي لا ينتفع به، فينبغي أن يستعاذ منه.
يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقدون ولا نعتق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منك، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) قالوا: بلي يا رسول الله! قال: ((تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)). قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)). متفق عليه. وليس قول أبي صالح إلي آخره إلا عند مسلم. وفي رواية للبخاري: ((تسبحون في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً)) بدل: ((ثلاثاً وثلاثين)).
966 -
وعن كعب بن عجرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((معقبات لا يخيب قائلهن- أو فاعلهن- دبر كل صلاة مكتوبة، ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة)). رواه مسلم.
ــ
الحديث السابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((الدثور)) جمع دثر- بالسكون- وهو المال الكثير، والباء في ((بالدرجات)) بمعنى المصاحبة، وهو أولي وأوقع في هذا المقام من الهمزة المتضمنة لمعنى الإزالة، يعني ذهب أهل الدثور بالدرجات العلي، واستصحبوها معهم في الدنيا والآخرة، ومضوا بها، ولم يتركوا لنا شيئاً منها، فما حالنا يا رسول الله؟ ولو قيل: أذهب أهل الدثور الدرجات، أي أزالوها، لم يكن بذلك. هذا مذهب المبرد، وصاحب الكشاف نص في قوله تعالي:{ذهب الله بنورهم} علي هذا المعنى، ولم يقف علي سر المعإني من النحاة تكلم عليه، وقد أجبنا عن ذلك في فتوح الغيب مستقصى. وهذا الحديث من أقوى الدليل علي ما قصدناه.
الحديث الثامن: قوله: ((النعيم المقيم)) وصفه بـ ((المقيم)) تعريضاً بالنعيم العاجل، فإنه قلما يصفو، وإن صفا فهو في وشك الزوال، وسرعة الانتقال. فإن قلت: ما معنى الأفضلية في قوله: ((لا يكون أحد أفضل منكم)) مع قوله: ((إلا من صنع مثل ما صنعتم))، فإن الإفضلية تقتضي الزيادة، والمثلية المساواة؟ قلت: هو من باب قوله:
وبلدة ليس بها إنيس إلا اليعافير وإلا العيس
يعني إن قدر أن المثلية تقتضي الأفضلية فتحصل الأفضلية، وقد علم أنها تقتضيها، فإذا لا يكون أحد أفضل منك. وهذا علي مذهب التميمي. ويحتمل أن يكون المعنى ليس أحد أفضل
967 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة
ــ
منكم إلا هؤلاء؛ فإنهم يساوونكم، وأن يكون المعنى بأحد الأغنياء، أي ليس أحد منهم أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم.
قوله: ((ثلاثاً وثلاثين مرة)) يحتمل أن يكون المجموع هذا المقدار، وأن يكون كل واحد منها يبلغ هذا العدد. ((مح)): وذكر هذه الحالات من طرق من [غير أبي صالح]، وظاهرها أنه يسبح ثلاثاً وثلاثين مستقلة، والحمد كذلك، وأما قول سهل:((إحدى عشرة إحدى عشرة)) فلا ينافي رواية الأكثرين: ((ثلاثاً وثلاثين)) بل معهم زيادة، فيجب قبولها.
قوله: ((أهل الأموال)) بدل من ((إخواننا)) وفائدة البدل الإشعار بأن ذلك منهم غبطة لا حسداً، أو ضمن ((سمع)) معنى الإخبار، وعدى بالباء. وفي قوله تعالي:{ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} إشارة إلي أن الغني الشاكر أفضل بكثيرة من الفقير الصابر، نعم! لكن لا يخلو من أنواع الخطر، والفقير الصابر آمن منه.
الحديث الثامن عن كعب: قوله: ((معقبات)) ((تو)): أي كلمات الله التي يأتي بعضها بعقب بعض، والمعقبات اللواتي يقمن عند أعجاز المعتركات علي الحوض، فإذا انصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى، وهي الناظرات للعقب، فكذلك هذه التسبيحات كلما مرت كلمة نابت مكانها أخرى.
