المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة الحشر يقول الحق جل جلاله: {سَبَّح لله ما في السماوات - البحر المديد في تفسير القرآن المجيد - جـ ٧

[ابن عجيبة]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الرحمن

- ‌سورة الواقعة

- ‌سورة الحديد

- ‌سورة المجادلة

- ‌سورة الحشر

- ‌سورة الممتحنة

- ‌سورة الصف

- ‌سورة الجمعة

- ‌سورة المنافقون

- ‌سورة التغابن

- ‌سورة الطلاق

- ‌سورة التحريم

- ‌سورة الملك

- ‌سورة القلم

- ‌سورة الحاقة

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة نوح

- ‌سورة الجن

- ‌سورة المزمل

- ‌سورة المدثر

- ‌سورة القيامة

- ‌سورة الإنسان

- ‌سورة المرسلات

- ‌سورة النبأ

- ‌سورة النازعات

- ‌سورة عبس

- ‌سورة التكوير

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطففين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة البروج

- ‌سورة الطارق

- ‌سورة الأعلى

- ‌سورة الغاشية

- ‌سورة الفجر

- ‌سورة البلد

- ‌سورة الشمس

- ‌سورة الليل

- ‌سورة الضحى

- ‌سورة الشرح

- ‌سورة التين

- ‌سورة العلق

- ‌سورة القدر

- ‌سورة البينة

- ‌سورة الزلزلة

- ‌سورة العاديات

- ‌سورة القارعة

- ‌سورة التكاثر

- ‌سورة العصر

- ‌سورة الهمزة

- ‌سورة الفيل

- ‌سورة قريش

- ‌سورة الماعون

- ‌سورة الكوثر

- ‌سورة الكافرون

- ‌سورة النصر

- ‌سورة المسد

- ‌سورة الإخلاص

- ‌سورة الفلق

- ‌سورة الناس

الفصل: ‌ ‌سورة الحشر يقول الحق جل جلاله: {سَبَّح لله ما في السماوات

‌سورة الحشر

يقول الحق جل جلاله: {سَبَّح لله ما في السماوات وما في الأرض} أي: نزّهه أهلُ السماوات السبع، وأهلُ الأرضين السبع. وكرر الموصول هنا لزيادة التقرير، والتنبيه على استقلال كل مِن الفريقين بالتسبيح. قال الكواشي: فيه إيماء إلى قدرة الله تعالى، وأنه أهل لأن يُسبَّح لمنِّه على المؤمنين بنصرهم على أعدائهم، {وهو العزيزُ الحكيم} ، قال ابن عطية: صفتان مناسبتان لِمَا يأتي بعدُ، من قصة العدو الذي أخرجهم مِن ديارهم. هـ.

رُويَ أنَّ هذه السورة بأسرها نزلت في بني النضير، وهو رهط من اليهود، من ذرية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل لبعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم بقية الحبرْين اللذين كانا مع تُبع، فنزلا المدينة انتظاراً له صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين قَدِمَ المدينة صالحهم على ألاّ يكونوا عليه ولا له، فلما ظَهَرَ يوم بدر، قالوا: هو النبيّ الذي نعْتُه في التوراة: لا تُردُّ له رايةٌ، فلما كان يوم أُحُد ما كان، ارتابوا ونكثوا، فخرج

ص: 3

كعبُ بن الأشرف في أربعين راكباً، فحالف أبا سفيان عند الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر عليه السلام محمدَ بن مسلمة الأنصاري في فتية، فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، وقد كان عليه السلام اطلع منهم على خائنةٍ ونقض عهدٍ، حين أتاهم ومعه أبو بكر وعمر وعليّ، ليستعينهم في دية الرجلين اللذَين قتلهما عَمرو بنُ أمية الضمري، غلطاً، فأجابوه على ذلك، وأجسلوه تحت الحِصن، وأمروا رجلاً منهم أن يطرح على النبي صلى الله عليه وسلم رَحىً، فنزل جبريلُ فأخذ بيده وأقامه، فرجع إلى المدينة، وأمر المسلمين بالخروج إلى بني النضير، وهم بقريةٍ يقال لها: زهرة، فأمرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدسّ إليهم عبدُ الله بن أُبي وأصحابهُمن المنافقين: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن خرجتم لَنَخْرُجنَّ معكم، فحصّنوا أسوارَهم، فحاصرهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة، وأمر بقطع نخلهم، فلما قذف اللهُ في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين، طلبوا الصُلح، فأبى عليهم إلاّ الجلاء، على أن يَحْمِل كلُّ ثلاثة أبياتٍ على بعيرٍ ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي صلى الله عليه وسلم ما بقي، فخرجوا إلى الشام، وإلى أذرعات وأريحا، إلاّ بيتين؛ آل أبي الحقيق، وآل حُيَي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، وذلك قوله تعالى:

{

هُوَ الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب مِن ديارهم} بالمدينة، أي: هو الذي تولّى إخراجهم، لا بسبب فيه لأحد غيره. واللام في قوله:{لأول الحشر} متعلق بأخْرَج، وهو اللام في قوله:{قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24] أي: أخرجهم عند أول الحشر، وكونه أول الحشر؛ لأنّ هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا مِن سبط لم يُصبهم جلاء قط، وهم أول مَن أُخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، وآخر حشرهم: إجلاء عُمر إياهم من خيبر إلى الشام، أو: آخر حشرهم: حشر يوم القيامة، قال ابن عباس رضي الله عنه:" مَن شك أنَّ المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية " فهم الحشر الأول، وسائر الناس الحشر الثاني. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا خرجوا:" امضوا، فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر "{ما ظننتم أن يخرجوا} ، لشدة بأسهم، ومَنعَتهم، ووثاقه حصونهم، وكثرة عَددهم وعُدتهم، {وظنوا أنهم مانعتهم حُصُونُهم من الله} أي: ظنوا أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله. والفريق بين هذا التركيب والنظم الذي جاء عليه التنزيل: أنّ في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وُثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي مصير ضميرهم اسماً لـ " أن "، وإسناد الجملة إليه، دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يُبالَى معها

ص: 4

بأحد يتعرض لهم، أو يطمع في مغازيهم، وليس ذلك في قولك: وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم. {فأتاهم اللهُ} أي: أمره وعقابه {من حيث لم يحتسبوا} ؛ من حيث لم يظنوا، ولم يخطر ببالهم، حتى قُتل " كعب " رئيسهم على يد أخيه رضاعاً.

