الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَده ابراهيم بِالسَّبَبِ الَّذِي قدمنَا ذكره ثمَّ مَاتَ هُوَ بعده بِقَلِيل وَذَلِكَ في أول الْمحرم سنة 824 أَربع وَعشْرين وثمان مائَة قَالَ العيني لما مَاتَ كَانَ في الخزانة ألف ألف دِينَار وَخَمْسمِائة ألف دِينَار من الذَّهَب وَجمع ابْن ناهض سيرته في مُجَلد حافل قرّظه لَهُ كل عَالم وأديب وَكَانَ يجل الشَّرْع وَلَا يُنكر على من مضى من بَين يَدَيْهِ طَالبا للشَّرْع بل يُعجبهُ ذَلِك وينكر على أمرائه مُعَارضَة الْقُضَاة فِي أحكامهم غير مائل إِلَى شئ من الْبدع لَهُ قيام في اللَّيْل وَكَانَ يعاب بالشح والحسد وَكَثْرَة الْمَظَالِم الَّتِى أحدثها وَاتفقَ في مَوته موعظة فِيهَا أعظم عِبْرَة وهي أنه لما غسل لم تُوجد منشفة ينشف بهَا فنشف بمنديل بعض من حضر غسله وَلم يُوجد لَهُ مئزر يستر عَوْرَته حَتَّى أَخذ لَهُ مئزر صوف من فَوق رَأس بعض جواريه وَلم يُوجد لَهُ طاسة يصب عَلَيْهِ بهَا المَاء مَعَ كَثْرَة مَا خَلفه من أَنْوَاع المَال وَله مآثر كالجامع الذي بِبَاب زويلة قيل أَنه لم يعمر مثله في الإسلام بعد الْجَامِع الأموي وَله مدارس وسبل ومكاتب وجسور
حرف الصَّاد الْمُهْملَة
199 -
صَالح بن صدّيق النمّازي بالنُّون والزاي الخزرجي الأنصاري الشافعي
رَحل إلى زبيد فاخد عَن جمَاعَة من علمائها وَمن جملَة مشايخه عبد الرَّحْمَن بن على الديبع ثمَّ عَاد الى وَطنه مَدِينَة صَبيا فَلم يطب لَهُ الْمقَام بهَا فَرَحل إلى حَضْرَة الإمام شرف الدَّين ولازمه وَحضر مجالسه وَشرح
الأثمار شرحاً مُفِيدا وَمَات بِمَدِينَة جبلة سنة 975 خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة
200 -
السَّيِّد صَالح بن عبد الله بن علي بن دَاوُد بن الْقَاسِم بن ابراهيم ابْن الْقَاسِم بن إبراهيم بن الأمير مُحَمَّد ذي الشرفين الْمَعْرُوف بِابْن مغل
ولد في رَجَب سنة 960 سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة في بلد حبور من جِهَة ظليمة واتصل بالإمام الْحسن بن علي بن دَاوُد الْمُتَقَدّم ذكره ثمَّ اتَّصل بعده بالإمام الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَولده الْمُؤَيد بِاللَّه وَكَانَ يكْتب للائمة في جَمِيع مَا ينوبهم وَله فصاحة ورجاحة وَتعبد وتأله وَله شعر فألق فَمِنْهُ القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِى أَولهَا
(ضَاعَ الْوَفَاء وضاعت بعده الهمم
…
وَالدّين ضَاعَ وَضاع الْمجد وَالْكَرم)
(والجور في النَّاس لَا تخفى معالمه
…
وَالْعدْل من دونه الاستار وَالظُّلم)
(وكل من تَابع الشَّيْطَان مُحْتَرم
…
وكلّ من عبد الرَّحْمَن مهتضم)
وهي طَوِيلَة وفيهَا مواعظ وَاسْتمرّ مُتَّصِلا بالأئمة قَائِما بأعمالهم
