الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يأتي الأحمق بعد ذلك كله إذن ويقول ما قال؟ أهو مجرد عناد والسلام؟ وإذا كان القرآن يقصد كروسوس ملك ليديا، فما الذي منعه من أن يقول ذلك يا ترى؟
* * *
ومن اعتراضات جاهلنا أيضاً اعتراضه على ما جاء في سورة "ص"/55 من قول الحق تبارك وتعالى لأيوب عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ}
إذ يعلّق الغبي قائلاً: "قال البيضاوي: "الضَّغْث: الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه. فاضرب به ولا تحنث: رُوِىَ أن زوجة أيوب ليّا بنت يعقوب (وقيل: رحمة بنت أفرايم بن يوسف) ذهبت لحاجة فأبطأت، فحلف إن برئ يضربها مائة ضربة، فحلّل الله يمينه بذاك. وهي رخصة باقية في الحدود". ونحن نسأل: كيف يصحّ لأيوب البارّ الصبور على ضياع أولاده وعبيده ومواشيه أن يغضب على زوجته، وهو المشهود له في التوراة باللطف والحلم، وخاصة مع زوجته، إذ قال لها: تتكلمين كلاماًَ كإحدى الجاهلات! أألخيرّ نقبل من الله، والشرَّ لا نقبل؟ " (أيوب /2/10) ؟ وكيف يصح لأيوب أن يتوعد زوجته بالضرب مائة ضربة لمجرد إيطائها؟ وكيف يحلف ليضربها مائة سوط فينصحه
الله أن يأخذ حزمة فيها مائة عود يضربها بها ضربة واحدة فلا تقع يمينه؟ وأين أيوب من يعقوب حتى يتزوج ابنته أو من يوسف حتى يتزوج حفيدته؟ والمعروف أن أيوب سابق ليعقوب ويوسف تاريخياً. وهذه القصة موجودة في خرافات اليهود القدماء" (ص 56) .
ونبدأ بخاتمة ما قال، ومفهوم الجملة الأخيرة من كلامه أن ما جاء في العهد العتيق عن أيوب هو الحق الذي لا مرية فيه، على عكس خرافات اليهود القدماء عن حَلِفه لَيَضْرِبَنّ
…
إلخ. ولكن ماذا قال عنه العهد العتيق؟ في مطلع الفصل الثاني والأربعين مثلاً من "سفر أيوب" نجده يقول إنه كان "قد سمع الله من قبل بأذنه" فلم يقتنع بما قاله له، أما الآن وبعد أن "رأته عيناه" فإنه يرجع عما قاله من تجديفات في حقه سبحانه ويندم ندماً شديداً. وإننا لنسأل: أيمكن أن يرى أيُّ شخص الله سبحانه؟ يجيب العهد العتيق على هذا السؤال بأن موسى حين طلب من ربه فوق الجبل أن يريه مجده كان ردّه سبحانه وتعالى: "أمّا وجهي فلا تستطيع أن تراه لأنه لا يراني إنسان ويعيش"، وإن كان ملفّقو ذلك الكتاب قد أضافوا ببلاهة لا تخلو من الفكاهة أن الله قد استمر قائلاً: "هو ذا عندي موضع. قف على الصخرة، ويكون إذا مرَّ مجدي أني أجعلك في نقرة الصخرة وأظلك
بيدي حتى أجتاز، ثم أُزيل يدي فتنظر قفاي، أما وجهي فلا ترى". وهي حيلة ظريفة للالتفاف حول القانون الإلهي الذي يستحيل بناءً عليه رؤية الله، إذ ما علينا عندما نعلم باقتراب مرور الله من أمامنا إلا أن نضع أيدينا على عيوننا أو ننظر إلى الجهة المقابلة، حتى إذا ما تيقَّنّا من مروره سارعنا فأبصرنا قفاه! لكن فات الأبلة مؤلف هذه القصة أن يصف قفاه سبحانه! وعلى أية حال فإن العهد القديم كعادته يناقض نفسه في هذه القضية، إذ يقول في موضع آخر إن موسى "كان يكلمه الرب وجهاً لوجه كما يكلم المرء صاحبه". وهذا طبعاً هو الكلام غير الخرافي!
أما ما قاله البيضاوي أو غيره عن نسب زوجة أيوب فهو كلام من الكلام إن أصاب فيها ونعمت، وإلا فالخطأ خطؤه هو، ولا مدخل للقرآن في ذلك، ومن ثم لست أفهم كيف يحمّل جاهُلنا القرآن الكريم ما قاله البيضاوي رحمة الله عليه. كذلك لم يقل لنا القرآن شيئاً عن تفصيلات الضَّغْث الذي أمر الله أيوب أن يأخذه ويضرب به حتى لا يحنث، وعلى ذلك فلا داعي لإثارة زوبعة حول هذه النقظة دون داع. وحتى لو افترضنا أن المقصود هو ضرب زوجته بهذا
الضغث، فما وجه العيب في الحلّ الذي قدّمه الله له؟ لقد حلف الرجل أن يضرب زوجته، فدلَّه الله على طريقة ينفّذ بها قَسَمه دون أن يؤلم شريكة عمره، فما الخطأ في هذا؟ ثم إن هذا الجزء من قصة أيوب غير موجود في العهد العتيق، فِلمَ يسارع ذلك الجاهل بتكذيبه، وبخاصة أنه غير موجود أيضاً في القرآن الكريم؟ إن هذا كله عراك في غير معترك!