{وقَذَفَ في قلوبهم الرُّعْبَ} ؛ الخوف والجزع، {يُخْربون بيوتَهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} ، فكانوا يُخربون بواطنَها، والمسلمون ظواهرَها، لِمَا أراد الله مِن استئصال شأفتهم، وألَاّ تبقى لهم بالمدينة دار، ولا منهم دَيَّار. والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة، ليسدُّوا بها أفواه الأزفَّة ولئلا يبقى بعد جلائهم مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيّد الخشب والساج، وأمّا المؤمنون فدعاهم إلى التخريب إزالة مُتحصّنهم، وأن تتسع لهم مجال الحرب. ومعنى تخريبهم إياها بأيدي المؤمنين: أنهم لما عرّضوهم بنكث العهد لذلك، وكان السبب فيه؛ فكأنهم أمروهم به، وكلّفوهم إياه. {فاعتبِروا يا أُولي الأبصارِ} أي: فاتعِظوا بما جرى عليهم من الأمور الهائلة على وجهٍ لا تهتدي إليه الأفكار، أو: فتأملوا فيما نزل بهؤلاء، والسبب الذي استحقوا به ذلك، فاحذروا أن تفعلوا مثَل فعلهم، فتُعاقََبوا مثل عقوبتهم. قال البيضاوي: اتعِظوا بحالهم، فلا تغدروا، ولا تعتمدوا على غير الله. هـ. وهذا دليل على جواز القياس.

{

ولولا أن كتب اللهُ عليهم الجلاء} ؛ الخروج من الوطن، على ذلك الوجه الفظيع {لعذَّبهم في الدنيا} بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة، {ولهم في الآخرة عذابُ النار} الذي لا أشد منه، {ذلك بأنهم} أي: إنما أصابهم ذلك بسبب أنهم {شاقُوا اللهَ} ؛ خالَفوه {ورسوله} وفعلوا ما فعلوا، مما حكي عنهم من القبائح، {ومَن يُشاقِّ اللهَ} ، وقرئ:" يشاقِق " على الأصل. والاقتصار على مشاققته لتضمنها مشاققته عليه السلام، وليوافق قوله تعالى:{فإنَّ الله شديدُ العقاب} ، والجملة: إما نفس الجزاء على حذف العائد، أي: شديد العقاب له، أو: تعليل للجزاء المحذوف، أي: يُعاقبه لأنّ الله شديد العقاب.

الإشارة: " سبِّح لله " نزَّه الله تعالى مَن وجود الغيرية والإثنينية ما في سموات الأرواح من علوم الأحدية، ونزّهه ما في أرض النفوس والعقول من البراهين القطعية عن الشبيه والنظير. والعارف الكامل هو الذي يجمع بين التنزيه والتشبيه في ذات واحدة، في دفعة واحدة، فالتنزيه من حيث ذات المعاني، والتشبيه من حيث الأواني، أو التنزيه من حيث الجمع، والتشبيه من حيث الفرق، أو التنزيه من حيث اسمه الباطن، والتشبيه من حيث اسمه الظاهر. وانظر القشيري في مختصر الإشارات، ولعل هذا المنزع هو الذي رام الجيلاني، حيث قال في عينيته:

وإياكَ والتنزيهَ فهو مُقيّدٌ

وإياك والتشبيهَ فهو مُخَادِعُ

ص: 5

أي: لا تقف مع واحدٍ منهما، فأطلق عنان المعاني في كل ما ترى، ولا تشبه المعاني بشيء، إذ ليس مثلها ولا معها فإياك أن تنزّه المعاني عن شيء، فتقيّد عن الشهود فيه، وإياك أن تشببها بشيء؛ إذ ليس مثلها شيء في الوجود. والله تعالى أعلم. ولا يعلم هذا إلا أهل الذوق الكبير.

ثم قال تعالى: {هو الذي أخرج} الخواطر الردية، والخبائث اليهودية، من ديار القلوب، عند أول حشرها إلى الحضرة، ما ظننتم أن يخرجوا، لتمكنها من النفس، وتمرُّنها معها، وظنوا أنهم مانعتهم حصونُهم من الله، حيث تحصّنوا بتمكن العوائد ورسوخها في النفس، ومخالطة الأحباب والعشائر، والرئاسة والجاه والمال، فأتاهم الله من حيث لم يحتسِبوا، حيث قيَّض لها شيخاً عارفاً، وقذف في القلب خوفاً مُزْعِجاً، أو شوقاً مقلقاً، وقذف في قلوبهم الرعب، فخرجت تلك الخبائث قهراً، يُخربون بيوتهم، أي: بيوت ظواهرهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، أي: بإعانة المشايخ والإخوان، فطهَّروا بواطنهم من الخبائث، وخرّبوا ظواهرهم من زينة الحس، فحينئذ تعمّرت بواطنُهم بأسرار العلوم والمعارف، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وافعلوا مثل فعلهم، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء من القلوب؛ لعذّبهم في الدنيا بالحرص والجزع والطمع، ولهم في الآخرة عذاب نار القطيعة، بعد إسدال الحجاب في الدنيا، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله؛ إذ كل مخالفة إنما هي من النفس وجنودها في عالم الحكمة.

{ما قطعتم من لِّينَةٍ} ، قال القشيري: هو نوع من النخل ما عَدا العجوة والبَرْنِيّ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطعها من مال بني النضير، فقطع بعضها، فقالت اليهود: أي فائدة في هذا؟ فبقي المسلمون في الجواب، فأنزل الله هذه الآية. هـ. وأصلها: لونة، من الألوان، فقلبت ياء، وقيل: اللينة: النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين، أي: أيّ شيء قطعتم من لِينة {أو تركتموها قائمةً على أصولها} من غير أن تتعرضوا لها بشيء {فبإذن الله} ؛ فقطعها وتركها بإذن الله، {وليُخزي الفاسقين} أي: وليذل اليهود ويغيظهم أذِنَ في قطعها وقلعها وفي تركها، وأمر المؤمنين أن يحتكموا في أموالهم كيف شاؤوا. واستُدل به على جواز هدم ديار الكفرة، وقطع أشجارهم، وحرق زروعهم، إذا لم يُرج وكان فيه إنكاء للعدو. وتخصيص اللينة بالقطع ليكون غيظهم أشد.