على أوفر حُرْمَة حَتَّى مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع رَجَب سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف بشهارة وقبر عِنْد قبر جده ذي الشرفين مُتَّصِلا بقبره من جِهَة الشرق
201 -
صَالح بن عمر بن رسْلَان بن نصير بن صَالح علم الدَّين العسقلاني البلقيني الأَصْل
القاهري الشافعي ولد في لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى سنة 791 إحدى وَتِسْعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ وَنَشَأ بهَا في كنف وَالِده سراج الدَّين فحفظ الْقُرْآن والعمدة وألفية النَّحْو ومنهاج الأصول والتدريب لأبيه والمنهاج وَأخذ عَن أَبِيه والزين العراقي وَالْمجد البرماوي والبيجوري والعز بن جمَاعَة والولى العراقى والحافظ بن حجر وَغير هَؤُلَاءِ من مَشَايِخ عصره في فنون عدَّة ودرس وَأفْتى وَوعظ حَتَّى قَالَ بعض أهل الْأَدَب
(وعظ الأنام إمامنا الحبر الذي
…
سكب الْعُلُوم كبحر فضل طافح)
(فشفى الْقُلُوب بعلمه وبوعظه
…
والوعظ لَا يشفي سوى من صَالح)
ثمَّ اسْتَقر بعد صرف شَيْخه الولي العراقي في قَضَاء الشَّافِعِيَّة بالديار المصرية في سادس ذي الْحجَّة سنة 826 فأقام سنة وَأكْثر من شهر ثمَّ صرف وتكرر عوده ثمَّ صرفه حَتَّى كَانَت مُدَّة ولَايَته في جَمِيع المدد
ثَلَاث عشرَة سنة وَنصف سنة وَكَانَ إماماً فَقِيها قوي الحافظة كثير التودد بساماً طلق الْمحيا مهاباً لَهُ جلالة وَوَقع في صُدُور الْخَاصَّة والعامة يتحاشى اللحن في مخاطباته بِحَيْثُ لَا يضْبط عَلَيْهِ في ذَلِك شَاذَّة وَلَا فاذة سريع الْغَضَب وَالرُّجُوع سليم الصَّدْر وَقد مدحه عدَّة من شعراء عصره وطارت فَتَاوِيهِ في الْآفَاق وَأخذ عَنهُ الْفُضَلَاء من كل نَاحيَة طبقَة بعد أُخْرَى حَتَّى صَار أَكثر الْفُضَلَاء تلامذته وصنّف تَفْسِيرا وشرحا على البخاري وَلم يكمله وأفرد فَتَاوَى أَبِيه والمهم من فَتَاوِيهِ وأكمل تدريب أَبِيه وَله القَوْل الْمُفِيد في اشْتِرَاط التَّرْتِيب بَين كلمتي التَّوْحِيد وَله نظم ونثر فِي الرُّتْبَة الْوُسْطَى وَمَات يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس رَجَب سنة 868 ثَمَان وَسِتِّينَ وثمان مائَة
202 -
صَالح بن مُحَمَّد بن عبد الله العنسي ثمَّ الصنعاني
ولد تَقْرِيبًا على رَأس الْقرن الثاني عشر وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أهل الْعلم واستفاد لاسيما في علم الحَدِيث وَرِجَاله فإنه قوي الْفَائِدَة فِيهِ جيد الإدراك لَهُ وَهُوَ من صالحي الفتيان ونجباء شُبَّان الزَّمَان وَله قِرَاءَة عليّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسنَن أَبى دَاوُد وفي بعض مؤلفاتي
203 -
صَالح بن مُحَمَّد بن قلاون
ولد سنة 728 ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة وَولى السلطنة بعد خلع النَّاصِر حسن في جُمَادَى الآخرة سنة 752 وَلكنه لَا تصرف لَهُ
