المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الملك يقول الحق جل جلاله: {تباركَ} أي: تعالى وتعاظم عن - البحر المديد في تفسير القرآن المجيد - جـ ٧

[ابن عجيبة]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الرحمن

- ‌سورة الواقعة

- ‌سورة الحديد

- ‌سورة المجادلة

- ‌سورة الحشر

- ‌سورة الممتحنة

- ‌سورة الصف

- ‌سورة الجمعة

- ‌سورة المنافقون

- ‌سورة التغابن

- ‌سورة الطلاق

- ‌سورة التحريم

- ‌سورة الملك

- ‌سورة القلم

- ‌سورة الحاقة

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة نوح

- ‌سورة الجن

- ‌سورة المزمل

- ‌سورة المدثر

- ‌سورة القيامة

- ‌سورة الإنسان

- ‌سورة المرسلات

- ‌سورة النبأ

- ‌سورة النازعات

- ‌سورة عبس

- ‌سورة التكوير

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطففين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة البروج

- ‌سورة الطارق

- ‌سورة الأعلى

- ‌سورة الغاشية

- ‌سورة الفجر

- ‌سورة البلد

- ‌سورة الشمس

- ‌سورة الليل

- ‌سورة الضحى

- ‌سورة الشرح

- ‌سورة التين

- ‌سورة العلق

- ‌سورة القدر

- ‌سورة البينة

- ‌سورة الزلزلة

- ‌سورة العاديات

- ‌سورة القارعة

- ‌سورة التكاثر

- ‌سورة العصر

- ‌سورة الهمزة

- ‌سورة الفيل

- ‌سورة قريش

- ‌سورة الماعون

- ‌سورة الكوثر

- ‌سورة الكافرون

- ‌سورة النصر

- ‌سورة المسد

- ‌سورة الإخلاص

- ‌سورة الفلق

- ‌سورة الناس

الفصل: ‌ ‌سورة الملك يقول الحق جل جلاله: {تباركَ} أي: تعالى وتعاظم عن

‌سورة الملك

يقول الحق جل جلاله: {تباركَ} أي: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين فالبركة: السمو والزيادة، حسية أو عقلية، وكثرة الخير ودوامه، والمعنى الأول أنسب للمقام، باعتبار تعاليه عز وجل عما سواه في ذاته وصفاته وأفعاله، وصيغة التفاعل للمبالغة في ذلك؛ فإنَّ ما لا يصح نسبته إليه تعالى من الصيغ، كالتكثُّر ونحوه، إنما يُنسب إليه تعالى باعتبار غاياتها. وعلى الثاني باعتبار كثرة ما يفيض منه تعالى على مخلوقاته من فنون الخيرات، أي: تعالى بالذات عن كل ما سواه. {الذي بيده المُلك} أي: بيده التصرُّف التام والاستيلاء على كل موجود، وهو مالك المُلك، يُؤتيه مَن يشاء، وينزعه عمن يشاء، واليد: مجاز عن القدرة التامة، والاستيلاء الكامل. {وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ} من المقدورات، أو من الإنعام والانتقام {قديرٌ} ؛ مبالغ في القدرة يتصرف فيه على حسب ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحِكم البالغة.

والجملة: معطوفة على الصلة، مقرِّرة لمضمونها، مفيدة لجريان أحكام مُلكه تعالى في جلائل الأمور ودقائقها، دالة على العموم والشمول في أنه متصرف في أحوال المُلك

ص: 91

في إيجاد أعيان الأشياء؛ المتصرّف فيها وفي إيجاد عوارضها الذاتية. ولو اقتصر على قوله: {بيده الملك} لأوهم قصوره على تغيُّر أحوال المُلك فقط.

ثم أحال على ما هو مُشاهد من التصرُّف بقوله: {الذي خلق الموتَ والحياةَ} أي: موتكم وحياتكم أيها المكلّفون. ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ما يصحح الإحساس وإعدامه. والموت عند أهل السنة: صفة وجودية مضادة للحياة، وأمّا ما رُوي عن ابن عباس: أنه تعالى خلق الموتَ في صورة كبش أملح، لا يمر بشيء ويجد ريحه إلاّ مات، وخلق الحياة في صورة فرس، لا يَمر والا يجد رائحتها شيء إلاّ حيى " فوارد على منهاج التمثيل والتصوير، ويجوز أن يكون حقيقة، إذ القدرة صالحة. وتقديم الموت لأنه أدعى لأحسن العمل، الذي هو حكمة خلق الموت والحياة، المشار إليه بقوله: {ليبلوكم أَيُّكم أحسنُ عملا} أي: خلق موتكم الذي يعمّ الأمير والأسير، والحياة التي لا تبقى لعليل ولا طبيب، ليُعاملكم معالمة مَن يختبركم أيكم أحسن عملاً؛ فيُجازيكم على مراتب متفاوتة، حسب طبقات علومكم وأعمالكم؛ فإنَّ العمل غير مختص بالجوارح، ولذلك فسَّره صلى الله عليه وسلم بقوله: " أيكم أحسن عقلاً، وأردع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله "، وفي رواية: " أيكم أحسن عقلاً، وأشدكم له خوفاً، وأحسنكم في أمره ونهيه نظراً، ون كانوا أقلّكم تطوُّعاً " وقال ابن عباس وغيره: أيكم أزهد في الدنيا.