الإشارة: قَطْعُ شجرة حب الدنيا من القلب واجب على المريد في بدايته، ولو أدّى إلى إفساد المال لإصلاح قلبه، ارتكاباً لأخف الضررين، ومنه: قضية الشبلي في إحراق

ص: 6

ثوب وقلنسوته، في حكاية التلميذ، فإذا تمكن من المعرفة خُيِّر، وله يقال: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها

} الآية. وقال القشيري بعد تفسير الظاهر: وفيه دليل على أنَّ الشرع غير مُعَلل، فإذا جاء الأمر الشرعي بَطَلَ طلب التعليل، وسكتَت الألسن عن المطالبة بـ " لِمَ " وخُطورُ الاعتراض والاستقباحِ بالبال خروج عن حدّ العرفان، والشيوخ قالوا: مَن قال لأستاذه: " لِمَ " لا يفلح، وكل مريدٍ يكون لأمثال هذه الخواطر جولان في قلبه لا يجيءُ منه شيء، ومَن لم يتجرّد قلبُه عن طلب الإعلال، ولم يباشِرْ حُسْنَ الرضا بكل ما يجري، واستحسانَ، كل ما يبدو من الغيب من الله سرّه وقلبَه فليس من الله في شيء. هـ. ومثله قول الحِكَم:" ما تَركَ مِن الجهل شيئا مَن أراد أن يُظهر في الوقت غيرَ ما أظهره الله فيه ".

قلت: جملة {وما أفاء} : شرطية معطوفة على مثلها، وهو:{ما قطعتم..} الآية، وكلتاهما إخبار وإعلام، أي: اعلموا أن ذلك القطع والترك كان بإذن الله، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم، لكنه لم يُعلم منه كيفية القسمة، فبيّنها بعدُ بقوله: {وما أفاء الله على رسوله

} الخ، وقيل: غير ذلك على ما سيأتي.

يقول الحق جل جلاله: {وما أفاء الله على رسوله منهم} أي: ما أعاده الله من مالهم، وفيه إشعار بأنه كان حقيقاً بأن يكون له صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع في أيديهم بغير حق، فردّه الله تعالى إلى مستحقه، لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخَلَقَ ما خَلَقَ ليتوسَلوا به إلى طاعته، فهو جديرٌ بأن يكون للمؤمنين. {فما أوجفتمْ عليه} أي: فما أجريتم على تحصيله وتغنيمه، من: الوجيف، وهو: سرعة السير، و " مِن " في قوله:{مِن خَيْلَ ولا رِكابٍ} زائدة لتأكيد النفي، أي: فما أجريتم على تحصيله خيلاً ولا ركاباً، وهو ما يركب من الإبل خاصة، كما أنَّ الراكب عندهم راكبها لا غير، وأمّا راكب الفرس فإنما يُسمونه فارساً، ولا واحد لها من لفظها، وإنما الواحد منها: راحلة. والمعنى: ما قطعتم لها شقةً بعيدة، ولا لقيتم مشقة شديدة، وذلك لأن قُراهم كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها مشياً، وما كان فيهم إلَاّ النبي صلى الله عليه وسلم فَفَتَحَها صُلحاً، كأنه قيل: ما أفاء الله على رسوله فما حصَّلتموه بكد اليمين ولا بعرق الجبين، {ولكنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رسلَه على مَن

ص: 7

يشاء} أي: ولكن جرت سنّة الله أن يُسلّط رسلَه على مَن يشاء من أعدائهم، وقد سلّط رسولَه صلى الله عليه وسلم تسليطاً غير معتاد، من غير أن تقتحموا الخطوب، وتُقاسموا شدائد الحروب، فلا حقّ لكم في أموالهم. {واللهُ على كل شيءٍ قدير} يفعل ما يشاء، تارة على الوجوه المعهودة، وأخرى على غيرها.

ثم بيّن قسمة الفيء، فقال:{ما أفاء اللهُ على رسوله من أهل القُرى} ، فلم يدخل العاطف؛ لأنَّ الجملة بيان للأولى، وقيل: الأولى نزلت في أموال بني النضير، وقد جعلها الله لرسوله خاصة، فقسمها على المهاجرين، ولم يُعط الأنصارَ منها، إلاّ لثلاثة، لفقرهم، أبو دُجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة، والثانية: نزلت في كل قريةٍ فُتحت عنوة، وهو الظاهر، فقال في بيان مصرف الفيء:{فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} . واختلف في قسمته، فقيل: يُسدس لظاهر الآية، ويُصرف سهم الله إلى عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل: يُخمس، وذكر الله للتعظيم، ويُصرف سهم الرسول للإمام على قولٍ، وإلى العساكر والثغور على قولٍ، وإلى مصالح المسلمين على قولٍ. وقد تقدّم في سورة الأنفال تحقيقه. وإنما بيّنا قسمته، {كي لا يكون دُولَة} أي: كي لا يكون الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء يعيشون به {دُولة بين الأغنياء منكم} أي: يتداوله الأغنياء بينهم، ويختصُّون به. والدولة: ما يدول للإنسان، أي: ما يدور له من الغنى والجدّ والغلبة وغيرها، وقيل: الدولة - بالفتح - من المُلك، وبالضم من المِلك - بالكسر-.

{وما آتاكم الرسولُ} أي: ما أعطاكموه من الفيء أو من الأمر، {فَخُذوه} فاقبلوه، أو: افعلوه، فإنه واجب، {وما نهاكم عنه} أي: عن أخذه، أو عن تعاطيه {فانتهوا} عنه، ولا تطلبوه، أو: لا تفعلوه، لَمَّا خصّ عليه السلام المهاجرين بفيء بني النضير وما حولها من القرى، قالت الأنصار: لنا معهم سهم، فنزلت {واتقوا الله} في مخالفته عليه السلام، {إنَّ الله شديدُ العقاب} لمَن خالف رسولَه صلى الله عليه وسلم، والأحسن: أن يكون عاماً في كل ما جاء به الرسول، والفيء داخل في العموم.

الإشارة: العلم على قسمين؛ علم وهبي إلهي، يفيض على رسول القلب، بمحض الفضل والجود، وهو ما يختص بأسرار الربوبية فهذا يختص به صاحبه، ولا يبذله لغيره إلاّ مَن بذل نفسه له، وإليه تُشير الآية الأولى. وعلم كسبي، يُكتسب بالجد والتشمير في تعلُّمه وأخذه، فهذا يجب بذله لعامة الناس وخاصتهم، وإليه تشير الآية الثانية. وإنما اختص علم السر بأهله كي لا يكون دُولة بين الأغنياء من أهل الظاهر، فيُبتذل ويُشتهر، وهو فساد نظام العالم. وقوله تعالى:{وما آتاكم الرسولُ فخُذوه} قال القشيري: هذا

ص: 8

أصل في وجوب متابعة الرسول، ولزوم طريقته وسنته، على ما في العلم تفصيله. والواجبُ على العبد عَرْضُ ما وقع له من الخواطر، ويُكاشَفُ به من الأحوالِ، على العلم، فما لم يقبله الكتاب والسنّة فهو ضلال. هـ.