وَإِنَّمَا التَّصَرُّف للأمراء ثمَّ خلع عَن السلطنة في شهر شَوَّال سنة 755 وَكَانَ قوي الذكاء يعرف عدَّة صناعات وَحبس بعد خلعه بالقلعة عِنْد أمه إِلَى أَن مَاتَ فِي صفر سنة 762 اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَمن مآثره الْحَسَنَة الْوَقْف الَّذِي وَقفه بالديار المصرية على كسْوَة الْكَعْبَة
204 -
صَالح بن مهدي بن علي بن عبد الله بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن سُلَيْمَان بن أسعد بن مَنْصُور المقبلي ثمَّ الصنعاني ثمَّ المكي
ولد فِي سنة 1047 سبع وَأَرْبَعين وَألف في قَرْيَة الْمقبل من أَعمال بِلَاد كوكبان وَأخذ الْعلم عَن جمَاعَة من أكَابِر عُلَمَاء الْيمن مِنْهُم السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إبراهيم بن الْمفضل كَانَ ينزل للْقِرَاءَة عَلَيْهِ من مَدِينَة ثلا إِلَى شبام كل يَوْم وَبِه تخرج وانتفع ثمَّ دخل بعد ذَلِك صنعاء وَجَرت بَينه وَبَين علمائها مناظرات أوجبت المنافرة لما فِيهِ من الحدة والتصميم على مَا تَقْتَضِيه الأدلة وَعدم الِالْتِفَات إِلَى التَّقْلِيد ثمَّ ارتحل إِلَى مَكَّة وَوَقعت لَهُ امتحانات هُنَالك وَاسْتقر بهَا حَتَّى مَاتَ في سنة 1108 ثَمَان واحدى عشرَة مائَة كتبت مولده فِيمَا علق بذهني من كتبه فإنه ذكر فِيهَا مَا يُفِيد ذَلِك وَهُوَ مِمَّن برع في جَمِيع عُلُوم الْكتاب وَالسّنة وحقق الاصولين والعربية والمعانى وَالْبَيَان والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وفَاق في جَمِيع ذَلِك وَله مؤلفات مقبولة كلهَا عِنْد الْعلمَاء محبوبة إليهم متنافسون فِيهَا ويحتجون بترجيحاته وَهُوَ حقيق بذلك وَفِي عباراته قُوَّة وفصاحة وسلاسة تعشقها الأسماع وتلتذ بهَا الْقُلُوب ولكلامه وَقع فِي الأذهان قلّ أَن يمعن في مطالعته من لَهُ فهم فَيبقى على التَّقْلِيد بعد ذَلِك وَإِذا رَأْي كلَاما متهافتاً زيّفه ومزّقه بِعِبَارَة عذبة حلوة وَقد أَكثر الْحَط على الْمُعْتَزلَة فِي بعض
الْمسَائِل الكلامية وعَلى الأشعرية فِي بعض آخر وعَلى الصُّوفِيَّة في غَالب مسائلهم وعَلى الْفُقَهَاء في كثير من تفريعاتهم وعَلى الْمُحدثين فِي بعض غلوهم وَلَا يبالي إِذا تمسّك بِالدَّلِيلِ بِمن يُخَالِفهُ كَائِنا من كَانَ فَمن مؤلفاته الفائقة حَاشِيَة الْبَحْر الزخار للإمام المهدي الْمُسَمَّاة بالمنار سلك فِيهَا مَسْلَك الإنصاف وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ بشر يُخطئ ويصيب وَلَكِن قد قيّد نَفسه بِالدَّلِيلِ لَا بالقال والقيل وَمن كَانَ كَذَلِك فَهُوَ الْمُجْتَهد الَّذِي إِذا أصَاب كَانَ لَهُ أَجْرَانِ وإن أَخطَأ كَانَ لَهُ أجر وَمِنْهَا الْعلم الشامخ اعْترض