المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل الوجه السادس يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ مَا فِي الْبِدَعِ مِنَ الْأَوْصَافِ - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني - جـ ١

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌ ‌فصل الوجه السادس يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ مَا فِي الْبِدَعِ مِنَ الْأَوْصَافِ

‌فصل

الوجه السادس يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ مَا فِي الْبِدَعِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَحْذُورَةِ، وَالْمَعَانِي الْمَذْمُومَةِ، وَأَنْوَاعِ الشُّؤْمِ، وَهُوَ كَالشَّرْحِ لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا، وَفِيهِ زِيَادَةُ بَسْطٍ، وَبَيَانٍ زَائِدٍ (1) عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْأَدِلَّةِ. فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى مَا يَسَعُ ذِكْرُهُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ وَالْحَالِ (2).

فَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عِبَادَةٌ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا غَيْرِهَا مِنَ الْقُرُبَاتِ. وَمُجَالِسُ صَاحِبِهَا تُنْزَعُ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَيُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمَاشِي إِلَيْهِ وَمُوَقِّرُهُ مُعِينٌ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ، فَمَا الظَّنُّ بِصَاحِبِهَا؟ وَهُوَ مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الشَّرِيعَةِ، وَيَزْدَادُ (3) مِنَ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ بُعْدًا، وَهِيَ (4) مَظِنَّةُ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَمَانِعَةٌ مِنَ الشَّفَاعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَرَافِعَةٌ لِلسُّنَنِ الَّتِي تُقَابِلُهَا، وَعَلَى مُبْتَدِعِهَا إِثْمُ (5) مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، وتلقى عليه الذلة (في الدنيا)(6) وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ، وَيُبْعَدُ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَيُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعْدُودًا فِي الْكُفَّارِ الْخَارِجِينَ عَنِ الملة، وسؤ (7) الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا، وَيَسْوَدُّ وَجْهُهُ في الآخرة، ويعذب بِنَارِ جَهَنَّمَ، وَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَبَرَّأَ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ، وَيُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ فِي الدُّنْيَا زِيَادَةً إِلَى عذاب الآخرة.

(1) في (م): "زائداً".

(2)

سوف يذكر المؤلف ما في البدع من الأوصاف المذمومة على وجه الإجمال ثم يفصل القول في كل وصف على حده.

(3)

في (ت): "ويزدا".

(4)

أي البدعة.

(5)

في (ت): "ثم"، وصححت فوق الكلمة.

(6)

ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ر):"الرضا".

(7)

أي ويخاف عليه سوء الخاتمة.

ص: 188

فَأَمَّا (1) أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُقْبَلُ مَعَهَا عَمَلٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (2) أَنَّهُ قَالَ:(كَانَ بعض أهل العلم يقول: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ ذِي بِدْعَةٍ صَلَاةً وَلَا صِيَامًا وَلَا صَدَقَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا حَجًّا (3) وَلَا عُمْرَةً وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (4).

وَفِيمَا كَتَبَ بِهِ أَسَدُ بْنُ مُوسَى (5): (وَإِيَّاكَ أن يكون لك من أهل (6) الْبِدَعِ أَخٌ أَوْ جَلِيسٌ أَوْ صَاحِبٌ، فَإِنَّهُ جَاءَ الْأَثَرُ (مَنْ (7) جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ نُزِعَتْ منه العصمة، ووكل إلى نفسه) (8)، و (من مشى إلى صاحب بدعة مشى في (9) هَدْمِ الْإِسْلَامِ) (10)، وَجَاءَ:(مَا مِنْ إِلَهٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ مِنْ صَاحِبِ هَوًى)(11)، وَوَقَعَتِ اللَّعْنَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عدلاً فَرِيضَةً (12) وَلَا تَطَوُّعًا (13)، وَكُلَّمَا ازْدَادُوا اجْتِهَادًا ـ صَوْمًا وَصَلَاةً ـ ازْدَادُوا مِنَ اللَّهِ بُعْدًا. فَارْفُضْ مُجَالَسَتَهُمْ (14)، وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله (15) وَأَذَلَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى بعده" (16).

(1) من هنا يبدأ المؤلف بتفصيل ما أجمله.

(2)

تقدمت ترجمته رحمه الله (ص17).

(3)

مطموسة في (ت).

(4)

رواه عنه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص11)، ورواه الإمام الآجري عن الحسن في كتاب الشريعة (ص64)، والإمام اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (1/ 139)، وذكره الإمام ابن بطة في الإبانة الصغرى (ص142).

(5)

تقدمت ترجمته (ص139). وهذه الكتابة كتبها إلى أسد بن الفرات.

(6)

هذه الكلمة ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).

(7)

مطموسة في (ت).

(8)

تقدم تخريجه (ص150).

(9)

في جميع النسخ "إليَّ" عدا (غ).

(10)

تقدم تخريجه (ص127).

(11)

، روى ابن أبي عاصم في السنة مرفوعاً:"ما تحت ظل السماء إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع". وأخرجه ابن عدي في الكامل (5/ 715)، والطبراني في الكبير (7502)، وابن الجوزي في الموضوعات (3/ 139)، وحكم عليه الشيخ الألباني بأنه موضوع كما في تعليقه على السنة.

(12)

في (ط): "ولا فريضة"، وفي (ت):"لا فريضة" بدون الواو.

(13)

تقدم تخريج الحديث (ص120).

(14)

في (ر): "مجالسهم".

(15)

أثبتها من (ر)، وغير موجودة في بقية النسخ.

(16)

روى هذا القول لأسد بن موسى رحمه الله الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص12 ـ 14) بلفظ أطول.

ص: 189

وَكَانَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ (1) يَقُولُ: (مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا)(2).

وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ (3): (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ (4) مِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ صَلَاةً وَلَا صِيَامًا وَلَا زَكَاةً وَلَا حَجًّا وَلَا جِهَادًا وَلَا عُمْرَةً وَلَا صَدَقَةً وَلَا عِتْقًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (5).

وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر رضي الله عنهما قَالَ: (مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ مَعَ اللَّهِ قَاضِيًا أَوْ رَازِقًا أَوْ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا أَوْ نَفْعًا أَوْ مَوْتًا أَوْ حَيَاةً أَوْ نُشُورًا، لَقِيَ اللَّهَ (6) فَأَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَأَخْرَسَ (7) لِسَانَهُ، وَجَعَلَ صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (8)، وَقَطَعَ بِهِ الْأَسْبَابَ، وَكَبَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ) (9).

وَهَذِهِ الأحاديث وما كان نحوها ـ مما ذكرناه أو لم نذكره ـ (وإن لم)(10) نتضمن (11) عهدة (12) صِحَّتِهَا كُلُّهَا، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُقَرَّرَ فِيهَا لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَصْلٌ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ.

أَمَّا أَوَّلًا: فَإِنَّهُ قَدْ (13) جَاءَ فِي بَعْضِهَا مَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْقَبُولِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ كَبِدْعَةِ الْقَدَرِيَّةِ (14) حَيْثُ قَالَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بن عمر رضي الله عنهما: (إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وأنهم برآء مني، فوالذي

(1) تقدمت ترجمته رحمه الله (ص147).

(2)

تقدم تخريجه (ص148).

(3)

تقدمت ترجمته رحمه الله (ص149).

(4)

لفظ الجلالة لا يوجد في (م).

(5)

تقدم تخريجه (ص149).

(6)

لفظ الجلالة لا يوجد في (م)، وغير واضح في (ت).

(7)

في (م) و (خ): "أخرص" بالصاد.

(8)

ساقطة من (غ) و (ر).

(9)

أخرجه ابن وهب في كتاب القدر برقم (4)، (25).

(10)

ما بين المعكوفين مثبت في (غ) وساقط من بقية النسخ.

(11)

في (ط): "تتضمن"، وفي بقية النسخ (يتضمن)، والمثبت من (غ).

(12)

في (خ) و (ط): "عمدة".

(13)

ساقطة من (غ).

(14)

وهم نفاة القدر، وقد تقدم التعريف بهم (ص11).

ص: 190

يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا تَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ" (1). ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ الْمَذْكُورِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (2).

وَمِثْلُهُ حَدِيثُ الْخَوَارِجِ وَقَوْلُهُ فِيهِ: (يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)، بَعْدَ قَوْلِهِ:(تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ (مَعَ صَلَاتِهِمْ)(3) وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ) (4). الْحَدِيثَ.

وَإِذَا ثَبَتَ في بعضهم هذا لأجل بدعته (5)، فكل مبتدع يخاف عليه (أن يكون)(6) مثل من ذكر (7).

وأما ثانياً: فإن كون (8) الْمُبْتَدِعُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَمَلٌ، إِمَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ لَهُ بِإِطْلَاقٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ مِنْ وِفَاقِ سُّنَّةٍ أَوْ خِلَافِهَا، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ (9) أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا ابْتَدَعَ فِيهِ خَاصَّةً دُونَ مَا لَمْ يَبْتَدِعْ فِيهِ.

فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَيُمْكِنُ عَلَى أَحَدِ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ:

الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مُبْتَدِعٍ أَيَّ بِدْعَةٍ كَانَتْ، فَأَعْمَالُهُ لَا تُقْبَلُ مَعَهَا، دَاخَلَتْهَا تِلْكَ الْبِدْعَةُ أَمْ لَا. وَيُشِيرُ إِلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ آنِفًا (10)، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فقال: والله ما عندنا

(1) انظر قوله رضي الله عنه في صحيح مسلم، كتاب الإيمان (1/ 156)، والشريعة للآجري (ص188).

(2)

وفيه سؤال جبريل عليه السلام لنبينا صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، انظره في الموضع السابق.

(3)

ما بين المعكوفين ساقط من (ت).

(4)

تقدم تخريج الحديث (ص12).

(5)

في (ط): "بدعة".

(6)

ما بين المعكوفين مثبت في (غ)، وساقط من بقية النسخ.

(7)

في (خ) و (ط): "ذكره"، وفي (ت):"ذكروا".

(8)

في (ط): "كان".

(9)

المثبت من (غ) و (ر)، وفي بقية النسخ (يريد).

(10)

في (غ)"أيضاً".

ص: 191

كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَنَشَرَهَا فَإِذَا فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَإِذَا فِيهَا:(الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ عَيْرٍ (1) إِلَى كَذَا. مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ (2) صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (3). وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ فَسَّرَ الصَّرْفَ وَالْعَدْلَ بِالْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ (4). وَهَذَا شَدِيدٌ جِدًّا عَلَى أَهْلِ الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ.

الثَّانِي (5): أَنْ تَكُونَ (6) بِدْعَتُهُ أَصْلًا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَعْمَالِ، كَمَا إِذَا (7) ذَهَبَ إِلَى إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِإِطْلَاقٍ (8)، فَإِنَّ عَامَّةَ (9) التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ (10) كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ سُنَّةِ رسوله، وما تفرع منهما (11) راجع إليهما.

(1) في (خ)، "يمر" وصححت في هامشها، وهو اسم جبل في المدينة، وتقدم الحديث بلفظ "من عير إلى ثور"(ص120).

(2)

في (ت): "له".

(3)

تقدم تخريج الحديث (ص120).

(4)

وهو قول الجمهور كما ذكره الإمام ابن حجر في الفتح (4/ 86)، وتقدم الكلام عليهما (ص120).

(5)

أي الوجه الثاني لعدم قبول أعمال المبتدع مطلقاً.

(6)

في (ت): "يكون".

(7)

ساقطة من (غ).

(8)

أهل السنة والجماعة يقبلون خبر الأحاد إذا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، سواء كان في المسائل العلمية أو العملية، وقد ذهب إلى إنكاره الرافضة والقاساني وابن داود وبعض أهل الظاهر، انظر نسبة ذلك إليهم في: الإحكام للآمدي (2/ 65)، روضة الناظر لابن قدامة (1/ 222)، مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص107)، السنة ومكانتها في التشريع للشيخ مصطفى السباعي (ص167)، وانظر في المسألة أيضاً: المحصول للرازي (2/ 170) أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي (1/ 467) ومن المبتدعة من ذهب إلى رد حديث الآحاد في مسائل العقيدة دون مسائل الفقه وهو قول الجهمية والمعطلة والمعتزلة والرافضة، وهو خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة.

وانظر في الرد عليهم: الصواعق المرسلة لابن القيم (ص470 ـ 532)، شرح الطحاوية لابن أبي العز (ص354)، مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي (ص104)، الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للشيخ الألباني، رد شبهات الإلحاد عن أحاديث الآحاد للشيخ عبد العزيز بن راشد النجدي.

(9)

بياض في (غ).

(10)

في (خ): تحتمل "فهي".

(11)

في (م) و (ت): "منه".

ص: 192

فَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنَ السُّنَّةِ فَمُعْظَمُ نَقْلِ السُّنَّةِ بِالْآحَادِ، بَلْ قَدْ أَعْوَزَ أَنْ يُوجَدَ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (1) مُتَوَاتِرًا (2).

وَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنَ الْكِتَابِ فَإِنَّمَا تُبَيِّنُهُ السُّنَّةُ.

فَكُلُّ مَا لَمْ يُبَيَّنْ فِي الْقُرْآنِ فَلَا بُدَّ لِمُطَّرِحِ نَقْلِ الْآحَادِ أن يستعمل فيه (3) رأيه، وَهُوَ الِابْتِدَاعُ بِعَيْنِهِ.

فَيَكُونُ كُلُّ (4) فَرْعٍ يَنْبَنِي على ذلك بدعة (5)، لَا (6) يُقْبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ (7)، كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ عليه السلام:(كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ (8) أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (9)، وَكَمَا إِذَا كَانَتِ البدعة (في النية)(10) الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كُلُّ عَمَلٍ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْأَعْمَالَ إِنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْأَوْلِيَاءِ الْمُكَاشَفِينَ بِحَقَائِقِ التَّوْحِيدِ، فَأَمَّا مَنْ رُفِعَ لَهُ الحجاب وكوشف

(1) سقطت من (ت).

(2)

لا شك أن الأحاديث المتواترة قليلة بالنسبة للآحاد، ولكنها في نفس الوقت ليست نادرة الوجود، فقد قال الإمام السيوطي في تدريب الراوي نقلاً عن شيخ الإسلام ما ادعاه ابن الصلاح عن عزة المتواتر، وكذا "ما ادعاه غيره من العدم ممنوع لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤا على الكذب، أو يحصل منهم اتفاقاً، قال: ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث، أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مؤلفيها، إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، أفاد العلم اليقيني بصحته إلى قائله، قال: ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثيرة، قال الإمام السيوطي: قلت: قد ألفت في هذا النوع كتاباً لم أسبق إلى مثله، سميته الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة

" انظر تدريب الراوي (2/ 178).

(3)

ساقطة من (ط).

(4)

مثبتة من (غ) و (ر)، وساقطة من بقية النسخ.

(5)

ساقط من (ط).

(6)

في (غ) و (ر): "فلا".

(7)

غير واضحة في (ت).

(8)

كتبت في (ت) فوق السطر.

(9)

تقدم تخريجه (ص114).

(10)

ما بين المعكوفين مثبت من (غ) وساقط من بقية النسخ.