وكان الجاهل قد أورد كلام أيوب لزوجته طبقاً لرواية العهد العتيق بوصفه دليلاً على برّ أيوب أمام بلواه، وكذلك على لطفه وحلمه مع زوجته، مع أن بقية ذلك الكلام نفسه تنبئ عن حدّة وعنف في معاملته لها حيث يصف كلامها بأنه ككلام إحدى الجاهلات. ثم إن ما قالته هذه الزوجة لزوجها ليستحق ما هو أقسى من الحَلِف بضربها مائة ضربة، إذ استغربت صبره وتماسكه أمام محنَه وحاولت إغراءه بالتجديف على الله حتى يموت ويستريح. وهذا نص ما قالت:"أإلى الآن أنت معتصم بسلامتك؟ جدَّف على الله ومُتْ".
ولقد جدّف أيوب (أيوب العهد القديم لا أيوب النبي الكريم الذي نؤمن به نحن المسلمين) ، وتمرد على ربه، ولعن اليوم الذي وُلِد
فيه، وسَخِر من القضاء الإلهي الذي يصبَ الشقاء على الأبرار ويغمر الفجرة بألوان النعم والسعادة، وتمنّى لو كان هناك قاضٍ يحتكم هو والله إليه حتى يتبين لله ظلمه وخطؤه، وأخذ ينوح نواحاً متصلاً، وكلما حاول أحد أصدقائه تهدئته ولفت نظره إلى تجاوزاته مع الله لزداد سخطاً وتمرداً، وذلك على مدى عشرات الصفحات، مع بعض الفَيْئات القليلة إلى الرضا أثناء ذلك. أَفَمَنْ يتمرد ويجدّف على ربه على هذا النحو، أُيسْتَبْعدُ أن يحلف لَيَضْرِبَنً امرأته لإبطائها عليه؟ لا ننس أنه لا العهد العتيق ولا القرآن الكريم قد تعرض لهذه التفصيلة، ولكنني أردت أن أبين للقارئ سخف المنطق الذي سوّل لجاهلنا المسارعة إلى الأعتراض على البيضاوي.
وأخيراً وليس آخراً فإن الجاهل يحاجّ البيضاوي بأن "أيوب سابق ليعقوب ويوسف تاريخياً"، كما أن مؤلف سفر "أيوب" يذكر أنه كان يسكن في أرض عوص، التي تقول حواشي العهد العتيق الملحقة به في الترجمة الكاثوليكية إنها كانت مجاورة لأرض يهوذا، أي أنها كانت جزءاً من أرض فلسطين. وألان في ضوء كلام جاهلنا وما جاء في حواشي العهد العتيق نتساءل: كيف يقول كاتب سفر "أيوب" إذن إن أهل سبأ قد هجموا على بهائهم أيوب وقتلوا عبيده واستاقوا الإبل
أمامهم؟ أين أهل سبأ من فلسطين، وبالذات في ذلك الزمن الموغل في القدم حيث كانت وسائل المواصلات بدائية وشديدة البطء؟ لقد كانت سبأ في بلاد اليمن، وبينها وبين فلسطين مسافات صحرارية رهيبة، فكيف يأتي الرعاة منها ليهجموا على مواشي أيوب في تلك الأزمان السحيقة التي كانت وسيلة السفر فيه هي الأقدام أو ظهور الجمال على أحسن تقدير؟ وهذا لو كانت سبأ موجودة في ذلك الوقت، بَيْدَ أن مملكة سبأ لم تظهر إلى الوجود إلا في القرن الثامن قبل الميلاد، على حين أن يعقوب، الذي يؤكد الأحمق المائق إنه متأخر في الزمن عن أيوب، كان يعيش في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، أي إنه كان باقياً على سبأ، لكي يكون لها مكان على خريطة الوجود، عشرة قرون أو تزيد! فتأمَّلْ واعجَبْ أيها القارئ!
وبالنسبة لمريم عليها السلام يقول المتنطع الذي يصر بغباء عجيب على أن يسعى بقدمه إلى هلاكه إن الآية 12 من التحريم قد ذكرت أن مريم هي ابنة عمران، فكيف يصح ذلك، والإنجيل يقول
إنها بنت هالي (لوقا/3/23) ؟ أم كيف يقول القرآن إنها بنت عمران أبى موسى وإنها أخت هارون مع أن بينها وبين عمران وهارون ألفا وستمائة سنة؟ (ص 30) .