فِيهِ على عُلَمَاء الْكَلَام والصوفية وَمِنْهَا في الأصول نجاح الطَّالِب على مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب جعله حَاشِيَة عَلَيْهِ ذكر فِيهَا مَا يختاره من الْمسَائِل الْأُصُولِيَّة وَمِنْهَا فِي التَّفْسِير الإتحاف لطلبة الْكَشَّاف انتقد فِيهِ على الزمخشري كثيراً من المباحث وَذكر مَا هُوَ الرَّاجِح لَدَيْهِ وَمِنْهَا الْأَرْوَاح النوافخ والأبحاث المسددة جمع مبَاحث تفسيرية وحديثية وفقهية وأصولية وَلما وقفت عَلَيْهِ في أَيَّام الطلب كتبت فِيهِ أبياتاً وأشرت فِيهَا إِلَى سَائِر مؤلفاته وهي
(لله در المقبلى فانه
…
بَحر خضم جَان بالإنصاف)
(أبحاثه قد سدّدت سَهْما إِلَى
…
نحر التعصّب مرهف الْأَطْرَاف)
(ومنارة علم النجاح لطَالب
…
مذ روّح الْأَرْوَاح بالإتحاف)
وَقد كَانَ ألزم نَفسه السلوك مَسْلَك الصَّحَابَة وَعدم التعويل على تَقْلِيد أهل الْعلم في جَمِيع الْفُنُون وَلما سكن مَكَّة وقف عالمها البرزنجى مُحَمَّد ابْن عبد الرَّسُول المدني على الْعلم الشامخ فِي الرَّد على الْآبَاء والمشايخ فَكتب عَلَيْهِ اعتراضات فَرد عَلَيْهِ بمؤلف سَمَّاهُ الْأَرْوَاح النوافخ
فَكَانَ ذَلِك سَبَب الإنكار عَلَيْهِ من عُلَمَاء مَكَّة ونسبوه إِلَى الزندقة بِسَبَب عدم التَّقْلِيد والاعتراض على أسلافهم ثمَّ رفعوا الْأَمر إلى سُلْطَان الروم فَأرْسل بعض عُلَمَاء حَضرته لاختباره فَلم يرمنه إلا الْجَمِيل وسلك مسلكه وَأخذ عَنهُ بعض أهل داغستان ونقلوا بعض مؤلفاته
وَقد وصل بعض الْعلمَاء من تِلْكَ الْجِهَة إِلَى صنعاء وَكَانَ لَهُ معرفَة بأنواع من الْعلم فَلَقِيته بمدرسة الامام شرف الدَّين بِصَنْعَاء فَسَأَلته عَن سَبَب ارتحاله من دياره هَل هُوَ قَضَاء فَرِيضَة الْحَج فَقَالَ لى بِلِسَان فِي غَايَة الفصاحة والطلاقة انه لم يكن مستطيعاً وَإِنَّمَا خرج لطلب الْبَحْر الزخار للإمام المهدي أَحْمد بن يحيى لِأَن لديهم حَاشِيَة الْمنَار للمقبلي وَقد ولع بمباحثها أَعْيَان عُلَمَاء جهاتهم داغستان وهي خلف الروم بِشَهْر حَسْبَمَا أخبرنى بذلك قَالَ وفى حَال مطالعتهم واشتغالهم بِتِلْكَ الْحَاشِيَة يلتبس عَلَيْهِم بعض أبحاثها لكَونهَا معلقَة على الْكتاب الَّذِي هي حَاشِيَة لَهُ وَهُوَ الْبَحْر فتجرّد الْمَذْكُور لطلب نُسْخَة الْبَحْر وَوصل إِلَى مَكَّة فَسَأَلَ عَنهُ فَلم يظفر بِخَبَرِهِ عِنْد أحد فلقي هُنَالك السَّيِّد الْعَلامَة إبراهيم بن مُحَمَّد بن إسماعيل الْأَمِير فَعرفهُ أَن كتاب الْبَحْر مَوْجُود في صنعاء عِنْد كثير من علمائها قَالَ فوصلت إلى هُنَا لذَلِك ورايته في الْيَوْم الثاني وَهُوَ مكب في الْمدرسَة على نُسْخَة من الْبَحْر يطالعها مطالعة من لَهُ كَمَال رَغْبَة وَقد سر بذلك غَايَة السرُور وَمَا رَأَيْت مثله في حسن التَّعْبِير وَاسْتِعْمَال خَالص اللُّغَة وتحاشي اللحن في مخاطبته وَحسن النغمة عِنْد الْكَلَام فإني أدْركْت لسَمَاع كَلَامه من الطَّرب والنشاط مَا علاني مَعَه قشعريرة وَلكنه رحمه الله مَاتَ