قلت: " للفقراء " يتعلق بمحذوف، أي: يعطي، أو: اعْجَبوا، على أنه استئناف، وقيل: بدل من " ذي القربى ". و " وتبوؤوا الدارَ والإيمان " أي: وأَلِفوا الإيمان، ولا يصح العطف؛ لئلا يلزم أنّ الإيمان متبوأ، وإنما يُتبوأ المنزل؛ إذ التبوء: التهيؤ، يقال: بوأت له منزلاً، أي: هيأته له، وفي إعراب الحوفي في سورة آل عمران: يقال تبوأ فلان الدار إذا لزمها. هـ. فعلى هذا يصح العطف، ولا يحتاج إلى تقدير عاملٍ آخر. قال ابن هشام: ولا يجوز كون الإيمان مفعولاً معه؛ لعدم الفائدة في تقييد الأنصار المعطوفين على المهاجرين بمصاحبة الإيمان، إذ هو أمر معلوم. هـ. وانظر ابن جزي، فإنه هو الوجه المستحسن عنده في توجيه الآية، والمعنى: أنهم جمعوا بين الحالتين قبل المهاجرين؛ لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان، لا بنزول الدار، قال: فيكون الإيمان على هذا مفعولاً معه، وأصله لابن عطية، وبهذا الاقتراح يصح معنى قوله:{مِن قبلهم} فتأمله. انظر الحاشية.

يقول الحق جل جلاله: {للفقراءِ} أي: يعطى الفيء للفقراء {المهاجرين الذين أُخرجوا مِن دِيَارِهِم وأموالِهم} حيث اضطرهم كفارُ مكة إلى الخروج من مكة، وكانوا مائة رجل. وفيه دليل على أنَّ الكفار يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين؛ لأنّ الله تعالى سمّاهم فقراء، مع أنهم كانت لهم ديار وأموال بمكة، فخرجوا {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} أي: طالبين منه تعالى رزقاً في الدنيا، ورضا في الآخرة، أو: يطلبون الجنة ورضوان الله أو: زيادة في الإيمان والرضوان، {وينصرون اللهَ ورسولَه} أي: ناوين نصرة دين الله وإعانة رسوله، {أولئك} الموصوفون بما فصّل من الصفات الحميدة {هُم الصادقون} ؛ الراسخون في الصدق، حيث ظهر ذلك عليهم؛ بما فعلوا من مفارقة الأوطان والأهل والولدان.

ص: 9

{والذين تبوؤوا الدارَ والإِيمانَ} ، هذا استئناف مسوق لمدح الأنصار بخصال حميدة، من جملتها: محبتهم للمهاجرين، ورضاهم باختصاصهم بالفيء أكمل رضا، أي: اتخذوا المدينة والإيمان مباءة وسكناً وتمكّنوا فيهما أشد تمكين، {مِن قبلهم} أي: من قبل هجرة المهاجرين، أو تبوؤوا الدار ولزموا الإيمان، ولزومه: إخلاصه وظهور شعائره وأحكامه، ولا ريب في تقدُّم الأنصار في ذلك على المهاجرين؛ لأنّ المهاجرين لم يتأتَّ لهم أظهاره قبل الهجرة، فتقدمهم في إظهاره فقط، لا في إخلاصه؛ إذ لا يتصور تقدمهم عليهم في ذلك.

{

يُحبون مَنْ هاجر إليهم} حتى شاطروهم أموالهم، وأنزلوهم منازلهم، ونزل مَن كانت له أمَرأتانِ عن إحداهما ليتزوجها المهاجري، ومحبتهم للمهاجرين من حيث هجرتهم لنصرة الدين لشدة محبتهم للإيمان، {ولا يجدون في صُدورهم} ؛ في نفوسهم {حاجةً} أي: شيئاً محتاجاً إليه، يقال: خذ منه حاجتك، أي: ما تحتاج إليه، يعني: أنّ نفوسهم لم تتبع ما أوتوا من الفيء، ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، وقيل: حاجة: حسداً أو كزازة، مما أُعطي المهاجرون من الفيء، حيث خصّهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم به. {ويُؤثرون على أنفسهم} أي: يُقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء مَنْ أسباب المعاش، {ولو كان بهم خصاصةٌ} أي: حاجة وخلّة، وأصلها: خُصاص البيت، أي: فروجه. والجملة: حال، أي: يُؤثرون في حال خصاصتهم. قال ابن عباس: لما ظفر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير، قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم، ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة، فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نُشاركهم فيها، فنزلت. وهذا صريح في أنَّ قوله تعالى:{والذين تبوؤوا الدار} استئناف غير معطوف على الفقراء المهاجرين، نعم يجوز عطفه عليهم باعتبار شركة الأنصار للمهاجرين في الصدق، دون الفيء، فيكون قوله تعالى:{يُحبون} وما عطف عليه استئنافاً مقرراً لصدقهم، أو حال. قاله أبو السعود.

قلت: إذا جعلنا قولَه تعالى: {ما أفاء اللهُ على رسوله مِن أهل القُرى} استئنافاً غير مُبيّنِ لِما قبله، بل في كل فيء يأتي بعد بني النضير، صحّ عطف الأنصار على فقراء المهاجرين في كل شيء، وكذا قوله:{والذين جاؤوا مِن بعدهم} عطف عليهم، فيكون المعنى: يقسم الفيء للفقراء المهاجرين، وللذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، وللذين جاؤوا مِن بعدهم. ويؤيد هذا ما رُوي أنّ عمر رضي الله عنه لمّا قرأ هذه الآية إلى آخرها قال: هذه الآية استوعبت المسلمين، ما على وجه الأرض مسلم إلَاّ وله في هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيْمَانهم. هـ.

وقيل: نزلت في ضيفٍ نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يجد عنده شيئاً، فقال صلى الله عليه وسلم: " مَن يُضيف

ص: 10

هذا؟ " فقال: رجلٌ من الأنصار - قيل: أبو طلحة، أنا يا رسول الله، فلم يجد من الطعام إلاّ ما يكفي الصبية، فقال لامرأته: نوّمي الصبيان، وأطِفئي السراج، وقرّبي الطعام، فنظهر للضيف أنَّا نأكل معه، ونمضغ ألسنتنا ليأكل، فأكل الضيف وحده، فلما أصبح قال صلى الله عليه وسلم للرجل: " إنَّ الله ضحك مِن فعلكما " عن أنس: أُهدي لبعضهم رأس مشويّ، وهو مجهود، فَوَجَّهه إلى جارِه، وجارُه وَجَّهَه إلى جارِه، فتداولته تسعةُ أنْفُس، حتى عاد إلى الأول.