ص: 193

بِحَقِيقَةِ مَا هُنَالِكَ، فَقَدِ ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَصْلٍ هُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ لا يليق في هذا الموضع ذكره (1).

ومثله (2) مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ (3) بَعْضُ الْمَارِقِينَ مِنْ إِنْكَارِ الْعَمَلِ بِالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ جَاءَتْ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ (4).

وَفِي الترمذي عن أبي رافع (5) رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ (6): "لَا أَلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ متكئاً على أريكته (7) يأتيه أَمْرِي مِمَّا (8) أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي! مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ". حَدِيثٌ حَسَنٌ (9).

وَفِي رِوَايَةٍ: "أَلَا هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ عَنِّي الْحَدِيثُ (10) وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلَالًا حَلَّلْنَاهُ (11)، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ" حَدِيثٌ حسن (12).

(1) وقد عد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول من أعظم الكفر، بل عده شر من قول اليهود والنصارى. انظر قوله رحمه الله ورده عليهم في الفتاوى (11/ 401 ـ 433)، وانظر تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص443 ـ 445)، وهو قول غلاة الصوفية.

(2)

المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ "وأمثلة".

(3)

كتبت في (ت): فوق السطر.

(4)

وهذا القول الباطل منسوب إلى غلاة الروافض. ويظهر أنه قول قديم، فقد ناقش الإمام الشافعي أصحابه في كتابه الأم (7/ 250)، وانظر رد الإمام ابن حزم عليهم في الإحكام (2/ 80)، ومع تهافت هذا المذهب فقد وجد من يدعو إليه في العصر الحديث كفرقة (القرآنيون). وانظر رد شبههم في كتاب السنة ومكانتها في التشريع للشيخ مصطفى السباعي (ص153 ـ 166)، وكتاب فرقة أهل القرآن وموقف الإسلام منها لخادم إلهي بخش.

(5)

تقدمت ترجمته رضي الله عنه (ص137).

(6)

كتبت في (ت): فوق السطر.

(7)

هو كل ما اتكئ عليه، وقيل غير ذلك. وتقدم (ص138).

(8)

المثبت من (غ)، وهو الموافق للرواية، وفي بقية النسخ "فيما".

(9)

تقدم تخريجه (ص138).

(10)

في (ر): "الحديث عني".

(11)

في (غ) و (ر): "استحللناه".

(12)

وهي الرواية الثانية عند الترمذي برقم (2464).

ص: 194

وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الذَّمِّ، وَإِثْبَاتِ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ كَكِتَابِ اللَّهِ، فَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَدْ بَنَى أَعْمَالَهُ عَلَى رَأْيِهِ لَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ (1) وَلَا عَلَى سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن الأمثلة: ما (2) إِذَا كَانَتِ الْبِدْعَةُ تُخْرِجُ صَاحِبَهَا عَنِ الْإِسْلَامِ بِاتِّفَاقٍ أَوْ بِاخْتِلَافٍ، إِذْ لِلْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ قَوْلَانِ (3). وَفِي الظَّوَاهِرِ (4) مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ عليه السلام فِي بَعْضِ روايات حديث الخوارج حين ذكر السهم بصفة (5) الخروج (6) من الرمِيَّة سَبَقَ (7) الفرث والدم (8).

ومن الآيات قوله سبحانه: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (9) الآية ونحو (ذلك من)(10) الظَّوَاهِرِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ (11): أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا قَدْ يَجُرُّهُ اعْتِقَادُ بِدْعَتِهِ الْخَاصَّةِ إِلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي يُصَيِّرُ اعْتِقَادَهُ فِي الشَّرِيعَةِ ضَعِيفًا، وَذَلِكَ يُبْطِلُ عليه جميع عمله.

(1) لفظ الجلالة غير موجود في جميع النسخ عدا (غ) و (ر).

(2)

ساقطة من (ط).

(3)

وهذا القول ليس على الإطلاق في كل بدعة، وإنما المراد بعض البدع العظيمة، كبدعة الخوارج التي ذكرها المؤلف هنا. وتقدم الكلام على مسألة تكفيرهم (ص79). وسيطرق المؤلف مسألة تكفير المبتدعة أيضاً في الباب التاسع (2/ 194 ـ 198، 202 ـ206، 246 ـ 249).

(4)

في (ت): "الظر".

(5)

في (خ) و (ط): "بصيغة".

(6)

في (م)، و (خ) و (ط):"الخوارج" وفي (ت): "الخارج"، والمثبت من (غ).

(7)

في (خ) و (ت) و (ط): "بين"، والصواب المثبت، وهو الموافق للرواية.

(8)

هذه الرواية في حديث أبي سعيد عند البخاري، كتاب المناقب، برقم (3610)(6/ 617 ـ 618)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة (7/ 165)، وأحمد في المسند (3/ 56)، ورواها عبد الله بن عمرو بن العاص أيضاً كما في المسند (2/ 219).

(9)

سورة آل عمران: آية (106).

(10)

ساقط من (ط).

(11)

أي من أوجه عدم قبول أعمال المبتدع بإطلاق، وفي (ر):"والوجه".

ص: 195

بيان ذلك بأمثلة (1):

منها أن يشرك (2) العقل مع الشرع في التشريع (وهي طريقة أهل التحسين والتقبيح، ولذلك يقولون إن العقل يستقل بالتشريع)(3)، وَإِنَّمَا يَأْتِي الشَّرْعُ (4) كَاشِفًا لِمَا اقْتَضَاهُ الْعَقْلُ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ حَكَّمَ هَؤُلَاءِ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ شَرْعَهُ أَمْ عُقُولَهُمْ؟ بَلْ صَارَ الشَّرْعُ فِي نِحْلَتِهِمْ كَالتَّابِعِ الْمُعِينِ (5)، لَا حَاكِمًا مُتَّبَعًا، وَهَذَا هُوَ التَّشْرِيعُ الَّذِي لَمْ يَبْقَ لِلشَّرْعِ مَعَهُ أَصَالَةٌ، فَكُلُّ مَا عَمِلَ هَذَا الْعَامِلُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ عَقْلُهُ، وَإِنْ شَرَكَ الشَّرْعَ فَعَلَى حُكْمِ الشَّرِكَةِ، لَا عَلَى إِفْرَادِ الشَّرْعِ، فَلَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى الدَّلِيلِ (6) الدَّالِّ عَلَى إِبْطَالِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، إِذْ هُوَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ (7) مِنْ مَشْهُورِ الْبِدَعِ، وكل بدعة ضلالة (8).

(1) في (م) و (خ) و (ط): "أمثلة".

(2)

في (ت): "يتركب" وفي (م) و (خ) و (ت): "يترك"، والمثبت ما في (غ) و (ر).

(3)

ما بين المعكوفين مثبت من (غ) و (ر)، وهو ساقط من بقية النسخ.

(4)

الشين غير واضحة في (ت).

(5)

ساقطة من (ت).

(6)

كتبت مرتين في (ت).

(7)

تقدم هذا الإطلاق للمؤلف، وأنه يريد به علماء العقيدة والأولى استعمال لفظ أنسب لذم الكلام وأهله عند السلف.

(8)

وهذا القول هو قول المعتزلة والكرامية وغيرهم من أهل المذاهب، فقد ذهبوا إلى أن حسن الأفعال وقبحها صفات ذاتية لها، وأن الشرع ليس له دور إلا الكشف عن تلك الصفات، ورتبوا على ذلك قولهم الباطل، وهو أنه يجب على الله سبحانه وتعالى فعل ما استحسنه العقل، ويحرم عليه سبحانه فعل ما استقبحه العقل، وقد بنوا على ذلك نفيهم للقدر، ولكن كثيراً ممن قال بالتحسين والتقبيح العقلي لم يقل بنفي القدر، ولا التزم بما التزم به المعتزلة، لكن القول بأنه لا يقبل لأصحاب هذا القول عمل فيه نظر.

وقد ذهب الأشاعرة ومن تبعهم من أهل المذاهب إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين، وقالوا بأن حسن الأفعال وقبحها لا يعرف إلا بالشرع. ويلزم على قولهم لوازم فاسدة قد التزموها وقالوا بها كجواز ظهور المعجزة على يد الكاذب وأن ذلك ليس بقبيح، وأنه يجوز نسبة الكذب إلى أصدق الصادقين، وأنه لا يقبح منه، وأنه يستوي التثليث والتوحيد قبل ورود الشرع .. وغير ذلك من اللوازم التي انبنت على أن هذه الأشياء لم تقبح بالعقل، وإنما جهة قبحها السمع فقط. انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم (2/ 42).=

ص: 196

وَمِنْهَا أَنَّ (1) الْمُسْتَحْسِنَ لِلْبِدَعِ يَلْزَمُهُ عَادَةً أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ عِنْدَهُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ، فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (2) مَعْنًى يُعْتَبَرُ بِهِ (3) عِنْدَهُمْ، وَمُحْسِنُ الظَّنِّ مِنْهُمْ يَتَأَوَّلُهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفِرَقَ الَّتِي تَبْتَدِعُ الْعِبَادَاتِ أَكْثَرُهَا مِمَّنْ يُكْثِرُ الزُّهْدَ وَالِانْقِطَاعَ وَالِانْفِرَادَ عَنِ الْخَلْقِ، وَإِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ يَجْرِي أَغْمَارُ (4) الْعَوَامِّ، وَالَّذِي يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ وَإِنْ كَانَ أَتْقَى خَلْقِ اللَّهِ لَا يُعِدُّونَهُ إِلَّا مِنَ الْعَامَّةِ. وَأَمَّا الْخَاصَّةُ فَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ المغترين بِهِمْ، وَالْمَائِلِينَ إِلَى جِهَتِهِمْ، يَزْدَرُونَ بِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ (5) لَمْ يَنْتَحِلْ مِثْلَ مَا انْتَحَلُوا، وَيَعُدُّونَهُمْ مِنَ الْمَحْجُوبِينَ عَنْ أَنْوَارِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الْمَعْنَى يَضْعُفُ فِي يَدِهِ قَانُونُ الشَّرْعِ الَّذِي ضَبَطَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَبَيَّنَ حُدُودَهُ الْفُقَهَاءُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، إِذْ لَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ فِي طريق السلوك بمنهض حتى يدخل مداخل

=وقد ذهب الأشاعرة بناء على هذا إلى نفي الحكمة عن الله تعالى، ولكن من ذهب إلى نفي التحسين والتقبيح العقليين من غير الأشاعرة لم يقل بنفي الحكمة والأسباب.

وقد توسط أهل السنة في هذه المسألة، فقالوا بأن الحسن والقبح يدركان بالعقل ولكن ذلك لا يستلزم حكماً في فعل العبد، بل يكون الفعل صالحاً لاستحقاق الأمر والنهي، والثواب والعقاب من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقل حسنه، أو ينهى عن نقيض ما أدرك العقل قبحه، عملاً في ذلك بمقتضى الحكمة التي هي صفة من صفاته سبحانه

وهذا قول عامة السلف وأكثر المسلمين.

انظر هذه المسألة: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 428 ـ 436)، (11/ 676 ـ 677)، درء تعارض العقل والنقل (8/ 492)، مفتاح دار السعادة للإمام ابن القيم (ص334 ـ 446)، شفاء العليل (ص391 ـ 434)، مدارج السالكين (1/ 230)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني (1/ 284)، حقيقة البدعة وأحكامها للأستاذ سعيد بن ناصر الغامدي، وانظر قول المعتزلة في المغني للقاضي عبد الجبار (14/ 7 ـ 180)، وقول الأشاعرة في المواقف للإيجي (ص323)، والإرشاد للجويني (ص228).

(1)

ساقطة من (ت).

(2)

سورة المائدة: آية (3).

(3)

ساقطة من (ت).

(4)

في (م) و (غ) و (ر): "غمار"، قال في الصحاح:"والغمرة: الزحمة من الناس والماء، والجمع غمار، ودخلت في غمار الناس وغمار الناس، يضم ويفتح، أي في زحمتهم وكثرتهم. ورجل غمر: لم يجرب الأمور". الصحاح للجوهري (2/ 772 ـ 773).

(5)

في (ت): "مثل من".

ص: 197

خاصتهم، وعند ذلك لا يبقى للعمل (1) فِي أَيْدِيهِمْ رُوحُ الِاعْتِمَادِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ بَابُ عَدَمِ الْقَبُولِ فِي (تِلْكَ)(2) الْأَعْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْأَمْرِ مَشْرُوعَةً، لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ فِيهَا أَفْسَدَهَا عَلَيْهِمْ، فَحَقِيقٌ أَنْ (3) لَا يُقْبَلَ مِمَّنْ (4) هَذَا شَأْنُهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

وَأَمَّا الثَّانِي (5): وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ لِأَعْمَالِهِمْ مَا ابْتَدَعُوا فِيهِ خَاصَّةً، فَيَظْهَرُ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ:(كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عليه أمرنا فهو رد)(6). وجميع (7)(ما جاء)(8) مِنْ قَوْلِهِ: (كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)(9)، أَيْ إِنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ مَعْنَى عدم القبول، وفاق قول الله تَعَالَى:{وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (10).

وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ لَا يَقْتَصِرُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ الصِّيَامِ، وَلَا عَلَى الصِّيَامِ دُونَ الزَّكَاةِ، وَلَا عَلَى الزَّكَاةِ دُونَ الْحَجِّ، وَلَا عَلَى الْحَجِّ دُونَ الْجِهَادِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، لِأَنَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَاضِرٌ مَعَهُ فِي الْجَمِيعِ، وَهُوَ الْهَوَى وَالْجَهْلُ بِشَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ (11).

وَفِي الْمَبْسُوطَةِ (12) عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى (13) أَنَّهُ ذكر الأعراف وأهله

(1) في (ط): "لعمل".

(2)

في (م) و (خ) و (ت): "ذلك".

(3)

في (ت): "أنه".

(4)

في (ت): "لمن".

(5)

وتقدم الأول وهو أن يراد عدم قبول أعمالهم بإطلاق.

(6)

تقدم تخريجه (ص114).

(7)

في (خ) و (ت) و (ط)، "والجميع".

(8)

ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و (ر).

(9)

تقدم تخريجه (ص115).

(10)

سورة الأنعام: آية (153).

(11)

وذلك في بداية الباب الرابع (1/ 221) من المطبوع.

(12)

ذكر هذا الكتاب الإمام ابن حجر في الفتح، وعزاه لابن نافع. انظر الفتح (1/ 305)، وابن نافع هو أحد تلامذة الإمام مالك.

(13)

هو أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير الليثي القرطبي، الإمام، الحجة، رئيس علماء الأندلس وفقيهها، سمع الموطأ من مالك، وتفقه به من لا يحصى كثرة، وبه=

ص: 198

فَتَوَجَّعَ وَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ:(قَوْمٌ أَرَادُوا وَجْهًا مِنَ الْخَيْرِ فَلَمْ يُصِيبُوهُ)، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَفَيُرْجَى لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِسَعْيِهِمْ ثَوَابٌ؟ قَالَ (1):(لَيْسَ فِي خِلَافِ السُّنَّةِ رَجَاءُ ثواب)(2).

وَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ تُنْزَعُ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَيُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ (3)، وَمَعْنَاهُ ظاهر جداً، فإن الله بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ حَسْبَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ كُنَّا قَبْلَ طُلُوعِ ذَلِكَ النُّورِ الْأَعْظَمِ لَا نَهْتَدِي سَبِيلًا، وَلَا نَعْرِفُ مِنْ مَصَالِحِنَا الدُّنْيَوِيَّةِ إِلَّا قَلِيلًا عَلَى غَيْرِ كَمَالٍ، وَلَا مِنْ مَصَالِحِنَا الْأُخْرَوِيَّةِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، بَلْ كَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَرْكَبُ هَوَاهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ (مَا فِيهِ)(4)، وَيَطْرَحُ هَوَى غَيْرِهِ فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، فَلَا يَزَالُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ وَالْفَسَادُ فِيهِمْ يَخُصُّ وَيَعُمُّ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم لِزَوَالِ الرَّيْبِ وَالِالْتِبَاسِ، وَارْتِفَاعِ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ النَّاسِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} إِلَى قَوْلِهِ: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} (5)، وقوله:({كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} معناه: فاختلفوا فبعث الله النبيين كما قال)(6){وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَاّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} (7).

=وبعيسى بن دينار انتشر مذهب مالك بالأندلس. توفي سنة 234هـ.

انظر: ترتيب المدارك للقاضي عياض (1/ 534)، شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف (ص63 ـ 64)، تقريب التهذيب (2/ 360).

(1)

في (ت): "فقال".

(2)

أكثر الأقوال في المراد بأهل الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد أورد الإمام السيوطي في الدر المنثور عند ذكر آية الأعراف أحاديث تدل على أنهم قوم قتلوا في سبيل الله وهم عاصون لآبائهم، فمنعوا الجنة بمعصية آبائهم، ومنعوا النار بقتلهم في سبيل الله. انظر: الدر المنثور (3/ 464 ـ 465)، فتح القدير للإمام الشوكاني (2/ 209)، ولعل هذا المعنى أقرب إلى مراد يحيى بن يحيى فيما نقل عنه. وهذا القول ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (3/ 391).

(3)

تقدم (ص105).

(4)

ساقطة من (خ).

(5)

سورة البقرة: آية (213).

(6)

ما بين المعكوفين أثبته من (غ) و (ر)، وهو ساقط من بقية النسخ.

(7)

سورة يونس: آية (19).

ص: 199

وَلَمْ يَكُنْ حَاكِمًا بَيْنَهُمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، إِلَّا وَقَدْ جَاءَهُمْ بِمَا يَنْتَظِمُ بِهِ شَمْلُهُمْ، وَتَجْتَمِعُ بِهِ كَلِمَتُهُمْ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَلَفُوا، وَهُوَ مَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالصَّلَاحِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَيَدْرَأُ عَنْهُمُ الفساد على الإطلاق، فانحفظت الأديان والدماء والعقول (1) وَالْأَنْسَابُ وَالْأَمْوَالُ مِنْ طُرُقٍ يَعْرِفُ مَآخِذَهَا الْعُلَمَاءُ، وذلك الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (المبين بسنته)(2) قَوْلًا وَعَمَلًا وَإِقْرَارًا، وَلَمْ يُرَدُّوا إِلَى تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَقِلُّونَ بِدَرْكِ مَصَالِحِهِمْ، وَلَا تَدْبِيرِ أَنْفُسِهِمْ.

فَإِذَا تَرَكَ الْمُبْتَدِعُ هَذِهِ الْهِبَاتِ الْعَظِيمَةَ، وَالْعَطَايَا الْجَزِيلَةَ، وأخذ في استصلاح آخرته (3) أَوْ دُنْيَاهُ بِنَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلِ الشَّرْعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا، فَكَيْفَ لَهُ بِالْعِصْمَةِ وَالدُّخُولِ تَحْتَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ (4)؟ وَقَدْ حَلَّ يَدَهُ مِنْ حَبْلِ الْعِصْمَةِ إِلَى تَدْبِيرِ نَفْسِهِ، فَهُوَ حَقِيقٌ بِالْبُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (5) بعد قوله: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (6)، فَأَشْعُرُ أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِحَبْلِ اللَّهِ هُوَ تَقْوَى اللَّهِ حَقًّا وَأَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ تَفْرِقَةٌ لقوله:{وَلَا تَفَرَّقُوا} ، والفرقة من أخص (7) أَوْصَافِ الْمُبْتَدِعَةِ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ، وَبَايَنَ جَمَاعَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.

رَوَى عَبْدُ (8) بْنُ حميد (9) عن عبد الله (10): (أن حبل الله الجماعة)(11).

(1) في (م) و (ت) و (خ) و (ط): "العقل".

(2)

ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ر):"بسنة" ..

(3)

المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ:"نفسه".

(4)

في (غ): "الترجمة".

(5)

سورة آل عمران: آية (103).

(6)

سورة آل عمران: آية (102).

(7)

ساقطة من (ت)، وفي م وخ وط (أخس).

(8)

المثبت هو ما في (غ) و (ر)، وبقية النسخ عبد الله.

(9)

تقدمت ترجمته (ص100).

(10)

هو ابن مسعود رضي الله عنه.

(11)

رواه سعيد بن منصور في سننه برقم (520)(3/ 1084)، وابن جرير في تفسيره (4/ 30)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر والطبراني، من طريق الشعبي (2/ 287)، وروى الآجري قريباً منه ضمن خطبة لابن مسعود رضي الله عنه. انظر الشريعة (ص13)، وذكره كذلك الإمام البغوي في معالم التنزيل (1/ 333).

ص: 200

وَعَنْ قَتَادَةَ (1): (حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ هَذَا الْقُرْآنُ وَسُنَنُهُ (2)، وَعَهْدُهُ إِلَى عِبَادِهِ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يعتصم به (3)، فيه الْخَيْرِ (4)، وَالثِّقَةُ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَيَعْتَصِمُوا بِحَبْلِهِ) إِلَى آخِرِ مَا قَالَ (5).

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ} (6).

وأما أن الماشي إليه وَالْمُوَقِّرُ (7) لَهُ مُعِينٌ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ تقدم من نَقْلُهُ (8).

وَرُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا: (مَنْ أَتَى صَاحِبَ بِدْعَةٍ لِيُوَقِّرَهُ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ)(9).

وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (10) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ)(11).

وَيُجَامِعُهَا فِي الْمَعْنَى مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ عليه السلام: "مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" الْحَدِيثَ (12).

فَإِنَّ الْإِيوَاءَ يُجَامِعُ التَّوْقِيرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمَشْيَ إِلَيْهِ وَالتَّوْقِيرَ لَهُ تَعْظِيمٌ لَهُ لِأَجْلِ بِدْعَتِهِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الشَّرْعَ يَأْمُرُ بِزَجْرِهِ وَإِهَانَتِهِ وَإِذْلَالِهِ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، كَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ (13)، فَصَارَ تَوْقِيرُهُ صُدُودًا عَنِ الْعَمَلِ

(1) تقدمت ترجمته رحمه الله (ص83).

(2)

غير واضحة في (م) وفي (غ) و (ر): وسنته.

(3)

في (خ) و (ط): "بما".

(4)

في (خ) و (ط): "من الخير".

(5)

قال الإمام السيوطي في الدر المنثور: "وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ} قال: بعهد الله وبأمره". (2/ 287)، وروى عنه أنه القرآن، كما في معالم التنزيل للبغوي (1/ 333)، وزاد المسير لابن الجوزي (1/ 432 ـ 433).

(6)

سورة الحج: آية (78).

(7)

في (ر): "الموقر" بغير واو.

(8)

تقدم (ص205)، ضمن كلام أسد بن موسى رحمه الله.

(9)

تقدم تخريجه (ص127).

(10)

تقدمت ترجمته (ص191).

(11)

تقدم تخريجه (ص127).

(12)

تقدم تخريجه (ص120).

(13)

وسوف يتكلم المؤلف عن الأحكام المتعلقة بالمبتدعة من ناحية القيام عليهم من الخاصة والعامة بسبب جنايتهم على الدين. وذلك في الباب الثالث (ص325 ـ 332).

ص: 201

بِشَرْعِ الْإِسْلَامِ، وَإِقْبَالًا عَلَى مَا يُضَادُّهُ وَيُنَافِيهِ، وَالْإِسْلَامُ لَا يَنْهَدِمُ إِلَّا بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُنَافِيهِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ تَوْقِيرَ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ مَظِنَّةٌ لِمَفْسَدَتَيْنِ تَعُودَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْهَدْمِ:

إِحْدَاهُمَا: الْتِفَاتُ الْجُهَّالِ وَالْعَامَّةِ إِلَى ذَلِكَ التَّوْقِيرِ، فَيَعْتَقِدُونَ فِي الْمُبْتَدِعِ أَنَّهُ أَفْضَلُ النَّاسِ، وَأَنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِمَّا عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِهِ عَلَى بِدْعَتِهِ دُونَ اتِّبَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى سُنَّتِهِمْ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا وُقِّرَ مِنْ أَجْلِ بِدْعَتِهِ صَارَ ذَلِكَ كَالْحَادِي الْمُحَرِّضِ لَهُ عَلَى إِنْشَاءِ الِابْتِدَاعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ (1) فَتَحْيَا الْبِدَعُ، وَتَمُوتُ السُّنَنُ، وَهُوَ هَدْمُ الْإِسْلَامِ بِعَيْنِهِ.

وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ حَدِيثُ مُعَاذٍ: (فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لَهُمْ لَا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ؟ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ، فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلَالَةٌ)(2)، فَهُوَ يَقْتَضِي أَنّ السُّنَنَ تَمُوتُ إِذَا أحييت البدع، وإذا ماتت انْهَدَمَ الْإِسْلَامُ.

وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ النَّقْلُ عَنِ السلف الصالح (3) زِيَادَةً إِلَى صِحَّةِ الِاعْتِبَارِ، لِأَنَّ الْبَاطِلَ إِذَا عُمِلَ بِهِ لَزِمَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ كَمَا فِي الْعَكْسِ، لِأَنَّ الْمَحَلَّ الْوَاحِدَ لَا يَشْتَغِلُ (4) إِلَّا بِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ.

وَأَيْضًا فَمِنَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ تَرْكُ الْبِدَعِ. فَمَنْ عَمِلَ بِبِدْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ تَرَكَ تِلْكَ السُّنَّةَ.

فَمِمَّا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ ما تقدم ذكره عن حذيقة رضي الله عنه أَنَّهُ أَخَذَ حَجَرَيْنِ فَوَضَعَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ ترون ما بين

(1) ساقطة من (ت).

(2)

تقدم تخريجه (ص53).

(3)

ساقطة من (ط).

(4)

في (م): "يستغل"، وفي (ر):"يستقل".

ص: 202

هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ (1) مِنَ النُّورِ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا نَرَى بَيْنَهُمَا (مِنَ النُّورِ)(2) إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَظْهَرَنَّ (3) الْبِدَعُ حَتَّى لَا يُرَى مِنَ الْحَقِّ إِلَّا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، وَاللَّهِ لَتَفْشُوَنَّ الْبِدَعُ حَتَّى إِذَا تُرِكَ مِنْهَا شيء قالوا: تركت السنة) (4). وله أثر آخَرُ قَدْ (5) تَقَدَّمَ (6).

وَعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ (7) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (مَا أَحْدَثَتْ أُمَّةٌ فِي دِينِهَا بِدْعَةً إِلَّا رَفَعَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُمْ سنة (8)) (9).

وعن حسان بن عطية (10) قال: (ما أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا، ثُمَّ لَمْ يُعِدْهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (11).

وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ يَرْفَعُهُ: (لَا يُحْدِثُ رَجُلٌ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ مِنَ السُّنَّةِ مَا هُوَ خَيْرٌ منها)(12).

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْ عَامٍ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حَتَّى تحيا البدع، وتموت (13) السنن" (14).

وَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَهَا مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الشَّرِيعَةِ، فَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين"(15).

(1) ساقطة من (ت).

(2)

ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و (ر).

(3)

في (خ): "لتظهرون".

(4)

تقدم تخريجه (ص136).

(5)

ساقطة من (ت).

(6)

تقدم (ص137).

(7)

تقدمت ترجمته (ص32).

(8)

في (ت)، و (ط):"سنته".

(9)

تقدم تخريجه (ص32).

(10)

تقدمت ترجمته (ص33).

(11)

تقدم تخريجه (ص33).

(12)

تقدم تخريجه (ص32).

(13)

في (ت): "وتموت فيه السنن".

(14)

تقدم تخريجه (ص32).

(15)

تقدم تخريجه (ص120).

ص: 203

وعُد مِنَ الْإِحْدَاثِ الِاسْتِنَانُ (بِسُنَّةٍ)(1) سُوءٍ لَمْ تَكُنْ.

وَهَذِهِ اللَّعْنَةُ قَدِ اشْتَرَكَ فِيهَا صَاحِبُ الْبِدْعَةِ مَعَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَقَدْ شَهِدَ أَنَّ بَعْثَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهَا، وَجَاءَهُ الْهُدَى مِنَ اللَّهِ وَالْبَيَانُ الشَّافِي، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} إِلَى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *} (2) إِلَى آخِرِهَا.

وَاشْتَرَكَ أَيْضًا مَعَ مَنْ كَتَمَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَبَيَّنَهُ (3) فِي كِتَابِهِ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَاَّّعِنُونَ *} (4) إِلَى آخِرِهَا.

فَتَأَمَّلُوا الْمَعْنَى الَّذِي اشْتَرَكَ الْمُبْتَدِعُ فِيهِ (5) مَعَ هَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ، وَذَلِكَ مُضَادَّةُ الشَّارِعِ فِيمَا شَرَعَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَشَرَعَ الشَّرَائِعَ، وَبَيَّنَ الطَّرِيقَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى غَايَةِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْبَيَانِ، فَضَادَّهَا الْكَافِرُ بِأَنْ جَحَدَهَا جَحْدًا (6)، وَضَادَّهَا كَاتِمُهَا بِنَفْسِ الْكِتْمَانِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ يُبَيِّنُ وَيُظْهِرُ، وَهَذَا يَكْتُمُ وَيُخْفِي، وَضَادَّهَا الْمُبْتَدِعُ بِأَنْ وَضَعَ الْوَسِيلَةَ لِتَرْكِ مَا بَيَّنَ وَإِخْفَاءِ (7) مَا أَظْهَرَ، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُدْخِلَ الْإِشْكَالَ فِي الْوَاضِحَاتِ، (مِنْ أَجْلِ اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ، لِأَنَّ الْوَاضِحَاتِ)(8) تَهْدِمُ لَهُ مَا بَنَى عليه في الْمُتَشَابِهَاتِ، فَهُوَ آخِذٌ فِي إِدْخَالِ الْإِشْكَالِ عَلَى الواضح، حتى يُترك (9)، فبحق (10) ما جاءت اللعنة في الابتداع (11) مِنَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.

قَالَ أَبُو مصعب (12) صاحب مالك رضي الله عنه: قدم علينا ابن

(1) في (م) و (خ) و (ت): "بسنته".

(2)

سورة آل عمران: الآيتان (86 ـ 87).

(3)

في (ت): "ونبيه".

(4)

سورة البقرة: آية (159).

(5)

ساقطة من (غ) و (ر).

(6)

ساقطة من (غ).

(7)

في (ت): "وأخفى".

(8)

ما بين المعكوفين ساقط من (ت).

(9)

في (ط): "يرتكب".