بعد وُصُوله إلى صنعاء بِمدَّة يسيرَة وَلم يكْتب الله لَهُ الرُّجُوع بِالْكتاب الْمَطْلُوب إلى وَطنه
والمترجم لَهُ مَعَ اتساع دائرته فِي الْعُلُوم لَيْسَ لَهُ الْتِفَات إلى اصْطِلَاحَات الْمُحدثين فِي الحَدِيث وَلكنه يعْمل بِمَا حصل لَهُ عِنْده ظن صِحَّته كَمَا هُوَ الْمُعْتَبر عِنْد أهل الْأُصُول مَعَ أنه لَا ينْقل الأحاديث إِلَّا من كتبهَا الْمُعْتَبرَة كالأمهات وَمَا يلْتَحق بهَا وإذا وجد الحَدِيث قد خرج من طرق وان كَانَ فِيهَا من الوهن مَالا ينتهض مَعَه للاحتجاج وَلَا يبلغ بِهِ إلى رُتْبَة الْحسن لغيره عمل بِهِ وَكَذَلِكَ يعْمل بِمَا كَانَت لَهُ علل حفيفية فينبغي للطَّالِب أَن يتثبت في مثل هَذِه المواطن وَقد ذكر في مؤلفاته من أشعاره وَلكنهَا سافلة بِخِلَاف نثره فإنه فِي الذرْوَة وَمن أحسن شعره أبياته الَّتِى يَقُول فِيهَا
(قبّح الإله مفرّقا
…
بَين الْقَرَابَة وَالصَّحَابَة)
وَقد أجَاب عَلَيْهِ بعض جارودية الْيمن بِجَوَاب أقذع فِيهِ وأوله
(أطرق كراً يَا مقبلي
…
فلأنت أَحْقَر من ذُبَابَة)
ثمَّ هجاه بعض الجارودية فَقَالَ
(المقبلي ناصبيّ
…
أعمى الشَّقَاء بَصَره) وَبعده بَيت أقذع فِيهِ وَهَكَذَا شَأْن غَالب أهل الْيمن مَعَ عُلَمَائهمْ وَلَعَلَّ ذَلِك لما يُريدهُ الله لَهُم من توفير الْأجر الأخروي وَكَانَ يُنكر مَا يَدعِيهِ الصُّوفِيَّة من الْكَشْف فمرضت ابْنَته زَيْنَب في بَيته من مَكَّة وَكَانَ ملاصقاً للحرم فَكَانَت تخبره وهي من وَرَاء جِدَار بِمَا فعل في الْحرم وَكَانَ يغلق عَلَيْهَا مرَارًا وتذكر أَنَّهَا تشاهد كَذَا وَكَذَا فَيخرج إلى الْحرم
فيجد مَا قَالَت حَقًا وَذكر رحمه الله في بعض مؤلفاته أَنه أَخذ فِي مَكَّة على الشَّيْخ إبراهيم الكردي الْمُتَقَدّم ذكره
205 -
صديق بن رسّام بن نَاصِر السوادي الصعدي
قَرَأَ على الشَّيْخ لطف الله بن مُحَمَّد الغياث في علم الآلة وفَاق فِيهِ الأقران وَصَارَ بعد شَيْخه المرجوع إليه في ذَلِك الْفَنّ وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من النبلاء وتميزوا فِي حَيَاته ورحل بعد موت شَيْخه لطف الله وَهُوَ من مشاهير الْعلمَاء وأكابر النبلاء وَله خلف صَالح فيهم الْعلمَاء والفضلاء والنبلاء واتصل في آخر أَيَّامه بالإمام المتَوَكل على الله اسمعيل بن الْقَاسِم فولاه الْقَضَاء فِي بِلَاد خولان الشَّام بمغارب صعدة وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى توفاه الله وَله حواش على كتب النَّحْو وَالصرْف مفيدة منقولة في كتب أهل صعدة وَكَانَ مَوته فِي سنة 1079 تسع وَسبعين وَألف