قال القشيري: كيف تكونوا في الصبر في المحنة، والشكر عند المنّة. وقال النسفي:{أيكم أحسن عملاً} : أخلصه وأصوبه، فالخالص: أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على السُنَّة، والمراد: أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل، وسلّط عليكم الموت، الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، فما وراءه إلاّ البعث والجزاء، الذي لا بدّ منه، ولمّا قدّم الموت ـ الذي هو أثر صفة القهر ـ على الحياة ـ التي هي أثر صفة اللطف ـ قدّم صفة القهر على صفة اللطف بقوله:{وهو العزيزُ} : الغالب، الذي لا يُعجزه مَن أساء العمل، {الغفور} ؛ الستور، الذي لاييأس منه أهل الإساءة والزلل. هـ.

ثم استشهد على تمام قدرته بقوله: {الذي خلق سبعَ سمواتٍ طِباقاً} أي: متطابقة بعضها فوق بعض، من طباق النعلَ: أذا خصفها طبقاً على طبق، وهو مصدر وُصف به، أو: ذات طباق، أو: طوبقت طباقاً. وقوله تعالى: {ما ترى في خَلْقِ الرحمنِ من تفاوتٍ} صفة أخرى لسبع سموات، وضع فيها " خَلْق الرحمن " موضع الضمير للتعظيم، والإشعار بعلة الحكم، وبأنه تعالى خلقها بقدرته، رحمةً وتفضُّلاٍ، ولأنَّ في إبداعها نعماً جليلة. أو: استئناف. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحدٍ يصلح للخطاب، و " مِن " لتأكيد

ص: 92

النفي، أي: ما ترى فيه شيئاً من تفاوت، أي: اختلاف وعدم تناسب أو اضطراب. وعن السدي: من عيْبٍ. وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأنّ بعضاً يفوت بعضاً. وقرأ الأخوان:" تَفَوُّت " كالتعاهد والتعهّد، والبناء لواحد. {فارجع البصرَ} أي: ردَّه إلى السماء، حتى يصحَّ عندك ما أُخْبِرْت به معاينةً، حتى لا يبقى شُبهة. {هل ترى من فطورٍ} ؛ صدروع وشقوق، جمع: فَطَر، وهو الشقّ، يقال: فطره فانفطر.

{ثم ارجع البصرَ كرتينِ} أي: كرّره رجعتين مع الأُولى، فتكون ثلاثاً، أو: بالأُولى، وقيل: لمَ يُرد الاقتصار على مرتين، بل أراد به التكرير بكثرةٍ، أي: كرر نظرك ودقّقه مراراً، هل ترى خللاً أو عيباً في السموات؟ وجواب الأمر:{ينقلبْ} ؛ يرجع {إليك البصرُ خاسئاً} ؛ ذليلاً، أو: بعيداً مما تريد، وهو حال من البصر، {وهو حَسِيرٌ} أي: كليل لطول المعاودة، وكثرة المراجعة، ولم يحصل ما قصد.

ثم بيَّن حُسنها وبهجتها، فقال:{ولقد زيَّنا السماءَ الدنيا} أي: القُربى منكم {بمصابيحَ} أي: بكواكب مضيئة بالليل إضاءة السراج فيه، زينةً لسقف هذه الدار، من السيارة والثوابت، تتراءى كأنها كلها مركوزة فيها، مع أنَّ بعضها في سائر السموات، وما ذلك إلَاّ لأنَّ كل واحدة منها مخلوقة على نمط رائق، تحار في فهمه الأفكار، وطراز فائق تهيم في دركه الأنظار. قال الفخر: وليس في هذه الآية ما يدل على أنَّ الكواكب مركوزة في سماء الدنيا، وذلك لأنَّ السموات إذا كانت شفافة فالكواكب سواء كانت في سماء الدنيا، أو في سماء أخرى فوقها، فهي لا بد أن تظهر في سماء الدنيا، وتلوح فيها، فعلى كِلا التقديرين فالسماء الدنيا مُزَيّنة بها. هـ.

{

وجعلناها رُجوماً للشياطين} أي: وجعلنا فيها فائدة أخرى، هي: رجم أعدائكم الذي يُخرجونكم من النور إلى الظلمات، بانقضاض الشُهب المقتَبسة منها، فيأخذ المَلك شعلة من نار الكوكب، ويضرب بها الجني، فيقتله، أو يخبِّله، فيرجع غُولاً يُفزع الناسَ، وأمّا الكواكب فلا تزول عن أماكنها؛ لأنها قارّة في الفلك. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة السماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمَن تأوّل فيها غير ذلك، فقد تكلّف ما لا علم له به. {وأعتدنا لهم} ؛ للشياطين {عذابَ السعير} بعد الإحراق في الدنيا بالشُهب. والله تعالى أعلم.