قوله: ((لا يخيب قائلهن)) ((نه)): الخيبة الحرمان والخسران، ((قض)): قد يقال للقائل: فاعلا؛ لأن القول فعل من الأفعال. أقول لا يستعمل الفعل مكان القول إلا إذا صار القول مستمراً ثابتاً راسخاً رسوخ الفعل، كما قال الله سبحانه وتعالي {والذي جاء بالصدق وصدق به} أي تكلم بالصدق، وصدقه بتحري العمل به.
وقوله: ((معقبات)) يحتمل أن يكون صفة مبتدأ أقيمت مقام الموصوف، أي كلمات معقبات، و ((لا يخيب)) خبره، و ((دبر)) ظرف، يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون متعلقاً بـ ((قائلهن لا يخيب))، ويحتمل أن يكون ((لا يخيب قائلهن)) صفة ((معقبات))، و ((دبر)) صفة أخرى، أو خبر آخر متعلقاً بـ ((قائلهن)) و ((ثلاث وثلاثون)) خبراً آخر.
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هن ثلاث وثلاثون، والجملة بياناً.
الحديث التاسع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((فتلك تسعة وتسعون)) بعد الأعداد
وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير؛ غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
968 -
عن أبي أمامة، قال: قيل: يا رسول الله! أي الدعاء أسمع، قال:((جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات)). [968]
969 -
وعن عقبة بن عامر، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة. رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي في:((الدعوات الكبير)). [969]
970 -
وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأن أقعد مع قوم يذكرون الله
ــ
المذكورة نظير قوله تعالي: {تلك عشرة كاملة} بعد ذكر ((ثلاثة وسبعة)). ((الكشاف)): فائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم، وفي أمثال العرب: علمان خير من علم.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي أمامة: قوله: ((جوف الليل)) إنما يستقيم جواباً إذا أضمر في السؤال اسم الزمان، كما فعله صاحب النهاية، حيث قال: أي الساعات أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، أي أوفق لاستماع الدعاء فيه، وأولي بالاستجابة، وهو من باب: نهاره صائم، ليله قائم. أو يضمر في الجواب الدعاء، كما صنع التوربشتي، قال: قوله: ((أي الدعاء أسمع؟)) معناه أي الدعاء أقرب إلي الإجابة، أو أسرع إجابة. وقوله صلى الله عليه وسلم:((جوف الليل)) تقديره: دعاء جوف الليل الآخر، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه مرفوعا. وروى:((جوف الليل)) بالنصب علي الظرف، أي الدعاء في جوف الليل، ويجوز فيه الجر علي مذهب من يرى حذف المضاف وترك المضاف إليه علي إعرابه. وأما ((الآخر)) ففي الأحوال الثلاث يتبع ((جوف)) في إعرابه.
الحديث الثاني عن عقبة: قوله: ((بالمعوذات)) في سنن أبي داود والنسائي والبيهقي، وفي رواية المصابيح:((بالمعوذتين))، فعلي الأول إما أن نذهب إلي أن أقل الجمع اثنان، وإما أن تدخل سورة الإخلاص أو الكافرون في المعوذتين، إما تغليباً، أو لأن في كلتيهما براءة من الشرك، والتجاء إلي الله سبحانه وتعالي من التبري عنه، والتعوذ به منه.
الحديث الثالث عن أنس: قوله: ((أن أعتق رقبة)) ((تو)): معرفة وجه تخصيص الأربعة يقيناً لا
من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلي أن تغرب الشمس؛ أحب إلي من أن أعتق أربعة)). رواه أبو داود. [970]
971 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلي الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلي ركعتين؛ كانت له كأجر حجة وعمرة)). قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تامة، تامة، تامة)). رواه الترمذي. [971]
الفصل الثالث
972 -
عن الأزرق بن قيس، قال: صلي بنا إمام لنا يكني أبارمثة، قال: صليت
ــ
يؤخذ تلقيه إلا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلينا التسليم عرفنا ذلك أو لم نعرف، ويحتمل أن يكون وجه التخصيص إنما وقع علي الأربعة لانقسام العمل الموعود عليه علي أربعة: ذكر الله تعالي، والقعود له، والاجتماع عليه، وحبس النفس حين يصلي إلي أن تطلع الشمس، أو تغرب.