206 -
صدّيق بن علي المزجاجي الزبيدي الحنفي
ولد تَقْرِيبًا سنة 1150 خمسين وماية وَألف وَقَرَأَ في زبيد على الشَّيْخ مُحَمَّد بن عَلَاء الدَّين صَحِيح البُخَارِيّ وَسنَن أَبى دَاوُد وَغَيرهمَا من الأمهات وَقَرَأَ على السَّيِّد سُلَيْمَان بن يحيى الْمُتَقَدّم الأمهات كلهَا سَمَاعا مكررا وَله قِرَاءَة في الآلات وَهُوَ مُحَقّق في فقه الْحَنَفِيَّة وَقد أجَاز لَهُ شيخاه الْمَذْكُورَان إجازة عَامَّة بجمبع مَا يجوز لَهما رِوَايَته وانتقل إلى المخا للتدريس هُنَالك وبقي أَيَّامًا ثمَّ وصل إلى صنعاء في شهر الْقعدَة سنة 1203 وَوصل إليّ وَلم أكن قد عَرفته قبل ذَلِك وَلَا عرفنى وَجَرت بينى وَبَينه مذاكرات في عدَّة فنون ثمَّ خطر ببالي أن أطلب مِنْهُ الإجازة فَعِنْدَ ذَلِك الخاطر طلب منى هُوَ الاجازة فَكَانَ ذَلِك من المكاشفة فأجزت لَهُ وَأَجَازَ لي وَكَانَ سنه
إِذْ ذَاك فَوق خمسين سنة وعمري دون الثَّلَاثِينَ ثمَّ مَا زَالَ يتَرَدَّد إليّ وفي بعض المواقف بِمحضر جمَاعَة وَقعت بيني وَبَينه مُرَاجعَة في مسَائِل وَأَكْثَرت الِاعْتِرَاض على مسَائِل من فقه الْحَنَفِيَّة وأوردت الدَّلِيل وَمَا زَالَ يتطلب المحامل لما تَقوله الْحَنَفِيَّة فَلَمَّا خلوت بِهِ قلت لَهُ أصدقني هَل ماتبدية فِي الْمُرَاجَعَة تعتقده اعتقاداً جَازِمًا فإن مثلك فِي علمك بِالسنةِ لَا يظن بِهِ أنه يُؤثر مذْهبه الَّذِي هُوَ مَحْض الرَّأْي في بعض الْمسَائِل على مَا يُعلمهُ صَحِيحا ثَابتا عَن رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ لَا أعتقد صِحَة مَا يُخَالف الدَّلِيل وإن قَالَ بِهِ من قَالَ وَلَا أدين الله بِمَا يَقُوله أَبُو حنيفَة وأصحابه إِذا خَالف الحَدِيث الصَّحِيح وَلَكِن الْمَرْء يدافع عَن مذْهبه في الظَّاهِر ثمَّ وَفد إلى صنعاء مُدَّة أُخْرَى بعد سنة 1209 وَوصل إليّ وَرجع إلى وَطنه وَبلغ بعد ذَلِك مَوته رحمه الله وَكَانَ ذكياً فطناً سَاكِنا متواضعاً جيد الْفَهم قوي الإدراك
207 -
السَّيِّد صَلَاح بن أَحْمد بن مهدي المؤيدي
كَانَ من عجائب الدَّهْر وغرائبه فإن مَجْمُوع عمره تسع وَعِشْرُونَ سنة وَقد فَازَ من كل فن بِنَصِيب وافر وَصَارَ لَهُ فِي الْأَدَب قصائد طنانة يعجز أهل الْأَعْمَار الطَّوِيلَة عَن اللحاق بِهِ فِيهَا وصنف في هَذَا الْعُمر الْقصير التصانيف المفيدة والفوائد الفريدة العديدة فَمن مصنفاته شرح شَوَاهِد النَّحْو وَاخْتصرَ شرح العباسى لشواهد التَّلْخِيص وَشرح الْفُصُول شرحاً حافلاً وَشرح الْهِدَايَة ففرغ من الْخطْبَة وَقد اجْتمع من الشَّرْح مُجَلد وَله مَعَ ذَلِك ديوَان شعر كُله غررودرر وَفِيه مغانى مبتكره فَمِنْهُ
(وصغيرة حاولت فضّ ختامها
…
من بعد فرط تَحَنن وتلطّف)
(وقلبتها نحوي فَقَالَت عِنْد ذَا