الإشارة: تبارك الذي بيده المُلك، الملُك الظاهري والمُلك الباطني، يُعطيهما مَن يشاء، ويمنعهما مَن يشاء، فالمُلك الظاهري عز يفنى والملك الباطني عز يبقى، وهما ضدان لا يجتمعان في شخص واحد، ولا يتفقان، بل أحدهما يغير من الآخر، والمراد بالملك الباطني: معرفة الشهود والعيان، فلا يناسبها إلاّ الخمول، ولا تقوم إلاّ به، ومهما ظهرت أخذ صاحبها وصدمته الحوافر. الذي خلق الموتَ في بعض القلوب والأرواح، فكانت ميتة جاهلة ذليلة حقيرة، والحياةَ في بعضها، فكانت حيّة عارفة مالكة عزيزة، فعل

ص: 93

ذلك ليبلوكم أيك أحسنُ عملاً بالإقبال على الله، والتوجٌّه بكليته إليه، أو بالإدبار عنه، والإعراض عن الداعي إليه. وقيل: أحسن العمل: نيسان العمل ورؤية الفضل. هـ. والمراد: أنه يجتهد في العمل، ويغيب عنه، ومَن جعل الموتَ نُصب عينيه لا محالة يجتهد، ولله در القائل:

وَفِي ذِكْرِ هولِ الموتِ والقَبْر والبلَا

عَن الشغْل باللذَّاتِ للمرء زَاجِر

أَبَعْدَ اقْتِرابِ الأَربَعينَ تَربُّص

وشَيْب فَذاك مُنْذِرٌ لك ذَاعِر

فَكَمْ في بُطون الأرضِ بعد ظُهورها

مَحَاسِنهم فيها بوَالٍ دَوَاثِر

وأنت على الدنيا مُكب مُنَافِس

لِحُطَامِها فيها حَريص مُكاثر

علَى خطرٍ تُمسي وتُصبح لَاهِياً

أَتدْرِي بماذا لَوْ عقلت تُخاطِر

وَإِنْ أحد يَسعى لدُنياه جَاهداً

ويَذْهلُ عن أخراه لآ شَكَّ خاسِر

فَجدّ ولا تَغفَل، فَعَيشك زائِل

وأَنْتِ إِلى دارِ الْمَنِيَّةِ صَائِر

وهو العزيز يُعز مَن أقبل عليه، والغفور لمَن رجع بعد الإعراض إليه. الذي خلق سبعَ سموات الأرواح، وتقدّم قريباً تفسيرها، وعالم الأوراح في غاية الإتقان، ليس فيه خلل ولا تفاوت، ولقد زيَّنا السمآء الدنيا. قال القشيري: أراد بسماء الدنيا سماء القلب، لدنوه من سماء الروح، أي: زيّنا ونوّرنا سماء القلب بمصابيح العلم وأنوار الواردات القلبية، وسبحات الإلهامات الربانية، وجعلناها رجوماً للشياطين؛ الخواطر النفاسية، والهواجس الظلمانية الشيطانية، وأعتدنا لتلك الخواطر عذابَ السعير، فيحترق بالخواطر الملكية والرحمانية. هـ.

يقول الحق جل جلاله: {وللذين كفروا بربهم} أي: ولكل مَن كفر بالله مِن الشياطين وغيرهم {عَذابُ جهنم} يُعذّبون بها جميعاً، {وبئس المصيرُ} ، المرجع جهنم. {إِذا أُلقوا فيها} ؛ طُرحوا في جهنم، كما يُطرح الحطب في النار، {سَمِعُوا لها} ؛ لجهنم {شهيقاً} ؛ صوتاً منكراً، كصوت الحمير. شبّه حسيسها المنكر الفظيع بالشهيق. {وهي تفور} ؛ تغلي بهم كغليان المِرُجَل بما فيه.

ص: 94

{تكاد تميَّزُ} أي: تتميّز، يعني: تتقطّع وتتفرّق وينفصل بعضها من بعض {من الغيظ} وذلك حين تمد عنقها إليهم، لتستولي عليهم. وغيظها حقيقة بالإدراك الذي خلقه الله فيها. {كلما أُلْقِي فيها فوجٌ} ؛ جماعة من الكفار {سألهم خزنتُها} مالك وأعوانه من الزبانية توبيخاً لهم:{ألم يأتكم نذير} ؛ رسولٌ يُخوفكم من هذا العذاب الفظيع؟ {قَالُواْ بلى قَدْ جَآءَنَا نذيرٌ} ، اعترفوا بعدل الله، وأنَّ الله أزاح عذرهم ببعث الرسل، وإنذارهم ما وقعوا فيه، تحسُّراً على ما فاتهم من السعادة، وتمهيداً لِما وقع منهم من التفريط تندُّماً اغتماماً على ذلك، {فكذَّبنا} ذلك النذير في كونه نذيراً من جهته تعالى:{وَقُلْنَا مَا نزَّل اللهُ من شيءٍ} مما يقولون من وعد ووعيد، وغير ذلك، {إِن أنتم إِلَاّ في ضلالٍ كبير} أي: قال الكفار للمنذِّرين: ما أنتم إلاّ في خطأ عظيم، بعيد عن الصواب.

وجمع ضمير الخطاب مع أنَّ مخاطب كل فوج نذيرُه؛ لتغليبه على أمثاله، مبالغةً في التكذيب، وتمادياً في التضليل، كما ينبىء عنه تعميم المنزل مع ترك ذكر المنزل عليه، فإنه مُلوح لعمومه حتماً، أو: إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل. ويجوز أن يكون قوله: {إِنْ أَنتُمْ إِلَاّ في ضلال كبير} من كلام الخزنة للكفار، على إرادة القول، ومرادهم بالضلال: الهلاك، أو: سمُّوا جزاء الضلال باسمه، كقوله:{وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] مشاكلة، أو: يكون من كلام الرسل، حكوه للخزنة، اي: قالوا لنا هذا فلم نهتبله.

