الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَمِنْ حَقِّ الْمُبْتَدِعِ إِذَا ابْتُلِيَ بِالْبِدْعَةِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَحْمِلَ مَعَ وِزْرِهِ وَزَرَ غَيْرِهِ. وَفِي هَذَا الْوَجْهِ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْخُرُوجُ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ فِيمَا بَيْنُ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ يَرْجُو فِيهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ مَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ مَعَ الدُّعَاءِ إِلَيْهَا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ ذَمِّ الْبِدَعِ وَبَاقِي الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
[أَنْ لَا تَفْعَلَ الْبِدْعَةَ فِي مُجْتَمَعَاتِ النَّاسِ أَوْ فِي مَوَاضِعِ إِقَامَةِ السُّنَنِ]
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَفْعَلُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُجْتَمَعَاتُ النَّاسِ، أَوِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، وَتُظْهَرُ فِيهَا أَعْلَامُ الشَّرِيعَةِ، فَأَمَّا إِظْهَارُهَا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ بِمَنْ يُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ فَذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى سُنَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهَا لَا تَعْدُو أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُقْتَدَى بِصَاحِبِهَا فِيهَا، فَإِنَّ الْعَوَامَّ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، لَا سِيَّمَا الْبِدَعَ الَّتِي وُكِلَ الشَّيْطَانُ بِتَحْسِينِهَا لِلنَّاسِ، وَالَّتِي لِلنُّفُوسِ فِي تَحْسِينِهَا هَوًى، وَإِذَا اقْتُدِيَ بِصَاحِبِ الْبِدْعَةِ الصَّغِيرَةِ كَبُرَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، فَعَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ يَعْظُمُ عَلَيْهِ الْوِزْرُ.
وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ فِي صَغَائِرَ الْمَعَاصِي، فَإِنَّ الْعَالِمَ مَثَلًا إِذَا أَظْهَرَ الْمَعْصِيَةَ ـ وَإِنْ صَغُرَتْ ـ سَهُلَ عَلَى النَّاسِ ارْتِكَابُهَا، فَإِنَّ الْجَاهِلَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّهُ ذَنْبٌ، لَمْ يَرْتَكِبْهُ، وَإِنَّمَا ارْتَكَبَهُ لِأَمْرٍ عَلِمَهُ دُونَنَا. فَكَذَلِكَ الْبِدْعَةُ إِذَا أَظْهَرَهَا الْعَالِمُ الْمُقْتَدَى فِيهَا، لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّهَا فِي مَظِنَّةِ التَّقَرُّبِ فِي ظَنِّ الْجَاهِلِ، لِأَنَّ الْعَالِمَ يَفْعَلُهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، بَلِ الْبِدْعَةُ أَشَدُّ فِي هَذَا الْمَعْنَى، إِذِ الذَّنْبُ قَدْ لَا يُتْبِعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ
فَلَا يَتَحَاشَى أَحَدٌ عَنِ اتِّبَاعِهِ إِلَّا مَنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ فِي دَرَجَةِ الذَّنْبِ، فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ صَارَتْ كَبِيرَةً بِلَا شَكٍّ، فَإِنْ كَانَ دَاعِيًا إِلَيْهَا فَهُوَ أَشَدُّ، وَإِنْ كَانَ الْإِظْهَارُ بَاعِثًا عَلَى الِاتِّبَاعِ، فَبِالدُّعَاءِ يَصِيرُ أَدْعَى إِلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا فَاتُّبِعَ، وَأَنَّهُ لَمَّا عَرَفَ ذَنْبَهُ عَمِدَ إِلَى تَرْقُوَتِهِ فَنَقَبَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا حَلْقَةً ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا سِلْسِلَةً ثُمَّ أَوْثَقَهَا فِي شَجَرَةٍ فَيَجْعَلُ يَبْكِي وَيَعِجُّ إِلَى رَبِّهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّ تِلْكَ الْأُمَّةِ أَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ الَّذِي أَصَابَ. فَكَيْفَ بِمَنْ ضَلَّ فَصَارَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟
وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ فَهُوَ كَالدُّعَاءِ إِلَيْهَا بِالتَّصْرِيحِ، لِأَنَّ عَمَلَ إِظْهَارِ الشَّرَائِعِ الْإِسْلَامِيَّةِ يُوهِمُ أَنَّ كُلَّ مَا أَظْهَرَ فِيهَا فَهُوَ مِنَ الشَّعَائِرِ، فَكَأَنَّ الْمَظْهَرَ لَهَا يَقُولُ: هَذِهِ سُنَّةٌ فَاتَّبِعُوهَا.
قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ فَصَلَّى وَوَضَعَ رِدَاءَهُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ رَمَقَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ وَرَمَقُوا مَالِكًا ـ وَكَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ ـ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْحَرَسِ؟ فَجَاءَهُ نَفْسَانِ فَقَالَ: خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ فَاحْبِسَاهُ: فَحُبِسَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: مَا خِفْتَ اللَّهَ وَاتَّقَيْتَهُ أَنْ وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ؟ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ
أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبَدًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا فِي غَيْرِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! تُصَلِّي مُسْتَلِبًا؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ يَوْمًا حَارًّا ـ كَمَا رَأَيْتَ، فَثَقُلَ رِدَائِي عَلَيَّ. فَقَالَ: آللَّهُ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ الطَّعْنَ عَلَى مَنْ مَضَى وَالْخِلَافَ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ: آللَّهُ، قَالَ: خَلِّيَاهُ.
وَحَكَى ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ: ثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ مَالِكٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فَجَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: مَا هَذَا الَّذِي تَفْعَلُ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَيَقُومُونَ. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لَا تَفْعَلْ، لَا تُحْدِثْ فِي بَلَدِنَا شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْبَلَدِ عَشْرَ سِنِينَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَلَمْ يَفْعَلُوا هَذَا، فَلَا تُحْدِثْ فِي بَلَدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَكَفَّ الْمُؤَذِّنُ عَنْ ذَلِكَ وَأَقَامَ زَمَانًا، ثُمَّ إِنَّهُ تَنَحْنَحَ فِي الْمَنَارَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فَقَالَ لَهُ: مَا الَّذِي تَفْعَلُ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ. فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أَنْهَكَ أَنْ لَا تُحْدِثَ عِنْدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا نَهَيْتَنِي عَنِ التَّثْوِيبِ. فَقَالَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ. فَكَفَّ زَمَانًا. ثُمَّ جَعَلَ يَضْرِبُ الْأَبْوَابَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي تَفْعَلُ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ طُلُوعَ الْفَجْرِ. فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: لَا تَفْعَلْ، لَا تُحْدِثْ فِي بَلَدِنَا مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ التَّثْوِيبَ ـ قَالَ ـ وَإِنَّمَا أَحْدَثَ هَذَا بِالْعِرَاقِ. قِيلَ لـ ابْنِ وَضَّاحٍ: فَهَلْ كَانَ يَعْمَلُ بِهِ بِمَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَوْ مِصْرَ أَوْ
غَيْرِهَا مِنَ الْأَمْصَارِ؟ فَقَالَ: مَا سَمِعْتُهُ إِلَّا عِنْدَ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ وَالْإِبَاضِيِّينَ.
فَتَأَمَّلْ كَيْفَ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ إِحْدَاثِ أَمْرٍ يَخِفُّ شَأْنُهُ عِنْدَ النَّاظِرِ فِيهِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَجَعْلِهِ أَمْرًا مُحْدَثًا، وَقَدْ قَالَ فِي التَّثْوِيبِ: إِنَّهُ ضَلَالٌ، وَهُوَ بَيِّنٌ، لِأَنَّ:
«كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» وَلَمْ يُسَامِحْ لِلْمُؤَذِّنِ فِي التَّنَحْنُحِ وَلَا فِي ضَرْبِ الْأَبْوَابِ، لِأَنَّ ذَلِكَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُتَّخَذَ سُنَّةً، كَمَا مَنَعَ مِنْ وَضْعِ رِدَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ خَوَّفَ أَنْ يَكُونَ حَدَثًا أَحْدَثَهُ.
وَقَدْ أَحْدَثَ بِالْمَغْرِبِ الْمُتَسَمَّى بِالْمَهْدِيِّ تَثْوِيبًا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ أَصْبَحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ إِشْعَارًا بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، لِإِلْزَامِ الطَّاعَةِ، وَلِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَلِلْغَدِ وَلِكُلِّ مَا يُؤْمَرُونَ بِهِ. فَيَخُصُّهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ تَثْوِيبًا بِالصَّلَاةِ كَالْأَذَانِ. وَنَقَلَ أَيْضًا إِلَى أَهْلِ الْمَغْرِبِ الْحِزْبَ الْمُحْدَثَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَادُ فِي جَوَامِعِ الْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِهَا، فَصَارَ ذَلِكَ كُلُّهُ سَنَةً فِي الْمَسَاجِدِ إِلَى الْآنَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَقَدْ فَسَّرَ التَّثْوِيبَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مَالِكٌ بِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ إِذَا أَذَّنَ فَأَبْطَأَ النَّاسُ قَالَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ عِنْدَنَا: الصَّلَاةُ ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ دَخَلَ مَسْجِدًا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَثَوَّبَ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: اخْرُجْ بِنَا مِنْ عِنْدِ هَذَا الْمُبْتَدَعِ وَلَمْ يَصُلِّ فِيهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا نَحْوٌ مِمَّا كَانَ يَفْعَلُ عِنْدَنَا بِجَامِعِ قُرْطُبَةَ مِنْ أَنْ