…
قلبي يحدثني بأنّك متلفي)
وَهَذَا تضمين يطرب لَهُ الجماد وترقّ لحسنه الصم الصلاد وَمَعَ هَذِه الْفَضَائِل الَّتِى نالها فِي هَذَا الأمد الْقَرِيب فَهُوَ مُجَاهِد للأتراك محاصر لصنعاء مَعَ الْحسن وَالْحُسَيْن ابني الإمام الْقَاسِم كَانَ مطرحه فِي الجراف يَشن الغارات على الأروام في جَمِيع الأيام وافتتح مَدِينَة أَبى عَرِيش وغزا إلى جِهَات مُتعَدِّدَة وَكَانَ منصوراً فِي جَمِيع حروبه وَكَانَ مَجْلِسه معموراً بالعلماء والأدباء وَأهل الْفَضَائِل قَالَ القاضي أَحْمد بن صَالح في مطلع البدور رَأَيْته في بعض الأيام خَارِجا إلى بعض المنتزهات بصعدة فَسمِعت الرهج وحركة الْخَيل فوقفت لأنظر فَخرج فِي نَحْو خَمْسَة وَثَلَاثِينَ فَارِسًا إلى منتزه وهم يتراجعون في الطَّرِيق بالأدبيات وَمِنْهُم من ينشد صَاحبه الشّعْر ويستنشده وَكَانَ هَذَا دأبه وإذا سَافر أول مَا تضرب خيمة الْكتب وإذا ضربت دخل إليها وَنشر الْكتب والخدم يصلحون الخيم الأخرى وَلَا يزَال ليله جَمِيعه ينظر فِي الْعلم وَيُحَرر ويقرر مَعَ سَلامَة ذوقه وَكَانَ مَعَ هَذِه الْجَلالَة يلاطف أَصْحَابه وَكتابه بالادبيات والاشعار السحريات من ذَلِك أَبْيَات كَاتب بهَا السَّيِّد الْعَلامَة الْحسن بن أَحْمد الْجلَال مِنْهَا
(أفدي الحبيب الَّذِي قد زارني وَمضى
…
ولاح مبسمه كالبرق إذ ومضا)
(نضا عليّ حساما من لواحظه
…
فظلت الثم ذَاك اللحظ حِين نضا)
فأجابه السَّيِّد الْحسن بأبيات مِنْهَا
(قد لَاحَ سعدك فاغتنم حسن الرِّضَا
…
من أهل ودّك واستعض عَمَّا مضى)
(لما بعثت لَهُم بطيفك زَائِرًا
…
تَحت الدجى ولفضلهم متعرّضا)
(بعثوا إليك كتائباً من كتبهمْ
…
هزموا بهَا جَيش اصطبارك فانقضى)
وهي أَبْيَات طَوِيلَة وَكَذَلِكَ الابيات الاولى وَمن شعر صَاحب التَّرْجَمَة الْفَائِق قَوْله فِي التورية
(ومايش أرشفنى رِيقه
…
لله من غُصْن وريق وريق)
(لقى خد فَوْقه حمرَة
…
فصرت مَا بَين النقا والعقيق)
وَتوفى رحمه الله فِي سنة 1048 ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وعَلى هَذَا فَيكون مولده سنة 1019 وَكَانَ مَوته بقلعة غمار من جبل رازج وقبر بالقبة الَّتِى فِيهَا السَّيِّد أَحْمد بن لُقْمَان وَالسَّيِّد أَحْمد بن المهدي ورثاه جمَاعَة من شعراء عصره
208 -
السَّيِّد صَلَاح بن حُسَيْن بن يحيى بن على الاحفش الصّنعاني
الْعَالم الْمُحَقق الزَّاهِد الْمَشْهُور المتقشّف الْمُتَعَفِّف أَخذ الْعلم عَن جمَاعَة من عُلَمَاء عصره مِنْهُم العبالى الْمَشْهُور والقاضى مُحَمَّد إبراهيم السحولي والقاضي علي بن يحيى البرطي وبرع في النَّحْو وَالصرْف والمعاني وَالْبَيَان وأصول الْفِقْه وَكَانَ يؤم النَّاس أول عمره بِمَسْجِد دَاوُد بِصَنْعَاء ثمَّ بالجامع الْكَبِير بهَا ثمَّ عَاد إِلَى مَسْجِد