(10)

ساقطة من جميع النسخ عدا (غ)، وفي (ر):"فيحق".

(11)

في (خ) و (ط): "الابتداع به".

(12)

هو أبو مصعب أحمد بن أبي بكر، واسم أبي بكر القاسم بن الحارث الزبيري، روى عن مالك الموطأ وغيره من قوله، وتفقه بأصحابه: المغيرة وابن دينار وغيرهما. تولى=

ص: 204

مَهْدِيٍّ (1) ـ يَعْنِي الْمَدِينَةَ ـ فَصَلَّى وَوَضَعَ رِدَاءَهُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَلَمَّا (2) سَلَّمَ (3) الْإِمَامُ رَمَقَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ، وَرَمَقُوا مَالِكًا، وَكَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْحَرَسِ (4)؟ فَجَاءَهُ نَفْسَانِ، فَقَالَ: خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ فَاحْبِسَاهُ فَحُبِسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَمَا خِفْتَ اللَّهَ (5) وَاتَّقَيْتَهُ أَنْ وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"(6)، فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبَدًا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ولا في غيره (7).

وهذا غاية التَّوَقِّي وَالتَّحَفُّظِ فِي تَرْكِ إِحْدَاثِ مَا لَمْ يَكُنْ خَوْفًا مِنْ تِلْكَ اللَّعْنَةِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا سِوَى وَضْعِ الثَّوْبِ؟

وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الطَّحَاوِيِّ (8)(سِتَّةٌ أَلْعَنُهُمْ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ)(9)، فَذَكَرَ فِيهِمْ التَّارِكَ لسنته عليه الصلاة والسلام أخذاً بالبدعة.

وَأَمَّا أَنَّهُ يَزْدَادُ (10) مِنَ اللَّهِ بُعْدًا، فَلِمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ:(صَاحِبُ الْبِدْعَةِ ما يَزْدَادُ (11) اجْتِهَادًا (12)، صِيَامًا وَصَلَاةً (13)، إِلَّا ازْدَادَ مِنَ الله بعداً) (14).

=قضاء المدينة وكان فقيهها. توفي سنة 242هـ.

انظر: ترتيب المدارك (1/ 513)، سير أعلام النبلاء (11/ 436)، تقريب التهذيب (1/ 12).

(1)

تقدمت ترجمته (ص87).

(2)

في (م) و (خ): "فلم".

(3)

ساقطة من (م) و (خ).

(4)

في (ت): "العرس".

(5)

ساقطة من (غ) و (ر).

(6)

لم أجد الحديث بهذا اللفظ، من تخصيص المسجد نفسه، وقد تقدم حديث علي رضي الله عنه "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فعليه لعنة الله

الحديث". انظر (ص120).

(7)

هذه القصة ذكرها القاضي عياض بلفظها في ترتيب المدارك (1/ 171).

(8)

تقدمت ترجمته رحمه الله (ص77).

(9)

تقدم تخريجه (ص128).

(10)

في جميع النسخ: "يزاد" عدا (غ) و (ر).

(11)

في (ت): "يزاد"، وفي (ر):"لا يزداد".

(12)

في (ط): "ما يزداد من الله اجتهاداً".

(13)

في (ت): "ولا صلاة".

(14)

تقدم تخريجه (ص146).

ص: 205

وَعَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ (1) قَالَ: "مَا ازْدَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا) (2).

وَيُصَحِّحُ هَذَا النَّقْلَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي (3) الخوارج: "يخرج من ضئضيء (4) هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم (5) " إِلَى أَنْ قَالَ: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"(6).

فَبَيَّنَ أَوَّلًا اجْتِهَادَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ آخِرًا بُعْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَهُوَ بَيِّنٌ (أَيْضًا (7) مِنْ) (8) جِهَةِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ (9)، فَكُلُّ (10) عَمَلٍ يَعْمَلُهُ عَلَى الْبِدْعَةِ فَكَمَا لَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ، وَيَزِيدُ (11) عَلَى تَارِكِ الْعَمَلِ بِالْعِنَادِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ابْتِدَاعُهُ، وَالْفَسَادِ الدَّاخِلِ عَلَى النَّاسِ بِهِ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ، وَفِي فُرُوعِ الْأَعْمَالِ والاعتقادات، وهو يظن مع ذلك أن

(1) تقدمت ترجمته (ص147).

(2)

تقدم تخريجه (ص148).

(3)

ساقطة من (ت).

(4)

قال الزمخشري في الفائق في غريب الحديث فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "يخرج من ضئضيء هذا": أي من أصله، يقال: هو من ضئضيء صدق، وضؤضؤ صدق. انظر الفائق (2/ 325)، شرح الإمام النووي لمسلم (7/ 162).

(5)

في (م): "صياهم".

(6)

رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب من صحيحه، باب علامات النبوة، عن أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ "دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرمية

" (6/ 617 ـ 618، فتح)، وأما حديث: "يخرج من ضئضئيء هذا قوم" فقد تقدم تخريجه ص12، وليس فيه "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم

"، والحديث هنا رواه أيضاً الإمام مسلم في كتاب الزكاة من صحيحه (7/ 164، 166)، والإمام ابن ماجه في مقدمة سننه، باب ذكر الخوارج برقم (169)، (1/ 60)، والإمام أحمد في المسند (3/ 33).

(7)

ساقطة من (غ).

(8)

ساقط من (م) و (خ) و (ت).

(9)

تقدم الحديث (ص120).

(10)

كتب في (ت) فوق هذه الكلمة "مـ"، وكتب بإزائها في الهامش "فكأنه لم يعمله".

(11)

في (ت): "وزيد".

ص: 206

بِدْعَتَهُ تُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ، وَتُوَصِّلُهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وقد ثبت النقل (1) بِأَنَّهُ (2) لَا يُقَرِّبُ (3) إِلَى اللَّهِ إِلَّا الْعَمَلُ بِمَا شَرَعَ، وَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شُرِعَ ـ وَهُوَ تَارِكُهُ ـ، وَأَنَّ الْبِدَعَ تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ ـ وَهُوَ يَنْتَحِلُهَا.

وَأَمَّا أَنَّ الْبِدَعَ مَظِنَّةُ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ (4) الْإِسْلَامِ، فَلِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّفَرُّقَ شِيَعًا.

وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} (5)، وَقَوْلِهِ:{وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (6)، وقوله:{مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ *} (7)، وَقَوْلِهِ:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (8)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.

وَقَدْ بَيَّنَ عليه الصلاة والسلام أَنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، وَأَنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ (9).

وَجَمِيعُ (10) هَذِهِ الشَّوَاهِدِ تَدُلُّ (11) عَلَى وُقُوعِ الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع.

(1) في (خ) و (ت) و (ط): "بالنقل".

(2)

في (ت): "أنه".

(3)

في (ط): "يقربه".

(4)

ساقطة من (ت).

(5)

سورة آل عمران: آية (105).

(6)

سورة الأنعام: آية (153).

(7)

سورة الروم: آية (31، 32).

(8)

سورة الأنعام: آية (159).

(9)

رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب في إصلاح ذات البين عن أبي الدرداء برقم (4919)(4/ 282)، والإمام الترمذي في كتاب صفة القيامة وصححه برقم (2509)(4/ 572 ـ 573)، والإمام أحمد في المسند (6/ 444 ـ 445) والإمام ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 150)، والإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص85 ـ 86)، وصححه الشيخ الألباني كما في غاية المرام برقم (414)(ص237).

(10)

ساقطة من (ط).

(11)

في (غ): "يدل".

ص: 207

وَأَوَّلُ شَاهِدٍ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ قِصَّةُ الْخَوَارِجِ إِذْ (1) عَادَوْا أَهْلَ الْإِسْلَامِ حَتَّى صَارُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ويَدَعُون الْكُفَّارَ كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ الْحَدِيثُ (2) الصَّحِيحُ (3).

ثُمَّ يَلِيهِمْ كُلُّ مَنْ كَانَ (4) لَهُ صَوْلَةٌ منهم، وقرب (5) من (6) الْمُلُوكِ، فَإِنَّهُمْ تَنَاوَلُوا (7) أَهْلَ السُّنَّةِ بِكُلِّ نَكَالٍ وعذاب وقتل أيضاً، حسبما بينه أَهْلِ (8) الْأَخْبَارِ (9).

ثُمَّ يَلِيهِمْ كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يُثَبِّطُوا النَّاسَ عن اتباع أهل (10) الشريعة، ويذمونهم، ويزعمون أنهم الأرجاس (11) الأنجاس، المكبون عَلَى الدُّنْيَا، وَيَضَعُونَ عَلَيْهِمْ شَوَاهِدَ الْآيَاتِ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا وَذَمِّ الْمُكِبِّينَ عَلَيْهَا، كَمَا يُرْوَى عَنْ (عَمْرِو) (12) بْنِ عُبَيْدٍ (13) أَنَّهُ قَالَ:(لَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلَى شراك نعل ما أجزت شهادتهم" (14).

(1) في (خ): "إذا".

(2)

ساقطة من (م) و (خ) و (ط) و (غ).

(3)

تقدم تخريجه (ص12).

(4)

ساقطة من (ت).

(5)

في (م) و (خ) و (ت): "وقرن"، وفي (ط)"بقرب".

(6)

ساقطة من جميع النسخ عدا (غ) و (ر).

(7)

في (غ): "تنالوا".

(8)

في (ط): "جميع أهل".

(9)

وذلك مثل نصرة بعض خلفاء بني العباس للمعتزلة، وسوف يذكر المؤلف بعض الأمثلة على ذلك في الباب الثالث (ص319 ـ 320).

(10)

ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).

(11)

في جميع النسخ "الأراجس" عدا (غ) و (ر).

(12)

في (م) و (خ) و (ت): "عمر".

(13)

هو عمرو بن عبيد بن باب البصري، كان من رؤوس المعتزلة، بل هو المؤسس الثاني للاعتزال بعد واصل بن عطاء، روى عن أبي قلابة والحسن البصري، وكان يكذب لأجل مذهبه، ويروى عن الحسن البصري أشياء لم يقلها، وكان يغر الناس بنسكه وتقشفه. توفي سنة 142هـ أو 143هـ.

انظر عنه: سير أعلام النبلاء (6/ 104)، البداية والنهاية (10/ 78)، ميزان الاعتدال (3/ 273 ـ 280)، الضعفاء الكبير للعقيلي (3/ 277 ـ 286).

(14)

روى هذه المقولة الخبيثة عنه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ضمن ترجمته (12/ 178)، ورواها عنه أيضاً ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 102).

ص: 208

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ (1) قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: كَيْفَ حَدَّثَ (2) الْحَسَنُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ وَرَّثَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عدتها؟ فقال: (إن (3) عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ سُنَّةً) (4).

وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ حَدَّثَ (5) الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ فِي السَّكْتَتَيْنِ؟ (6) فَقَالَ: (ما تصنع بسمرة؟ قبح الله سمرة)(7). انتهى. بَلْ قَبَّحَ اللَّهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ.

وَسُئِلَ يَوْمًا عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ فِيهِ. قَالَ الرَّاوِي: قُلْتُ (8): لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا. قَالَ: وَمَنْ أصحابك لا أبا لك؟ قلت: أيوب، ويونس، وَابْنُ عَوْنٍ، وَالتَّيْمِيُّ. قَالَ:(أُولَئِكَ أَنْجَاسٌ أَرْجَاسٌ، أموات غير أحياء" (9).

(1) هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري التميمي، أبو المثنى، البصري، القاضي، ثقة متقن، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، توفي سنة 196هـ.

انظر: الكاشف للذهبي (3/ 136)، تقريب التهذيب لابن حجر (2/ 257).

(2)

في الكامل لابن عدي، وتاريخ بغداد للخطيب (حديث).

(3)

كتب في هامش (خ) و (ت) كلمة "فعل"، لتكون العبارة "أن فعل عثمان لم يكن سنة"، ولكني وجدت ابن عدي في الكامل رواه عنه كما هو في الأصل، دون ذكر كلمة "فعل"، وأما الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد فرواه بلفظ "أن عثمان لم يكن صاحب سنة".

(4)

رواه عنه ابن عدي في الكامل (5/ 100)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (12/ 176). قال الإمام ابن قدامة في الكافي:"وإن أبانها في مرض موته على غير ذلك، لم يرثها وورثته ما دامت في العدة، لما روي أن عثمان ورث تماضر بنت الأصبغ الكلبية من عبد الرحمن بن عوف، وكان طلقها في مرض موته فبتها، واشتهر ذلك في الصحابة فلم ينكر، فكان إجماعاً، ولأنه قصد قصداً فاسداً في الميراث، فعورض بنقيض قصده، كالقاتل". انظر الكافي (2/ 561)، المغني (6/ 329 ـ 330).

(5)

في تاريخ بغداد للخطيب والكامل لابن عدي (حديث).

(6)

يريد حديث الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: "سكتتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة

" رواه الإمام الترمذي وحسنه برقم (251)(2/ 30 ـ 31)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في نفس الموضع، ورواه أحمد في المنسند (5/ 7)، وأبو داود (777، 778)، وابن ماجه (844، 845)، والحاكم (1/ 215)، وابن خزيمة (1578).

(7)

روى هذه المقولة الخبيثة عنه الخطيب في تاريخ بغداد (12/ 176)، ورواها عنه ابن عدي في الكامل (5/ 100)، والدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (رقم 1900).

(8)

في (ر): "فقلت".

(9)

ذكر هذه المقولة له الإمام ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (ص80 ـ 81)،=

ص: 209

فَهَكَذَا أَهْلُ الضَّلَالِ يَسُبُّونَ السَّلَفَ الصَّالِحَ لَعَلَّ بِضَاعَتَهُمْ تَنْفُقُ، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} (1).

وَأَصْلُ هَذَا الْفَسَادِ مِنْ قِبَلِ الْخَوَارِجِ، فَهُمْ أول من أفشا (2) لَعَنَ السَّلَفَ الصَّالِحَ، وَتَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ فِرْقَةَ النَّجَاةِ ـ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ ـ مَأْمُورُونَ بِعَدَاوَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ (3)، وَالتَّشْرِيدِ بِهِمْ، وَالتَّنْكِيلِ بِمَنِ انْحَاشَ إِلَى جِهَتِهِمْ بِالْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ، وَقَدْ حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ مُصَاحَبَتِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ (4). وَذَلِكَ مَظِنَّةَ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، لَكِنَّ الدَّرْكَ فِيهَا عَلَى مَنْ تَسَبَّبَ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِمَا أَحْدَثَهُ مِنِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا عَلَى التَّعَادِي مُطْلَقًا. كَيْفَ وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِمُعَادَاتِهِمْ، وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِمُوَالَاتِنَا والرجوع إلى الجماعة؟

وَأَمَّا أَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه السلام قَالَ:"حَلَّتْ (5) شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي إِلَّا صَاحِبَ بِدْعَةٍ"(6).

وَيُشِيرُ إِلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى فِيهِ مَا فِي الصَّحِيحِ قَالَ: "أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَأَنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فيؤخذ بهم ذات الشمال ـ إلى

=ورواها عنه الإمام ابن عدي في الكامل (5/ 99)، والدارقطني في أخبار عمرو بن عبيد (رقم 15)، والعقيلي في الضعفاء (3/ 284).