وأما تخصيص ولد إسماعيل بالذكر فلكونهم أفضل أصناف الأمم، فإن العرب أفضل الأمم قدراً ووجاهة، ووفاءاً وسماحة، وحسباً وشجاعة، وفهما وفصاحة، وعفة ونزاهة. ثم أولاد إسماعيل أفضل العرب بمكان النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما نكر ((أربعة)) وأعادها؛ ليدل علي أن الثاني غير الأول، فلو عرف لاتحدا، نحو قوله تعالي:{غدوها شهر ورواحها شهر} .
الحديث الرابع عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((ثم صلي ركعتين)) ((مظ)): ي صلي بعد أن تطلع الشمس قدر رمح حتى يخرج وقت الكراهية، وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق، وهي أول صلاة الضحى.
قوله: ((كأجر حجة)) قد ذكرنا تحقيق أمثال هذا التشبيه في الحديث الثاني عشر من الفصل الثاني من باب المساجد أنه من باب إلحاق الناقص بالكامل مبالغة ترغيباً للعامل، أو شبه استيفاء أجر المصلي تاماً بالنسبة إليه باستيفاء أجر الحاج تاماً بالنسبة إليه، وأما وصف الحجة والعمرة بالتام فإشارة إلي المبالغة.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن الأزرق: قوله: ((كانفتال أبي رمثة)) أي انفتالي، جرد عن نفسه أبا رمثة، ووضعه موضع ضميرة مزيداً للبيان، واستحضاراً لتلك الحالة في مشاهدة السامع.
هذه الصلاة، أو مثل هذه الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولي من الصلاة، فصلي نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم سلم عن يمينه وعن يساره، حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كانفتال أبي رمثة- يعني نفسه- فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولي من الصلاة يشفع، فوثب إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فصل. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم بصره، فقال:((أصاب الله بك يا بن الخطاب!)). رواه أبو داود [972]
973 -
وعن زيد ابن ثابت، قال: أمرنا أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين، فأتي رجل في المنام من
ــ
قوله: ((شفع)) الشفع ضم الشيء إلي مثله، يعني قام الرجل يشفع الصلاة بصلاة أخرى، وأما فائدة ذكر ((قد شهد التكبيرة الأولي)) فللتنبيه علي أنه لم يكن مسبوقاً يقوم للإتمام. ويحتمل أن يراد بعدم الفصل ترك الذكر بعد السلام، والضمير في ((فإنه)) و ((أنه)) للشأن، واللام في الثاني مقدر، والمستثنى منه أعم عام التعليل. وقوله:((أصاب الله بك)) من باب القلب، أي أصبت الرشد فيما فعلت بتوفيق الله سبحانه وتعالي وتسديده.
وجاز أن يروى أصاب الله رأيك. والأول هو الرواية في سنن أبي داود، وجامع الأصول، ونظيره قولهم: عرضت الناقة علي الحوض، أي عرضت الحوض علي الناقة، وهو باب واسع في البلاغة.
قوله: ((لن يهلك أهل الكتاب)) بالنصب مفعول، وفاعله بعد إلا، أي لن يهلكهم شيء إلا عدم الفصل بين الصلاتين، ((ولن)) استعمل في الماضي معنى ليدل علي استمرار هلاكهم في جميع الأزمنة، واستعمل ((هلك)) بمعنى أهلك. ((الجوهري)): يقول: هلكه يهلكه هلكا بمعنى أهلكه.
الحديث الثاني عن زيد: قوله: ((فأتى رجل)) لعل هذا الآتي في المنام من قبيل الإلهام نحو من كان يأتي لتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، ولذلك قرره رسول الله بقوله:((فافعلوا)) وهذه الصلاة أجمع من تلك لاشتمالها علي التسبيح، والتمجيد، والتكبير، والتهليل، والعدد. والفاء في قوله:((فاجعلوها)) للتسبيب، مقررة من وجه ومفسرة من وجه، أي إذا كانت التسبيحات هذه والعدد مائة فقرروا العدد وأدخلوا التهليل فيها كما قبل العمل بها.
الأنصار، فقيل له: أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا في دبر كل صلاة كذا وكذا؟ قال الأنصاري في منامه: نعم. قال: فاجعلوها خمساً وعشرين، خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التهليل. فلما أصبح غدا علي النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((فافعلوا)). رواه أحمد، والنسائي، والدارمي [973].