دَاوُد لأمور اتّفقت وَكَانَ لَا يَأْكُل إلا من عمل يَده يعْمل القلانس ويبيعها وَيَأْكُل مَا تحصل لَهُ من ثمنهَا وَلَا يقبل من أحد شَيْئا كَائِنا من كَانَ وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد كَبِير وَهُوَ ينفر من ذَلِك غَايَة النفور وَله في إنكار الْمُنكر مقامات محمودة وَهُوَ مَقْبُول القَوْل عَظِيم الْحُرْمَة مهاب الجناب وَله مَعَ الإمام المتَوَكل على الله الْقَاسِم بن الْحُسَيْن الإمام وَولده الإمام الْمَنْصُور بِاللَّه الْحُسَيْن بن الْقَاسِم من هَذَا الْقَبِيل امور يطول شرحها وَكَانَ لايخاف فِي الله لومة لائم وَلَا يبالي بِأحد مُخَالف للحق وَله شهرة عَظِيمَة في الديار اليمنية وَلَا سِيمَا صنعاء وَمَا يتَّصل بهَا فإنه يضْرب بِهِ الْمثل في الزّهْد إِلَى حَال تَحْرِير هَذِه الأحرف وَله مُنْذُ مَاتَ زِيَادَة على
سبعين سنة وَكَانَ طلبة الْعلم في عصره يتنافسون في الأخذ عَنهُ وَهُوَ يمتحنهم بالأسئلة فاذا رأى من اُحْدُ فطنة مَال إِلَيْهِ وعظمه ونوّه بِذكرِهِ وَله مؤلف في النَّحْو سَمَّاهُ نزهة الطرف في الْجَار وَالْمَجْرُور والظرف جمع فِيهِ فَوَائِد نفيسة وَشَرحه شَيخنَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن احْمَد بشرح حافل وَله رِسَالَة في الصَّحَابَة سلك فِيهَا مَسْلَك التنزية لَهُم على مافيها من تطفيف لما يستحقونه وَمَعَ ذَلِك اعْترض عَلَيْهَا السَّيِّد الْعَلامَة عبد الله ابْن على الْوَزير باعتراض سَمَّاهُ ارسال الذؤابة بَين جنبى مسئلة الصَّحَابَة وَحَاصِل مَا فِي هَذَا الِاعْتِرَاض هدم مَا بناه السَّيِّد صَلَاح من التنزيه للصحابة عَن السب والثلب فإنا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَكَانَ بَين هذَيْن السيدين مُنَافَسَة عَظِيمَة ومناقضة ظَاهِرَة ومازال الأقران هَكَذَا وَلَكِن إذا بلغت المنافسة إلى حد الْحَط على خير الْقُرُون فابعدها الله وَلِصَاحِب التَّرْجَمَة نظم فائق فَمن ذَلِك القصيدة الطَّوِيلَة الَّتِى ذكر فِيهَا عُلُوم الِاجْتِهَاد مَا يرجحه في الْمِقْدَار الْمُعْتَبر مِنْهَا وتزييف قَول من قَالَ إن علم الْمنطق من جملَة عُلُوم الِاجْتِهَاد وَلَعَلَّه يُشِير إلى السَّيِّد عبد الله الْوَزير الْمَذْكُور فانه كَانَ مشتغلالا بِهَذَا الْفَنّ ومطلع القصيدة
(بتحميدك اللَّهُمَّ فِي البدأ أنطق
…
وإن لم يقم مني بحَمْدك منطق)
وَلم يزل مستمرا على حَاله الْجَمِيل في نشر الْعلم وَعمارَة معالم الْعَمَل وإشادة ربوع الزّهْد حَتَّى توفاه الله فِي سنة 1142 اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فِي يَوْم الأربعاء سَابِع وَعشْرين من رَجَب من هَذِه السنة وازدحم النَّاس على جنَازَته وغلقت الأسواق وأرّخ مَوته الأديب احْمَد الرقيحي فَقَالَ