{

ومَن يُوق شُحَّ نفسه} أي: مَن يقيه الله شحَّ نفسه حتى يغالبها فيما يغلب عليها، مِن حب المال وبُغضَ الإنفاق، {فأولئك هم المفلحون} ؛ الفائزون بكل مطلوب، والناجون من كل مرهوب. والشح - بالضم والكسر -: اللُّؤم، وأن تكون نفس الرجل كزّةً حريصة على المنع. وإضافته إلى النفس لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهم المنع نفسه، وقيل: الشُح: أكل مال أخيك ظلماً، والبخل: منع مالك، وقيل: الشُح: منع ما عندك والطمع في غيرك، والبُخل: منع مالك من غير طمع، فالشُح أقبح من البخل. والجملة: اعتراض وارد لمدح الأنصار بالسخاء، بعد مدحهم بالإيثار. وجميع الإشارة باعتبار " مَن " لأنها واقعة على الجمع.

ثم ذكر التابعين، فقال:{والذين جاؤوا مِن بعدهم} هم التابعون بإحسان إلى يوم القيامة، وقيل: هم الذين هاجروا بعدما قوي الإسلام، {يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} ، وصفوهم بذلك اعترافاً بفضلهم، وعن عائشة رضي الله عنها:" أُمِرُوا بأن يستغفروا لهم، فسبُّوهم "{ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ} أي: حقداً وعداوة {للذين آمنوا} على الإطلاق، {ربنا إِنك رؤوف رحيم} ؛ مبالغ في الرأفة والرحمة، فأنت حقيق بأن تجيب دعاءنا برأفتك ورحمتك.

الإشارة: الذين يستحقون المواهب، والفيض الإلهي والاصطفاء، ثلاث أصناف، الأول: الفقراء الذين هاجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم وعشائرهم؛ طلباً لصلاح قلوبهم وأسرارهم، والثاني: القوم الذين نزلوا بهم إذا آووهم وآثروهم بأموالهم وأنفسهم، الثالث: مَن جاء بعدهم طلباً لذلك، على الوصف الذي ذكره الحق {يقولون ربنا اغفر لنا

} الخ. قال الورتجبي: قوله تعالى: {والذين تبوؤوا الدارَ والإيمان

} الخ، أثنى الله سبحانه على الفقراء، ووصَفَهم بأحسن الوصف، إذ كانوا صادقين في فقرهم، ثم أثنى على الأغنياء لِصدقهم في غناهم، ووصَفَهم بالإيمان والمعرفة بالله من قبلهم ولزومهم مواضع قربه، وخفضِهم جناحهم لإخوانهم من الفقراء، ومحبتهم، وتقديسهم من الحسد والشح والبُغض وحب الدنيا، ثم وَصَفَهم بالسخاء والإيثار، فلم يبقَ في قلوبهم من حب

ص: 11

الدنيا وجاهها ذرة. ومَنْ سجيتُه مقدسة مِن حرص نفسه أفلح وظفر برؤية ربه. هـ. قلت: كأنه يشير إلى أنَّ قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} هم أهل السير من المريدين، وقوله تعالى: {والذين تبوؤوا الدار

} هو الواصلون العارفون، أي: تبوؤوا دارَ المعرفة، حيث سكنوها، ورسخوا فيها، وأَلفِوا الإيمان وذاقوا حلاوته.

وقوله تعالى: {ويُؤثرون على أنفسهم

} الخ، بعد أن وَصَفَهم بقطع الطمع والحرص، والزهد فيما لم يملكوا بقوله:{ولا يجدون في صدورهم حاجة} وَصَفَهم بالإيثار فيما ملكوا، وبذلك يتم تحقيق خروج الدنيا من قلوبهم، بحيث لا يتعلق القلب بما فات منها، ولا يُمسك ما وجد منها، بل يُؤثر به مع الحاجة إليه، فالآية تشير إلى سلامة الصدور، وسخاوة الأنفس، وهذا كان وصف الصحابة رضي الله عنهم وبهذين الخصلتين فاقوا جميعَ الناس، وهي أخلاق الصوفية رضي الله عنهم قال الشيخ أبو يزيد: ما غلبني أحد غير شاب من بَلْخ، قَدِمَ حاجًّا، فقال: يا أبا يزيد، ما الزهد عندكم؟ فقلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، فقال: هكذا عندنا الكلاب ببلخ، فقلت: وما الزهد عندكم؟ فقال: إذا وجدنا آثرنا، وإذا فقدنا شكرنا. هـ. وسُئل ذو النون: ما حد الزاهد المشروح صدره؟ فقال: ثلاثة؛ تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. هـ.

يقول الحق جل جلاله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا} أي: ألم ترَ يا محمد، أو: يا مَن يسمع، إلى عبد الله بن أُبيّ وأشياعه؟ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى:{يقولون} استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو: لاستحضار صورته. واللام في قوله: {لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} للتبليغ، والمراد بالأخوة: أخوة الكفر، واللام في قوله:{لئن أُخرجتم} موطئة للقسم، و {لنَخَرُجَنَّ} جوابه، أي: والله لئن أُخرجتم من دياركم

ص: 12

{لنَخْرُجَنَّ معكم} ، رُوي أن ابن أُبي وأصحابه دسُّوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أُخرجتم لنخرُجن معكم، {ولا نُطيعُ فيكم} ؛ في قتالكم {أحداً أبداً} ، يعني رسول الله والمسلمين، أو: لا نُطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحداً، وإن طال الزمان، {وإن قُوتلتم لننصرنكم} ، قال تعالى في تكذيبهم:{واللهُ يشهد إنهم لكاذبون} في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة.

{لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قُوتلوا لا ينصرونهم} ، وكان الأمر كذلك، فلم يقدر أحد أن يرفع رأسه لنصرتهم، ففيه معجزة واضحة، {ولئن نصروهم} على الفرض والتقدير، {ليُوَلُّنَّ الأدبارَ} فراراً {ثم لا يُنصرون} أبداً، إما المنافقون أو اليهود، أي: لا تكون لهم شوكة أبداً. وإنما قال: {ولئن نصروهم} بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم، أي: على الفرض والتقدير كقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، والحق تعالى كما يعلم ما يكون، يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون.

{

لأنتم أشدُّ رهبةً} أي: أشد مرهوبية، مصدر: رُهِبَ، المبني للمفعول، أي: أنتم أشد خوفاً {في صُدورهم من الله} دلالة على نفاقهم، يعني: إنهم يُظهرون لكم في العلانية خوفَ الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله، {ذلك} أي: ما ذكر من كون رهبتهم منكم أشد من رهبة الله {بأنهم قوم لا يفقهون} شيئاً حتى يعلموا عظمة الله تعالى، فيخشوه حق خشيته.

