المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌حَرْفُ القَافِ 314 - أبو عُبيد القاسم بن سلَّام - بتشديد - التاريخ المعتبر في أنباء من غبر - جـ ٣

[مجير الدين العليمي]

الفصل: ‌ ‌حَرْفُ القَافِ 314 - أبو عُبيد القاسم بن سلَّام - بتشديد

‌حَرْفُ القَافِ

314 -

أبو عُبيد القاسم بن سلَّام - بتشديد اللام -: وكان أبوه عبدًا روميًا لرجل من أهل هراة، واشتغل أبو عبيد بالحديث والأدب والفقه، وكان ذا دين وسيرة جميلة، ومذهب حسن، وفضل بارع، وولي القضاء بمدينة طرسوس ثماني عشرة سنة، وله مصنفات نافعة في القرآن والحديث والفقه.

وقال الهلال الرقي: مَنَّ الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعي رضي الله عنه؛ تفقه في علم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحمدَ بن حنبل رضي الله عنه؛ ثبت في المحنة، ولولا ذاك لكفر الناس، ويحيى بن معين؛ نفى الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي عبيد القاسم؛ فسَّر غريب الحديث، ولولا ذاك لاقتحم الناسُ الخطأ.

وكان له هيبة ووقار، قدم بغداد، فسمع الناس منه كتبه، ثم حج، ومات بمكة المشرفة، وقيل: بالمدينة الشريفة، بعد فراغه من الحج سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومئتين، وقيل: في المحرم، سنة أربع وعشرين، ودفن في دور جعفر، ومولده بهراة.

ص: 114

315 -

أبو محمد القاسم بن علي بن عثمان الحريري، صاحبُ المقامات: كان أحد الأئمة في عصره، رُزق الحظوة التامة في عمل المقامات، واشتملت على شيء كثير من كلام العرب ولغاتها وأمثالها، ومَنْ عرفها حقَّ معرفتها، استدل بها على فضل هذا الرجل، وكثرة اطلاعه، وغزارة مادته.

وللحريري مؤلفات حِسان، منها:"درة الغواص في أوهام الخواص"، ومنها:"ملحة الإعراب وسبحة الآداب" المنظومة في النحو، و"شرحها"، و"ديوان رسائل وأشعار".

فمن قوله:

قَالَ العَوَاذِلُ: مَا هَذَا الغَرَامُ بِهِ

أَمَا تَرَى الشَّعْرَ فِي خَدَّيْهِ قَدْ نبًتَا

فَقُلْتُ: وَاللهِ لَوْ أَنَّ المُفَنِّدَ لِي

تَأَمَّلَ الرُّشْدَ فِي عَيْنَيْهِ مَا ثَبَتَا

وَمَنْ أقامَ بِأَرْضٍ وَهِيَ مُجْدِبَةٌ

فَكَيْفَ يَرْحَلُ عَنْهَا وَالرَّبِيعُ أَتَى

ويحكى: أنه كان دميمًا، قبيح المنظر، فجاءه شخص غريب يزوره، ويأخذ عنه شيئًا، فلما رآه، استزرى شكله، ففهم الحريريُّ ذلك منه، فلما التمس منه أن يُملي عليه، قال له:

ص: 115

مَا أَنْتَ أَوَّلُ سَارٍ غَرَّهُ قَمَرٌ

وَزَائِرٍ أَعْجَبَتْهُ خُضْرَةُ الدِّمَنِ

فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ غَيْرِي إِنِّنِي رَجُلٌ

مِثْلُ المُعَيْدِيِّ فَاسْمَعْ بِي وَلَا تَرَنِي

يشير إلى المثل: لأن تسمعَ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه.

فخجل الرجل منه، وانصرف عنه.

وكانت ولادة الحريري في سنة ست وأربعين وأربع مئة بالبصرة، في سكة بني حرام. وحرام: قبيلة من العرب سكنوا هذه السكة، فنسبت إليهم.

والحريري: نسبة إلى الحرير وعمله أو بيعه.

وتوفي الحريري سنة خمس عشرة وخمس مئة، وكان الحريري قد أولع بنتف لحيته، والعبث بها.