والواقع أن هذا الكلام لا مكان له إلا المرحاض، وإليك البيان: أولاً "الإنجيل" هو ما نزل على عيسى عليه السلام من وحي سماوي فبلّغه قومَه لا هذه السَّيَر التي كتبها بعض المنتسبين إلى النصرانية بعد عشرات السنين والتي يحوط الشكٌ عند علمائهم أنفسهم شخصية مؤلفيها. فحِجَاج ذلك السفيه لنا إذن بأن الإنجيل قد قال كذا في هذه المسألة حجاج باطل لأننا لا نؤمن بإلاهية مصدر ما يسمَّى بإنجيل مرقس أو لوقا
…
إلخ، لأن هذا الكلام إن كان هو يراه ملزماً فإنه لا إلزام لنا فيه.
وهذا كله لو كان في إنجيل لوقا أو غيره فعلاً أن مريم هي بنت هالي، وهو ما لا وجود له، أما المذكور في ذلك الإنجيل فهم سلسلة نسب المسيح، وفيها أنه (على ما يظن أبناء قومه) ابن يوسف بن عالى
…
إلى آدم بن الله. ولا ذكر فيها البتة لمريم. فعلام يدل هذا؟ يدل على واحدة من ثلاث: أن الأبعد جاهل أو كذاب أو أحمق مجنون! وليختر لنفسه الصفة التي يحب، فلن نقف حائلين بينه
وبين ما يختار. ومع ذلك فعند النصارى رواية تقول إن مريم هي ابنة يواقيم، إلا أن هذه الرواية ليست محل ثقتهم. ومرة أخرى نتساءل: علام يدل هذا؟ ألا يدل على أن أمورهم كلها معجونة بماء الاضطراب والشك؟ فكيف بالله يجد مثل هذا الأحمق في نفسه البجاحة على تخطئة القرآن الكريم الذي لا يمكن أن يطوله الخطأ؟
وفضلاً عن ذلك فإن القرآن لم يقل إن مريم هي بنت عمران أبي موسى أو إنها أخت هارون أخى موسى، بل كل ما جاء فيه أنها "مريم ابنة عمران" فقط، وأن قومها حينما جاءتهم حاملةً وليدها، ولم تكن قد تزوجت، قالوا لها:{يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} ، أي أنها في القرآن هي أخت هارون ليس إلا،
والذي سماها كذلك ليس هو القرآن بل قومها. فانظر بالله عليك إلى هذا المدلَّس المفضوح الذي يتقوّل على القرآن الأكاذيب!
ثم إن القرآن مصدَّق فيما يقول، ومادام قد قال إن مريم هي ابنة عمران فلابد أن تكون ابنة عمران فعلاً، وبخاصة إنه ليس عند النصارى في هذا الصدد سوى رواية تفتقر إلى الثقة كما ذكرنا. وقد تكون تسميتها "ابنة عمران" هي تسمية مجازية كما سُمَّيَ يوسف النجار (الذي يقولون إنه كان خطيبها) بـ "يوسف بن داود" على لسان الله ذاته طبقاً لإنجيل متى، مع أن بين يوسف هذا ودواد عليه السلام نحو ثلاثين جيلاً حسبما جاء في ذلك الإنجيل نفسه، وكما سمي الأعمى (في إنجيل لوقا) المسيحّ عليه السلام بـ "يسوع بن داود" مرتين. وفي هذا الإنجيل أيضاً نسمع غنياً معاصراً للمسيح ينادي إبراهيم من الجحيم بـ "يا أبت"، ويرد عليه إبراهيم قائلاً:"يا ابني". وبالمثل يسمَّى المسيحُ ذاُته المرأة المنحنية الظَّهْر "ابنة إبراهيم". أما
النبّوة لله فما أسهلها وما أرخصها في الكتاب المقدس: فإسرائيل ابنه البكْر، وداود أيضاً ابنه البِكْر، وإفرائيم هو كذلك ابنه البِكْر! وقد رأيناه ما جاء في سلسلة نسب المسيح من أن آدم هو ابن الله، ولن ننسى بطبيعة الحال ما يقوله النصارى عن عيسى وبنوته هو أيضاً لله. وهناك، فوق هذا كله، "أبناء الله" التي أُطْلِقَتْ على ما لا أدري كم من الجماعات المختِلفة! فيا أيها الأحمق، مادامت ذمتكم واسعة بهذا الشكل، فلماذ تضيقون بتسمية مريم بـ "ابنة عمران" حتى لو كانت هذه تسمية مجازية؟ وفي هذه الحال سيكون القرآن مجرد حاكٍ لما كانوا ينادونها به حسب تقاليدهم في نسبة الشخص إلى جدَّ له بعيد مشهور. بعضاً من حمرة الخجل يا عقل العصفور! أما القول بأن فلاناً أو علاناً أو ترتاناً ابنّ لله فإن المسلمين لا يُقْدِمون على مثل هذه الشُّنْعة، إذ هم يعرفون مقام الألوهية وما يجب لها من الإجلال والتوحيد!
* * *