{لا يُقاتلونكم} أي: اليهود والمنافقون، أي: لا يقدرون على قتالكم {جميعاً} ؛ مجتمعين متفقين في موطن من المواطن، {إلاّ في قُرىً محصنةٍ} ، بالدُّروب والخنادق، {أو مِن وراء جُدُر} دون أن يصحروا ويبارزوكم؛ لفرط رهبتهم. وقرأ المكي:" جدار " بالإفراد. {بأسُهم بينهم شديدٌ} ، بيان لِما ذكر من أنَّ رهبتهم ليس لضعفهم وجُبنهم في أنفسهم، فإنّ بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد، وإنما ضعفُهم وجبنهُم بالنسبة إليكم، بما قذف الله تعالى في قلوبهم من الرعب.

{تَحْسَبُهم} أي: المنافقين واليهود {جميعاً} أي: مجتمعين ذوي أُلفة واتحاد، {وقلوبُهم شَتَّى} ؛ متفرقة لا أُلفة بينها. قال ابن عطية: وهذه حالة الجماعة المتخاذلة. هـ. يعني: أنّ بينهم إحناً وعداوات، فلا يتعاضدون حقَّ التناصر ولا ينصرون أبداً. قال القشيري: اجتماع النفوس مع تنافر القلوب أصلِ كل فساد، وموجب كل تخاذل، واتفاق القلوب، والاشتراك في الهمّة، والتساوي في القصد، يُوجب كلٍّ ظفرٍ وسعادة. هـ. وما وَصَف به الحق تعالى المنافقين واليهود كله تجسير للمؤمنين، وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. {ذلك} التفرُّق {بأنهم قوم لا يعقلون} شيئاً، حتى يعرفوا الحق ويتبعوه، وتطئمن به قلوبهم، وتتحد كلمتهم، ويَرمُوا عن قوس واحدة، لكن لّمَّا جهلوا الحق

ص: 13

تشتتت طُرُقهم، وتشتتت القلوب حسب تشتُّت الطُرق، وأما ما قيل من أنَّ المعنى: لا يعقلون أنّ تشتيت القلوب مما يُوهن قلوبهم، فبعيد.

الإشارة: إذا حاصر المريدُ قريةَ القلب ليُخرج منها الأوصاف المذمومة لتتهيأ لسكنى سلطان المعرفة، تقول الحظوظ والأهوية المنافقة للنفس، وأوصافها اليهودية: لا تخرجوا، فنحن نُعاونكم، وفي نصرتكم، لئن أُخرجتم لنخرجنَّ معكم، ولا نُطيع فيكم أحداً أبداً، وإن قوتلتم بالمجاهدة والرياضة؛ لننصرنكم بالتخاذل والتثُّبط، والله يشهد أنهم لكاذبون؛ إذ لا قدرة لشيء إلاّ بإذن الله. {لئن أُخرجوا لا يخرجون معهم

} الآية. لا يقاتلونكم جميعاً، أي: لا يجتمع جند الهوى النفس على قتالكم، إلاّ في قلوب غافلة، شديدة العلائق والمساوىء محصنة من دخول النور بأسوار الشواغل والعلائق، أو: تُوَسْوِس من وراء جُدُر الإيمان، وأما القلوب الفارغة من الشواغل، المطهرة من المساوئ، فإنما يقاتلها البعض الباقي فيها. بأسهم بينهم شديد، أي: الحرب بينهم سجال، إذا غلب جند النفس استولت ظلماتها على الروح، وإذا غلب جند القلب والروح استولى النورُ على ظلمة النفس، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، أي: تظنون أنَّ مهاوي الهوى ومهاوي النفس واحدة، وقلوبهم شتى، فالأهواء مختلفة، والحظوظ متفاوتة، والمساوىء متفرقة، فلكل شخص حظ، ولكل نفس هوى غير ما يشتهي الآخر، وذلك بأنهم قوم لا يعقلون، ولو عقلوا لاتفقت أهواؤهم في محبة الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم:" لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يكُون هواه تابعاً لما جئتُ به ".

يقول الحق جل جلاله: مَثَلهم، أي: مثل اليهود في حلول البأس بهم {كَمَثَلِ الذين مِن قبلهم} وهم أهل بدر {قريبًا} أي: استقر مِن قبلهم زمنًا قريبًا، فكانت غزوة بني النضير على رأس ستة أشهر من بدر، كما صدر به البخاري عن الزهري. ثم قال: وجعله ابن إسحاق بعد بئر معونة وأُحد. هـ. قلت: وهو الموافق لِما تقدم في صدر السورة، وهو المشهور، {ذاقوا وبالَ أمرِهم} أي: ذاقوا سوء عاقبة أمرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القتل في الدنيا، {ولهم} مع ذلك في الآخرة {عذابٌ أليمٌ} .

ومَثَل المنافقين {كَمَثَلِ الشيطانِ إِذ قال للإِنسان اكْفُرْ فلما كفر قال إِني بريء منك

ص: 14

إِني أخاف اللهَ ربَّ العالمين} أي: مثل المنافقين في أغوائهم اليهود على القتال، ووعدهم إياهم النصر، ثم مشاركتهم لهم وخذلانهم كمثل الشيطان إذ استغوى الإنسان بكيده، ثم تبرّأ منه في العاقبة. وقيل: المراد: استغواؤه قريشًا يوم بدر، وقوله:{لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} [الأنفال: 48] إلى قوله: {إِنِّي بَرِياءٌ مِّنْكُمْ} [الأنفال: 48] . قال أبو السعود: وقد أجمل في النظم الكريم، حيث أسند كُلاًّ من الخبرين إلى المقدّر المضاف إلى ضمير الفريقين من غير تعيين ما أسند إليه بخصوصه، ثقةً بأنّ السامع يَرُد كُلاًّ مِن المثالين إلى ما يُماثله، كأنه قيل: مَثَل اليهود في حلول العذاب، كمَثَل الذين من قبلهم

الخ، ومثل المنافقين في إغرائهم إياهم على القتال حسبما تقدّم عنهم كمثل الشيطان

الخ. هـ. {فكان عَاقِبتهما} أي: عاقبة الإنسان الكافر والشيطان، {أنهما في النار خالِدَيْن فيها} ، فـ " عاقبتهما ": خبر كان، و " أنهما " اسمها، و " خالِدَين ": حال. {وذلك جزاءُ الظالمين} أي: الخلود في النار جزاء كل ظالم. وذكر الثعلبي هنا قصة برصيصا الراهب الطويلة، فانظرها فيه، ففيها عبرة، وقيل: فيه نزلت الآية.