{

وقالوا} أيضاً معترفين بتفريطهم: {لو كنا نسمعُ} الإنذار سماع طالب الحقّ {أو نعقلُ} شيئاً {ما كنا في أصحاب السعير} في عِددهم، ومن أتباعهم، من الشياطين وغيرهم، وفيه دليل على أنَّ مدار التكليف على أدلة السمع والعقل، وأنهما حجتان. {فاعترَفوا بذنبهم} ، الذي هو كفرهم وتكذيبهم الرسل في وقت لا ينفعهم، {فسُحقاً لأصحابٍ السعير} أي: أبعدهم من رحمته وكرامته، وهو مصدر مؤكد لعامله، أي: فسُحقوا سحقاً، أو: فأسحقهم الله سحقاً، بحذف الزوائد. وفيه معنى الدعاء.

الإشارة: وللذين كفروا بشهود ربهم في الدنيا عذابُ جهنم، وهو البُعد والحجاب، وبئس المرجع، حين يرجع المقربون إلى مقعد صدق، عند مليك مقتدر، إذا أُلقوا في الحُجبة والقطيعة سمعوا لها شهيقاً غيظاً عليهم، وسخطة بهم، وبصفاتهم المضلة، وهي تفور من قُبح أعمالهم. تكاد تميّز من الغيظ عليهم، كلما أُلقي فيها فوج من أهل الغفلة، قال لهم خزنتها وهم صور أعمالهم وهيئة أخلاقهم الردية: ألم يأتكم نذير؛ داع يدعوكم إلى الله، من العارفين بالله؟ فاعترفوا بأنهم أنكروهم وجحدوا خصوصيتهم، فماتوا محجوبين عن اللهِ، والعياذ بالله.

ص: 95

يقول الحق جل جلاله: {إِنَّ الذين يخشَون ربهم بالغيب} أي: يخافون عذابه غائباً عنهم، أو: عن أعين الناس، أو: بالقلب؛ لأنّ القلب أمر غيبي، أو: يخشون ربهم ولم يروه معاينة، {لهم مغفرة} لذنوبهم {وأجر كبير} لا يُقادر قدره، الجنة وما فيها.

{وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به} ، ظاهره: الأمر بأحد الأمرين؛ الإسرار والإجهار ومعناه: ليستوِ عندكم إسراركم وإجهاركم، فإنه في عِلْم الله سواء. كقوله:{سَوَآءٌ مِنكُم مَّنْ أَسَرَ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ} [الرعد: 10]، وكأنه تعالى لمّا قال:{يخشون ربهم بالغيب} ربما يتوهم أن الله تعالى يغيب عنه شيء، رفع ذلك. وقيل: إنَّ المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيُخبره جبريلُ عليه السلام بما قالوا فيه ونالوا منه، فقالوا فيما بينهم: أسِروا قولكم لئلا يسمع رب محمد فيخبره، فنزلت. وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم، ووقوع ما يحذرونه، وللمبالغة في شمول علمه تعالى، المحيط بجميع المعلومات، كأنَّ عِلْمَه تعالى بما يُسرونه أقدم منه بما يجهرونه، مع كونهما في الحقيقة على السواء، ولأنَّ مرتبة السر أقدم وجوداً؛ لأنّ ما يقع به الجهر يتقدّم التحدُّث به في النفس.

وقوله تعالى: {إِنه عليمٌ بذات الصدور} تعليل لِما قبله، أي: عليم بضمائر الصدور قبل أن تترجم الألسنة، فكيف لا يعلم ما تتكلم به. وفي صيغة " فعيل "، وتحلية " الصدور " بلام الاستغراق، ووصف الضمائر بصاحبتها من الجزالة ما لا غاية وراءه، كأنه قيل: إنه مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية، المستكنة في صدروهم، فكيف يخفى عليه ما يُبدونه؟ ويجوز أن يراد بـ {ذات الصدور} : القلوب التي في الصدور، أي: عليم بالقلوب وأحوالها، فلا يخفى عليه من أسرارها، {ألا يعلم من خلق} " مَنْ " فاعل بيعلم، {وهو اللطيفُ الخبيرُ} أنكر أن يكون مَن خلق الأشياء وأوجدها غير عالم بباطنها وظاهرها، وصفته أنه اللطيف، أي: العالِم بدقائق الأشياء الخبير؛ العالم بحقائقها. ويجوز أن يكون (مَن) مفعولاً، أي: ألَا يعلم اللهُ مَن خلقه.

وفيه على الأول دليل على خلق أفعال العباد، وهو مذهب أهل السنة، ووجه الدليل: أنه تعالى لمّا قرر أنه عالم بالسر والجهر، وبكل ما في الصدور، قال بعده:{ألا يعلم مَن خَلَقَ} ، وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله إذا كان تعالى خالقاً لكل ما يفعلونه في السر والجهر، وفي القلوب والصدور، فأنه لو لم يكن خالقاً لها لم يكن قوله:{ألا يعلم مَن خلق} مقتضياً كونَه تعالى عالماً بتلك الأشياء، وهو خالق الأشياء وأحوالها، وعالم

ص: 96

بجميع ذلك، ولذلك عقَّب ذلك بقوله:{وهو اللطيف الخبير} .