(1)

سورة التوبة: آية (32).

(2)

ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).

(3)

في (غ): "البدعة".

(4)

انظر ما تقدم من أقوال الصحابة ومن بعدهم (ص146 ـ 148).

(5)

ساقطة من (ت).

(6)

رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب إحداث البدع، من طريق أبي عبد السلام قال سمعت بكر بن عبد الله المزني أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فذكره. انظر البدع والنهي عنها (ص43).

وقد حكم الشيخ الألباني على الحديث بأنه منكر كما في السلسلة الضعيفة برقم (209). قال الشيخ الألباني: قلت فهذا مرسل، بكر هذا تابعي لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ومع إرساله، فالسند إليه ضعيف، لأن أبا عبد السلام واسمه صالح بن رستم الهاشمي مجهول كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب (1/ 359). انظر السلسلة الضعيفة (1/ 246).

ص: 210

قوله ـ فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ (1) لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ". الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (2).

فَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لهم شفاعة من النبي (3) صلى الله عليه وسلم، وَإِنَّمَا قَالَ:"فَأَقُولُ (4) كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ"، وَيَظْهَرُ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ الِارْتِدَادَ لَمْ يَكُنِ ارْتِدَادَ كُفْرٍ لِقَوْلِهِ:"وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي" وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنِ (5) الْإِسْلَامِ لَمَا نُسِبُوا إِلَى أُمَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ عليه السلام أَتَى بِالْآيَةِ وَفِيهَا:{وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (6)، وَلَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ خَارِجُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ جُمْلَةً لَمَا ذَكَرَهَا، لِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا غُفْرَانَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُرْجَى الْغُفْرَانُ لِمَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ عَمَلُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ (7)، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (8).

وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ الْمُوَطَّأِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: (فأقول (9) فسحقاً فسحقاً فسحقاً (10)) (11).

وَأَمَّا أَنَّهَا رَافِعَةٌ لِلسُّنَنِ الَّتِي تُقَابِلُهَا، فَقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِ فِي أَنَّ الْمُوَقِّرَ (12) لِصَاحِبِهَا معين على هدم الإسلام (13).

(1) ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).

(2)

تقدم تخريجه (ص124).

(3)

في (ط): "رسول الله".

(4)

في (ط) وهامش (خ): "فأقول لهم"، وفي (م) و (خ) و (ت) و (ط): فأقول: "سحقاً"، وكلمة "سحقاً" ليست موجودة في هذا الحديث، وإنما هي في حديث الموطأ المتقدم (ص121).

(5)

في (ت): "على".

(6)

سورة المائدة: آية (118).

(7)

قال الشيخ محمد رشيد رضا في تعليقه على الكتاب: "فيه أن هذه الآية لا تدل على رجاء المغفرة لهم كما قاله المحققون في تفسيرها، ووجهه ختمها بقوله {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فذكر صفتي العزة والحكمة، دون صفتي المغفرة والرحمة، ولو دلت على رجاء المغفرة لهم لدلت على رجاء المغفرة لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله، لأنها نزلت حكاية عما يقوله المسيح عليه السلام في شأنهم، عندما يسأله الله تعالى عن شركهم".

(8)

انظر الاعتصام (1/ 121).

سورة النساء: آية (116).

(9)

ساقطة من (غ) و (ر).

(10)

ساقطة من (خ) و (ط).

(11)

تقدم تخريجه (ص124).

(12)

في (غ): "المقر".

(13)

تقدم (ص219 ـ 220).

ص: 211

وَأَمَّا (1) أَنَّ عَلَى مُبْتَدِعِهَا إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (2)، وَلِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بها (إلى يوم القيامة)(3)) (4) الْحَدِيثَ.

وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: "مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ"(5).

وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُشْعِرُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ قَبْلَهُ، إِذْ عَلَّلَ تَعْلِيقَ (6) الْإِثْمِ عَلَى ابْنِ آدَمَ لِكَوْنِهِ (7) أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَنَّ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، إِذْ لَمْ يَتَعَلَّقِ الْإِثْمُ بِمَنْ سَنَّ الْقَتْلَ لِكَوْنِهِ قَتْلًا دُونَ غَيْرِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ سَنَّ سُنَّةَ سُوءٍ (لم تكن)(8)، وَجَعَلَهَا طَرِيقًا مَسْلُوكَةً (9).

وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَوْ يَأْتِي كَقَوْلِهِ: "من ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا"(10). وغير ذلك من الأحاديث. فليتق (11) امْرُؤٌ رَبَّهُ، وَلْيَنْظُرْ قَبْلَ الْإِحْدَاثِ (فِي أَيِّ)(12) مزلة يضع قدمه فإنه (13) في

(1) ساقطة من (ت).

(2)

سورة النحل: آية (25).

(3)

ما بين المعكوفين ساقطة من جميع النسخ عدا (غ).

(4)

تقدم تخريجه (ص118).

(5)

رواه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه، باب إثم من دعا إلى ضلالة عن عبد الله بن مسعود وذكره (13/ 302 مع الفتح)، والإمام مسلم في كتاب القسامة من صحيحه، باب بيان إثم من سن القتل (11/ 166)، والإمام الترمذي في كتاب العلم من سننه باب ما جاء الدال على الخير كفاعله برقم (2673)(5/ 41)، والإمام ابن ماجه في كتاب الديات، باب التغليظ في قتل مسلم ظلماً برقم (2616)(2/ 873)، والإمام أحمد في المسند (1/ 383، 430، 433).

(6)

في (ت): "تعليل".

(7)

في (ر): "بكونه".

(8)

ساقط من (ط).

(9)

في (ت): "مسلوكاً".

(10)

تقدم تخريجه (ص33).

(11)

في (م) و (خ) و (ت) و (ط): "فليتق الله".

(12)

ساقط من (ت).

(13)

ساقطة من (م) و (خ) و (ت) و (ط).

ص: 212

محصول (1) أمره (2)، يَثِقُ (3) بِعَقْلِهِ فِي التَّشْرِيعِ، وَيَتَّهِمُ رَبَّهُ فِيمَا شَرَعَ، وَلَا يَدْرِي الْمِسْكِينُ مَا الَّذِي يُوضَعُ لَهُ فِي مِيزَانِ سَيِّئَاتِهِ، مِمَّا لَيْسَ فِي حِسَابِهِ، وَلَا شَعَرَ أَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ، فَمَا مِنْ بِدْعَةٍ يَبْتَدِعُهَا أَحَدٌ فَيَعْمَلُ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ، إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ إِثْمُ ذَلِكَ الْعَامِلِ، زِيَادَةً إِلَى إِثْمِ ابْتِدَاعِهِ أَوَّلًا (4)، ثُمَّ عَمَلِهِ ثَانِيًا. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ تُبْتَدَعُ فَلَا تَزْدَادُ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ إِلَّا مُضِيًّا ـ حسبما تقدم ـ واشتهاراً وانتشاراً، فعلى وزان ذَلِكَ يَكُونُ إِثْمُ الْمُبْتَدِعِ لَهَا، كَمَا أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَتْ كُلُّ بِدْعَةٍ (5) يَلْزَمُهَا إِمَاتَةُ سُّنَّةٍ تُقَابِلُهَا، كَانَ عَلَى الْمُبْتَدِعِ إِثْمُ ذَلِكَ أَيْضًا.

فَهُوَ إِثْمٌ زَائِدٌ عَلَى إِثْمِ الِابْتِدَاعِ وَذَلِكَ الْإِثْمُ يَتَضَاعَفُ تَضَاعُفَ إِثْمِ الْبِدْعَةِ بِالْعَمَلِ بِهَا، لِأَنَّهَا كُلَّمَا (6) تَجَدَّدَتْ فِي قَوْلٍ أَوْ عمل تجددت إِمَاتَةِ السُّنَّةِ كَذَلِكَ.

وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ بِبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَرَّفَنَا بِأَنَّهُمْ:"يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"(7) الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ. فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا إِذَا نَظَرَ فِيهِ النَّاظِرُ شَكَّ فِيهِ وَتَمَارَى: هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِيهِمْ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا سَبَبُهُ الِابْتِدَاعُ فِي دِينِ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:"يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ويدعون أهل الأوثان"، وقوله:"يقرأون الْقُرْآنَ لَا يَتَجَاوَزُ تَرَاقِيَهُمْ"(8). فَهَذِهِ بِدَعٌ ثَلَاثٌ، أعاذنا الله (9) من ذلك بفضله.

(1) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ "مصون"، ولا معنى لها.

(2)

في (ت): "أمر".

(3)

كتب في هامش (خ): "قبل الإحداث منزلة ليضع قدمه في مصون أم يثق". والظاهر أن العبارتين محرفة.

(4)

في (م): "ولا".

(5)

ساقطة من (م).

(6)

في (م): "كلمة".

(7)

تقدم تخريجه (ص12).

(8)

تقدم تخريجه (ص12).

(9)

المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ "إعاذة بالله".

ص: 213

وَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَهَا لَيْسَ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ (1)، فَلِمَا جَاءَ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"إن الله (2) حجز (3) التَّوْبَةَ عَلَى كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ"(4).

وَعَنْ يَحْيَى بن أبي (5) عمرو السيباني (6) قَالَ (7): (كَانَ يُقَالُ: يَأْبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ، وَمَا انْتَقَلَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ إِلَّا إِلَى أشر (8) منها) (9). ونحوه عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: (مَا كَانَ رَجُلٌ عَلَى رَأْيٍ

(1) المراد بهذا الإطلاق غالب أهل البدع، وسيذكر المؤلف بعد قليل إمكان توبة المبتدع، وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية القول بعدم قبول توبته مطلقاً فقال:"قال طائفة من السلف منهم الثوري: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها". وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا:"إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة" بمعنى أنه لا يتوب منها، لأنه يحسب أنه على هدى، ولو تاب لتاب عليه، كما يتوب على الكافر، ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقاً، فقد غلط غلطاً منكراً، ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه ما دام مبتدعاً يراها حسنة لا يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيراً ممن كان على بدعة تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله". انظر مجموع الفتاوى (11/ 684 ـ 685)، وسوف يتكلم المؤلف عن توبة المبتدع في الباب التاسع (2/ 267 ـ 273، 280 ـ 282)، وانظر حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد بن ناصر الغامدي (2/ 388 ـ 414).

(2)

لفظ الجلالة لم يكتب في أصل (م)، وقد أثبت في هامشها.

(3)

في (م) و (خ) و (ت) و (ط) و (ر): "حجر".

(4)

رواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة، باب ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يقبل الله عمل صاحب بدعة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حجز ـ أو قال حجب ـ التوبة عن كل صاحب بدعة)(1/ 21) برقم (37)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب هل لصاحب البدعة توبة، وذكره عن أنس (ص62)، وقال عنه الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة (10/ 154). وقد صححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة (4/ 154) برقم (1620).

(5)

ساقطة من (ت).

(6)

في المخطوط والمطبوع "الشيباني"، والصحيح المثبت كما تقدم في ترجمته (ص12).

(7)

ساقطة من (ت).

(8)

تقدمت روايته (ص152) بلفظ "شر"، وهو الموافق لرواية ابن وضاح في البدع والنهي عنها.

(9)

تقدم تخريجه (ص152).

ص: 214

مِنَ الْبِدْعَةِ فَتَرَكَهُ إِلَّا إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ) (1).

خَرَّجَ هَذِهِ الْآثَارَ ابْنُ وَضَّاحٍ (2).

وَخَرَّجَ ابْنُ وَهْبٍ (3) عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز رضي الله عنه أنه كان يقول: (اثنان لا تعاتبهما (4)، صَاحِبُ طَمَعٍ وَصَاحِبُ هَوًى (5)، فَإِنَّهُمَا لَا يَنْزِعَانِ) (6).

وَعَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ (7) قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْقَاسِمِ (8) وَهُوَ يَقُولُ: (مَا كَانَ عَبْدٌ على هوى فَتَرَكَهُ (9) إِلَّا إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ)، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: (تَصْدِيقُهُ فِي حَدِيثٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَرْجِعَ السهم على فوقه (10) " (11).

(1) رواه عنه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص61).

(2)

تقدمت ترجمته (ص39).

(3)

تقدمت ترجمته (ص4).

(4)

المثبت من (غ) و (ر)، وفي بقية النسخ "نعاتبها".

(5)

في (ت): "وصاحب بدعة هوى".

(6)

لم يمكن تخريجه لكون كتاب ابن وهب مخطوط، وقد طبع جزء يسير منه، ولم أجد فيه شيئاً مما نقل المؤلف.

(7)

هو عبد الله بن شوذب البلخي الخراساني، سكن البصرة، ثم الشام، كان صدوقاً عابداً، وقد وثقه جماعة. توفي سنة 156هـ.

انظر: تقريب التهذيب (1/ 423)، الكاشف للذهبي (2/ 86).

(8)

هو عبد الله بن القاسم التيمي البصري، مولى أبي بكر الصديق، روى عن طائفة من الصحابة، وهو من أقران سعيد بن المسيب. قال عنه ابن حجر: مقبول. انظر: تهذيب التهذيب (5/ 395)، تقريب التهذيب (1/ 441)، الكاشف للذهبي (2/ 106).

(9)

المثبت ما في (غ) و (ر)، وفي بقية النسخ "تركه".

(10)

قال الإمام النووي في شرح مسلم: "والفوق والفوقة بضم الفاء هو الحز الذي يجعل فيه الوتر". (7/ 165).

(11)

رواه الإمام البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه، باب إقرار الفاجر والمنافق عن أبي سعيد (13/ 535 ـ 536)، والإمام أحمد في المسند (3/ 15، 64)، والقول بتمامه ذكره ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب هل لصاحب البدعة توبة، إلا أن ابن شوذب ليس في إسناد ابن وضاح (ص61).

ص: 215

وَعَنْ أَيُّوبَ (1) قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَرَى رَأْيًا فَرَجَعَ عَنْهُ، فَأَتَيْتُ مُحَمَّدًا (2) فَرِحًا بِذَلِكَ أُخْبِرُهُ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ فُلَانًا تَرَكَ رَأْيَهُ الَّذِي كان يرى؟ فقال: "انظروا (3) إلى ما (4) يَتَحَوَّلُ؟ إِنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ أَشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ (5) "(يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، ثُمَّ (6) لَا يَعُودُونَ) " (7). وهو حديث أبي ذر رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "سَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يقرأون الْقُرْآنَ لَا (8) يُجَاوِزُ حَلَاقِيمَهُمْ، يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ) (9).

فَهَذِهِ شَهَادَةُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِمَعْنَى هَذِهِ الْآثَارِ، وَحَاصِلُهَا أنه لَا (10) تَوْبَةَ لِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ عَنْ بِدْعَتِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا فَإِنَّمَا يَخْرُجُ إِلَى مَا (11) هُوَ شَرٌّ مِنْهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ يُظْهِرُ الْخُرُوجَ عَنْهَا وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَيْهَا بَعْدُ، كَقِصَّةِ غَيْلَانَ (12) مَعَ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز رضي الله عنه (13).

(1) هو أيوب السختياني، تقدمت ترجمته (ص147).

(2)

لعله ابن سيرين.

(3)

في (ط): "انظر".

(4)

رسمت في (ط) هكذا "إلى م".