* * *

316 -

أبو محمد القاسم بن فيره بن أبي القاسم، خلف بن أحمد الرُّعَيني الشاطبيُّ الضريرُ، المقرئ: صاحب القصيدة التي سماها: "حرز الأماني ووجه التهاني" في القراءات، وعِدَّتها ألف ومئة وثلاثة وسبعون بيتًا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قراء هذا الزمان، وما سُبق إلى أسلوبها.

ص: 116

كان عالمًا بكتاب الله عز وجل قراءة وتفسيرًا، وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مبرِّزًا فيه، وكان كثيرًا ما ينشد هذا اللغز، وهو في نعش الموتى:

أتعْرِفُ شَيْئًا فِي السَّمَاءِ نَظِيرُهُ

إِذَا سَارَ صَاحَ النَّاسُ حَيْثُ يَسِيرُ

فَتَلْقَاهُ مَرْكُوبًا وَتَلْقَاهُ رَاكِبًا

وَكُلُّ أَمِيرٍ يَعْتَرِيهِ أَسِيرُ

يَحُضُّ عَلَى التَّقْوَى، وَيُكْرَهُ قُرْبُهُ

وَتَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ وَهْوَ نَذِيرُ

وَلَمْ يُسْتَزَرْ عَنْ رَغْبَةٍ فِي زِيَارَةٍ

وَلَكِنْ عَلَى رَغْمِ المَزُورِ يَزُورُ

ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة، وتوفي يوم الأحد، بعد صلاة العصر، الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، سنة تسعين وخمس مئة، ودفن يوم الاثنين في تربة القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى.

والرعيني: نسبة إلى ذي رُعَين، وهي إحدى قبائل اليمن.

والشاطبي: نسبة إلى شاطبة، وهي مدينة كبيرة ذات قلاع حصينة بشرق الأندلس، خرج منها جماعة من العلماء، استولى عليها الفرنج في العشر الأخير من رمضان، سنة خمس وأربعين وست مئة.

* * *

ص: 117

317 -

أبو دُلَف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجليُّ: أحد قواد المأمون، ثم المعتصم، وكان كريمًا جوادًا، شجاعًا مقدامًا، ذا وقائع مشهورة.

ومدحه أبو تمام الطائي، من هذا:

يَا طَالِبًا لِلكِيمِياءِ وَعِلْمِهِ

مَدْحُ ابْنِ عِيسَى الكِيمِيَاءُ الأَعْظَمُ

لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا دِرْهَمٌ

وَمَدَحْتَهُ لأَتَاكَ ذَاكَ الدِّرْهَمُ

فأعطاه على هذين البيتين عشرة آلاف درهم.

وله أشعار حسنة، وقد كان أبوه شرع في عمارة مدينة الكرخ، وأتمها هو، وكان بها أهله وعشيرته.

توفي سنة ست وعشرين ومئتين ببغداد.

* * *

* 318 - الشيخ علم الدين القاسم بن بهاء الدين محمد بن زكي الدين يوسف، البرزاليُّ الإشبيليُّ، ثم الدمشقيُّ، الشافعيُّ: الحافظُ المحدّث المؤرخُ.

مولده في جمادى الأولى، سنة خمس وستين وست مئة، وتوفي بُخليص مُحرِمًا، في رابع ذي الحجة، سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، عن

ص: 118

أربع وسبعين سنة، وهو من مشايخ الحافظ الذهبي رحمه الله.

* * *

أبو دُلَف القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل العجلي: أحد قواد المأمون (1).

* * *

319 -

شمس المعالي الأمير أبو الحسن قابوس بن أبي طاهر، الجيليُّ: أمير جرجان وبلاد الجبل وطبرستان، خاتم الملوك، وغرة الزمان، وينبوع العدل والإحسان، ومن مشهور ما ينسب إليه من شعر:

قُلْ لِلَّذِي بِصُرُوفِ الدَّهْرِ عَيَّرَنَا

هَلْ حَارَبَ الدَّهْرُ إِلَّا مَنْ لَهُ خَطَرُ

أَمَا تَرَى البَحْرَ تَعْلُو فَوْقَهُ جِيَفٌ

ويَسْتَقِرُّ بِأَقْصَى قَعْرِهِ الدُّرَرُ

وَإِنْ تَكُنْ عَبَثَتْ أَيْدِي الزَّمَانِ بِنَا

وَنَالَنَا مِنْ تَمَادِي بُؤْسِهِ ضَرَرُ

فَفِي السَّمَاءِ نُجُومٌ مَا لَهَا عَدَدٌ

وَلَيْسَ يُكْسَفُ إِلَّا الشَّمْسُ وَالقَمَرُ

(1) كذا في الأصل، وقد تقدم ذكره قريبًا.