الإشارة: إنَّ الذين يخشون ربهم بالغيب، فراقَبوه وعبدوه، حتى عرفوه، فصار الغيب عندهم شهادة. قال الورتجبي: وصف الله معرفة العارفين به، قبل رؤيتهم مشاهدته، فإذا عاينوه استفادوا من رؤيته علم المعاينة، وهو المعرفة بالحقيقة، خشوا منه في غيبة منه، وهو خشية القلب، فلما رأوه على الخشية الإجلال، وهو علم الروح والسر. هـ.

وقوله تعالى: {وهو اللطيفُ الخبير} ، قال بعضهم: الحق تعالى منزّه عن الأين والجهة، والكيف، والمادة، والصورة، ومع ذلك لا يخلو منه أين ولا مكان، ولا كم، ولا كيف، ولا جسم، ولا جوهر، ولا عرض؛ لأنه للطفه سارٍ في كل شيء، ولنوريته ظاهر في كل شيء، ولإطلاقه وإحاطته متكيّف بكل كيف، غير متقيد بذلك، ومَن لم يذق هذا، أو لم يشهده، فهو أعمى البصيرة، محروم عن مشاهدة الحق. هـ. وقال الغزالي: إنما يستحق هذا الاسم ـ يعني اللطيف ـ مَن يطلع على غوامض الأشياء، وما دقّ منها وما لطف، ثم سلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العُنف، والخبير هو الذي لا يعزب عنه الأخبار الباطنة، فلا يجري في المُلك والملكوت شيء، ولا يتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن، إلاّ ويكون عنده خبرها. وهو بمعنى العلم، لكن العلم إذا أُضيف إلى الخفايا الباطنة يسمى خِبرة، ويسمى صاحبها خبيراً. هـ.

يقول الحق جل جلاله: {هو الذي جعل لكم الأرضَ ذلولا} ؛ مذلّلة ليّنة يسهل عليكم سلوكها. وتقديم (لكم) على مفعول الجعل؛ للاهتمام والتشويق، {فامشُوا في مناكبها} ؛ جوانبها، وهو تمثيل لفرط التذلُّل، فإنَّ منكب البعير أرقّ أعضائه وأصعبها على أن يطأها الراكب بقدميه، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يتأتى المشي في مناكبها لم يبقَ منها شد لم يتذلّل، {وكُلوا من رزقه} أي: والتمسوا من رزق الله في سلوكها، أو إذا تعذّر العيس في أرضٍ فامشوا في مناكبها إلى أرض أخرى، كما قال الشاعر:

يا نفس مالكِ تهوي الإقامةَ في

أرض تعيش بين من ناواكِ بها

أما سمعتِ وعجز المرء منقصَةٌ

في محكم الوحي: فامشوا في مناكبها

ص: 97

أو: كُلوا من رزق الله الخارج منها، {وإِليه النُشورُ} أي: الرجوع بالبعث، فتُسألون عن شكر هذه النعم.

ثم هدَّد مَن لم يشكر فقال: {أأمِنْتُم مَن في السماء} من ملكوته وأسرار ذاته، وعبّر بها؛ لأنها منزل قضاياه، وتدبيراته ووحيه، ومسكن ملائكته وأوامره ونواهيه، فكل ما يظهر في الأرض إنما يقضي به في السماء، وحينئذ يبرز، فكأنه قال: أأمِنتم خالق السموات؟ وقال اللجائي: كل شيء علا فهو سماء، وسماء البيت: سقفه، وليس المقصود في الآية سماء الدنيا؛ ولا غيرها من السبع الطباق، وإنما المعنى: أأمِنتم مَن في العلو، وهو علو الجلال، وليس كون الله في سماء الحوادث من صفات الكمال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. هـ. وسيأتي في الإشارة تحقيقة عند أهل التوحيد. أي: أأمِنتم مَن في السماء أسرار ذاته {أن يخسف بكم الأرضَ} كما خسف بقارون بعد ما جَعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها، وتأكلون من رزقه فيها، بحيث كفرتم تلك النعمة، فقلبها لكم {فإِذا هي تمورُ} ؛ تضطرب وتتحرّك.

{أم أَمِنْتُم مَن في السماء أن يُرسل عليكم حاصباً} ؛ حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل، أو: ريحاً فيها حجارة. و " أن ": بدل اشتمال في الموضعين. {فستعلمون} عن قريب {كيف نذيرٍ} أي: إنذاري عن مشاهدتكم للمنذَر به، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذٍ.

{

ولقد كذَّب الذين مِن قبلهم} ؛ من قبل كفار مكة، من كفار الأمم السابقة، كقوم نوح وعاد وأضرابهم، والالتفات إلى الغيبة؛ لإبراز كمال الإعراض عنهم، {فكيف كان نكير} ؛ إنكاري عليهم، بإنزال العذاب، أي: كان على غاية الهول والفظاعة، وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم فقط، وفيه من المبالغة في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتشديد التهويل ما لا يخفى. والله تعالى أعلم.