الإشارة: مثل الأوصاف المذمومة حيث ترد عليها أنوار الشهود؛ كمثل كفار قريش حين استولت عليها الأنصار والمهاجرون، وأمدّهم الله بملائكة السماء، فهزموهم وقتلوهم، ودفنوهم في القليب، ومثل النفوس الأمّارة وجنودها، كمثل الشيطان يوسوس بالمعاصي، ثم يرجع، فكان عاقبتهما إذا أطاعه الإنسان أنهما في النار القطيعة خالدَين فيها، وذلك جزاء الظالمين لنفوسهم، حيث حرموها الوصول. والله تعالى أعلم.

يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} في كل ما تأتون وتذرون، {ولتنظرْ نَفْس ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ} أي: أيّ شيء قدمت من الأعمال الصالحة ليوم القيامة. سمّاه باليوم الذي يلي يومك تقريبًا له، أو عبّر عن الآخرة بالغد، كأنّ الدنيا والآخرة نهاران يوم وغد، وتنكيره لتفخيمه وتهويله، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لغاية عِظمه. وعن مالك بن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدّمنا، خسرنا ما خلفنا. {واتقوا اللهَ} ، كرر تأكيدًا للأمر بالتقوى، أو الأول في أداء الواجبات، كما يشعر به ما بعده من الأمر بالعمل، وهذا في ترك المعاصي، كما يؤذن به الوعيد في قوله:{إِنَّ الله خبير بما تعملون} أي: من المعاصي.

{ولا تكونوا كالذين نَسُوا اللهَ} أي: نسوا حقوقه تعالى أو: تركوا ذكره، {فأنساهم أنفسهم} ؛

ص: 15

فأهملهم ولم يذكرهم بتوفيقِ ولا هداية، أو: جعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها، أو: أراهم يوم القيامة من الأهوال ما أنساهم أنفسهم، {أولئك هم الفاسقون} ؛ الكاملون في الفسق.

{لا يستوي أصحابُ النار} الذي نسوا الله فاستحقُّوا الخلود في النار {وأصحابُ الجنة} الذين اتقوا الله، فاستحقُّوا الخلود في الجنة، {أصحابُ الجنة هم الفائزون} ، وهذا تنبيه وإيقاظ وإيذان بأن غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم، على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لايعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبَوْن العظيم بين أصحابها، وأنَّ الفوز العظيم لأصحاب الجنة، والعذاب الأليم لأصحاب النار، فمِن حقهم أن يعلموا وينتبهوا له، كما تقول لمَن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة مَن لا يعرفه؛ لتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطُّف. واستدل بالآية على أنّ المسلم لا يُقتل بالكافر، وأنَّ الكفار لا يملكون أموال المسلمين، ورُدَّ بأنَّ عدم الاستواء إنما هو في الأحوال الأخروية، لا الدنيوية. والله تعالى أعلم.

الإشارة: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} ، أن تشهدوا معه سواه {ولتنظر نفس ما قدمت لغدٍ} من المعرفة، فإنّ الشهود يوم القيامة على قدر المعرفة هنا، " واتقوا الله " فلا تؤثروا عليه سواه، {ولا تكونوا كالذين نسوا الله} أي: ذكره والتوجه إليه، " فأنساهم أنفسهم " أي: غيّبهم عن إصلاحها وعلاجها، حتى ماتت في أودية الخواطر والشكوك، " أولئك هم الفاسقون " الخارجون عن الحضرة المقدسة. " لا يستوي أصحاب النار " أي: نار القطيعة والحجاب " وأصحاب الجنة " أي: جنة المعارف، " أصحاب الجنة هم الفائزون " بكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب.

يقول الحق جل جلاله: {لو أنزلنا هذا القرآن} العظيم الشأن، المنطوي على فنون القوارع، {على جبلٍ} من الجبال، مع كونه علَماً في القسوة وعدم التأثير بما يُصادمه، {لَرَأيته خاشعًا} ؛ خاضعًا متصدِّعًا متشققًا {من خشية الله} أي: من شأن القرآن وعظمته أنه لو جُعل في الجبل تمييز، ونزل عليه، لخضع وتطأطأ وتشقق من خشية الله، وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه من المواعظ، كما ينطق به قوله تعالى:{وتلك الأمثالُ نضربها للناس لعلهم يتفكرون} ، وهي إشارة إلى هذا المثل، وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل. والمراد: توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشُّعه عند تلاوة

ص: 16

القرآن، وتدبُّر قوارعه وزواجره.

الإشارة: قال ابن عطاء: أشار إلى فضله على أوليائه وأهل معرفته، أنَّ شيئًا من الأشياء لا يقوم لصفاته، ولا يبقى مع تجلَّيه، إِلاّ مَن قوّاه الله على ذلك، وهو قلوب العارفين. هـ. قلت: وهذا في تجلِّي الصفات، فما بالك بتجلِّي الذات؟ ! فلا يطيقه إلاّ قلوب الراسخين المقربين، وقال العارف الورتجبي: لو كانت الجبالُ مقامَ الإنسان في الخطاب لتدكدكت الجبال، وتذرّرت، وانفلتت الصخور الصم، وانهدمت الشامخات العاليات، في سطوات أنواره، وهجوم سنا أقداره، وذلك بأنها عرفت حقيقةً، وأقرت بالعجز عن حمل هذا الخطاب العظيم حيث قال سبحانه:{فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: 72] . قلت: وكأنه يُشير إلى أن تجلي صفة كلامه من جملة الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبيْنَ أن يحملنها، وهذه الأمانة هي تجلِّي الذات وتجلِّي الصفات، فلم يطق حملها إلَاّ الإنسان الكامل، وهو العارف الحقيقي، أما عن تجلِّي الذات فقد أشفقت مِن حمله السمواتُ والأرضُ والجبالُ، حسبما تقدّم. أما تجلِّي الصفات؛ فذكر هنا أنه لو تجلّت للجبل لخضع وتشقّق ولم يطق حملها، فلو زالت حُجب الغفلة عن القلوب لذابت من هيبة تجلِّي صفة كلامه وخطابه تعالى، إلَاّ أنَّ الله تعالى قَوَّى قلوب أوليائه حتى أطاقوا شهود ذاته، وسماع خطابه، بعد انقشاع الحُجب عن قلوبهم. ثم قال الورتجبي: ولا تخض يا أخي في بحر كلام المتكلمين أنَّ الجبال ليس لها عقل، فإِنَّ هناك أرواحًا وعقولاً لا يعلمها إلَاّ الله {يَآجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سَبَأ: 10] ولولا هناك ما يقبل الخطاب لما خاطبها، فإنَّ ببعض الخطاب ومباشرة الأمر تهبط من خشية الله، قال الله تعالى:{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74] والخشية: مكان العلم بالله وبخطابه. هـ. قلت: أسرار المعاني القائمة بالأواني سارية في الجمادات وغيرها، فهي عاقلة عالمة في باطن الأمر.