ص: 119

وكان الأمير المذكور صاحبَ جرجان وتلك البلاد، وكانت من قبله لأبيه، وكانت وفاة أبيه في المحرم، سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة بجرجان، ثم انتقلت مملكة جرجان عنهم إلى غيرهم، وملكها قابوس في شعبان، سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، وكان من محاسن الدنيا وبهجتها، لكنه كان لا يُؤْمَنُ بحالٍ سطوتُهُ وبأسُهُ، يقابل زلة القدم بإراقة الدم، لا يذكر العفو عند الغضب، فكان ذلك سبب الوحشة بينه وبين عسكره، فقصدوا خلعه، وتوليةَ ولده منصور، فلما رأى قابوس ذلك، تلافى نفسَه، واجتمع بولده، وسلَّم خاتم المملكة إليه، واستوصاه بنفسه خيرًا، واتفقا على أن يكون في بعض القلاع حتى يأتيه الموت، ففعل ذلك، ولم يزل في القلعة حتى مات.

* * *

320 -

أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة، السَّدوسِيُّ البصريُّ الأكمهُ: كان تابعيًا، وعالمًا كبيرًا.

ولد سنة ستين للهجرة، وتوفي بواسط سنة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة ومئة، وكان أنسبَ العرب، وقتلته الأزارقة، وقيل: إنه غرق بدُجيل في وقعة دولاب، وهو الأصح.

* * *

321 -

أبو حفص قُتيبة بن أبي صالح مسلم بن عمرو بن الحُصين ابن ربيعة الباهلي: أمير خراسان زمن عبد الملك بن مروان من جهة

ص: 120

الحجاج بن يوسف الثقفي؛ لأنه كان أمير العراقين، وكان شهما مقدامًا نجيبا، وفتح الفتوحات، فلما مات الوليد في سنة ست وتسعين، وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك، وكان يكره قتيبة، فخاف منه قتيبة، وخلع بيعة سليمان، وخرج عليه، وأظهر الخلاف، وكان قتيبة قد عزل وكيعَ ابنَ حسان عن رئاسة بني تميم، فحقد وكيع عليه، وسعى في اختلاف الجند سرًا، وقعد عن قتيبة متمارضًا، ثم خرج عليه وهو بفرغانة، فقتله في ذي الحجة، سنة ست وتسعين للهجرة.

ومولده سنة تسع وأربعين، وتولى خراسان تسع سنين، وسبعة أشهر.

* * *

322 -

أبو سعيد قراقوش بن عبد الله، الأسديُّ، الملقب بهاء الدين: كان خادم صلاح الدين، وقيل: خادم أسد الدين شيركوه عمِّ صلاح الدين، فأعتقه، ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية، جعله زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوض أمورها إليه، وكان مسعودًا، صاحبَ همة عالية، وهو الذي بنى السور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما، وبنى قلعة الجبل، والقناطر التي بالجيزة على طرائق الأهرام، وله وقف كثير لا يعرف مصرفه.

ولما أخذ صلاخ الدين عكا من الفرنج، سلمها إليه، ثم لما استولوا عليها، صار أسيرًا، فافتدى نفسه بعشرة آلاف دينار، وانفك من الأسر

ص: 121

في يوم الثلاثاء، حادي عشر شوال، سنة ثمان وثمانين وخمس مئة، ومثل في الخدمة الشريفة، واستأذن في المسير إلى دمشق.

والناس ينسبون إليه حكايات عجيبة في ولايته، حتى إن الأسعد ابن مماتي له جزء لطيف سماه:"الفاشوش في أحكام قراقوش"، وفيه أشياء يبعُد وقوعها منه، والظاهر أنها موضوعة؛ فإن صلاح الدين كان معتمدًا في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته، ما فوضها إليه.

توفي مستهل رجب، سنة سبع وتسعين وخمس مئة بالقاهرة، ودفن في تربته المعروفة بسفح المقطَّم، بقرب البئر والحوض الذين أنشأهما على شفير الخندق.

وقرقوش: لفظ تركي تفسيره بالعربي: العقاب الطائر.

* * *

ص: 122