الإشارة: هو الذي جعل لكم أرض البشرية مذلّلة للعبودية، والقيام بآداب الربوبية، فامشوا في مناكبها؛ فسيحوا بقلوبكم في جوانبها، تفكُّراً واعتباراً لِما فيهم من عجائب الإتقان، وبدائع الحِكم، فقد جمعت أسرار الوجود بأسره، وكُلوا من رزقه مما اكتسبه القلب بالنظر والتفكُّر، من قوة الإيمان، وهو قوت القلوب، وشهود الحق فيها، وهو قوت الأرواح والأسرار، وإليه النُشور ببعث الأرواح من موت الغفلة والجهل، إلى حياة اليقظة والمعرفة، أأمِنتم مَن في السماء أن يخسف بكم الأرض، أي: إذا أسأتم معه الأدب. واعلم أن ذات الحق جل جلاله عمّت الوجود، فليست محصورة في مكان ولا زمان، {فأينما تُولوا فَثَمّ وجه الله} ، فأسرار ذاته ـ تعالى ـ سارية في كل شيء، قائمة بكل شيء، كما تقدّم، فهو موجود في كل شيء، لا يخلو منه شيء، أسرار المعاني قائمة

ص: 98

بالأواني، وإنما خصّ الحق ـ تعالى ـ السماء بالذكر؛ لأنها مرتفعة معظّمة، فناسب ذكر العظيم فيها، وعلى هذا تُحمل الأحاديث والآيات الواردة على هذا المنوال. وليس هنا حلول ولا اتحاد؛ إذ ليس في الوجود إلاّ تجليات الحق ومظاهر ذاته وصفاته، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه، فما مثال الكون إلا كجبريل حين يتطوّر على صورة دحية، غير أنَّ رداء الكبرياء منشور على وجه ذاته وأسرار معانيه، وهو ما ظهر من حسن الكائنات، وما تلوّنت به الخمرة من أوصاف العبوية. ولا يفهم هذا إلَاّ أهل الذوق السليم. وبالله التوفيق.

يقول الحق جل جلاله: {أَوَلَمْ يَرَوُا} أي: أَغَفلُوا ولم ينظروا {إِلى الطيرِ} ؛ جمع طائر {فوقهم} في الهواء {صافاتٍ} ؛ باسطاتٍ أجنحتها في الجو عند طيرانها {ويقبِضْنَ} ؛ ويضممنها إذا ضربن بها حيناً فحيناً، للاستظهار به على التحرُّك، وهو السر في إيثار (ويقبضن) الدال على تجدُّد القبض تارة بعد تارة على " قابضات "، فـ " يقبضن ": معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي: يصففن ويقبضن، أو: صافات وقابضات. والطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والهواء للطائر كالماء للسابح، والأصل في السباحة: مدّ الأطراف وبسطها، وأمّا القبض فطارىء على البسط للاستظهار به على التحرُّك. {ما يُمسِكُهُنَّ} في الجو عند البسط والقبض على خلاف مقتضى الطبع {إلَاّ الرحمنُ} الواسع رحمته كل شيء، ومن جملتها: إمساكه الطير في الهواء بقدرته، وإلا فالثقيل يسفل طبعاً ولا يطفو، وكذلك لو أمسك حِفظَه وتدبيره للعالم لتهافت وتلاشى. {إِنه بكل شيءٍ بصيرٌ} يعلم كيفية إبداع المبدعات، وتدبير المصنوعات، ومن مبدعاته: أنَّ الطير على أشكال وخصائص هيّأهن للجري في الهواء.

{أمَّنْ هذا الذي هو جندٌ لكم ينصركم من دون الرحمن} ، هو تبكيت لهم ينفي أن يكون لهم ناصر من عذابه غير الله، أي: لا ناصر لكم إلاّ الرحمن برحمته. " أم " منقطعة مقدرة ببل؛ للانتقال من توبيخهم على ترك التأمُّل فيما يشاهدونه من أحوال الطير المنبئة عن تعاجيب قدرة الله تعالى إلى التبكيت بما ذكر من نفي نصرة غيره تعالى، والالتفات

ص: 99

للتشديد في ذلك، و (من) : مبتدأ و (هذا) : خبره، و (الذي) وما بعده: صفتهن وإيثار " هذا " تحقيراً له، و (ينصركم) : صفة لجُند، باعتبار لفظه، و (من دون) : إما حال من فاعل " ينصركم " أو لمصدر محذوف، أي: نصراً حاصلاً من دون الرحمن، أو: متعلق بينصركم، كقوله:{مَن يَنصُرُنِى مِنَ اللهِ} [هود: 30]، والمعنى: بل مَن هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ينصركم نصراً كائناً من دون نصرة الرحمن؟ ! {إِنِ الكافرون إلاّ في غرورٍ} أي: ما هم في زعمهم أنهم محفوظون من النوائب بحفظ آلهتهم، لا بحفظه تعالى فقط، إلاّ في غرور عظيم، وضلال فاحش من الشيطان. والالتفات إلى الغيبة؛ للإيذان بافتضاح حالهم، والإعراض عنهم، وإظهار قبائحهم، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر، وتعليل غرورهم به.