(5)

في (ت) و (ط) كتبت العبارة "أشد عليهم من الأول، أوله

"، وكلمة "الأول" أثبتت في هامش (خ). وهي ساقطة من (م)، وكذلك ليست في البدع والنهي عنها لابن وضاح.

(6)

في (ط)"وآخره ثم لا يعودون".

(7)

انظر البدع والنهي عنها لابن وضاح، باب هل لصاحب البدعة توبة (ص62). وقد روى الخطيب البغدادي نحو هذا القول عن أيوب عندما قال له رجل: إن عمرو بن عبيد قد رجع عن قوله. انظر تاريخ بغداد (12/ 174).

(8)

في (ط): "ولا".

(9)

رواه الإمام مسلم في كتاب الزكاة عن أبي ذر (7/ 174 مع النووي)، والإمام ابن ماجه في مقدمة سننه، باب في ذكر الخوارج (1/ 60) برقم (170)، والإمام أحمد في المسند (5/ 31)، والإمام الدارمي في كتاب الجهاد من سننه، باب في قتال الخوارج (2/ 281 برقم (2434).

(10)

ساقطة من (ط).

(11)

في (غ) و (ر): "لما".

(12)

هو غيلان الدمشقي القدري. تقدمت ترجمته (ص102).

(13)

تقدمت قصته مع عمر بن عبد العزيز (ص102).

ص: 216

ويدل عليه (1) أَيْضًا حَدِيثُ الْفِرَقِ إِذْ قَالَ فِيهِ: "وَإِنَّهُ سيخرج في أمتي أقوام تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ (2) كَمَا يَتَجَارَى الكَلَب (3) بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ"(4)، وَهَذَا النَّفْيُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِإِطْلَاقٍ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ الْعَادِيِّ، إِذْ لا يبعد أن يتوب بعضهم (5) عَمَّا رَأَى، وَيَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا نُقِلَ عن عبيد اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ (6)، وَمَا نَقَلُوهُ فِي مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما الحرورية الخارجين على علي رضي الله عنه (7)، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز

(1) في (خ) و (ط) و (ر): "على ذلك".

(2)

في (م): "الأهوى".

(3)

الكَلَب، بالتحريك، هو داء يعرض للإنسان من عض الكَلْبِ الكَلِبِ، فيصيبه شبه الجنون، وتعرض له أعراض رديئة، ولا يشرب الماء حتى يموت عطشاً.

انظر: النهاية في غريب الحديث (4/ 195).

وقد تكلم المؤلف عن وجه تشبيه الأهواء بالكلب في الباب التاسع، المسألة الثانية والعشرون (2/ 277).

(4)

رواه الإمام أبو داود في كتاب السنة من سننه، باب شرح السنة عن معاوية رضي الله عنه أنه قام فقال: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة). زاد يحيى وعمرو في حديثيهما (وإنه سيخرج من أمتي أقوام

الحديث) (4/ 197)(4597)، ورواه الإمام الدارمي في كتاب السير من سننه، باب في افتراق هذه الأمة (دون ذكر الزيادة)، (2/ 314) برقم (2518)، والإمام أحمد في المسند (4/ 102)، والإمام الآجري في الشريعة، باب ذكر افتراق الأمم في دينهم (ص18)(دون ذكر الزيادة)، والإمام ابن أبي عاصم في السنة، باب ذكر الأهواء المذمومة (1،2)(ص7)، والإمام المروزي في السنة (ص19 ـ 20)، والإمام اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (1/ 101، 102)، والإمام الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي (1/ 128)، وحسنه ابن حجر كما في تخريج أحاديث الكشاف (ص63)، وصححه الألباني كما في ظلال الجنة (ص 7 ـ 8). وقد ذكر المؤلف الحديث في الباب التاسع وأفرده بمسائل (2/ 267).

(5)

مثبتة في (غ)، وساقطة من بقية النسخ.

(6)

سوف يذكر المؤلف خبره، وما وقع فيه من الخطأ، ثم توبته من ذلك في الباب الثالث (ص278 ـ 281).

(7)

هذه المناظرة ذكرها المؤلف في الباب التاسع (2/ 187 ـ 189)، وقد ذكرها الإمام=

ص: 217

لِبَعْضِهِمْ (1)، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ فِي الْوَاقِعِ الْإِصْرَارُ.

وَمِنْ هُنَالِكَ (2) قُلْنَا: يَبْعُدُ أَنْ يَتُوبَ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ بِظَاهِرِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ (3).

وَسَبَبُ ذلك (4) بعد السماع (5) أَنَّ الدُّخُولَ تَحْتَ تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ صَعْبٌ عَلَى النَّفْسِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُخَالِفٌ لِلْهَوَى، وَصَادٌّ عَنْ سَبِيلِ الشَّهَوَاتِ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهَا جِدًّا، لِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ، وَالنَّفْسَ إِنَّمَا تَنْشَطُ بِمَا يُوَافِقُ هَوَاهَا لَا بِمَا يُخَالِفُهُ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ فَلِلْهَوَى فِيهَا مَدْخَلٌ، لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى نَظَرِ (6) مُخْتَرِعِهَا لَا إلى نظر الشارع، (فإن أدخل فيها نظر الشَّارِعِ)(7) فَعَلَى حُكْمِ التَّبَعِ لَا بِحُكْمِ الْأَصْلِ، مَعَ ضَمِيمَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِشُبْهَةِ (8) دَلِيلٍ يَنْسِبُهَا إِلَى الشَّارِعِ، وَيَدَّعِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ، فَصَارَ هَوَاهُ مَقْصُودًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِي زَعْمِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ (9) عَنْ ذَلِكَ وداعي الهوى مستمسك بجنس (10) مَا يَتَمَسَّكُ بِهِ؟ وَهُوَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ فِي الجملة.

=ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 104)، والإمام ابن كثير في البداية والنهاية (7/ 291).

وانظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص112 ـ 114)، والكامل لابن الأثير (3/ 202 ـ 203)، فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (19/ 90، 91).

(1)

تقدم (ص102).

(2)

في (غ): ذلك.

(3)

سوف يذكر المؤلف بعض الذين ابتدعوا ثم تابوا في الباب الثالث (ص275 ـ 281)، وسوف يتكلم عن توبة المبتدع في الباب التاسع (2/ 267 ـ 273، 280 ـ 282) من المطبوع.

(4)

مثبتة في (غ) و (ر)، وساقطة من بقية النسخ.

(5)

هكذا في (م) وأصل (خ) و (ت). وكتب في هامش (ت)"عله بعده عن التوبة" وفي (خ) كتب فوق العبارة حرف مـ أي لا معنى لها، وفي الهامش صححت بعبارة "وسبب بعده عن التوبة".

(6)

غير واضحة في (ت).

(7)

ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و (ر).

(8)

في (م): "شبهة".

(9)

غير واضحة في (ت).

(10)

المثبت من (غ) و (ر)، وفي بقية النسخ:"بحسن".

ص: 218

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (1) قَالَ: (بَلَغَنِي أَنَّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ خلاه (2) الشيطان والعبادة، وألقى (3) عَلَيْهِ الْخُشُوعَ وَالْبُكَاءَ كَيْ يَصْطَادَ بِهِ) (4).

وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: (أَشَدُّ النَّاسِ عِبَادَةً مَفْتُونٌ)(5)، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:"يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ صَلَاتَهُ فِي صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ فِي صِيَامِهِ"(6) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ (7).

وَيُحَقِّقُ مَا قَالَهُ الْوَاقِعُ كَمَا نُقِلَ فِي الْأَخْبَارِ عَنِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ. فَالْمُبْتَدِعُ يَزِيدُ في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والجاه والمال (8) وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الشَّهَوَاتِ، بَلِ التَّعْظِيمُ أعلى (9) شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، أَلَا (10) تَرَى إِلَى انْقِطَاعِ الرُّهْبَانِ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ عَنْ جَمِيعِ الْمَلْذُوذَاتِ، وَمُقَاسَاتِهِمْ فِي أَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ، وَالْكَفِّ عَنِ الشَّهَوَاتِ؟! وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ خَالِدُونَ فِي جَهَنَّمَ، قَالَ اللَّهُ تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *عَامِلَةٌ

(1) تقدمت ترجمته رحمه الله (ص18).

(2)

في (خ) و (ت) و (ط): "ضلالة"، وهو خطأ. ولا تستقيم العبارة بذلك، والمثبت هو ما في (م) و (غ) و (ر) وهو الموافق لما في الحوادث والبدع. وقد حاول الشيخ رشيد رضا تقريب العبارة فقال: ولعله: "آلفه الشيطان العبادة".

(3)

في (ط): "أو ألقى".

(4)

ذكر هذا القول له الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص297)، ولعل المؤلف قد نقله منه، لأن القول الذي بعده موجود في نفس الموضع.

(5)

رواه الإمام ابن وضاح عن رجل من الصحابة، ولكن بدون ذكر الحديث، وقال بعده: يعني صاحب بدعة.

انظر: البدع والنهي عنها (ص62 ـ 63)، وذكره الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع بتمامه (ص297).

(6)

تقدم تخريجه الحديث (ص12)، وأكثر الروايات وردت بضمير الجمع في لفظة (صلاته) الثانية وكذلك (صيامه). وهذه الرواية عند الإمام البخاري (12/ 290).

(7)

ذكر هذا القول لبعض الصحابة، واحتجاجهم بالحديث الإمام الطرطوشي في الحوادث والبدع (297).

(8)

في (ط): "والمال والجاه".

(9)

في (خ) و (ط): "على".

(10)

في (ر): "أولا".

ص: 219

نَاصِبَةٌ *تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً *} (1) وَقَالَ: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرَينِ أَعْمَالاً *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا *} (2)، وَمَا (3) ذَاكَ إِلَّا لِخِفَّةٍ يَجِدُونَهَا فِي ذَلِكَ الالتزام، ونشاط يداخلهم، يَسْتَسْهِلُونَ (4) بِهِ الصَّعْبَ، بِسَبَبِ مَا دَاخَلَ النَّفْسَ مِنَ الْهَوَى، فَإِذَا بَدَا لِلْمُبْتَدِعِ مَا هُوَ عليه، رآه محبوباً عنده لاستعباده (5) لِلشَّهَوَاتِ ـ وَعَمَلِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا (6) ـ وَرَآهُ مُوَافِقًا لِلدَّلِيلِ عِنْدَهُ، فَمَا الَّذِي يَصُدُّهُ عَنِ الِاسْتِمْسَاكِ بِهِ، وَالِازْدِيَادِ مِنْهُ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ أَعْمَالَهُ أَفْضَلُ من أعمال غيره، واعتقاداته أوفق وأعلى؟! أفبعد البرهان مطلب؟ (7){كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (8).

وَأَمَّا أَنَّ الْمُبْتَدِعَ يُلْقَى عَلَيْهِ الذُّلُّ فِي الدُّنْيَا وَالْغَضَبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ *} (9) حَسْبَمَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (10)، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمُتَّخِذِينَ لِلْعِجْلِ إِنَّمَا ضَلُّوا بِهِ حَتَّى (11) عَبَدُوهُ، لِمَا سَمِعُوا مِنْ خُوَارِهِ، وَلِمَا (أَلْقَى)(12) إِلَيْهِمُ السَّامِرِيُّ فِيهِ، فَكَانَ فِي حَقِّهِمْ شُبْهَةً خَرَجُوا بِهَا عن الحق الذي كان في أيديهم، ثم (13) قال الله تعالى:{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} ، فَهُوَ عُمُومٌ فِيهِمْ وَفِيمَنْ أَشْبَهَهُمْ، مِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْبِدَعُ كُلُّهُا افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ حَسْبَمَا أخبر في كتابه في قوله:{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} (14).

(1) سورة الغاشية: آيات (2 ـ 4).

(2)

سورة الكهف: آيتان (103 ـ 104).

(3)

في (م) و (ت): "ما" بدون الواو.

(4)

في (ت): "يستهلون".

(5)

المثتب من (ر)، وفي بقية النسخ "لاستبعاده".

(6)

غير واضحة في (ت)، وكتب بإزائها في الهامش "جهتها" وكأنها نسخة أخرى.

(7)

هكذا العبارة في (م) و (ت)، وفي (خ) و (ط):"أفيفيد البرهان مطلباً"، ويظهر تعديل الناسخ لكلمة "أفبعد" إلى "أفيفيد".

(8)

سورة المدثر: آية (31).

(9)

سورة الأعراف: آية (152).

(10)

تقدم (ص110).

(11)

ساقطة من (ت)، وفي (غ):"حيث".

(12)

ساقطة من (م) وأصل (خ) و (ت)، ومثبتة في (ط) وهامش (خ) و (ت).

(13)

مثبتة في (غ): وساقطة من بقية النسخ.

(14)

سورة الأنعام: آية (140).

ص: 220

فَإِذًا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي دِينِ اللَّهِ فَهُوَ ذَلِيلٌ حَقِيرٌ بِسَبَبِ بِدْعَتِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ لبادى الرأي عزه (1) وجبريته، فَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَذِلَّاءُ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ الذِّلَّةَ الحاضرة في الدنيا (2) مَوْجُودَةٌ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ. أَلَا تَرَى أَحْوَالَ الْمُبْتَدِعَةِ فِي زَمَانِ التَّابِعِينَ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ حَتَّى تَلَبَّسُوا (3) بِالسَّلَاطِينِ (4)، وَلَاذُوا بِأَهْلِ الدُّنْيَا (5)، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ اسْتَخْفَى بِبِدْعَتِهِ، وَهَرَبَ بِهَا عَنْ مُخَالَطَةِ الْجُمْهُورِ، وَعَمِلَ بِأَعْمَالِهَا عَلَى التَّقِيَّةِ.

وَقَدْ (6) أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتخذوا العجل أن (7) سَيَنَالُهُمْ مَا وَعَدَهُمْ، فَأَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ، فَقَالَ:{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} (8).

وصدق (9) ذلك الواقع باليهود حيثما حلوا، وفي (10) أي زمان (11) كانوا، لا يزالوان أَذِلَّاءَ مَقْهُورِينَ {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ، وَمِنْ جُمْلَةِ الِاعْتِدَاءِ (12) اتِّخَاذُهُمُ الْعِجْلَ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذِّلَّةِ، وَأَمَّا (13) الْغَضَبُ فَمَضْمُونٌ بِصَادِقِ الْأَخْبَارِ، فَيُخَافُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدِعُ دَاخِلًا فِي حُكْمِ الغضب والله الواقي بفضله.

وَأَمَّا الْبُعْدُ عَنْ حَوْضِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فلحديث الموطأ: (فليذادن

(1) في (ط): "في عزة".

(2)

كتبت في (ط): "بين أيدينا".

(3)

كتب بإزائها في هامش (ت): "عله تشبثوا".

(4)

وذلك كاستعانة المعتزلة ببعض خلفاء بني العباس في مسألة خلق القرآن.

(5)

في (خ): "بأهلها بل بأهل الدنيا"، وهو خطأ أضرب عنه الناسخ.

(6)

غير واضحة في (ت).

(7)

في (م) ضرب على الحرف بخط مائل.

(8)

سورة البقرة: آية (61).

(9)

غير واضحة في (ت).

(10)

المثبت كما في (غ)، وفي بقية النسخ:"في" بدون الواو.