والله تعالى أعلم.

يقول الحق جل جلاله: {هو اللهُ الذي لَا إِله إِلاّ هُوَ} وحده {عَالِمُ الغيبِ والشهادة} أي: ما غاب عن الحس من الأسرار القديمة، وما حضر له من الأجرام الحسية. قال الورتجبي: أي: عالم بالمعلومات الغيبية قبل وجودها، وبعد وجودها، لا يزيد علمه بالغيب علمه بالعلانية، لا علمه بالعلانية علمه بالغيب. هـ. وتقديم الغيب على

ص: 17

الشهادة لتقدُّمه في الوجود، وتعلُّق العلم القديم به، أو: المراد بالغيب: المعدوم، وبالشهادة: الموجود، أو السر والعلانية، {هو الرحمنُ الرحيم} أي: الرحمن بجلائل النِعم، والرحيم بدقائقها، أو: الرحمن بنعمة الإيجاد، والرحيمُ بنعمة الإمداد.

{هو اللهُ الذي لَا إله إِلَاّ هُوَ} ، كرر لإبراز الاعتناء بأمر التوحيد، {الملكُ} ؛ المتصرف بالإطلاق، الذي لا يزول مُلكه أبدًا، {القدوسُ} ؛ البليغ في النزاهة عما لا يليق به. وقُرىء بالفتح، وهي لغة فيه، {السلام} ذو السلامة من كل نقص، أو: الذي يَسلم الخلق من ظلمه، أو: ذو السلام على أوليائه يوم القيامة، {المؤمنُ} ؛ واهب الأمْن، أو: المؤمن مِن عذابه مَن أطاعه، أو المصدِّق لعباده إذا وحّدوه، أو: المصدِّق للرسل بالمعجزات، {المهيمِنُ} ؛ الرقيب الحافظ لكل شيء مُفَيْعِل، من: الأمن، بقلب همزته هاء، {العزيزُ} ، الغالب الذي لا يُغلب، {الجبَّارُ} الذي جَبَرَ خلقه على ما أراد، أو: جبر أحوالهم، أي: أصلحها، {المتكبّر} الذي تكبّر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصًا، أو: البليغ الكبرياء والعظمة. {سبحان الله عما يشركون} ، نزَّه ذاته عما يصفه به المشركون إثر تعداد صفاته التي لا يمكن أن يُشارَك في شيءٍ منها أصلاً.

{هو اللهُ الخالقُ} ؛ المقدّر للأشياء على مقتضى حكمته، {البارىء} ؛ الموجد لها بريةً من التفاوت؛ وقيل: المميِز بعضها من بعض بالأشكال المختلفة، {المُصَوِّر} ؛ الموجد لصورها وكيفيتها كما أراد. قال الغزالي: الخالق من حيث إنه مُقدِّر، البارىء من حيث إنه مُوجد، المصوِّر، مِن حيث أنه مُصَوِّر صور المخترعات أحسن ترتيب، ومُزيّنها أحسن تزيين. هـ. قلت: وحاصل كلامه: أن الخالق يرجع للإرادة، والبارىء للقدرة، والمُصَوِّر للحكمة، والأحسن: أن يُقال: إنّ الخالق: المخترع للأشياء من غير أصل، البارىء: المهيىء كلَّ ممكن لقبول صورته، فهو من معنى الإرادة؛ إذ متعلّقه التخصيص، المُصَوِّر: المُعطي كل مخلوق ما هيىء له من صورة وجوده بحكمته، فهو معاني اسمه " الحكيم ".

{

له الأسماءُ الحسنى} لدلالتها على المعاني الحسنة، وتقدم عدها في آخر الإسراء. {يُسبح له ما في السمواتِ والإرض} ؛ ينطق بتنزيهه عن جميع النقائص تنزيهًا ظاهرًا، {وهو العزيزُ} لا يُغلب، {الحكيمُ} الذي لايمكن الاعتراض عليه في شيء من تقديراته. ختم السورة بما بدأ به من التسبيح. عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سألت حبيبي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم؟ فقال: " عليك بآخر الحشر، فأَكْثِر قراءته "، فأعدتُ عليه، فأعاد عليّ فأعدت عليه، فأعاد عليّ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَن قَالَ حِينَ يُصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السيمع

ص: 18

العليم، من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّلَ اللهُ سبعين ألف ملك يُصلُّون عليه حتى يُمسي، فإذا مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومَن قالها حين يُمسي كان بتلك المنزلة " رواه الترمذي. وأسند ابن جزي حديثًا إلى عبد الله بن مسعود: أنه قال: قرأتُ على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال:" ضع يدك على رأسك " قلت: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: " أقرأني جبريلُ القرآنَ، فلما انتهيت إلى آخر الحشر، قال: ضع يدك على رأسك يا محمد، قلت: ولمَ ذاك؟ قال: إنَّ الله تبارك وتعالى افتتح القرآن فضرب فيه، فلما انتهى إلى آخر الحشر، أمر الملائكة أن تضع يدها على رؤوسها، فقالت: يا ربنا ولِمَ ذلك؟ قال: لأنه شفاء من كل داء إلا السام " وسمعتُ من شيخنا الفقيه الجنوي أنه حديث ضعيب، يعمل به الإنسان وحده، فإذا كان مع الناس تركه، لئلا تعتقد العامة أنه مندوب أو واجب. هـ.

الإشارة: قد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير كيفية التعلُّق والتخلُّق والتحقُّق بهذه الأسماء. وقال الورتجبي: بيّن بقوله: " الأسماء " أنَّ لذاته النعوت والأسامي القديمة المقدسة عن الإشراك والإدراك، فلما ظهر بهذه الأوصاف أظهر أنوار صفاته في الآيات، وألبس أرواح نوره الأرواح والأشباح والأعصار والأدهار والشواهد والحوادث، فسبّحه الكلُّ بألسنة نورية غيبية صفاتية، لقوله: {يُسبح له

} الآية، قلت: أرواح نوره هي أسرار ذاته اللطيفة السارية في الأشباح والأرواح والجمادات وجميع الموجودات، التي بها قامت. قال: ثم بيّن أنه منزّه بتنزيهه عن تنزيههم وإدراكهم وعلمهم بقوله: {وهو العزيز الحكيم} العزيز عن الإدراك، الحكيم في إنشاء الأقدار. تعالى الله عما أشار إليه الواصف الحدثاني واللسان الإنساني. هـ.

ص: 19