{

أمّنْ هذا الذي يرزقكم إِنْ أمسك} اللهُ عز وجل {رزقَه} بإمساك المطر وسائر مبادئه، أي: مَن هذا الحقير الذي يقدر على إتيان رزقكم من آلهتكم إن أمسكه الله؟ {بل لَجُّوا في عَتُوٍّ ونفورٍ} ، إضراب عن مُقدّر يستدعيه المقام، كأنه قيل بعد تمام التبكيت والتعجيز: لم يتأثروا بشيء من ذلك، ولم يذعنوا للحق، {بل لجُّوا} أي: تمادوا {في عتوٍّ} أي: استكبار وطغيان {ونفورٍ} ؛ وشُرود عن الحق لِثقله عليهم. ثم ضرب مثلاً للمشرِك والموحِّد، فقال:{أفمن يمشي مُكبًّا على وجهه} أي: ساقطاً على وجهه {أهْدى} ، والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من سواء حالهم، وسقوطهم في مهاوي الغرور، وركوبهم متن عشواء العتو والنفور. والمُكب: الساقط على وجهه، والمعنى: أفمن يمشي وهو يعثر في كل ساعة، ويخرّ على وجهه في كل خطوة أهدى إلى المقصود {أَمَّنْ يمشي سَوِياً} أي: قائماً سالماً من الخبط والعِثار {على صراط مستقيم} مستوي الأجزاء لا عوج فيه، ولا انحراف؟ و " من " الثانية: معطوفة على الأُلى عطف المفرد. وقيل: المراد بالمكب: الأعمى، وبالسوي: البصير. وقيل: مَن يمشي مُكباً هو الذي يُحشر على وجهه إلى النار، ومَن يمشي سويًّا: الذي يُحشر على قدميه إلى الجنة.

{قل هو الذي أنشأكم} إنشاءً بديعاً، {وجعل لكم السمعَ} لتسمعوا آيات الله، وتمتثلوا ما فيها من الأوامر والنواهي، وتتعظوا بمواعظها، {والأبصارَ} لتنظروا بها إلى الآيات التكوينية الشاهدة بشؤون الله تعالى، {والأفئدةَ} لتتفكروا بها فيما تسمعونه وتشاهدونه من الآيات التنزيلية والتكوينية؛ لتترقوا في معاريج الإيمان والمعرفة، {قليلاً ما تشكرون} باستعمالها فيما خُلقت له. و " قليلاً ": إما نعت لمحذوف، أو: ظرف، و (ما) : صلة لمحذوف، أي: شكراً قليلاً، أو: زمناً قليلاً. وقيل: القلة عبارة عن العدم. {قل هو الذي ذرأكم في الأرض} أي: خلقكم وكثَّركم فيها {وإِليه تُحشرون} للجزاء لا إلى غيره، فتهيؤوا للقائه.

الإشارة: أَوَلَم يَرَوا إلى طيور أفكار العارفين فوقهم منزلةً ورفعة، صافاتٍ، تجول

ص: 100

في ميادين الغيوب، ويقبضن عنانهن، عكوفاً في الحضرة، وسكوناً في النظرة، ما يُمسِكُهن فيها إلَاّ الرحمن الذي مَنَّ عليهم برحمته، فأسكنهم فيها، إنه بكل شيء بصير، فيُبصر مَن توجه إليه ومَن لا، أمَّنْ هذا الذي هو جند لكم ينصركم على طريق السلوك، ويُبلغكم إلى حضرة مالك المَلوك، من دون الرحمن؟ إنِ الكافرون بهذا إلاّ في غرور، حيث حسبوا أنَّ وصولهم بحسب جهادهم وطاعتهم، أمَّن هذا الذي يرزقكم إمداد قلوبكم من العلوم والمعارف واليقين الكبير، إن أمسك رزقه فلم يتوجه إليكم إلَاّ القليل، بل لجُّوا في عُتو ونفور، أفمن يمشي مُكبًّا على وجهه، حيث رام سلوك الطريق بلا شيخ ولا دليل عارف، أهدى أمَّنْ يمشي سويًّا سالماً من الانحراف، على صراط مستقيم، تُوصله إلى حضرة العيان، وهو مَن سلك الطريق على يد الخبير، بل مَن سلكه على يد الخبير أهدى وأصوب، قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم دلائل السلوك إلى معرفته، لتستدلوا عليه بالأدلة السمعية والعقلية، ثم تَتَرَقون إلى صريح معرفته، بسلوك الطريق على يد الخبير، قل هو الذي ذرأكم في أرض العبودية، وإليه تُحشرون بشهود عظمة الربوبية.

يقول الحق جل جلاله: {ويقولون} مِن فرط عتوهم وعنادهم استهزاء: {متى هذا الوعدُ} أي: الحشر الموعود {إن كنتم صادقين} فيما تعدونه من مجيء الساعة؟ والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين المشاركين له عليه السلام في الوعد، وتلاوة الآيات المتضمنة له، وجواب الشرط: محذوف، أي: إن صدقتم فيه فبيَّنوا وقته؟ {قل إِنما العلمُ} أي: العلم بوقته {عند الله} تعالى، لا يطلع عليه غيره {وإِنما أنا نذير مبينٌ} أُنذركم وقوع الموعود لا محالة، وأمّا العلم بوقت وقوعه فليس من وظائف الإنذار.