974 -
وعن علي [رضي الله عنه] قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم علي أعواد هذا المنبر يقول: ((من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه، آمنه الله علي داره ودار جاره، وأهل دويرات حوله)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) وقال: إسناده ضعيف.
ــ
الحديث الثالث عن علي رضي الله عنه: قوله: ((إلا الموت)) يعني الموت حاجز بينه وبين دخول الجنة، فإذا تحقق وانقضى حصلت الجنة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ((الموت قبل لقاء الله سبحانه وتعالي)).
قوله: ((أمنه الله تعالي علي داره)) عبر عن عدم الخوف بالأمن، وعداه بعلي، أي لم يخوفه علي أهل داره وأهل دويرات جاره أن يصيبهم مكروه وسوء، كقوله تعالي:{مالك لا تأمنها علي يوسف} الكشاف: المعنى أتخافنا علهي ونحن نريد الخير؟.
الحديث الرابع عن عبد الله: قوله: ((ويثني رجليه)) أي يعطفهما، ويغيرهما عن هيئة التشهد. قوله:((ولم يحل لذنب)) فيه استعارة، وما أحسن موقعها! فإن الداعي إذا دعا بكلمة التوحيد قد أدخل نفسه حرما آمنا، فلا يستقيم للذنب أن يحل ويهتك حرمة الله، فإذا خرج عن حرم التوحيد أدركه الشرك لا محالة.
((نه)): في حديث دريد بن الصمة قال لمالك بن عوف: أنت محل لقومك، أي أنت أبحت حريمهم وعرضتهم للهلاك، فشبههم بالمحرم إذا أحل كأنهم كانوا ممنوعين بالمقام في بيوتهم، فحلوا بالخروج منها. والمعنى لا ينبغي لذنب أي ذنب كان أن يدرك الداعي، ويحيط به من جوانبه فيستأصله سوى الشرك، كما قال الله سبحانه وتعالي:{بلي من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة} يعني استولت الخطيئة عليه، وشملت جملة أحواله، حتى صار كالمحاط بها، لا يخلو عنها شيء من جوانبه، وهذا إنما يصح في شأن الشرك؛ لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم يحط به.
975 -
وعن عبد الرحمن بن غنم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((من قال قبل أن ينصرف ويثني رجليه من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو علي كل شيء قدير، عشر مرات، كتب له بكل واحدة عشر حسنات، ومحيت عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكانت له حرزاً من كل مكروه، وحرزاً من الشيطان الرجيم، ولم يحل لذنب أن يدركه إلا الشرك، وكان من أفضل الناس عملا، إلا رجلا يفضله، يقول أفضل مما قال)). رواه أحمد. [975]
976 -
وروى الترمذي نحوه عن أبي ذر إلي قوله: ((إلا الشرك)). ولم يذكر: ((صلاة المغرب)) ولا ((بيده الخير))، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. [976]
977 -
وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعثا قبل نجد، فغنموا غنائم كثيرة، وأسرعوا الرجعة. فقال رجل منا لم يخرج: ما رأينا بعثاً أسرع رجعة، ولا أفضل غنيمة من هذا البعث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((ألا أدلكم علي قوم أفضل غنيمة، وأفضل رجعة؟ قوماً شهدوا صلاة الصبح، ثم جلسوا يذكرون الله حتى طلعت الشمس؛ فأولئك أسرع رجعة، وأفضل غنيمة)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وحماد بن أبي حميد الراوي هو ضعيف في الحديث.
ــ
وهذا الحديث يعضد ما ذهب إليه أصحابنا في قوله تعالي: {لا تدركه الأبصار} . قال الإمام المزني: إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده سمي إدراكاً. وقال الرجاج: معنى هذه الآية إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته.
قوله: ((يقول أفضل)) بيان لقوله: ((يفضله))، و ((أفضل)) يحتمل أن يراد به أن يدعو به أكثر منه، وأن يراد أنه أتى بدعاء أو قراءة أكثر منه.
الحديث الخامس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قوله: ((بعث بعثا)) أي سرية، هو من باب تسمية المفعول بالمصدر. ((نه)) حديث القيامة:((يا آدم ابعث بعث النار)) أي مبعوث إليها من أهلها.