(11)

في (خ): "في أي مكان وزمان"، وكذلك (ط)، ولعل كلمة "مكان" زيادة من الناسخ فقد كتبت فوق السطر.

(12)

في (غ) و (ر): اعتدائهم.

(13)

في (م) وأصل (خ): "ومن"، وفي هامش (خ) كما هو مثبت.

ص: 221

رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ (1)) (2) الْحَدِيثَ.

وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "أَنَا عَلَى حَوْضِي أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ، فَيُؤْخَذُ بِنَاسٍ مِنْ دُونِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَشَوْا الْقَهْقَرَى) (3).

وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ (4): (أَنَا فَرَطُكُمْ (5) عَلَى الْحَوْضِ، لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا تَأَهَّبْتُ (6) لِأَتَنَاوَلَهُمْ (7) اخْتَلَجُوا (8) دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ (9)، أَصْحَابِي، يَقُولُ: لَا تدري ما أحدثوا (10) بَعْدَكَ) (11).

وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ مِنَ الدَّاخِلِينَ فِي غِمَارِ (12) هَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَجْلِ مَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ فِيهِمْ، وَهُوَ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ (13)، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يكون لأهل الكفر

(1) في (خ): "الضلال".

(2)

تقدم تخريجه (ص121).

(3)

رواه الإمام البخاري في كتاب الفتن من صحيحه، باب ما جاء في قوله تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً} (13/ 3)، وفي كتاب الرقاق، باب في الحوض (11/ 466)، ورواه الإمام مسلم في كتاب الفضائل من صحيحه، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته (15/ 55).

(4)

هو ابن مسعود رضي الله عنه.

(5)

قال الإمام النووي في شرح مسلم: "قال أهل اللغة: الفرط بفتح الفاء والراء، والفارط هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستقاء، فمعنى فرطكم على الحوض سابقكم إليه كالمهيىء له"(15/ 53).

(6)

في (م) و (ت): "أهيت"، وفي (ط) و (غ):"أهويت".

(7)

لفظ البخاري "لأناولهم".

(8)

قال الإمام النووي في شرح مسلم: "أما اختلجوا، فمعناه اقتطعوا". (15/ 64).

(9)

في (ت): "ربي".

(10)

في (ط): "أحدثوه".

(11)

رواه الإمام البخاري في كتاب الفتن، باب ما جاء في قوله تعالى:{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَآصَّةً} عن ابن مسعود رضي الله عنه (13/ 3)، والإمام مسلم في كتاب الفضائل من صحيحه، باب حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفته، مع اختلاف في بعض الألفاظ (15/ 59)، والإمام أحمد في المسند (1/ 455)، والإمام ابن أبي عاصم في السنة برقم (736، 761، 762).

(12)

غمار الناس زحمتهم وكثرتهم. انظر: الصحاح (2/ 772).

(13)

تقدم معنى الغرة والتحجيل (ص123)، ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بالغرة والتحجيل=

ص: 222

الْمَحْضِ، كَانَ كُفْرُهُمْ أَصْلًا أَوِ ارْتِدَادًا، وَلِقَوْلِهِ:"قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ"(1)، وَلَوْ كَانَ الْكُفْرُ، لَقَالَ: قَدْ كَفَرُوا بَعْدَكَ، وَأَقْرَبُ مَا يُحْمَلُ (2) عَلَيْهِ تَبْدِيلُ السُّنَّةِ، وَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ (3). ومن قال: إنهم (4) أهل (5) النِّفَاقُ فَذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَقْصُودِنَا، لِأَنَّ أَهْلَ النِّفَاقِ إِنَّمَا أَخَذُوا الشَّرِيعَةَ تَقِيَّةً لَا تعبدا، فوضعوها غَيْرِ مَوَاضِعِهَا وَهُوَ عَيْنُ الِابْتِدَاعِ. وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى كُلُّ مَنِ اتَّخَذَ السُّنَّةَ وَالْعَمَلَ بِهَا حِيلَةً (6) وَذَرِيعَةً إِلَى نَيْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا، لَا عَلَى التَّعَبُّدِ بِهَا لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ تَبْدِيلٌ لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي.

وَأَمَّا الْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ (7) كَثِيرٍ مِنْ فِرَقِهِمْ مِثْلَ الْخَوَارِجِ (8)، وَالْقَدَرِيَّةِ (9) وَغَيْرِهِمْ (10)، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (11)، وقوله:{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} (12) الْآيَةَ.

وَقَدْ حَكَمَ (13) الْعُلَمَاءُ بِكُفْرِ جُمْلَةٍ مِنْهُمْ كَالْبَاطِنِيَّةِ (14) وَسِوَاهُمْ، لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ رَاجِعٌ إِلَى مَذْهَبِ الْحُلُولِيَّةِ (15) الْقَائِلِينَ بِمَا يُشْبِهُ قَوْلَ النَّصَارَى فِي

=وردت في حديث أبي هريرة السابق (ص121)، إلا أن المؤلف اختصره.

(1)

تقدم تخريج الحديث (ص121).

(2)

في (ت): "حمل".

(3)

وسيتكلم المؤلف عن هذه المسألة أيضاً في المسألة السادسة من الباب التاسع (2/ 202 ـ 206).

(4)

المثبت من (غ) و (ر)، وفي بقية النسخ:"إنه".

(5)

ساقطة من النسخ عدا (غ).

(6)

في (م) و (خ): "حلية"، وصححت في هامش (خ)، وهي غير واضحة في (ت).

(7)

ساقطة من (ت).

(8)

تقدم التعريف بهم (ص11).

(9)

تقدم التعريف بهم (ص11).

(10)

سوف يتكلم المؤلف عن مسألة تكفير المبتدعة في الباب التاسع (2/ 194 ـ 198، 202 ـ 206، 246 ـ 249)، وتقدم الكلام على تكفير الخوارج (ص79).

(11)

سورة الأنعام: آية (159).

(12)

سورة آل عمران: آية (106).

(13)

في (م) و (ت) و (ر) و (غ): "حتم".

(14)

تقدم التعريف بهم (ص28).

(15)

الحلولية قوم يزعمون أنه قد حصل لهم الحلول، وهو حلول الله بذاته في الأجسام أو=

ص: 223

اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ (1).

وَالْعُلَمَاءُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي أَمْرٍ هَلْ هُوَ كُفْرٌ أَمْ لَا؟ فَكُلُّ عَاقِلٍ يَرْبَأُ (2) بِنَفْسِهِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى خُطَّةِ خَسْفٍ كَهَذِهِ، بِحَيْثُ يُقَالُ لَهُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ أَنْتَ كَافِرٌ أَمْ ضَالٌّ غَيْرُ كَافِرٍ؟ أَوْ يُقَالُ (3): إِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قالوا بكفرك، وأنت (4) حلال الدم.

وَأَمَّا أَنَّهُ يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهَا سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، فَلِأَنَّ (5) صَاحِبَهَا مُرْتَكِبٌ إِثْمًا، وَعَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى حَتْمًا، وَلَا نَقُولُ الْآنَ: هُوَ عَاصٍ بِالْكَبَائِرِ أَوْ بِالصَّغَائِرِ، بَلْ نَقُولُ: هُوَ مُصِرٌّ عَلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَالْإِصْرَارُ يُعَظِّمُ الصَّغِيرَةَ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً حَتَّى تَصِيرَ كَبِيرَةً، وَإِنْ (6) كَانَتْ كَبِيرَةً فَأَعْظَمُ. وَمَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَيُخَافُ عَلَيْهِ، فَرُبَّمَا إِذَا كُشِفَ الْغِطَاءُ، وَعَايَنَ عَلَامَاتِ الْآخِرَةِ، اسْتَفَزَّهُ الشَّيْطَانُ وَغَلَبَهُ عَلَى قَلْبِهِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، وَخُصُوصًا حِين كَانَ مُطِيعًا لَهُ (7) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ زَمَانِهِ، مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ.

قَالَ عَبْدُ (8) الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيِّ (9): (إِنَّ سُوءَ الخاتمة لا يكون لمن استقام

=المخلوقات، وأول من أظهر ذلك في الإسلام هم غلاة الرافضة، بادعائهم حلول الحق في أئمتهم، واشتهر القول بالحلول عن الحلاج ومن تبعه من زنادقة الصوفية.

انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي (ص116)، وانظر: كلام الإمام الآجري عن هذه الفرقة في كتابه الشريعة (ص285 ـ 290).

(1)

يريد النصارى باللاهوت الله تعالى أو كلمته، ويريدون بالناسوت عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وقد زعموا حلول اللاهوت بالناسوت.

انظر: الملل والنحلل للشهرستاني (ص221)، الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 160).

(2)

في (م): "يرءا"، وصححت في الهامش بما هو مثبت. وفي (ت):"ينئى"، وكتب في الهامش "يرءا" على أنها نسخة أخرى.

(3)

في (خ): "يقال له".

(4)

في (غ): "وأنك".

(5)

في (ر): "فإن".

(6)

في (ر): "وأما إن".

(7)

في (ت): "لله".

(8)

غير واضحة في (ت).

(9)

في (خ): "الإشبل"، وهو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الأندلسي الإشبيلي، سكن مدينة بجاية، فنشر بها علمه، وصنف=

ص: 224

ظَاهِرُهُ، وَصَلُحَ بَاطِنُهُ، مَا سُمِعَ بِهَذَا (1) قَطُّ، وَلَا عُلِمَ بِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لمن كان (2) له فساد في (3) العقل (4)، أَوْ إِصْرَارٌ عَلَى الْكَبَائِرِ، وَإِقْدَامٌ عَلَى الْعَظَائِمِ، أَوْ لِمَنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا ثُمَّ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، وخرج عن سننه، وأخذ في غَيْرِ طَرِيقِهِ (5)، فَيَكُونُ عَمَلُهُ ذَلِكَ سَبَبًا لِسُوءِ خَاتِمَتِهِ، وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (6)).

وَقَدْ سَمِعْتُ بِقِصَّةِ بَلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ (7) حَيْثُ آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ، إلى آخر الآية (8).

فهذا ظاهر إذا اعتبرنا البدعة (9) من حيث هي معصية، فإن (10) نَظَرْنَا إِلَى كَوْنِهَا بِدْعَةً، فَذَلِكَ أَعْظَمُ، لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ ـ مَعَ كَوْنِهِ مُصِرًّا عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ ـ يَزِيدُ عَلَى الْمُصِرِّ بِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِلشَّرِيعَةِ بِعَقْلِهِ، غَيْرُ مُسَلِّمٍ لَهَا فِي تَحْصِيلِ أَمْرِهِ، مُعْتَقِدًا فِي الْمَعْصِيَةِ أَنَّهَا طَاعَةٌ، حَيْثُ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّارِعُ، وَفِي الطَّاعَةِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ طَاعَةً إِلَّا بِضَمِيمَةِ نَظَرِهِ، فَهُوَ قَدْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّارِعُ، وَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَحَقِيقٌ بِالْقُرْبِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي جُمْلَةِ مَنْ (11) ذَمَّ:{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ *} (12)، والمكر جلب السوء من

=التصانيف، وله الأحكام الصغرى والوسطى والكبرى، وكتاب العاقبة في الزهد وغيرها. مات سنة 581هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء (21/ 98)، شذرات الذهب (4/ 271)، العبر (4/ 243).

(1)

في (ت): "هذا".

(2)

ساقطة من (ت).

(3)

غير واضحة في (ت).

(4)

في (م): العقد.

(5)

في (ط): "في طريق غير طريقه". وكلمة طريق الأولى كتبت في هامش (خ).

(6)

سورة الرعد: آية (11).

(7)

انظر: خبره في تفسير الإمام ابن كثير عند الآية (2/ 419 ـ 422)، وقد ذكر عدة روايات في شأنه.

(8)

سورة الأعراف: آيات (175 ـ 176).

(9)

في (م) و (خ) و (ط) و (ت): "اغتر بالبدعة" والصواب المثبت.

(10)

في (ط): "فإذا".

(11)

في (ت) و (ر): "ممن".

(12)

سورة الأعراف: آية (99).

ص: 225

حَيْثُ لَا يُفْطَنُ لَهُ، وَسُوءُ الْخَاتِمَةِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، إِذْ يَأْتِي الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ (1). اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ (2) الْعَفْوَ والعافية.

وَأَمَّا اسْوِدَادُ وَجْهِهِ فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ (3) فِي ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} (4)، وَفِيهَا أَيْضًا الْوَعِيدُ بِالْعَذَابِ لِقَوْلِهِ:{فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} (5)، وَقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ:{وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (6).

حَكَى عِيَاضٌ (7) عَنْ مَالِكٍ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ (8) عَنْهُ قَالَ:(لَوْ أَنَّ الْعَبْدَ ارْتَكَبَ الكبائر كلها بعد أن لا يشرك (9) بِاللَّهِ شَيْئًا، ثُمَّ نَجَا مِنْ هَذِهِ (10) الْأَهْوَاءِ لَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ فِي أَعْلَى جَنَّاتِ (11) الْفِرْدَوْسِ، لِأَنَّ كُلَّ كَبِيرَةٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ هُوَ مِنْهَا عَلَى رَجَاءٍ، وَكُلَّ هَوًى لَيْسَ هُوَ مِنْهُ عَلَى رَجَاءٍ، إِنَّمَا يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي نار جهنم) (12).

(1) ساقطة من (غ) و (ر).

(2)

في (م) و (خ): "نسلك".

(3)

تقدم كلام ابن عباس في الآية المذكورة، وأنها تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ البدعة (ص83).

(4)

(5) سورة آل عمران: آية (106).

(6)

سورة آل عمران: آية (105).

(7)

هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي الأندلسي المالكي، إمام الحديث في وقته، وأعرف الناس بعلومه، وبالنحو واللغة وكلام العرب، توفي رحمه الله سنة 544هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء (20/ 212)، الإحاطة في أخبار غرناطة (4/ 222)، البداية والنهاية (12/ 225).

(8)

هو عبد الله بن نافع الصائغ، من كبار فقهاء المدينة، كان صاحب رأي مالك، وهو الذي سمع منه سحنون وكبار أتباع أصحاب مالك. توفي سنة 186هـ.

انظر: ترتيب المدارك (1/ 356)، طبقات ابن سعد (5/ 438)، سير أعلام النبلاء (10/ 371).

(9)

في (م) و (خ) و (ت): "بعد الإشراك بالله".

(10)

في (م): "هذ".

(11)

في (غ) و (ر): "جنة".

(12)

رواه القاضي عياض في ترتيب المدارك (1/ 177)، وروى نحوه الإمام أبو نعيم في الحلية (6/ 325)، وروى الإمام البيهقي في الاعتقاد والهداية قريباً من هذا عن الشافعي. ولفظه "لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الهوى". (ص/158).

ص: 226

وأما البراءة منه ففي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (1).

وَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَا بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَهُمْ بَرَاءٌ مني"(2).

قال ابن عمر رضي الله عنهما فِي أَهْلَ الْقَدَرِ: (إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بَرَاءٌ مِنِّي)(3).

وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ: (لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يُمْرِضُ قَلْبَكَ)(4).

وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ (5): (مَنْ جَالَسَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِتْنَةً لِغَيْرِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ بِقَلْبِهِ شَيْءٌ يَزِلُّ بِهِ فَيُدْخِلُهُ النَّارَ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَا أُبَالِي (6) مَا تَكَلَّمُوا بِهِ، وَإِنِّي وَاثِقٌ بِنَفْسِي (7)(فَمَنْ أَمِنَ (8) اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلَى دِينِهِ سَلَبَهُ إِيَّاهُ) (9) " (10).

وَعَنْ يَحْيَى بْنِ (11) أَبِي كَثِيرٍ (12) قَالَ: "إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ فَخُذْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ"(13).

وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ (14) قَالَ: (لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمُرُوكُمْ (15) فِي ضَلَالَتِهِمْ، وَيُلَبِّسُوا عَلَيْكُمْ ما كنتم تعرفون) (16).

(1) سورة الأنعام: آية (159).

(2)

تقدم تخريجه (ص90).

(3)

تقدم تخريجه (ص207).

(4)

تقدم تخريجه (ص148).

(5)

تقدمت ترجمته (ص106).

(6)

في (ت): "ما أبالي".

(7)

في (ت): "بالله".

(8)

في (خ) و (ط): "يأمن بغير الله"، وكلمة "بغير" كتبت في (خ) فوق السطر، والصواب المثبت.

(9)

ما بين المعكوفين كتب في (ت): "فمن آمن بالله طرفة عين على دينه سلبه إليه"، وكتب في الهامش:"صوابه والله أعلم فمن يأمن بغير اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ عَلَى دِينِهِ سَلَبَهُ إِيَّاهُ".

(10)

أخرجه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص54).

(11)

في (ت): "عن".

(12)

تقدمت ترجمته رحمه الله (ص150).

(13)

تقدم تخريجه (ص150).

(14)

تقدمت ترجمته رحمه الله (ص110).

(15)

تقدم الأثر بلفظ "يغمسوكم".

(16)

تقدم تخريجه (ص147).

ص: 227

وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ (1) قَالَ: (لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ، فَإِنِّي (2) أَخَافُ أَنْ (3) تَرْتَدَّ قُلُوبُكُمْ) (4).

وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَيُعَضِّدُهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ"(5).

وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَبِي قِلَابَةَ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الْمَرْءُ عَلَى يَقِينٍ (6) مِنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ السُّنَّةِ، فَيُلْقِي لَهُ صَاحِبُ الْهَوَى فِيهِ (7) هَوًى مِمَّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ لَا أَصْلَ لَهُ، أَوْ يَزِيدُ لَهُ فِيهِ قَيْدًا مِنْ رَأْيِهِ فَيَقْبَلُهُ قَلْبُهُ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ يَعْرِفُهُ، وَجَدَهُ مُظْلِمًا، فَإِمَّا أَنْ يَشْعُرَ بِهِ فَيَرُدَّهُ بِالْعِلْمِ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَشْعُرَ بِهِ فَيَمْضِيَ مَعَ مَنْ هَلَكَ.

قَالَ ابْنُ وهب: سمعت (8) مَالِكًا إِذْ جَاءَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَقُولُ: "أَمَّا أَنَا فَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي، وَأَمَّا (9) أَنْتَ فَشَاكٌّ، فَاذْهَبْ إِلَى شَاكٍّ مِثْلِكَ فَخَاصِمْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} (10) الآية"(11).

فَهَذَا شَأْنُ مَنْ تَقَدَّمَ، مِنْ عَدَمِ تَمْكِينِ زائغ القلب أن يُسمع كلامه.

(1) هو النخعي. تقدمت ترجمته (ص149).

(2)

في (خ) و (ت) و (ط): "إذا".

(3)

ساقطة من (م).

(4)

تقدم تخريجه (ص149).

(5)

رواه الإمام أبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب من يؤمر أن يجالس، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ:"الرجل على دين خليله" تحت رقم (4833)، (4/ 261)، والإمام الترمذي في كتاب الزهد من سننه، برقم (2378)، (4/ 509)، والإمام أحمد في المسند (2/ 303، 334)، والحاكم في المستدرك (4/ 171)، والإمام ابن بطة في الإبانة الكبرى (2/ 431، 432)، والإمام أبو نعيم في الحلية (3/ 165)، وقد حسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة تحت رقم (927)، (2/ 633).

(6)

غير واضحة في (ت).

(7)

ساقطة من (ت).

(8)

هكذا في (ر)، وفي بقية النسخ:"وسمعت".

(9)

ساقطة من (م).

(10)

سورة يوسف: آية (108).

(11)

ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (1/ 172)، ورواه الإمام ابن بطة في الإنابة الكبرى (1/ 404)، وذكره أيضاً في الإبابة الصغرى (ص151)، ورواه أبو نعيم في الحلية (6/ 324)، وذكره ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص125)، والجميع لم يذكر استشهاده بالآية سوى القاضي عياض.

ص: 228

ومثال (1) رَدِّهِ بِالْعِلْمِ جَوَابُهُ لِمَنْ سَأَلَهُ فِي قَوْلِهِ: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (2) كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ لَهُ: "الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ (3) بِدْعَةٌ، وَأَرَاكَ (4) صَاحِبَ بِدْعَةٍ"، ثم أمر بإخراج السائل (5).

ومثال (6) مَا لَا يُقدر عَلَى رَدِّهِ مَا حَكَى الْبَاجِيُّ (7) قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: "كَانَ يُقَالُ: لَا تُمَكِّنْ زَائِغَ الْقَلْبِ مِنْ أُذُنِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا يَعْلَقُكَ مِنْ ذَلِكَ"(8).

وَلَقَدْ سَمِعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ـ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ـ شَيْئًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْقَدَرِ، فَعَلِقَ قَلْبُهُ، فَكَانَ يَأْتِي إِخْوَانَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْصِحُهُمْ، فَإِذَا نَهَوْهُ قَالَ (9):"فَكَيْفَ بِمَا عَلِقَ قَلْبِي، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى (10) أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي مِنْ فَوْقِ هَذِهِ الْمَنَارَةِ فَعَلْتُ"(11).

ثُمَّ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تُجَالِسِ الْقَدَرِيَّ وَلَا تُكَلِّمْهُ إِلَّا أَنْ تَجْلِسَ إِلَيْهِ فَتُغْلِظَ عَلَيْهِ، لقوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ

(1) المثبت من (غ)، وفي بقية النسخ:"مثل".

(2)

سورة طه: آية (5).

(3)

ساقطة من (م) و (خ) و (ت)، ومثبتة في (ط) ومصادر قوله. وكتب في هامش (ت):"عن هذا".

(4)

في (ت): "وأرك".

(5)

رواه الإمام اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/ 398)، والإمام أبو نعيم في الحلية (6/ 325 ـ 326)، والإمام البيهقي في الأسماء والصفات (ص408) وقد جود الإمام ابن حجر طريق ابن وهب عند البيهقي فقال: وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب

فذكره. الفتح (13/ 406 ـ 407). وقد ذكره ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص123)، والقاضي عياض في المدارك (1/ 170 ـ 171).

(6)

المثبت ما في (غ)، وفي بقية النسخ:"ومثل".

(7)

هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الأندلسي القرطبي الباجي، ولي القضاء في مواضع من الأندلس، وصنف كتباً عديدة كالمنتقى في الفقه، والمعاني في شرح الموطأ، وإحكام الفصول في أحكام الأصول في أصول الفقه. توفي سنة 474هـ.

انظر: ترتيب المدارك (4/ 802)، وفيات الأعيان (2/ 408)، سير أعلام النبلاء (18/ 535).

(8)

عزاه إلى مالك الإمام ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص120).

(9)

في (ت): "فقال".

(10)

في (م): "رضى".

(11)

ذكره عن مالك الإمام ابن أبي زيد القيرواني في الجامع (ص120).

ص: 229

الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ} (1) فلا توادوهم (2) " (3).

وَأَمَّا أَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. فَلِمَا حَكَى عِيَاضٌ (4) عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ (5) أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَمَّنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ، فَقَالَ:"هَذَا مُخَالِفٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، أَخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ فِي (6) الدُّنْيَا، وَالْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي الآخرة. أما سمعت قوله تعالى: {الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (7)، وَقَدْ أَمْرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُهَلَّ مِنَ الْمَوَاقِيتِ"(8).

وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ (9) عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ (10) قَالَ (11) سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا (12) عبد الله من أين أحرم؟ قال (13): "من ذي

(1) سورة المجادلة: آية (22).

(2)

في (م): "يوادوهم".

(3)

ذكر ابن أبي زيد القيرواني قريباً منه عن مالك بلفظ: "لا تسلم على أهل الأهواء، ولا تجالسهم إلا أن تغلظ عليهم، ولا يعاد مريضهم، ولا تحدث عنهم الأحاديث".

انظر: الجامع (ص125).

(4)

تقدمت ترجمته (ص245).

(5)

تقدمت ترجمته (ص110).

(6)

بياض في (ت).

(7)

سورة النور: آية (63).

(8)

ذكر هذا القول القاضي عياض في ترتيب المدارك ضمن ترجمة الإمام مالك رحمه الله (1/ 171 ـ 172).

(9)

هو الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، صاحب التصانيف، ارتحل مع أبيه إلى المشرق، فسمع ببغداد ودمشق ومصر وبيت المقدس، وتفقه وبرع، ثم عاد إلى الأندلس بإسناد عال وعلم جم، كان يقال إنه بلغ رتبة الاجتهاد. توفي سنة 543هـ.

انظر: سير أعلام النبلاء (20/ 197)، وفيات الأعيان (4/ 296)، العبر (4/ 125) شذرات الذهب (4/ 141).

(10)

هو الزبير بن بكار بن أبي بكر القرشي الأسدي الزبيري، كان حافظاً نسابة، تولى قضاء مكة، روى عن ابن عيينة وغيره، وحدث عنه ابن ماجه وأبو حاتم الرازي وغيرهم، وثقه الدارقطني وغيره. توفي سنة 256هـ.

انظر: ترتيب المدارك (1/ 514)، سير أعلام النبلاء (12/ 311)، تقريب التهذيب (1/ 257).

(11)

عبارة ابن العربي: عن الزبير بن بكار، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت مالك .. ".

(12)

ساقطة من (م) و (ت) وأصل (خ)، ومثبت في هامش (خ)، وهو الصواب كما في أحكام القرآن لابن العربي.

(13)

ساقطة من (ت).

ص: 230

الْحُلَيْفَةِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم". فَقَالَ: (إِنِّي (1) أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "لَا تَفْعَلْ") (2)، قَالَ: فَإِنِّي (3) أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ، قَالَ: "لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى عليك (4) الفتنة" (5)، فقال وأي فتنة في (6) هَذِهِ؟ (7) إِنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا، قَالَ: "وَأَيُّ فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إِلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (8) " (9).

وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا مَالِكٌ رحمه الله تَفْسِيرُ الْآيَةِ (10) هِيَ شَأْنُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَاعِدَتُهُمُ الَّتِي يُؤَسِّسُونَ عَلَيْهَا بُنْيَانَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَنَّهُ نَبِيُّهُ صلى الله عليه وسلم، دُونَ مَا اهْتَدَوْا إِلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ.

وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ (11) ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فِيمَا رُوِيَ عنه (12) ابْنِ وَضَّاحٍ: "لَقَدْ هُدِيتُمْ لِمَا لَمْ يَهْتَدِ له نبيكم، [أو] (13) إنكم لَتُمْسِكُونَ بِذَنَبِ ضَلَالَةٍ"، إِذْ مَرَّ بِقَوْمٍ كَانَ رجل يجمعهم فَيَقُولُ (14): رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا (15) مَرَّةً "سُبْحَانَ اللَّهِ"، فَيَقُولُ الْقَوْمُ، وَيَقُولُ رَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً "الْحَمْدُ لله"، فيقول القوم (16).

(1) في (م) و (ت): "فإني".

(2)

ما بين المعكوفين ساقط من (خ).

(3)

في (م) و (غ): "إني".

(4)

في (م): "عليه".

(5)

ساقطة من (م) وأصل (خ)، وأثبت في هامش (خ).

(6)

ساقطة من (ط).

(7)

في أحكام القرآن "هذا".

(8)

سورة النور: آية (63).

(9)

ذكره بسنده إلى الإمام مالك رحمه الله الإمام ابن العربي في أحكام القرآن، عند الآية (3/ 432)، وقد رواه الإمام ابن بطة في الإنابة الكبرى بلفظ أخصر من هذا (1/ 261 ـ 262).

(10)

في (غ): "للآية".

(11)

في (ت): "يقول قال ابن مسعود

".

(12)

في (م) و (ط): "عن".

(13)

في جميع النسخ "وإنكم"، والصواب ما أثبته، وهو لفظ الإمام ابن وضاح.

(14)

المثبت من (غ) و (ر)، وفي بقية النسخ:"يقول".

(15)

في (ت): "كذا كذا".

(16)

رواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص16، 18)، و (ص19) وهو لفظ=

ص: 231

ثُمَّ إِنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ حِينَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَهُمُ (1) الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَلَّلُونَ (2) لِوَاذًا (3).

وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّفَاقَ مِنْ أَصْلِهِ بِدْعَةٌ، لأنه وضع (4) فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ قال:{أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} (5)، فمن حيث (نزلت آية النور في المنافقين شملت كل من اتصف بذلك والوصف الذي هو مظنة الفتنة، فَمِنْ حَيْثُ)(6) كَانَتْ عَامَّةً فِي الْمُخَالِفِينَ عَنْ أَمْرِهِ يَدْخُلُونَ أَيْضًا مِنْ بَابِ أَحْرَى.

فَهَذِهِ جُمْلَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا بَقِيَ، إِذْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِيهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ، وَبَسْطُ مَعَانِيهَا طَوِيلٌ، فلنقتصر على ما ذكرنا وبالله التوفيق.

=المؤلف، ورواه الإمام الدارمي في مقدمة سننه، باب في كراهية أخذ الرأي (1/ 79)، ولفظه يقع في قرابة الصفحة. وأورد الإمام الهيثمي بعض روايات هذه القصة في مجمع الزوائد (1/ 186).

وسبب نقد ابن مسعود رضي الله عنه لهم هو فعلهم هذه العبادة على هيئة لم يفعلها رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا أصحابه رضوان الله عليهم، فبين ابن مسعود أن حالهم لا يخرج عن أحد أمرين: إما أنهم أفضل مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإما أنهم على ضلالة. وقد توسم ابن مسعود فيهم أنهم من الخوارج، فكانوا كذلك، حيث قاتلوا يوم النهروان مع الخوارج.

انظر: سنن الدارمي (1/ 79 ـ 80).

(1)

في (ت): "فهم".

(2)

في (ت): "يتسللون منه".

(3)

قال الإمام الشوكاني في فتح القدير: "التسلل الخروج في خفية .. ، واللواذ من الملاوذة، وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك، وفي الآية بيان ما كان يقع من المنافقين، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين، ينضم بعضهم إلى بعض استتاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم".

انظر: فتح القدير (4/ 58)، وقال الإمام ابن الجوزي:"وقيل هذا كان في حفر الخندق، كان المنافقون ينصرفون من غير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين".

انظر: زاد المسير (6/ 69).

(4)

في (ط): "وضع بدعة".

(5)

سورة البقرة: آية (16).

(6)

ما بين المعكوفين ساقط من جميع النسخ عدا (غ) و (ر).

ص: 232