{فلما رَأَوه} أي: العذاب الموعود. والفاء فصيحة مُعربة عن تقدير جملة، كأنه قيل: قد أتاهم الموعود فلما رأوه

الخ، نزّل ما سيقع بمنزلة الواقع لتحقق وقوعه، و {زُلفةً} : حال من مفعول " رَأَوه " أي: قريباً منهم، وهو مصدر، أي: ذا زلفة، {سِيئَتْ} أي: تغيرت {وجوهُ الذين كفروا} بأن غشيها الكآبة ورهقها القَترُ والذلة. ووضع الموصول موضع ضميرهم؛ لذمهم بالكفر، وتعليل المساءة به. {وقيل} توبيخاً لهم، وتشديداً لعذابهم:{هذا الذي كنتم به تَدَّعون} ؛ تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه

ص: 101

إنكاراً واستهزاءً، وهو " تفتعلون " من الدعاء، وقيل: من الدعوى، أي: تدعون ألَاّ بعث ولا حشر. ورُوي عن مجاهد: أنَّ الموعود يوم بدر، وهو بعيد.

{قل أرأيتم} أي: أخبروني {إِن أهلكنيَ اللهُ} أي: أماتني. والتعبير عنه بالهلاك لِما كانوا يدعون عليه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك، {ومَن معيَ} مِن الْمُؤْمِنِين {أو رَحِمَنا} باخير آجالنا، فنحن في جوار رحمته متربصون إحدى الحسنيين {فمَن يُجير الكافرين من عذاب أليم} أي: لا يُنجيكم منه أحد، متنا أو بَقينا. ووضع " الكافرين " موضع ضميرهم؛ للتسجيل عليهم بالكفر، وتعليل نفي الإنجاء به، أي: لا بد من لحوق العذاب لكفركم، مُتنا أو بقينا، فلا فائدة في دعائكم علينا.

{

قل هو} أي: الذي أدعوكم إليه {الرحمن} مولى النعم كلها، {آمَنَّا به} وحده؛ لعِلْمنا ألَاّ راحم سواه، {وعليه توكلنا} وحده؛ لعِلْمنا أنَّ ما عداه كائناً ما كان بمعزل عن النفع والضر. {فستعلمون} عن قريب {مَن هو في ضلالٍ مبينٍ} منا ومنكم، {قل أرأيتم} ؛ أخبروني {إِن أصبحَ ماؤُكم غوراً} ؛ غائراً في الأرض بالكلية، أو: لا تناله الدلاء {فمَن يَأْتِيكُمْ بماءٍ مَّعِينٍ} ؛ جارٍ أو ظاهر سهل المأخذ، يصل إليه مَن وصله؟ . وفي القاموس: ماء معيون ومعين: ظاهر. هـ. وقال مكي: ويجوز أن يكون معين " فعيل " من مَعَن الماء: كثر، ويجوز أن يكون مفعولاً من العَين، وأصله: معيون، ثم أعل، أي: فمَن يأتيكم بماء يُرى بالعين. هـ. مختصراً.

وقرئت الآية عند مُلحدٍ، فقال: يأتي بالمعول والفؤوس، فذهبت عيناه تلك الليلة وَعمِيَ، وقيل: إنه محمد بن زكريا المتطبب، أعاذنا الله من سوء الأدب مع كتابه. قال ابن عرفة: ذكر ابن عطية في فضل السورة أربعة أحاديث، وقد تقرّر أنَّ أحاديث الفضائل لم تصح إلَاّ أحاديث قليلة، ليس هذا منها. هـ. وفي الموطأ: إنها تُجادل عن صاحبها.

الإشارة: ويقولون ـ أي: أهل الإنكار على المريدين ـ: متى هذا الوعد بالفتح إن كنتم صادقين في الوعد بالفتح على أهل التوجه؟ قل أيها العارف الداعي إلى الله: إنما العلمُ عند الله، وإنما أنا نذير مبين، أُنذر البقاء في غم الحجاب وسوء الحساب، فلما رأوه ـ أي رأوا أثر الفتح على المتوجهين، بظهور سيما العارفين على وجوههم، ونبع الحِكَم من قلوبهم على ألسنتهم ـ زلفةً، أي: قريباً، سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ بطريق الخصوص، وأنكروها ـ أي ساءهم ذلك حسداً أو ندماً، وقيل هذا الذي كنتم به تَدَّعون، أي: تدَّعون أنه لا يكون، وأنه قد انقضى زمانه، وأهل الإنكار لا محالة يتمنون هلاكَ أهل النِسبة، فيُقال لهم: أرأيتم إن أهلكنا الله بالموت، أو رَحِمَنا بالحياة، فمَن يُجيركم أنتم من

ص: 102

عذاب القطيعة والبُعد، أي: هو لا حق لكم لا محالة، متنا أو عشنا، قل هو، أي: الذي توجهنا إليه، الرحمن وضمّنا إليه، آمنّا به وعليه توكلنا في كفاية شروركم، فستعلمون حين يُرفع المقربون في أعلى عليين، ويسقط أهل الحجاب في الحضيض الأسفل من الجنة، مَن هو اليوم في ضلال مبين، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤكم ـ ماء حياة قلوبكم من الإيمان والتوحيد، غَوْراً، فمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ معين؟ أي: فمَن يُظهره لكم، ما يأتي به إلَاّ أهل العلم بالله.

والله تعالى أعلم. وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

ص: 103